السؤال المطروح بعد الانتخابات الإسرائيلية
منح الصلح
* السؤال الكبير الذي يطرحه الفلسطينيون على أنفسهم أو على الأصح الذي ينبغي أن يطرحوه ، بعد انتهاء الانتخابات الاسرائيلية، هو هل كانت هذه الانتخابات في الحسابات العربية خطوة متقدمة على ما كانوا جنوه في الانتفاضة، أم خطوة الى وراء؟. لقد كانت الانتفاضة انجازا كبيرا من انجازات الشعب الفلسطيني العريق في النضال ضد مؤامرة الصهيونية المدعومة من أقوياء العالم لطمس وجوده ومحو هويته وتبديد مظاهر كيانه الوطني. واذا كانت النتيجة المحسوسة لم تظهر بعد بوضوح، الا أن العالم كله قد أخذ علما بغيرة الانسان الفلسطيني على حقوقه واستعداده للموت في سبيل كرامته، وانه رغم كل ما حل به من مصائب ظل شعبا فتي الروح، بدليل ان الاطفال العرب الذين ولدوا بعد قيام الدولة الاسرائيلية اظهروا تفوقا في التمسك بهويتهم من آبائهم واجدادهم المولودين قبل النكبة، اضف الى ذاك انه في زمن الاتنيات والطائفيات والمذهبيات، بقي الشعب الفلسطيني واحدا يتسابق فيه المسلم والمسيحي في الدفاع عن هويته الوطنية. ولعله من هذه الزاوية احدى الشرائح الأسلم من حيث شعورها القومي بين كل شرائح الأمة العربية. ومهما قيل في ان الاسرائيليين كانوا قد نجحوا في زرع دسائس طائفية حول ما سمي نزاع الكنائس والمساجد في الناصرة، فقد ثبت ان العروبة والفلسطينية الناصعة كانتا اوضح من ان تعلق بهما اي لطخة من التعصب المذهبي الضيق ذي الطبيعة التقسيمية. إن أروع ما كان في صورة الانتفاضة هو كونها اقصى درجات التفاني والبطولة والمقاومة من جهة، وكل الانفتاح على فكرة السلام العادل من جهة ثانية، وكأن المقاوم الفلسطيني كان يحمل في الوقت نفسه لائحة الثوابت التي لا يمكن ان يتنازل عنها، وفي اليد الأخرى لائحة بالموضوعات التي هو مستعد ان يبحث فيها من أجل فلسطين عربية مستعدة للتعايش مع نوع من الاسرائيلية غير العدوانية. وقد أرجعت الانتفاضة الصورة الأصلية للصراع العربي ـ الاسرائيلي فمن جهة هناك فلسطين التي كانت ويجب أن تظل عربية، وهناك اسرائيليون ويهود لهم علاقة تاريخية بتلك البقعة من الارض، ولابد من ان يجري نحوهم تساهل من نوع ما يذهب الى حد التسليم باعطائهم وطنا روحيا أو قوميا محدودا على النحو الذي نص عليه وعد بلفور القديم، دون ان يكون هذا الوطن الروحي نافيا للحقيقة العربية المتجذرة جغرافيا وتاريخيا داخل فلسطين وفي المنطقة المجاورة لها اطلاقا. لقد كان من المفيد ان تكون هناك انتفاضة متشبثة حتى الفداء بحقوقها، وان يكون في الوقت نفسه التعهد الفلسطيني النابع من السلطة الفلسطينية في غزة بان المطلوب تأكيد عروبة فلسطين دون الغاء مشروع السلام الذي يريده العرب واليهود والعالم في الوقت نفسه. من كل هذا كان واضحا انه ليس هناك فاشية او عنصرية من اي نوع كان في الجانب العربي، وانما الفاشية والعنصرية هما في الجانب الآخر. ولا يمكن للانتخابات التي جرت ان تكون قد غيرت هذه الصورة، بل العكس هو الصحيح، لأن العرب كانوا صريحين في الرسائل التي بعثوها محليا ودوليا، والتي تقول ان اسرائيل لا يمكن ان تكون مقنعة لأحد وزعماؤها من صنف ارييل شارون وايهود باراك. ولو لم يكن من سجل لكل من هذين الرجلين، الا ما قاما به في لبنان لكان ذلك كافيا لادانتهما بشكل حاسم لا كطينة بشرية فحسب، بل كرجلي دولة ايضا هما ابعد ما يكونان عن الأمانة لمشروع سلم من اي نوع كان.. ففي ما يتعلق بلبنان كان شارون هو الصهيوني الذي فعل اكثر من اي صهيوني آخر على صعيد تفجير الحرب الاسرائيلية ـ اللبنانية فقد كانت الصورة قبل عام 1982ان هناك اسرائيل، من جهة، وهناك دولة عربية الى جانبها هي لبنان المحكوم لأسباب عديدة بتوازنات داخلية تمنعه من ان يكون متحمسا لاي حرب مستعجلة مع اي جهة من الجهات. لقد كانت هناك نظرة عالمية بوجوب ابتعاد لبنان بعيدا عن الواجبات العسكرية والحربية المباشرة، فلبنان كما يفهمه العالم وكما كان يقول عن نفسه في تلك الايام، هو بلد خدمات سياسية وثقافية للقضية العربية، وانه بلد سياحي وتجاري وكوزمو بوليتي بشكل أو آخر.. وكان يمكن لو ساد العقل السياسي الراغب في السلم في اسرائيل ان يبقى النزاع مع لبنان مؤجلا او مخففا الى حد ما، ولكن لبنان قد تحول بسبب هجومية زعماء اسرائيل، وخاصة شارون بالذات، الى البلد الأكثر انغماسا بالقضية الفلسطينية وبالصراع ضد الصهيونية، وفي حين كانت معظم الجبهات العربية الأخرى هادئة نسبيا، اشتعلت الحرب الصهيونية الشارونية ضد لبنان. واذا كان هناك ارادة عند ياسر عرفات في أن يجعل لبنان هانوي ثانية، كما كان يقول خصومه ومنافسوه، فان هذه الارادة ما كانت لتخرج الى حيز الوجود الفعلي والثوري الحربي لولا "موهبة" شارون في استفزاز آخر استعداد للمسالمة عند آخر عربي في اقرب البلدان العربية الى الغرب، اي لبنان، وهكذا تحول لبنان من اكبر احتياطي للسلام في المنطقة الى اسرع البلدان العربية في قرارات الحرب والصدام. ليس هذا فقط، بل إن لبنان اصبح بسبب "عبقرية" شارون العدوانية هو المحارب عن نفس وعن سوريا وعن الأردن وعن كل المحيطين باسرائيل وغير المحيطين من العرب. ولو كانت الأذن الاسرائيلية أو الأذن الشارونية تسمع جيدا لفهمت مغزى الهتافات التي هتفتها شبيبة جامعة بيرزيت المسيحية الفلسطينية "من بيرزيت الى بيروت، شعب واحد لا يموت" وهي تقذف رئيس الحكومة الفرنسية جوسبان بالحجارة بسبب موقفه من المقاومة اللبنانية. بالمعنى التاريخي، يكون شارون مشكورا على أنه وحد صفوف البلدان العربية الاكثر جنوحا للمسالمة، مع العناصر العربية الأكثر ثورية، ووحد الطوائف المسيحية مع الطوائف الاسلامية، واشعر كل عربي ان اسرائيل لا يمكن ان تسالمه حتى لو هو سالمها. هذا ما فعله شارون، اما ما فعله باراك فهو انكشافه المبكر في لبنان منذ كان ضابطا صغيرا كممارس شرس للعنف.. فهو الذي اغتال بيده الشاعر الفلسطيني كمال ناصر في شارع فردان في بيروت، ومعه المسؤولان الفدائىان الفلسطينيان كمال عدوان وأبو يوسف النجار، وكان استشهادهم سببا لقيام أكبر تظاهرة شعبية مؤيدة للعمل الفدائي الفلسطيني عرفها اي بلد من البلدان العربية. ولكي يعرف الناس في العالم كله حقيقة المجتمع السياسي في اسرائيل، دبرت المقادير هذا المشهد الناطق بالحقيقة الاسرائيلية حين جعلت من شارون وباراك الزعيمين المتنافسين على القيادة في الدولة المدعومة غربيا والمطلوب من العرب ان يعقدوا معه سلاما دائما وعادلا! بقي السؤال الذي يجول حاليا في رأس كل عربي: هل جاءت الانتخابات الاسرائيلية الأخيرة تكمل انجازات الانتفاضة، أم كانت بالعكس تسلب الجانب العربي بعض ما كان حققه بالتضحيات والصمود والتخطيط الميداني الناجح؟ في الجواب على هذا السؤال يستعرض الضمير العربي بعض وقائع ما جرى، فيميل والله اعلم، الى تخطئه الذات، من ذلك الخاطر الذي يقول انه كان من الخطأ ان يتخذ العرب في فلسطين قرار مقاطعة الانتخابات. ذلك انهم كانوا سيستفيدون جدا على الأغلب من المشاركة الكثيفة في الانتخابات في وقت يكون فيه الاسرائيليون مختلفين في ما بينهم بمثل الحدة التي ظهرت اخيرا فليس من المصلحة ابلاغ كل اسرائيلي انه سيظل مساويا في العين العربية للاسرائيلي الآخر، سواء اقترب من العرب او غالى في عدائهم، فهكذا لن يهتم مبتعد بان يقترب، ولا مقترب بأن يبقى على اقترابه. إن هذا الموقف في رأي الكثيرين كان ابتعادا غير محسوب عن الساحة السياسية الاسرائيلية، في الوقت الذي كانت فيه هذه المساحة مليئة بالشكوك بالذات ومعقدة تجاه بسالة المقاومة ونقائها وحقوقها، وغير واثقة بقياداتها بل ان هذا الموقف من شأنه ان يوحد الاسرائيليين في زمن أكبر اختلاف سياسي يعايشونه، اذ أن جوهره هو القول: لا تنتظروا عقابا لمسيء ولا تهاونا مع مقترب. ثم ان هناك رأيا لبعض المراقبين يقول ان الضجة الكبرى والعفوية التي نشأت عند زيارة شارون لمنطقة يعتبر اليهودي العادي انه ما جاء الى فلسطين إلا من اجل زيارتها، قد اخافت مرة واحدة كل يهودي وبالتالي اعطته ما كان يريد من الزيارة، وهو اظهار نفسه كرمز لتعلق اليهود بشعائر دينهم. كان الاعتراض العربي مبررا ومحقا ولكن طريقة التعبير عنه لم تخدم العرب لأنها اتاحت لشارون تحويل ذاته الى حالة رمزية تستنفر التعصب اليهودي.. على أن القضية الفلسطينية كانت ومازالت وستستمر احدى اهم القضايا العالمية واصعبها، وقد أنهى الرئيس الامريكي السابق بيل كلينتون المعروف بفهمه لأحاسيس الجماهير عهده وهو يتعامل مع القضية الفلسطينية على أنها أهم قضية من قضايا العصر، ومجرد اقتران اسمها باسمه يمسح جبينه بسحر التاريخ.
|