الفلسفة الوضعية والميتافيزيقا
هاشم صالح
يرى الباحث جوزيف فيدال روسيه الأستاذ في جامعة ديجون بفرنسا والمختص بعلم المنطق وفلسفة العلوم وتاريخ الفلسفة, ان رفض الميتافيزيقا هو الأساس الذي تنهض عليه الفلسفة الوضعية. فبما أن هذه الفلسفة التي أسسها أوغست كونت في القرن التاسع عشر لا تؤمن إلا بما هو محسوس ومادي, فإنها تنفر نفورا كبيرا في كل شيء مثالي أو ميتافيزيقي يتجاوز الماديات. لكن ما هي الميتافيزيقا بالضبط؟ لها معنيان اثنان: الأول حرفي حيادي, والثاني اصطلاحي فلسفي. عندما نشروا كتب أرسطو لأول مرة ابتدأوا بكتب الفيزيقا (أي الفيزياء), وبعد أن فرغوا منها انتقلوا إلى الكتب التي تجيء بعدها مباشرة وسم ـوها: بالميتافيزيقا, أي الكتب التي تجيء من حيث الترتيب بعد الفيزيقيا مباشرة. وبالتالي فمعنى الكلمة هنا حيادي تماما . انه يخص عملية الترتيب لا أكثر ولا أقل. ولكن فيما بعد اتخذت كلمة ميتافيزيقا معنى آخر: ألا وهو دراسة الأشياء التي تتجاوز الطبيعة. فكما أن علم الفيزيقا (أو الفيزياء) يدرس الأشياء الطبيعية, فإن علم الميتافيزيقا يدرس الأشياء ما فوق الطبيعية أو ما وراء الطبيعية. وهكذا يطرح أسئلة حول الوجود والعدم, أو من أين جئنا وإلى أين المصير؟ الخ.. كما ان علم الميتافيزيقا يهتم بدراسة الأشياء اللاهوتية أو الغيبية, وكذلك المبادئ الأولية التي ينبني عليها العلم. وهكذا انقسمت الفلسفة كلها إلى قسمين: قسم الفيزيقا, وقسم الميتافيزيقا, أو قسم الطبيعيات, وقسم ما بعد الطبيعيات, ويرى الفلاسفة الماديون أن الدراسة الوحيدة التي تستحق الاهتمام هي دراسة الظواهر الطبيعية أو المادية المحسوسة التي نلمسها لمس اليد. وأما ما عدا ذلك فتجريد وهذر أو تهويم في متاهات الميتافيزيقا. وبالتالي فلا طائل من ورائه. كان أوغست كونت (1798 ـ 1857) قد بلور أول نقد للميتافيزيقا. وانطلق في ذلك من فلسفة للتاريخ مبنية على مخطط ينطبق على الفرد كما على الجماعة. والميتافيزيقا تحتل المرتبة الوسيطة في هذا المخطط المؤلف من ثلاث مراحل أو حلقات. فالروح البشرية مرت, أو ينبغي أن تمر, من خلال هذه المراحل الثلاث. يقول ريمون آرون ملخصا أطروحة أوغست كونت: بحسب قانون الحالات الثلاث, فإن الروح البشرية مرت بثلاث مراحل متتالية. الأولى تدعى بالمرحلة اللاهوتية أو الخيالية. وأثناءها كان الإنسان يفسر الظواهر الطبيعية عن طريق عزوها لكائنات, وقوى مشابهة للإنسان نفسه. ولكنها كائنات وقوى غيبية. وأما الحالة الثانية فتدعى بالمرحلة الميتافيزيقية أو التجريدية. وفيها يفسر ظواهر الطبيعة عن طريق كائنات أو قوى مجردة. وأما الحالة الثالثة فتتمثل بالمرحلة الوضعية: أي العملية الكاملة. وعندما وصل إليها الإنسان أصبح يفسر ظواهر الطبيعة عن طريق اكتشاف القوانين المنتظمة التي تتحكم بها. هكذا نجد أن المرحلة الميتافيزيقية هي مرحلة وسطى تفصل بين مرحلتين: الأولى هي اللاهوتية, والثانية هي الوضعية أو العلمية. وبالتالي فمكانة الميتافيزيقا مترجرجة وغير ثابتة. فهي تأخذ في المرحلة اللاهوتية طموحها الفارغ والذي لا جدوى منه: أقصد الطموح بالتوصل إلى معرفة مطلقة بالأسباب الأساسية أو الأولية أو النهائية للعالم والوجود. ولكن بسبب الطابع التجريدي والانطولوجي الذي يميز الميتافيزيقا فإنه ليمكن القول بأنها تمهد الطريق للوصول إلى المعرفة العلمية أو الوضعية. في الواقع أن نقد أوغست كونت للميتافيزيقا قديم قدم الفلسفة ذاتها. فهذا النقد يستهدف ذلك الاعتقاد القائل بأن الروح البشرية يمكنها ان تتوصل إلى المعرفة المطلقة بالأشياء غير المحسوسة (أو غير الطبيعية, غير المادية). بمعنى آخر فإن الإنسان كان يعتقد بأنه قادر على التوصل يوما ما إلى سر الحياة والموت, ثم بشكل أخص إلى معرفة ما سيحصل بعد الموت, ثم معرفة العالم الذي يقبع خلف عالمنا هذا. ولكننا نعلم أن ارسطو نفسه بنى قسما من نظامه الفلسفي على نقد الأشياء المجردة والمتعالية التي كان يؤمن بها أستاذه أفلاطون. ونعلم أيضا أن ديكارت راح بدوره يقلب الفلسفة الارسطوطاليسية المؤمنة بوجود أشكال جوهرانية. كما ونقد الميتافيزيقا واعتبرها مرادفة للغموض وعدم نضج الفكر الفلسفي. ثم جاء كانط بعده ومشى خطوة اضافية بل وحاسمة في هذا الاتجاه. صحيح أنه اعترف للميتافيزيقا بنوع من المشروعية لأنها تقوم بدور أخلاقي. ولكنه حرمها من كل أمل في التوصل يوما ما إلى معرفة الأشياء التي تقف فيما وراء الطبيعة, أو تتجاوز الماديات والمحسوسات. وقال: لا معرفة إلا بالماديات, بما تمكن ملاحظته واجراء التجارب عليه. وبالتالي فلم يكن أوغست كونت هو أول من نقد الميتافيزيقا. ولكنه على الرغم من ذلك يقول بأن جميع الأنظمة الفلسفية السابقة له غذ ت الوهم الميتافيزيقي أو رعته ونم ته. مهما يكن من أمر فإن المعرفة الوضعية بالظواهر تضاد تماما المعرفة الميتافيزيقية. فالمعرفة الوضعية تركز اهتمامها فقط على دراسة قانون العلاقات المنتظمة التي تربط بين الظواهر الطبيعية. ونقصد بذلك القوانين الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية. فالطبيعة مسي رة عن طريق قوانين دقيقة, وليست فوضوية ولا متروكة لحالها. ومهمة العلم كشف هذه القوانين. يضاف إلى ذلك أن الفلسفة الوضعية تتميز بالنزعة العملية أو البراغماتية. فالعلم بالنسبة لها ليس معرفة مجانية, وإنما هو أداة مفيدة ينبغي استخدامها من أجل تنظيم المجتمع الصناعي, ثم البشرية بأكملها في نهاية المطاف. وهكذا منع كونت التحليل الفلسفي من أن يتجاوز حدوده الشرعية أو المشروعة. فالمعرفة الحقيقية في نظره هي تلك القائمة على التجريب ومعاينة الظواهر المحسوسة واستخلاص القوانين العلمية من كل ذلك. وأما ما عداها فباطل أو أباطيل ملفقة. واعتبر ان الميتافيزيقا هي مرض مزمن أصيبت به البشرية منذ قديم الأزمان لأنها لا تستطيع ان تمتنع عن طرح الأسئلة المجانية من نوع: هل يوجد عالم آخر وراء هذا العالم؟ وما هي صفاته؟ وما هو أصل الأشياء؟ ومن أين جاء الكون؟ وماذا قبله؟ وماذا بعده؟ الخ.. وكلها أسئلة ميتافيزيقية لا جدوى منها في رأي الفيلسوف كونت. فبدلا من أن نضيع وقتنا يجدر بنا أن نكتشف قوانين المادة, والأسباب الحقيقية للأمراض, وأن نؤسس مجتمعا صناعيا حديثا مليئا بالجامعات, والمختبرات العلمية, والمستشفيات الطبية التي تخفف من آلام الإنسان, بل وتقضي عليها تماما . وهكذا نتوصل إلى مجتمع علمي منظم لا يعاني فيه أحد من جوع, أو فقر, أو مرض, أو جهل. هذا ما حلم به مؤسس الفلسفة الوضعية في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ويمكن القول بأن حلمه تحقق إلى حد بعيد. فالمجتمعات الأوروبية الحديثة, كالمجتمع السويسري مثلا , أو الألماني, أو الفرنسي, أو الانكليزي, أو السويدي, الخ, هي مجتمعات راقية, علمية, متقدمة. ولكن لا تزال بعض الثغرات موجودة من حيث البطالة, والفقر, والتفاوت الكبير في توزيع الثروة بين الطبقات العليا والطبقات الدنيا.. ننتقل الآن إلى الوضعية المنطقية وحلقة يينا التي قامت بأكبر نقد جذري للميتافيزيقا. ومن المعلوم أن كارناب (1891 ـ 1970) كان من أعدى أعدائها. وهو عالم منطق وفيلسوف الماني, وأحد كبار ممثلي الحلقة الفلسفية المشهورة باسم: حلقة فيينا. وقد هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1936م وأسهم هناك في التعريف بمبادئ الوضعية الجديدة: أي الوضعية المنطقية. كان يريد توحيد المعرفة العلمية عن طريق تشكيل لغة دقيقة وصارمة ومؤسسة على المنطق الرياضي. وذلك من أجل القضاء على المفاهيم والمسائل المفرغة في المعنى. من هنا كان حتميا صدامه مع الميتافيزيقا. وبالتالي فهناك قطيعة مطلقة بين لغة العلم/ ولغة الميتافيزيقا بحسب كارناب. وذلك لأن العلم لا يستخدم إلا المصطلحات الدقيقة التي تدل على أشياء محسوسة ويمكن التأكد من صحتها. كما أنه يستخدم لغة المنطق الرياضي. وهي لغة صارمة ومحكومة بالمعادلات الرياضية. وقد استنتج كارناب في نهاية المطاف نتيجة خطيرة: وهي أن جميع الفلسفات السابقة على الوضعية المنطقية خاطئة. وبالتالي فينبغي تدمير الفلسفة القديمة لكي تحل محلها الوضعية المنطقية. ومن المعلوم أن الوضعيين المنطقيين هاجموا فلسفة هيغل وهيدغر باعتبار أنها ثرثرة أو لغو فارغ لا طائل من ورائه. وقالوا بأن كلام هيدغر يشبه الحشو أو الهذر اللفظي الذي يستمر إلى ما لا نهاية. وقد رد عليهم هيدغر بكلمته الشهيرة: العلم لا يفكر! بمعنى أن علماء الفيزياء والرياضيات والمنطق ليسوا قادرين على الفلسفة. وتنحصر مهمتهم في كشف القوانين الطبيعية واجراء التجارب في المخابر, ولكنهم لا يعرفون استخلاص المغزى العميق من اكتشافاتهم. وهنا تكمن مهمة الفيلسوف الذي يعرف كيف يفكر حقا , وكيف يرى إلى أبعد من أنفه. وبالتالي فالفلسفة ضرورية لأن العلم وحده لا يكفي. أخيرا يمكن القول بأن الميتافيزيقا بالنسبة لأرسطو كانت علم الكينونة بما هي كينونة وكذلك علم المبادئ الأولى التي لا مبادئ بعدها. ومن أهم الأسئلة التي تطرحها الميتافيزيقا ما يلي: لماذا يوجد شيء ما ولا يوجد العدم؟ ما هو الفرق بين الكينونة والجوهر؟ ما هي الكينونة؟ ما الفرق بين الواقع والمظاهر؟ ما الفرق بين الجوهر والوجود؟ هل الروح خالدة أم أنها تفنى مع الجسد؟ ماذا بعد الموت؟ هل يوجد شيء آخر, أم أن المادة هي كل شيء؟ وهل هناك من عالم آخر فيما وراء هذا العالم؟ من الواضح أن مثل هذه الأسئلة سوف تشغل الناس طيلة القرون المقبلة, مثلما شغلتهم طيلة القرون الماضية.. فعلى الأسئلة الميتافيزيقية لا توجد أجوبة نهائية..
|