مستقبل التوازنات في النظام الدولي
عبدالجليل زيد مرهون
بعد ثماني سنوات من حكم الديموقراطيين يسعى الرئيس الأمريكي المنتخب جورج بورش وفريقه إلى إعادة تركيز السياسة الخارجية الأمريكية على ثلاثة أسس هي: التبادل الحر من دون قيود, التدخل في الخارج فقط عندما تقتضي المصلحة القومية ذلك, التشديد على المحافظة على تفوق تكنولوجي مطلق في مجال الدفاع. وقد تعهد بوش بقيام الولايات المتحدة بدور عالمي قوي معتبرا أن "أمريكا تملك قوة فريدة ونفوذا لا يضاهى وسنستغلهما في خدمة الديمقراطية ونشر السلام في كل أنحاء العالم وعبر السنين". وخاض بوش الحملة الانتخابية من أجل سياسة خارجية تركز على حماية مصالح الولايات المتحدة الرئيسية وليس على بناء الأمة ودعم الإصلاح السياسي في مختلف أرجاء العالم. وسيعمل بوش مع كونغرس منقسم يركز على أمور داخلية ويفضل عدم إرسال قوات أمريكية إلى الخارج. ويعتقد أن بوش سيحكم بأسلوب يشبه أسلوب الرئيس رونالد ريغان, وهو الأسلوب نفسه الذي وقف وراء نجاحه عندما كان حاكما لتكساس, أي كسياسي مستقل ومحاور حاذق وماهر في فن قلب الهزيمة إلى انتصار شخصي. وقد نجح بوش خلال الحملة الانتخابية في إبقاء الجناح المحافظ المتشدد في الحزب بعيدا ليرسم لنفسه صورة سياسي معتدل. ورأى بوش خلال حفل ترشيح الجنرال كولين باول وزيرا لخارجيته أن "السياسة الخارجية خلال السنوات المقبلة لابد وأن تخدم مصالحنا القومية في العالم في الوقت الذي ندافع فيه عن أرفع الأفكار الأمريكية". وقال: "يجب أن نكون واضحين ومتماسكين وواثقين أن قيمنا حقيقية بالأفعال وليس بالاقوال ويجب أن نكون صادقين مع اصدقائنا". وقال بوش: "إن ادارتنا ستعمل مع حلفائنا في أوروبا والشرق الأقصى لنشر السلام, سندافع عن مصالح أمريكا في الخليج " وسنشجع على سلام دائم في الشرق الأوسط أساسه أمن إسرائىل" معتبرا أن نفوذ الولايات المتحدة ليس له منافس. ولم يذكر بوش الذي أيد بناء درع مضاد للصواريخ أي تفصيلات بشأن سياسته في مجال التسلح على الرغم من قوله: "سنحارب أسلحة الدمار الشامل ووسائل إطلاقها". بيد أن باول أعلن تأييده نظام الدفاع الوطني المضاد للصواريخ الذي لم يتخذ الرئيس كلينتون قرارا بشأنه, معتبرا أن ذلك من "المصالح العليا للشعب الأمريكي". وتسعى الولايات المتحدة إلى تعديل المعاهدة الروسية الأمريكية للدفاع المضادة للصواريخ اي. بي. ام الموقعة العام 1972 لنشر نظام دفاع مضاد للصواريخ يحميها من البلدان "الخارجية عن القانون". وتتعرض معاهدة "اي. بي. ام" لانتقادات عديدة في الولايات المتحدة لأنها لا تتماشى مع مشروع الدفاع الصاروخي, وهي لا تجيز للولايات المتحدة و للاتحاد السوفياتي (روسيا حاليا ) إلا نشر أنظمة دفاع إقليمية. وأعرب بوش عن رغبته في التخلي عن هذه المعاهدة في حال رفضت روسيا تعديلها كي يصبح بالإمكان تحقيق المشاريع الأمريكية. وفي منتصف كانون الأول ديسمبر الجاري, قال مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية, وهو منظمة خاصة غير حزبية في ملخص لأربعة تقارير عن أوضاع الدفاع الأمريكي إنه يتعين على الحكومة الأمريكية الجديدة تطوير خطة قومية للحماية من "الإرهاب" على الأراضي الأمريكية لأن الولايات المتحدة غير مستعدة استعدادا كافيا لمواجهة هجوم صاروخي أو بيولوجي أو عبر الإنترنت. وقال التقرير: "أكثر حاجتنا إلحاحا اليوم هي خطة معدلة للدفاع الصاروخي القومي بالإضافة إلى تغيرات مؤسساتية مهمة تسمح بتخطيط شامل وتدريب أفضل لمواجهة التهديدات الإرهابية أو عبر الإنترنت". وأوصى التقرير الإدارة الجديدة بتطوير خطة جديدة للدفاع الصاروخي معتبرا أن تقييم الأخطار يحتاج إلى "معايير جديدة" وأن خطط الدفاع الصاروخي الحالية ربما تكون هزيلة في ضوء الإمكانيات التكنولوجية. وقال تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إنه يتعين أن تحسن الإدارة الجديدة من مستوى التنسيق مع الحلفاء الاوروبيين والسعي نحو اتفاقية مع الروس لتعديل معاهدة الحد من الصواريخ الذاتية الدفع وربط الدفاع الصاروخي بخطة شاملة للحد من التسلح. وبعد أربعة أيام على نشر التقرير الأمريكي, هددت روسيا انها "ستتخذ التدابير المناسبة في حال نشر الولايات المتحدة للنظام المضاد للصواريخ, وستضطر للرد دفاعا عن مصالحها القومية. وقد أكد الروس مرارا أن نشر نظام الدفاع المضاد للصواريخ سيطال آلية الاستقرار الاستراتيجي الذي تم التوصل إليه بصعوبة وسيعاود إطلاق السباق من أجل التسلح. بيد أن العديد من القادة العسكريين الروس يقرون بأنه من الصعب إقناع الولايات المتحدة إلغاء خططها بشأن برنامج الدفاع الصاروخي, وتجنب إعادة صياغة اتفاقية أي. بي. ام من جديد. وهناك اعتقاد بأن مستشارة الأمن القومي المعينة كوندوليزا رايس, الخبيرة في شؤون روسيا ونزع السلاح, والتي تتكلم الروسية بطلاقة, قد تكون مفتاحا حيويا لإنجاح المفاوضات العسيرة مع موسكو حول مشروع الدرع المضاد للصواريخ. وأحد الخيارات التي تلوح في الأفق, هي موافقة الروس في نهاية المطاف على تعديل معاهدة اي. بي. ام, مقابل موافقة الامريكيين على اقتراحات موسكو الخاصة بالخفض المتبادل للترسانة النووية. وقد اقترح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تخفيض عدد الرؤوس النووية لكل من البلدين إلى أقل من 1500 في إطار معاهدة "ستارت 3". وكان الامريكيون قد اعترضوا على اقتراح سابق لبوتين في نيسان (ابريل) الماضي ويقضي بتخفيض عدد الرؤوس النووية إلى 1500 لكل من البلدين. وتنص معاهدة "ستارت 3" التي وقعت في 1993 وصادقت عليها الولايات المتحدة في 1996 وروسيا في 14 نيسان (ابريل) 2000, على جعل عدد الرؤوس النووية 3500 للولايات المتحدة و3 آلاف لروسيا بحلول كانون الأول ديسمبر 2007. وتنص المعاهدة على تخفيض الترسانة النووية في الوقت الحالي لدى كل من البلدين إلى ما بين الفين إلى 2500 رأس نووي. ويبدو أن المناخ الاستراتيجي بين موسكو وواشنطن على درجة من السخونة اعادت بعض تجلياتها إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة. وقد أفاد استطلاع للرأي أعده معهد "رومير" ونشرت نتائجه في نهاية تشرين الأول (اكتوبر) الماضي أن أكثر من نصف ممثلي النخبة السياسية والاقتصادية الروسية يعتبرون أن الولايات المتحدة لاتزال تشكل تهديدا لأمن روسيا. وفيما بدا أنه استعراض للقوة, أكدت وزارة الدفاع الروسية مطلع هذا الشهر نشر خمس قاذفات للقنابل في قواعد مواجهة لولاية الاسكا الأمريكية, لديها القدرة على حمل قنابل نووية, وذلك لاغراض التدريب التي ربما تشمل اختبارا للطلعات الجوية نحو الأراضي الأمريكية. وقد نقلت قاذفتين روسيتين من نوع تي. يو ـ 95 من قاعدة انادير القريبة من مضيق بيرينغ ونقلت ثلاث آخريات إلى قاعدة تيكسي في بحر لابتيف. وكانت هذه الطلعات نادرة نسبيا منذ انتهاء الحرب الباردة لكن قاذفات تي. يو ـ 95 انطلقت من هاتين القاعدتين في أقصى الشرق في آذار (مارس) وايلول (سبتمبر) 1999 لتقدير الدفاع الجوي الأمريكي. وقد قامت هذه القاذفات بطلعات جوية منتظمة باتجاه الاسكا وبريطانيا خلال الحرب الباردة لمعرفة سرعة نشر الغرب لمقاتلاته للرد على أي هجوم روسي. بيد أن تلك العمليات تضاءلت خلال حقبة التسعينيات بسبب تحسن العلاقات بين روسيا والغرب وبسبب نقص الوقود في القوات المسلحة الروسية التي تعاني من أزمة سيولة نقدية. وجاءت التحركات الروسية بعد حادث وقع في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي في بحر اليابان حلقت فيه طائرات استطلاع روسية من نوع سي. يو ـ 24 وسي. يو ـ 27 بالقرب من حاملة الطائرات كيتي هاوك لالتقاط صور. وصعدت روسيا من محاولة إثبات الذات العسكرية, واعلنت انها ستوضع نهاية الشهر الحالي في الخدمة فوجا ثالثا من الصواريخ عابرة القارات من الجيل الجديد "توبول ـ ام". وسيصبح بذلك صاروخ توبول ـ ام السلاح الرئيسي للقوات النووية الاستراتيجية الروسية. ويؤكد العسكريون الروس أن المعدات الإلكترونية لهذا الصاروخ تسمح له بالافلات من أي نظام مضاد للصواريخ موجود حاليا أو مخطط له. وعلى مستوى العلاقات الأمريكية الصينية, يرى الصينيون أن الجمهوريين أصحاب توجه "غير موات" بالنسبة لبلادهم; باعتبارها من وجهة نظرهم منافسا استراتيجيا وليس شريكا استراتيجيا كما كانت بالنسبة لإدارة كلينتون. بيد أن الصينيين لا يرون توجهات بوش على انها سلبية بالكامل بالنسبة لهم; ففي حين ينتقدون توجهاته الخاصة بالتسلح والموقف من تايوان, فإنهم يرحبون في الوقت نفسه بمنظوره للعلاقة التجارية معهم. وينظر الصينيون إلى بوش, المعروف في الصين باسم بوش الصغير, على أنه رئيس مهتم بالتجارة سوف يعمل على دخول بلادهم إلى منظمة التجارة العالمية. فيما يتعلق بالتسلح, انتقدت الصين موقف بوش وباول المؤيد لنشر نظام الدفاع المضاد للصواريخ. وقالت وزارة الخارجية في بكين بعد تصريحات باول الخاصة بالدفاع الصاروخي "إن الصين تعرب عن قلقها العميق عندما يستمر بلد في تطوير أو نشر نظام مضاد للصواريخ معاكس للتاريخ ولا يتماشى وجهود الأسرة الدولية في نزع السلاح". ولم تتوقف الصين خلال الأشهر القليلة الماضية عن التعمير عن معارضتها المشروعين المتعلقين بالدروع المضادة للصواريخ, مشروع النظام الوطني "ان. ام. دي" ومشروع "تي. ام. دي" الذي يغطي حلفاء الولايات المتحدة الآسيويين, وتخشى الصين أن يعطي المشروع الأخير لواشنطن وتايبه تفوقا كبيرا في حال نشوب حرب في مضيق تايوان. وتخشى بكين أن تعمل إدارة بوش على تعزيز تسلح تايوان بصورة تفاقم معضلة التوازن الدفاعي, الجوي تحديدا . وقد تسلمت تايوان 150 طائرة من طراز أف ـ 16 من الولايات المتحدة الأمريكية كما تسلمت 60 طائرة ميراج 2000 ـ 5 من فرنسا خلال العام الماضي. كذلك أنتجت 130 طائرة من المقاتلة الدفاعية الوطنية المعروفة اختصارا باسم (أي. دي. أف) التي طورتها بنفسها. وتمثل هذه الأنواع الثلاثة من الطائرات العمود الفقري للقوات الجوية التايوانية. ويشار إليها على أنها أسطول الجيل الجديد أو الجيل الثاني التي ستحل محل طائرات أف ـ 104 وأف ـ 5 ئي العتيقة. كذلك, أفادت تقارير حديثة بأن تايوان تسعى للحصول على مدمرات من طراز كيد مزودة بصواريخ موجهة من الولايات المتحدة. وقالت مجلة جنيس للشؤون الدفاعية هذا الشهر بأن هذه الخطة تشير إلى احتمال أن تكون تايوان تسعى إلى الحصول على بديل للمدمرات المزودة بنظام ايجيس للدفاع الجوي والتي كانت تحاول الحصول عليها من الولايات المتحدة في وقت سابق من العام الجاري. وقد اجلت الولايات المتحدة في نيسان (ابريل) اتخاذ قرار ببيع أربع مدمرات مزودة بنظام ايجيس العسكري بسبب ضغوط من الصين. والغواصات الأربع التي تملكها البحرية الأمريكية من طراز كيد ادخلت إلى الخدمة في عامي 1981 و1982 واخرجت من الخدمة عامي 1998 و1999 بعد أن قضت نصف مدتها في الخدمة. وسعت الولايات المتحدة لبيع السفن الأربع إلى اليونان عام 1998 ولاستراليا عام 1999 بموجب برنامج تراوحت تكاليفه بين 500 و700 مليون دولار لمدة خمس سنوات. ولم تتم متابعة أي من الخيارين. في مقابل هذا الوضع, بدأت الصين مشروعا طموحا لتطوير قدراتها العسكرية, ويعمل الجيش الصيني حاليا على تصميم صاروخ جديد ربما يكون كفيلا بتقويض كافة دفاعات تايوان. والصاروخ, غير المحدد اسمه رسميا , يظهر على تصميم المقاتلة الصينية "جي اتش ـ 7" (وتسمى الطائرة أيضا اف. بي. سي ـ 1 أو النمر الطائر في نسختها المعدة للتصدير). وهذا الصاروخ لا يمكن تدميره في الجو لكونه أسرع من الصوت وهو معد على ما يبدو لضرب الرادارات التي تشكل خط تايوان الدفاعي الأول. وهو قادر على اجتياز مضيق تايوان الذي لا يتجاوز عرضه 150 كيلومترا . وأن ظهور الصاروخ على تصميم طائرة معدة للتصدير يعني كذلك أن الصين ربما تكون مستعدة لنقل هذه التكنولوجيا إلى بلد آخر. واتجهت الصين كذلك لتعزيز علاقاتها العسكرية مع روسيا, وبدا ثابتا الآن أن روسيا ستبيع الصين 28 مقاتلة تدريب من طراز "سوخوي ـ 27 يو. بي. كي" خلال السنوات الثلاث المقبلة, وستستلم الصين ثماني طائرات قبل نهاية السنة وعشر طائرات أخرى في دفعتين في السنتين المقبلتين. وجاء بيع هذه الطائرات في إطار اتفاق ثنائي وقع بين البلدين عام 1999. ويبحث البلدان كذلك تسليم طائرات مقاتلة من طراز "سوخوي ـ 30" و"سوخوي ـ 30 ام. كي" كانت طلبتها الصين. وتتفاوض روسيا أيضا على بيع أربعة طائرات رادار من طراز "اي ـ 50" للصين, واتجهت الصين لشراء طائرات الرادار من روسيا بعد أن سحبت إسرائيل بضغط من واشنطن عرضها بيعها طائرات من طراز "فالكون" مجهزة بأنظمة إنذار مبكر "اواكس". بيد أن توازن القوى في مضيق تايوان لم يتغير بعد, إلا أن الولايات المتحدة تراقب على وجه الخصوص مشروع بيع طائرة الرادار الروسية إلى بكين. وأفادت المؤسسة الدولية للدراسات الاستراتيجية في تقريرها الذي نشر في تشرين الأول (اكتوبر) أن الصين انفقت نحو أربعين مليار دولار لتعزيز قدراتها العسكرية العام الماضي. وعلى صعيد العلاقات الأمريكية الاوروبية, قد لا تقل الأمور حساسية عما هو عليه الحال بالنسبة للروس والصينيين. وفي خطوة ذات دلالة, دعا الرئيس الفرنسي جاك شيراك في مقال نشرته صحيفة "واشنطن بوست" في الثامن عشر من ديسمبر, أمريكا إلى "إدارة ظهرها لإغراء الانكفاء على الذات ونزعة التفرد". واعتبر أن "العالم بحاجة إلى أمريكا تمارس المسؤوليات العالمية الكبيرة المترتبة عليها.. وإن التزام أمريكا يبقى ضروريا في عالم بعد الحرب الباردة غير المستقرة, وسويا فقط يستطيع الاوروبيون والامريكيون أن يجدوا حلولا للتحديات الكبرى التي يواجهونها اليوم". واعتبر شيراك أن الوقت حان لإقامة شراكة شاملة بين الولايات المتحدة وبين الاتحاد الاوروبي المطور والموسع. بيد أن الحقيقة التي لا جدال فيها هي أن ثمة شعورا سائدا مفاده أن العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة باتت تفتقر إلى حس استراتيجي وتحديد اولويات. ومع وصول بوش الابن إلى الرئاسة الأمريكية يبدي الاوروبيون قلقا من حدوث تصلب في علاقاتهم مع الولايات المتحدة حول العديد من المسائل الحساسة في مقدمتها الدفاع والتجارة. ويتوقع أن يعود مشروع الدرع المضاد للصواريخ ليحتل الأولوية في العلاقات بين واشنطن وحلفائها. ويثير هذا المشروع تحفظات لا سيما من قبل فرنسا وألمانيا بسبب ما ينطوي عليه من مخاطر أحياء السباق إلى التسلح. ومن الممكن كذلك أن تؤثر إدارة بوش, التي قد ترفض أي استقلالية للاتحاد الاوروبي عن الناتو, على السياسة الدفاعية للاتحاد الاوروبي التي مازالت في بداياتها. ويخشى الاوروبيون في الوقت نفسه النزعة "الانعزالية" التي ينسبونها إلى بوش بعدما أثارت الأوساط المقربة منه احتمال انسحاب أمريكي من عمليات حفظ السلام التي يقوم بها الناتو في البلقان. وإذا ثبتت هذه النزعة الانعزالية فإنه من الممكن أن تلقي بثقلها أىضا على العلاقات التجارية بين الطرفين. ويعتبر بوش في النزاعات الكبيرة القائمة أكثر تأييدا من آل غور لمجموعات الضغط (اللوبيات) الصناعية الكبرى التي ساهمت بقوة في تمويل حملته وليس هناك من شك في أن بوش, الذي لم يعر اهتماما للمخاوف "المناهضة للعولمة" سيؤيد اطلاقا سريعا لدورة جديدة من المفاوضات المتعددة الأطراف في إطار منظمة التجارة العالمية. وقد اعلنت كوندوليزا رايس أن بوش يفكر فعلا في "إعادة تقييم" الوجود العسكري الأمريكي في البلقان لكن ليس بدون التشاور مع حلفاء الولايات المتحدة. وذكرت رايس في مقابلة مع شبكة "اي. بي. سي" يوم الاثنين الماضي أن "بوش أعرب عن اعتقاده بأنه علينا إعادة تقييم امكاناتنا". وخلافا لهذه التصورات, كانت إدارة كلينتون قد دعت إلى إبقاء القوة العسكرية الأمريكية في البلقان طالما لم يستقر الوضع, حيث إن "مسؤولياتنا في البلقان جماعية ومستمرة ولا نستطيع أن نسمح لأنفسنا بالقول إن العمل انتهى في حين أن الواقع مختلف". وترى إدارة كلينتون أنه بعد خمسة أعوام من توقيع اتفاقات دايتون للسلام لايزال الوضع في البوسنة والهرسك هشا , في حين أن قوات الناتو وعناصر الأمم المتحدة في كوسوفو "تلعب دورا حاسما في مجال الأمن". وفيما يتعلق بقوة الدفاع الاوروبية واصفا إياها بأنها "طعنة موجهة إلى قلب الناتو". وقال بولتون في صحيفة "صانداي تايمز" الصادرة في السابع عشر من كانون الأول ديسمبر أنه يجب إعادة النظر في العلاقات الأمريكية مع بريطانيا في إطار هذا الجيش الاوروبي. وأضاف: "علينا أن نطرح عليهم السؤال بوضوح: هل انتم معنا أو معهم؟" مؤكدا أن مستشاري بوش اوصوه بمعارضة قوة الدفاع الاوروبية والتهديد الذي قد تمثله للناتو وللعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وبريطانيا. وفي ظل هذا المناخ, يرى بعض الاوروبيين أنه مع إدارة أمريكية عازمة على خفض المشاركة الأمنية للولايات المتحدة في أوروبا, فإن على أوروبا الاضطلاع بالمزيد من المسؤوليات العسكرية. وأن القوة العسكرية الاوروبية تحت الإنشاء تأتي استجابة "للقائلين في واشنطن أن أوروبا لا يمكنها أن تستمر في الاعتماد على الولايات المتحدة لإخراجها من الصراعات الاوروبية, مالم تكن مستعدة لفعل المزيد لمساعدة نفسها. واستنفاذا منها لهذه الخلافات المتزايدة بين ضفتي الأطلسي, سارعت روسيا لإعلان استعدادها بحث التعاون العسكري مع أوروبا إذا مضت قدما في خطط تشكيل قوة دولية للتدخل السريع, وألمح الروس أن روابطهم المستقبلية مع القوة المقترحة يمكن أن تكون بالنسبة لهم قوة موازنة للناتو.
|