اعتراضات قوية من الكونغرس والبنتاغون واشنطن وقعت على معاهدة تشكيل محكمة دولية دائمة لجرائم الحرب
في خطوة غير متوقعة قامت الولايات المتحدة بالتوقيع على معاهدة تقضي بتشكيل محكمة دولية دائمة لجرائم الحرب يوم (الأحد) قبل ساعات قليلة من انقضاء الموعد النهائي الذي كان محددا لذلك بعد أن كانت بين الدول القليلة للغاية التي صوتت ضد هذه الخطوة في عام 1998 بروما. فقد قام الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ـ الذي تنتهي فترة ولايته الاخيرة خلال ثلاثة أسابيع ـ بتفويض السفير ديفيد شيفير الخبير لدى الامم المتحدة بشؤون جرائم الحرب لتوقيع المعاهدة بالمنظمة الدولية بمقرها في نيويورك. ووافق كلينتون على التوقيع على المعاهدة بعد الحصول على تعديل يقضي بعدم مثول أي شخص أمام هيئة تلك المحكمة الدولية إلا بعد موافقة حكومته المعنية. ويأتي ذلك في إشارة واضحة من جانب الرئيس الأمريكي إلى الجنود الأمريكيين العاملين ضمن قوات حفظ السلام الدولية وغيرها في حالة ارتكاب أي منهم جريمة أو إثم ما خارج حدود الولايات المتحدة. ويسعى الرئيس الأمريكي بموافقته تلك التي سارعت بعض منظمات حقوق الإنسان إلى الاشادة بها إلى تقديم مجرمي الحرب المتهمين بارتكاب جرائم إبادة جماعية وضد الانسانية إلى المحكمة رغم استمرار وجود معارضة قوية داخل الجناح المحافظ بالكونغرس الأمريكي ضد هذه الخطوة حيث من المتوقع أن تمر فترة طويلة قبل توثيقها من قبل المشرعين الأمريكيين. إلا أن ذلك لا يلزم الرئيس المنتخب جورج دبليو بوش بتوثيق المعاهدة بينما عبر كلينتون ونشطاء حقوق الإنسان عن أملهم في أن يوافق بوش ـ الذي من المقرر أن يتولى مهام منصبه رسميا في البيت الابيض في العشرين من الشهر الحالي ـ بدوره. ووصف كلينتون قراره بالموافقة على التوقيع على المعاهدة بأنه "التصرف السليم" لوضع حد لانتهاكات حقوق الإنسان المستمرة في أنحاء العالم. ومن المرجح أن يتم إنشاء تلك المحكمة بهولندا العام القادم وبمجرد أن تقوم 60 دولة بتوثيق المعاهدة من مجموع الدول التي وقعت عليها خلال الايام القليلة الماضية والبالغ عددها 140. يذكر أن 27 دولة فقط أي أقل من نصف العدد المطلوب قد قامت بتوثيق المعاهدة الدولية. وقالت إسرائيل وإيران أمس (الأحد) أنهما سيقومان بالتوقيع على بنود المعاهدة أيضا. يذكر أن المحاكم الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا ويوغوسلافيا السابقة تم تشكيلها بصفة مؤقتة. وتمت الموافقة على المعاهدة الدولية بتشكيل المحكمة الدائمة في عام 1998 بالعاصمة الإيطالية (روما) حتى لا يفلت مجرمو الحرب في مناطق أخرى بآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية مثل كمبوديا وسيراليون والسلفادور من العقوبة. من ناحية أخرى, تعهد السناتور جيسي هلمز رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي بتعطيل قرار الرئيس الأمريكي بيل كلينتون التوقيع على معاهدة لتشكيل محكمة دولية دائمة لمحاكمة مجرمي الحرب. ونقلت صحيفة (واشنطن بوست) عن هلمز وهو جمهوري من نورث كارولاينا والذي ستدرس لجنته المعاهدة قوله هذا القرار (قرار كلينتون) لن يصمد. وأضاف: "سأبطل هذا القرار واحمي رجال ونساء الجيش الأمريكي من سلطة هذه المحكمة الدولية.. ستكون هذه من اولويات الكونغرس الجديد". ورفض مساعدو هلمز التعليق على تقرير الصحيفة. وكانت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) قد رفضت بدورها المعاهدة المقترحة خوفا من امتداد سلطتها لتمس القوات المسلحة الأمريكية العاملة في الخارج. وفاجأ قرار كلينتون الكثيرين بعد ان عارضت واشنطن صلاحيات المحكمة التي يمكن ان تحاكم الجنود الأمريكيين في الخارج اذا لم تتخذ المحاكم الأمريكية اجراءات مناسبة بشأن مزاعم عن ارتكاب جرائم حرب. وصرح كلينتون بان قرار التوقيع على المعاهدة يستند الى دعم الولايات المتحدة للعدالة منذ مشاركتها في محاكمات النازيين في نورمبرغ بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقال كلينتون في بيان "موقفنا اليوم يتمشى مع التقاليد والمعطيات الاخلاقية للقيادة". وستحاكم محكمة جرائم الحرب الدولية التي تستند الى مباديء محاكمات نورمبرغ الافراد المتهمين بارتكاب جرائم حرب وانتهاكات اخرى ضد حقوق الانسان. ومن المتوقع ان تتشكل المحكمة في هولندا خلال عامين تقريبا. وانتهت أمس الأحد مهلة التوقيع على المعاهدة. ووقعت عليها في نفس اليوم الأحد ايضا (إسرائيل) وايران ليرتفع بذلك عدد الدول الموقعة الى 139 دولة. وسافر ديفيد شيفير السفير الأمريكي المتجول المسؤول عن جرائم الحرب من واشنطن الى نيويورك خصيصا للتوقيع على المعاهدة باسم الولايات المتحدة. وشارك شيفير في ترتيبات المحكمة الدولية على مدى الثلاث سنوات الماضية. وقال كلينتون في بيانه "بتوقيعنا على المعاهدة لم نتخل عن مخاوفنا بشأن الثغرات الموجودة فيها". وأضاف: "خاصة انه لدى تشكل المحكمة ستمارس سلطاتها لا على مواطني الدول التي صدقت على المعاهدة فقط بل على مواطني الدول التي لم تفعل ايضا. بتوقيعنا المعاهدة سنتمكن من التأثير على تطوير المحكمة وسنحرم من ذلك بعدم التوقيع عليها".
|