محللون سياسيون أتراك يتساءلون: هل انتهى شهر العسل بين تل أبيب.. وأنقرة ؟ انفتاح تركي في عهد الرئيس نجدت سيزر باتجاه الدول العربية
دفعت بعض التغييرات التي طرأت على شكل العلاقات بين تركيا و(إسرائيل) خلال العام 2000 عديدا من المراقبين السياسيين في تركيا إلى التساؤل عما اذا كان شهر العسل الذي شهدته هذه العلاقات في الاعوام القليلة الماضية قد انتهى بعد وصول الرئيس نجدت سيزر إلى السلطة في تركيا وانفتاحه الواضح باتجاه "الجيران العرب". في الوقت نفسه يرى معظم المراقبين انه حتى مع انتهاء شهر العسل فان ذلك لايعني أن هذه العلاقات بسبيلها للانحسار أو لاكثر من ذلك السير في اتجاه معاكس. ويقول محللون أتراك أنه فضلا عن بعض التغيرات السياسية الاقليمية فان التعاون في المجال العسكري وبخاصة التصنيع والتحديث والذي كان ولا يزال يشكل قوة الدفع الرئيسية للعلاقات بين تركيا و(إسرائيل) قد فقد بعضا من قوته في الآونة الأخيرة لاسباب بعضها فني محض والآخر يتعلق بتقاعد بعض أهم رموز هذا التقارب من كبار العسكريين الاتراك. ويرون ان هذا العامل مرشح للتصاعد في الفترة المقبلة مع وصول الجمهوريين إلى الحكم في الولايات المتحدة بما قد يعنيه ذلك من رغبة أمريكية أكبر في الفوز بصفقات عسكرية مع تركيا وغيرها ومن سهولة أكبر في حصول تركيا على أسلحة وتكنولوجيا كان الديمقراطيون تحت ادارة بيل كلينتون أكثر تحفظا في منحها لتركيا على نحو كان مهد السبيل بشكل أو بآخر لقبول تركيا لعروض مؤسسات التصنيع العسكري الإسرائيلية التي كانت بدورها في أمس الحاجة لزبائن. أزمتان حادتان وقد شهدت العلاقات التركية الإسرائيلية أزمتين حادتين خلال العام 2000 على المستوى الثنائي فضلا عن الظلال التي صاحبت أزمة الوضع المتفجر في الاراضي الفلسطينية في ظل حرص أنقرة الواضح على اتخاذ مواقف متوازنة في هذا الخصوص لاسيما في وقت تبدو أكثر انفتاحا على الدول العربية والإسلامية وأكثر حرصا على تفادي بعض الخطوات التي قد لا تكون مناسبة في ظل هذه الاجواء. وكانت الازمة الاولى تفجرت في ابريل ـ نيسان الماضي بعد ان أدلى وزيران إسرائيليان بتصريحات اغضبت انقرة بشدة حول ما يزعم عن تعرض الأرمن لمذبحة في تركيا خلال الحرب العالمية الاولى. ورغم ان مسؤولي الخارجية الإسرائيلية ابلغوا السفير التركي في تل ابيب ان تغيرا لم يطرأ على الموقف الإسرائيلي بخصوص الارمن وان تصريحات هذين الوزيرين لا تعبر عن رأي الحكومة00 لكن انقرة التي أرادت صدور بيان رسمي حكومي بهذا المعنى لم تقتنع بهذا الموقف المراوغ. وعبرت عن غضبها مرة بشكل دبلوماسي تمثل في مقاطعة الوزراء وكبار القادة العسكريين الاتراك وبشكل مفاجيء للاحتفال السنوي الذي تقيمه (إسرائيل) بمناسبة ذكرى قيام كيانها على أرض فلسطين العربية, ومرة أخرى بشكل اقتصادي موجع عندما بدأت تعيد النظر في صفقات عسكرية مع (إسرائيل) تتعلق بصفقات لتصنيع قمر تجسس عسكري وتحديث دبابات (ام ـ 60) وبعض الصفقات الاخرى والتي كانت المفاوضات بشأنها قد وصلت لمرحلة شبه نهائية. وقد ترافق ذلك مع تقارير اشارت إلى نوع من عدم الارتياح التركي تجاه بعض تفصيلات عملية التحديث التي تقوم بها (إسرائيل) بالفعل للطائرات التركية القديمة وبخاصة ما يتعلق بأجهزة الرادار. وكانت دلائل عدم الارتياح التركي ظاهرة على نحو لم يجد معه رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك بدا من ان يقوم بزيارة رسمية لانقرة الثامن والعشرين من اغسطس ـ اب الماضي قال ان هدفها الاساسي هو التشاور مع تركيا واطلاعها على تطورات عملية السلام في المنطقة. وقد جاءت زيارة باراك بعد زيارة عرفات لانقرة ومطالبته لها باتخاذ دور اكثر نشاطا في هذه العملية وخاصة في موضوع القدس. لكن من الواضح ان باراك كان يهدف اساسا للاستماع إلى ما يطمئنه على استمرارية العلاقات بين كيانه وتركيا. ويبدو ان زيارة باراك خففت بالفعل من اجواء التوتر فقد طمأنته انقرة بان الامور عادية وان اعادة النظر في الصفقات العسكرية قد املته اعتبارات ذات طابع اقتصادي اساسا00 وان كانت العلاقات قد عادت وتأثرت من جديد بعد تفجر الانتفاضة الفلسطينية الامر الذي ادى إلى تأجيل زيارة رئيس الاركان الإسرائيلي شاؤول موفاز المقررة لتركيا مرتين احداهما بطلب من تركيا.إلغاء مناورة "عروس البحر" وفضلا عن ذلك اتخذت تركيا قرارا بالغاء المناورة البحرية الثلاثية بين تركيا و(إسرائيل) والولايات المتحدة والمسماة (عروس البحر) التي كان من المقرر اجراؤها قبالة السواحل الفلسطينية المحتلة وفي البحر المتوسط في أواخر العام الماضي. كما قررت تركيا تأجيل الزيارات التي كان من المقرر ان يقوم بها بعض كبار القادة العسكريين الاتراك إلى الكيان الإسرائيلي. ووسط هذه الاجواء جاء تصويت تركيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة لصالح قرار يدين (إسرائيل) لاستخدامها المفرط للقوة ضد أبناء الشعب الفلسطيني , كما أعلن الرئيس التركي أحمد نجدت سيزر بوضوح أنه لايمكن احلال السلام بدون حصول الفلسطينيين على حقوقهم المشروعة وأن استخدام الاسلحة في الاماكن المقدسة غير مقبول تحت أي مسمى. ومرة أخرى سارعت (إسرائيل) لايفاد مسؤول رفيع من خارجيتها لانقرة أواخر أكتوبر لسماع ما يطمئنها خاصة في ظل التحسن السريع في العلاقات بين أنقرة ودمشق وكذلك في ظل ما صدر من دعوات من قيادات رئيسية في حزب (الفضيلة) المعارض لوقف مؤقت للاتفاقية التي تتيح للطيارين الإسرائيليين التدريب في الاجواء التركية لحين توقف (إسرائيل) عن استخدام المروحيات في قصف المواطنين الفلسطينيين وهو القصف الذي أدانته الخارجية التركية بشكل رسمي وطالبت بايقافه على الفور. واذا كانت سماء العلاقات التركية الإسرائيلية قد شهدت هذه الغيوم خلال عام 2000 الا أنها في المقابل شهدت بعض المواقف التي شعرت إسرائيل تجاهها بالارتياح منها نصيحة أنقرة للرئيس الفلسطيني بعدم اعلان الدولة المستقلة من جانب واحد وكذلك الامر الذي أصدرته تركيا لطائرة تجارية ايرانية بالهبوط في مطار تركي لتفتيشها وهي في طريقها إلى سوريا للتأكد من عدم حملها لاسلحة لحساب (حزب الله) اللبناني. وبعيدا عن الجوانب السياسية والعسكرية فقد بدأت بعض الأصوات التركية تحذر علنا من الخطورة المحتملة التي تنطوي عليها الاستثمارات الإسرائيلية الآخذة في التزايد مع شركاء أتراك لشراء أراض والدخول في مشروعات للزراعة والري وتربية الحيوانات والأغذية المحفوظة في منطقة جنوب شرق تركيا ذات الحساسية بحكم ان أغلبية سكانها هم من الأتراك ذوي الأصول الكردية.
|