مقاهي الإنترنت.. ضرورة حضارية أم أنها تساعد على عولمة الفضيحة؟
د. ابراهيم الملحم ـ الأحساء
إن الاختراعات الحديثة التي أضفت على الحياة نوعا من اليسر والسهولة, قد تكون ـ كما كل الأشياء النافعة ـ تحمل سما زعافا وموتا زؤاما إن أسيء استخدامها إما بطريق الجهل ممن لا يحسن الاستعمال أو بطريق الاستغلال السيء ممن فسدت ضمائرهم وتغيرت فطرهم وتردت أخلاقهم فأصبحوا معاول هدم لا لأنفسهم فحسب, بل في كيان الأمة الذي ما فتئ يتلقى الضربات ويعالج الطعنات التي توجه إليه من أعدائه الخارجيين حتى أصبح بعض أبنائه هم أنفسهم من يحملون على عاتقهم تلك المهمة من حيث يشعرون أو لا يشعرون. إن تلك الاختراعات والمبتكرات غالبا ما تكون قد خرجت من رحم الحضارة الغربية التي أرضعت أبناءها تأليه العلم والعقل حتى أضحيا بمنأى عن سلطان الدين والأخلاق والقيم. لذا, فليس بمستغرب أن تحمل بعض الاختراعات من البلايا والزرايا مالا طاقة للبشرية قاطبة بتحمله وحسبك باختراع مثل القنبلة الذرية وما أحدثته الأولى منها (الملقاة على أم رأس هيروشيما) من إزهاق أرواح مئات الآلاف من الأنفس البشرية مع إهلاك مروع للحرث والنسل وما تبع ذلك إلى يومنا هذا من اجهاضات وتشوهات أجنة وسرطانات مما سطره التاريخ بمداد حالك السواد, حسبك بذاك من دليل ساطع على أن تلك الحضارة تحمل بذور فنائها في تكوينها. نعم لا ينكر أن هناك علماء غربيين قدموا للإنسانية خدمات جلى ومنافع لا تعد ولا تحصى ممن تشهد لهم الأيام مهما تقادم العهد بعظمة العطاء ونبل المقصد, إلا أن الخطر يظل قائما مالم تكن هناك منظومة قيم ومثل تتحكم في مسار العلم التجريبي إذا ما حاد عن طريق خدمة الإنسانية كهدف رئيس ووحيد, أو زلت به القدم في مستنقع أعمال إجرامية شيطانية عبثية. إن التكنولوجيا الحديثة قد أحدثت ثورة هائلة طالت كل المجالات وطرقت جميع مناحي الحياة, ولكن التطور التقاني في مجالي الإعلام والاتصالات فاق كل تصور حتى أصبح علامة مميزة لهذا العصر. إن أحد أهم إنجازات هذا العصر تلك الشبكة العنكبوتية للاتصالات المسماة بـ "الإنترنت", والتي أضحت حديث المجالس ما بين مؤيد لها ورافض, وما بين مـقدم على استعمالها والترويج لها ومحجم عنها ظفرا بالسلامة ـ حسب ظنه ـ. إن هذا الجهاز وحسب رأي المتخصصين بل ومن أدمنوا على استخدامه يحمل من المنافع ما نسبته 95 ـ 97%, والقليل الباقي شر مستطير وداء وبيل, ومع أن هذا القليل وللأسف الشديد يمثل أغلب المواقع المزارة, إلا أنه ما من قائل بهجره البتة, إذ أن هناك أـناسا لاشك مستفيدون من خدماته المتميزة, فالباحث في موضوع ما, يستطيع وهو جالس في مكتبه الوثير يرتشف الشاي, وبلمسة من زر أن يستعرض كل ما ذـكر في موضوع بحثه ضاربا بالمفهوم القديم للزمان والمكان عرض الحائط, كما أن المتخصص في مجال ما يستطيع متابعة آخر المستجدات في تخصصه وهناك لاشك منافع أخرى يعلمها أهل التخصص وذووه. أما الأضرار فحدث عنها ولا حرج, دردشة بريئة ما تلبث أن تتحول إلى صداقة غير شريفة ولا تسل عن التبعات, إن مراحل تكوين الصداقات المحرمة شرعا والتي كانت سابقا تتم تدريجيا .. نظرة فابتسامة فموعد فلقاء.. قد اختزلها هذا الجهاز العجيب في جلسة واحدة, وحسبك ذاك من شر جسيم, بل إن أحد العابثين, وبمجرد أن يصطاد صورة لأحد الفتيات (المغفلات), يستطيع وبما يملك من خبث مقنن أن "يدبلج" تلك الصورة ليصبح الوضع مزريا وفاضحا فيبثها في أقنية هذا الجهاز فتستقبلها الأعين اللاقطة في مشارق الأرض ومغاربها, ويكون بذلك هذا الجهاز قد أعان على "عولمة الفضيحة" وإن كان في واقع الأمر ليس ثمة فضيحة على تلك المسكينة. كما أن الوصول إلى مواقع تحمل لقطات فاضحة وصورا إباحية أمر مفهوم, لكنه شر مشترك بين هذا الجهاز وغيره (قنوات فضائية إباحية..). إذا كان ما ذكر آنفا يجعل المرء يحمل تصورا عاما عن محاسن وسلبيات هذا الجهاز و(كل إناء بما فيه ينضح) فإن هذا يقودنا للتساؤل حقيقة عن جدوى وجود ما يدعى بـ "مقاهي الإنترنت" التي يؤمها غالبا الشباب والصغار منهم بالذات, كما أن جـل من يرتاد هذه الأماكن ليسوا من طبقة الباحثين والمتخصصين والعلماء أو حتى المثقفين, إذ أن هؤلاء يملك كل منهم اشتراكا خاصا به في منزله أو مقر عمله, إذن فالزبائن معلومون سنا وفكرا , كما أن قاصمة الظهر هو ما يحدث في بعض تلك المقاهي الخاصة بالعائلات من حضور بعض النساء بلا محارم! ولم أك مصدقا ذلك حتى أخبرنا به أحد أصحاب مقاهي الإنترنت بالخبر. ولك عزيزي القارئ أن تتخيل كيف يمكن لعامل المقهى "الرجل" أن يتعامل مع تلك المرأة لو أرادت الوصول إلى أحد المواقع وطلبت منه المساعدة وقد تفوح منها روائح البارفان مع ليونة في الكلام وحسر للحجاب عن بعض الوجه إن لم يكن خلعه بالكمال والتمام لزوم التقدم وضريبة التطور!. ألا يعد هذا من المحظورات الشرعية والمحاذير العرفية؟! أوليست النار من مستصغر الشرر! ثم إذا كان تعلم استخدام هذا الجهاز من الضرورة بمكان لأنه كما يقال سيكون عصب الاتصال (في المنظور القريب أو حتى في الآجل البعيد) فإن المعاهد الخاصة هي المكان الملائم لذلك لا غيرها من أماكن اللهو والعبث والزوايا المظلمة. إن ارتباط كلمة "مقهى" مع ما تحمله ذاكرة الإنسان في مجتمعنا لمدلول هذه المفردة من تجمعات عبثية وتعاط لبعض المكروهات والمستقذرات والملوثات, مع كلمة "إنترنت" وما تحمله بعض مواقعها خصوصا المزارة من قبل بعض رواد تلك المقاهي من مواقع ملوثة للدين والعقل والخلق, لأمر يدعو للدهشة إذ قد "وافق شن طبقة". ختاما , لابد من تذكير شباب اليوم رجال المستقبل, بأن استعمال نتاج التقنية الوافدة ليس دليلا على التطور والرقي, بل إن الأمة المتحضرة هي تلك التي تأكل ما تزرع وتلبس ما تنسج وتستعمل من الأجهزة والآلات ما تبتكر وتصنع!.
|