|
|
|
Friday 22 December 2000 No.11869 Year 37
|
الجمعة 26 رمضان 1421 العدد 11869 السنة 37
|
|
|
|
كيف يخاتل الشمري ضجر اليباس 2/2
وتأتي قصة "ضجر اليباس", في هذه المجموعة, لتداخل موضوعا من الموضوعات الإنسانية الكبرى, التي دلفت إليها حركة السرد منطلقة من اليومي, والمشهود إلى جدلية الفكر والتخيل, ليؤول المتخيل إلى حركة تسرد عبر مشاهد اليومي, ليؤول إلى الدخول في بوابة التفكير المجرد الذي لا يكف عن ان ينثال بحركة التسريد على ذلك المتعقل فيتعانق الاثنان في بوابات الحدود أمام التفكير الإنساني. في هذه القصة يعانق القارىء هذا المدخل الذي يقول له الشمري فيه ما يلي: مدخل: أرأيتم ناغلا لا يضجره اليباس.. هو ذاك المفرط في لدانته وتموجه.. إنني أعني هنا دود الأرض القرمزي.. ذلك الذي لا يجعل أجسادنا تنام في تربتها بسلام. فيبدأ هذا المدخل.. الذي يعقد علاقة بين القارىء والكاتب.. ويوجه الأنظار إلى شخصية فاعلة في القصة هي "شخصية الدود القرمزي" ص 19. وهنا نتساءل: ألا يثق الشمري بقدرات القارىء في متابعة حركة هذا الناغل وتسي ـدها لحركة السرد في النص؟! ثم ان القارىء له الحق في ان يتساجل مع خطوط أخر في القصة غير ما يشير إليه المدخل. ذلك ان المدخل لا يشير إلا إلى الدود القرمزي, وأكله لأجسادنا.. بينما حركة السرد تخاتل أمورا منها: ـ عرق الإنسان وجلده الذي يوازي ويشابه حرص وجلد الدود. ـ احتقار الدود ثم الوقوع فريسة له. ـ الشموخ والعنفوان الذي يؤول إلى مائدة مقززة للدود. كل هذا يجعلنا نقول إن هذا المدخل الذي عقده الشمري لا داعي له, بل انه يحرف القارىء عن مسارات تخييلية في النص. وكما كان مؤرقا الشمري بمسألة العقل والجنون في بداية هذه المجموعة ـ كما أشرنا إلى ذلك سابقا ـ فإن ذلك الأمر كان به إلى أن أغلق حكايات هذه المجموعة بالقصة الأخيرة "يغيب عقل .. يبين جنون" وفي هذه الحكاية نعود إلى ذلك الخيط الذي قال عنه في القصة الأولى "بين العقل والانخطاف فرق ضئىل لا تكاد تلملمه إلا ويختفي". لنلامس مقولتين: ـ مجنون. ـ هو من هرب عقله .. مخلوع العقل لا جان فيه البتة ليؤول أمر تسميته من "أبوجنية" إلى "أبو عقل". إن السرد في هذه القصة يسرد الحالة المرئية, ويواشج بين ما يتعلق بها والمقولات السائرة, ليشل يقين تلك الحركة, وذلك الاستسلام إلى قول مختلف لا يقين له. فـ "سويلم" (الذي ربما حملت التسمية مفارقة للحالة التي اعترته" كما يقول السارد "فالناس هنا أجمعوا على نعته بالجنون, كما خلعوا عليه كـنى عديدة, تدور حول الهبل, والخطف, والسكن, والمس, وعرف جراء ذلك بـ "سويلم" (أبو جنية". ويمضي السارد حاكيا اتفاق الجماعة على جنون المجنون, وعلى طريقة علاجه, وتعاونهم جميعا على كبح هذا الانشطار والنزق, ومحاولة ردته بشيء من الحكمة والدهاء والأدوية والنفثات.. لدى حكيم الأدوية "ابن دايش". ويمضي السرد حاكيا انقلاب التصور لدى سويلم ليقول: "عبر المغازات رأى سويلم في عين جنونه رجلا ينحني لكلبه, وذئبا يطارد بدويا مسلحا, وحمائم تلاحق صيادا, وخروفا يسير في قطيع من الرعاة.. حملا لا يعبأ بأحد.. ماء يستجدي السراب, ورملا عن لونه للرماد.. وحده الطلح هو الذي يقف في العراء ويعاني سياط الشمس بجلد" ص 73,74. ومع حضور الشمس, وجلاء الحقيقة وانكشاف عري الطلح, ينكشف معادلا للمجنون يصر على البقاء, ورؤية الأشياء بشكل مختلف وتنتهي تلك القوى المتحفزة لإخراج الجنون من المجنون إلى استسلام لمجاز اللغة, وقراءة أخرى مختلفة, مع بقاء حالة الجنون تمارس عري ها لستار الجماعة والعقل.. فيقنعون بأن سويلم هرب من عقله وانه ليس مجنونا!! إن مثل هذا السرد الذي يقدمه الشمري يعانق بين مصير الحالة ومصير التصور, ليجعل التصور فاعلا في حركة الحالة وتحريكها. وقد لامست المجموعة حركة السارد, حيث سجلت قصة "مخرج 12", حالة للسارد, وهو يواجه صعوبات الطريق والوحل والطين, والمغامرة المجنونة التي كادت تفقده حياته, للوصول إلى محمد القشعمي, ليحصل على روايتين هما "شموس الغجر" و "أغنية الماء والنار". لينتهي ذلك إلى قوله: "تنامى الحزن اللاعج, وأصبحت لا أستطيع التركيز والتوازن, انطفأت أحلامي, ورغباتي في مقاومة اليوم الرمادي الماطر, وخبت هالات وجه القشعمي وروايتيه عدت أدراجي إلى حضن الهزيمة" ص 28,29. نحن هنا أمام كتابة سردية, تعالج شأنا من الشؤون المدنية التي تواجه الاختناق والزحام, ومشكلات تصريف المياه.. ولكن ذلك يأتي في سياق سردي يداخل بين "شقاء الفجر" و "عفونة الماء" وبين نشوة الأحلام واغتيالها في مسارب الوحل والسدود التي حالت دون بلوغ الأحلام آمالها.
|
|
هيلة بنت علي الدبيخي
يتوشح الوجه المضيء بقتامة وسواد.. يحتفي بعضه, تحت لثام أبيض.. يلف رأسها.. تصوم حتى عن الحديث, مع لسعات البرد الخفيف القادم, على أجنحة الخريف.. وأوراقه الطائرة المتساقطة.. تستشعر أمي في كيانها, حنينها إلى الدار.. إلى القن الذي كان يؤوي دجاجاتها.. فأجلس بين يديها.. تلقي إلى سمعي, كلماتها تقطر شوقا وحرقة.. موعظة كل عام.. حفظتها عن ظهر قلب. "لو رأيتهن, وهن يسرعن إلي .. يتهادين حولي.. كدراجات تحف بالمواكب العظيمة.. يمسكن بثوبي.. يشاكرنني.. أرمي اليهن الحب.. ما احلاهن.. وهن يلتقطنه.. ما أروع الصغار.. وهن يخطفن الحب من الكبار!". تمسك أذني.. تقربني من فمها.. تخاف من الجدران أن تسمعها لا تريد الهواء ان يضطرب بحركة لسانها.. تشد اذني.. تستطيل اقترب.. ما أوفاهن.. أحسن من بعض بني آدم ـ أولاد لا يفعلون لأمهاتهم شيئا .. لا يسمعون .. ولا يطيعون.. ولا المعروف". أفهم ما تعني.. تلسعني بعض أفكارها.. أتفلت منها ترسلني.. افرك اذني.. لتعود كما كانت.. "درس بليغ".. لا يضيع منها ـ ولو كلمة.. أشفق عليها.. من هذا.. انقضت عقود.. طويلة كدهر ـ وصخور الحنين تطبق على انفاسها.. منذ ان أخرجنا من دارنا الطيبة! تحتفظ بصرة بيضاء.. غاب عني سرها لمدة طويلة.. تقبع في صدرها كادت حبات القمح فيها.. تنمو.. تريها الشمس بين حين وآخر تقلبها, بعناية وتؤدة.. لترى الهواء.. وتستحم في النور.. هكذا كنت أفعل.. عندما كنت تحبو ـ بين يدي.. في فناء الدار.. كنت تبعدهن عن الطعام.. ولا يجرؤن عليك.." تعيد قصتها دائما .. هكذا.. في نفس الموعد.. كأن في أعماقها بوصلة.. ساعة.. تدلها على الزمن, عندما يستدير ويعود الينا بوجهه المعهود.. لم أشاهدها تنظر في السماء.. ليس لديها نتيجة حائط.. لا تسأل أحدا .. كيف تعلم.. أمي.. لا أعرف. كنت في فناء الدار.. الدار يا بني.. هي دار.. قصر قل.. دخلت الشمس أرض الحوش, قلت لاخيك: افتح القن.. تأهبت وحملت صرتي في يدي.. انفلتت الدجاجات.. أسرعن.. قلبي يتقافز مع حركاتهن.. بين أضلعي.. يحاول ملاقاتهن.. ويتقبل منهن تحية الصباح.. تتطاير ابتساماتي.. أشفق على الصغار.. يحاولن اللحاق.. يتعثر احدها.. يتدحرج.. أسرع اليه ـ أقيمه.. أمسح ما بجناحيه.. اقبله.. أعيده إلى الأرض.. يسرع طرقات شديدة على الباب الخارجي.. أسرع اليه.. يندفع أبوك كالثور الهائج ـ ماذا فعلت بالاولاد.. الأغراض.. تـر د دـ صرخاته الجدران.. الرصاص.. الموت.. احتملنا بسرعة البرق.. لم يذقن الافطار ـ وضعتها في صدري ـ وصرنا في الطريق.. الغبار يملأ الفضاء.. الأطفال يتصارعن.. النساء ذاهلات.. اختلط الناس.. بالتراب والخوف.. كبار السن يتساقطون على جانبي الطريق.. تنتفض وتصيبها رعدة.. فأسلوبها.. وتقترب من فراشها.. لتستعيد بعض روحها!. تمسك بيدي.. وتعيد علي .. "كلما أضع امامكم فطور الصباح.. يا بني.. يقفزن امامي.. في فناء الدار.. الجدران. حجارة الاقواس موقع الفرن.. شجرة التوت.. خوار الثور.. هديل الحمام.. زقزقات العصافير.. ماذا اقول.. ماذا.. البيض الذي اجمعه كل يوم ـ البيض.. الواحدة ثمنها 3 قروش.. مال.. مال.. هذه القروش في ذلك الوقت.. تدق صدرها بكلتا يديها ـ تتسارع تنهداتها.. وتنهمر. حبات لؤلؤ ساخنة على وجنتيها ـ صافية ـ حارة.. اضمها إلى صدري.. وتقفز حمى الشوق إلى دمي! أقوم معها إلى الحوش.. وعند سقف البيت المجاور.. أنثر قليلا من الحب.. تحمل صرتها.. تتهاوى اليه حمامات الجيران.. عصافير الفضاء.. تتكاثر.. من أين تأتي.. تطرد خوفها.. تتزاحم أنظر إلى أمي ـ غاب عنها اضطرابها .. ترى الفرحة حتى في عينيها في قسمات وجهها.. تحدق بكل بصرها ـ ويقف جريان الأشواق الساخنة في أعماقها.. واسمعها.. شكرا .. شكرا ..! تستدير نحوي.. تتأمل وجهي.. كأنها تراني للمرة الاولى بعد غياب عظيم.. تتفحص حبات القمح.. كأنها تراني للمرة الاولى بعد غياب عظيم.. تتفحص حبات القمح.. وتعيد علي كلماتها ـ التي ترددها.. منذ عقود كأنها لم تقلها إلا هذه المرة. ترى من يطعم دجاجاتي؟؟ تسكت قليلا .. تطرق إلى الأرض.. ترفع بصرها إلى السماء وعندما يعانق بصرها الأفق الغربي ـ يعود اليها انكسارها.. وتهتف متى نعود.. يا بني؟!
|
منصور الحازمي... رحابة الأفق والقدرة على التواصل الفكري
بقلم: د. عاصم حمدان
كنا على موعد للقاء الدكتور منصور بن إبراهيم الحازمي في جدة فإذا رئيس اللجنة الأكاديمية المخصصة لتكريم سمو الأمير عبدالله الفيصل وهو الزميل الدكتور عبدالله بن سالم الميعطاني يخبرني بأن "الحازمي" لن يكون ـ معنا ـ, لأنه فاز بجائزة الملك فيصل العالمية في حقل الأدب مشاركة مع الدكتور السعافين, ومع أنني كنت أمني النفس بلقاء "ابن عائج", إلا انني شعرت وكأنني قريب منه في يوم كهذا وفي مناسبة كتلك ومن الأيام ما يجدد الحياة, ومن المناسبات ما يكون يوما للأمة والمجتمع متجاوزا الفرد إلى الكل, والذات الواحدة إلى ذوات عدة. [[ رأيتـ الدكاترة "منصور" لأول مرة في مؤتمر الأدباء السعوديين الأول في مكة, وكنت عندئذ على مقاعد الدرس في قسم اللغة العربية, ومع ان "منصور" يضرب في نسبه بجذور عميقة في قبيلة حرب إلا انه ولد وعاش على مقربة من بيت الله الحرام, فلقد أخذ بالوراثة من البادية صفاءها وإشراقتها إضافة الى ذلك الشموخ والاعتزاز بالنفس, وهو شموخ يعطي النفس حقها من الكرامة إلا انه عند "الخؤولة" من الأحامدة والحوازم والر دادة والرحلة وفروعهم وأفخاذهم ـ وسواهم ـ لا يـستخدم في التطاول على أحد, أو في النيل من كرامة الآخرين وحقوقهم. [[ وأخذ "منصور" من الحاضرة رقة الكلمة, وتهذيب العبارة, وأناقة المظهر, فهو "جرولي " سمع الأذان نديا في الحجر والمقام, والقرآن مرتلا غير بعيد عن نبع زمزم حيث يرتوي الناس من الماء والعلم ـ معا ـ, وتصفو النفوس فتسمو إلى تلك الآفاق الرحبة من عالم الروح والطهر والشفافية وفي "الدحلة" كان "زومان" أبناء الحارة يطرق كل باب, وكل أذن, والتلويح بالعصي يأخذ بألباب الناس, ومن هنا دخل "منصور" إلى علم القصة والرواية أو ملحمة العصر والتي إن لم تزح ملحمة الشعر إلا انها زاحمتها, ثم تجاورا وتعايشا فأخذ هذا الفن من الشعرية كثيرا, واعترى بحور الشعر ما اعتراه من هزة فكان شعر التفعيلة الذي تطلع لمواكبة الفن الوليد الذي اكتمل بناؤه واستوى. [[ ثم رأيت "منصور" في قسم اللغة العربية بجامعة الملك سعود بالرياض, فلقد كنت أعد العدة للسفر إلى ديار "الإنجليز" بحثا عن شيء أسموه الدكتوراة, وطفقنا نلهث خلفه عاشقين أو مبهورين, وكان المعني يحتسي القهوة مع زميله الدكتور حسن شاذلي فرهود وسألتهما عن "وليد عرفات", فلقد سبقاني للدراسة على يديه مع أستاذنا الدكتور "حسن باجودة" في معهد الدراسات العربية والأفريقية بجامعة لندن, وعندما حللت بالأرض التي لا تشرق الشمس عليها إلا لماما , وجدت الصديق الدكتور عدنان وزان قد سبقني للدراسة في جامعة "أدنبرة" وإخاله شاطر مرزوق بن تنباك وفضل الدوسري, ومن قبلهما أستاذنا محمد الهدلق الدراسة على المستشرق المهذب, والمتعاطف مع القضية الفلسطينية "مايكل ماكدونالد" في وقت عصي وصعب ـ في تاريخ العلاقة بين الإنجليز والعرب ـ فلقد كانت حقبة "هارولد ويلسون" ورديفه "جيمس كالاهان" من أكثر الحقب انحيازا للصهيونية وعصابتها. [[ كنت في "أدنبرة" أبحث عن فك الحرف في لغة "شكسبير" وديكنز", وكان "الوزان" يدرس الأدب المقارن وكتب إلى "منصور" يستمزح رأيه فيما يصلح موضوعا لدرس هذا الصنف من العلم, فإذا هو يقول له: "ولعلك واجد في أدب "نجيب محفوظ" مجالا خصبا للدراسة". [[ ووضع أبو "البتول" يده على هذه العبارة فكانت رسالته عن تأثر "محفوظ" بواقعية القرن الثامن عشر الميلادي ممثلة في الروائي "بينيت". [[ لقد استطاع "منصور" أن يتواصل في الساحة الأدبية مع جميع التيارات الأدبية, ولم يحصر نفسه في منهج واحد, أو يقاتل في تعصب أعمى عن رؤية بعينها. فلقد كان من رحابة الأفق والصدر ما جعله بمنأى عن التعثر الذي وقع فيه البعض, وعن الأحادية التي فتكت ببعض العقول التي كان يمكن لها أن تثري الساحة لولا ذلك التعصب المقيت لمقولة هنا, أو رأي هناك, ولقد تنبه "منصور" لهذا الآفة الفكرية فكتب في مواقف نقدية يقول لابد أن تتسع صدورنا للاختلاف في المواقف ووجهات النظر, وقديما كانت صدور اجدادنا رحبة واسعة, رحابة الأفق واتساع الصحراء, فما بالها تضيق في زمن تحولت الأرض فيه إلى ذرة صغيرة سابحة في هذا الكون الرائع والفسيح؟ ولا أقول لا تختصم حول قضايا الفكر والفن والأدب, ما دامت هذه القضايا متجددة متطورة, وقابلة ـ دوما للاضافة والاجتهاد ولكنني أقول ان هذه الخصومة يجب ان تتوقف عند القضايا الموضوعية البحتة, ولا تتعداها إلى الهجاء أو التعالي والقطيعة, ولابد ان تـكبر الحضارة العربية والاسلامية إبان قوتها وتوهجها حين كانت تحتضن في مساجدها واسواقها ألوانا متعددة من الخصومات الجادة والهزيلة في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تنطوي على جهلها وتعصبها, وتئد الفكر ذليلا في كنائسها وأقبيتها المظلمة". [[ لقد قبض "منصور" على هذا السر, أو الكبريت الأحمر كما يقول فلاسفة التصوف, واستطاع أن يستمر بينما توقف البعض, وأن يتواصل مع جميع الطروحات في الوقت الذي ضيق فيه البعض واسعا وحجروا على الآخر في قمقم وانطلق "منصور" متئدا في خطوه, متزنا في طرحه, واحتضن الجميع في حب وصفاء, فكان يوم قطف الثمار جميلا ورائعا .
|
|
وداع إلى أم حسان "أطياف الماضي" مع التحية.. ماذا عسى القلم ان يكتب.. أو يخط..ماذا عساه ان يقول ويشتكي.. أيكتب عن قسوة الأيام وما تطوي من الاحباب داخل صفحاتها.. أم يخط الآلام فراقها.. ام يقول وبصوت عال للايام الماضية عودي لا ترحلي أم.. أم يشتكي ما حل بمصلانا الحبيب بفقدها.. وفقد صوت يرتفع لنصرة الحق.. ام ماذا.. وماذا..؟ أواه.. لو الدموع ترد أحبابنا لحفرت في وجهي أخاديد.. أواه.. أواه فلو كان هذا الدمع يجدي رأيتني بكل دموع العين اجري السواقيا فقدناه مجلسك.. دعوتك إلى الله.. ابتسامتك.. صوتك.. دائرة حوارك مكانك من سيجلس فيه يعز على قلبي المعنى بأن يرى ديار أحبائي على البعد خاليا ولكن.. سنصبر على مرارة فراقك.. من أجل سعادتك.. سأصبر على فراق اخت جمعني بها أوثق رباط انه رباط الأخوة في الله فهذا الفراق قد حل بأرضنا فلا تنسي أختا لك أحبتك في الله... ولكنها الايام تجري ولا لنا عليها سبيل كي نرد العواديا عائشة فلاح
|
صدق الرؤيا واستحقاق الجائزة
محمد عبدالله الدوسري
لا شك ان الحصول على جائزة الملك فيصل شرف من حق من حازه ان يفخر به, الا ان منحها للأستاذ منصور الحازمي في حقل الأدب العربي يفتح افقا آخر للرؤيا من حيث شخصه واسباب منحها له والاعمال التي رشحته لنيلها, ذلك ان جائزة الملك فيصل عالمية محايدة تهدف الى تكريم من اسهموا في الارتقاء بمستوى الأدب من المحلية الى العالمية ومن الذاتية الى الانسانية وهو ما درج عليه الدكتور منصور الحازمي اكاديميا وباحثا ومؤلفا, وكل من يتعامل معه في الشأن الاكاديمي او الأدبي يدرك صدق هذا كما يدرك ان الجائزة منحت لمستحقها وكأنها جزء مكمل لمسيرة العمل الأدبي الذي اسهم الدكتور منصور في بنائه وتطويره وابرازه للعالم والتنظير له والدفاع عنه, فقد كانت حيثيات منح الجائزة له مستندة الى جهوده في دراسة الأدب السعودي باعتباره احد الآداب العربية التي سعت الى بناء ذاتها من اجل مسايرة الآخرين ومواكبتهم بعد ان كانوا يتجاوزونها بمراحل, ولم تكن جهوده متوقفة عند الدراسة بل استطاع ان يضع مصادر الأدب والفكر بين ايدي الباحثين لئلا يكون لهم حجة في ان بداياته وما بعدها مبعثرة ومجهولة وذلك من خلال معجم المصادر الصحفية لدراسة الأدب والفكر في المملكة وقد توج جهوده تلك بكتابة الاحدث الذي نظر فيه للأدب السعودي ودافع عنه وكشف مواطن الخلل التي لم تكن فيه بقدر ما هي في اذهان من نظروا اليه بفوقية محكومة بمركزية تاريخية انقضى عصرها. لقد سعى الدكتور منصور الى بناء الذات الجماعية وتأسيسها من الداخل بالاعتماد على جهودها ونتاجها ايمانا منه بأن هذا هو الطريق الصحيح ـ وإن كان الطويل ـ لبلوغ الأدب الوطني العالمية وتجاوزه الحدود, واذكر انه حين عين مشرفا لي على رسالة الماجستير اقترح علي بأبوية صادقة ان اتوجه الى الأدب السعودي لدراسته والكشف عما لم يكشف عنه داخل هذا الأدب, وبعد ان تلقيت خبر حصوله على الجائزة اتصلت به مهنئا, فجاء رده بلهجته المكية الرشيقة قائلا: (هذا شرف لنا كلنا), فقد اخل في عيني الحدث مع الرجل, والتاريخ بالمكان, فالدكتور منصور ابن البيئة المكية التي ورث عنها الريادة في التنوير منذ بدايات التاريخ العربي وهو طول مسيرته يضع نصب عينيه الارتقاء بالأدب الوطني الى ما وراء الحدود, وهذا ما تم له وهو ايضا ما يتوافق مع هموم لجنة الجائزة التي تسعى الى عالمية الحدث, بمعنى ان تكون الترشيحات الفائزة وأن تكون الجائزة كذلك عالمية لا تقتصر على فئة دون اخرى ولا على وطن دون آخر وانما تتسع ليكون اثرها عالميا على الأدب انتاجا وتلقيا, ومقولة الدكتور منصور السالفة تأكيد لهذه الرؤيا فهو لا يرى ان شرف الجائزة خاص به بل يعتقد انه يتجاوزه الى كل من له علاقة بموضوع الجائزة.
|
د. محمد ربيع الغامدي
تختلف اللغات اختلافا بي نا في الوسائل التي تنتهجها لتصنيف الاشياء التي تعبر كل لغة عنها وترمز لها بعلامات مخصوصة. وقد لـحظ ان اللغات تتفاوت في النظر الى الاشياء الموجودة في الخارج وبيان اجزائها وتعداد اقسامها, في حين ان الشيء هو هو في حقيقته وبقطع النظر عن الكلمات المعبرة عنه. فألوان الطيف المعروفة ـ على سبيل المثال ـ لا تتفق اللغات جميعا في التعبير عن كل لون مما نعرفه منها بلفظ مستقل كما نعهده في العربية, مع انها اجزاء ما يعرف بـ (الضوء), ولا يتغير بتغير نظر اللغات اليه. وقد وجد ان الوان الطيف في لغة(البسا), وهي لغة يتكلم بها بعض سكان ليبريا, لونان فقط تعبر عنهما الكلمتان(ZIZA,HUI). واللون الذي نطلق في العربية عليه لفظ(ازرق) هو في الروسية لونان يعبر عن كل واحد منهما لفظ مستقل, يقارب كل لفظ منهما قولنا:(ازرق فاتح, وازرق غامق) ولا يجمعهما لفظ واحد.(انظر سوسير رائد علم اللغة الحديث. للدكتور محمد حسن عبدالعزيز ص 31 ـ 32). ذلك لان((التقسيم لا يقوم على اساس طبيعي ضروري, بل يقوم على اساس اعتباطي عرفي. ومن ثم فإن اللغة لا تختار ودوالها(الفاظها) اختيارا عرفيا فحسب, بل تختار كذلك الاقسام والانماط المناسبة لنظرتها الى العالم)). (السابق ص 31). والجنس(التذكير والتأنيث) شأن يختص به الموجود في الخارج, وتعني اللغة بالتعبير عنه مثلما تعني بالتعبير عن الوان الطيف سواء بسواء. وتختلف اللغات في النظر الى الجنس من حيث افراد بعضها لاحد النوعين رمزا لا تقره غيرها من اللغات الاخرى, ومن حيث اعتداد بعضها بالنوعين فقط(مذكر ومؤنث) دون ادراج نوع ثالث, كالعربية مثلا التي تغاير طائفة اخرى من اللغات تعتد بما يسمى(المحايد), اي: الذي ليس بمذكر ولا مؤنث. وقد اشكل على الدارسين قديما وحديثا التذكير والتأنيث في العربية, وحاروا في ضبطه وتقعيده. ذلك لأن كثيرا منهم رأى مسألة الضبط والتقعيد لا ينبغي بكل الوجوه ان تستعصي على اللغويين. وراود اغلبهم شعور بأن كل ظاهرة لغوية تحمل باطلاق في طياتها اسس قوانيها التي تضبطها, من غير نظر الى السؤال اولا عن امكان ذلك الضبط او امتناعه, واسباب احتمال وجوده وعدمه. ومن ثم رأى هؤلاء ان من واجبهم التوصل الى الوجوه التي بها يذكر اللفظ او يؤنث. وتنوسيت في غمرة الاهتمام بالبحث عن قوانين التذكير والتأنيث امور, لو اخذت في الحسبان لتغير مجرى البحث في(الجنس). وهي امور لابد من استجلائها هنا; ليكون في ضوئها ايضاح المسألة برمتها. بدأ البحث في قضية التذكير والتأنيث في العربية او ل ما بدأ باستقراء الالفاظ اللغوية التي تعامل عند الاسناد اليها معاملة المذكر او العكس مما لا يتضح فيه تذكير او تأنيث في نفسه من خارج اللغة(المذكر غير الحقيقي والمؤنث غير الحقيقي); لان الحقيقي لا اشكال فيه, ثم انه منضبط في اللغة ايضا . وال فت كتب كثيرة يصعب حصرها في المذكر والمؤنث, لا تعدو ان تكون تعدادا للالفاظ المذكرة والمؤنثة, اي: اشبه بالمعاجم اللغوية, وان لم يخل بعضها من اشارات لما يشبه ان يكون قانونا في بعض الاحوال. وذلك مثل ملاحظة ان ما كان من اجزاء جسم الانسان عضوا واحدا ليس معه غيره كان رمزه مذكرا , وما انظم اليه آخر كان لفظه المعبر عنه مؤنثا . فاللسان مذكر, وكذلك الفم, والانف, والرأس, والقلب, والصدر, والظهر, والبطن. اما العين فمؤنثة, وكذلك الاذن, والشفة, والذراع, والكتف, والرجل, والساق, والركبة, والرئة. لكن ذلك لايستقيم في كل حال, وغير خاف ما يخرج عن هذا المستنتج من اسماء الاعضاء المعروفة. هذا الى ما ذكرته المصادر من اختلاف اللغات(اللهجات) في تذكير بعض الاعضاء وتأنيثها. قال في اللسان(ع ن ق): ((والعنق: وصلة ما بين الرأس والجسد. يذكر ويؤنث)). وصرح بعض اللغويين وعلماء العربية بأن اعضاء جسم الانسان, كالعنق والعضد والعجز مؤنثة عند الحجازيين, مذكرة عند التميميين. ونسب التذكير ايضا الى بعض قبائل اليمن وتهامة.(انظر مثلا : دراسات في فقه اللغة للدكتور صبحي الصالح ص 86). غير ان بعض دارسي العربية ذهب الى التماس قانون التذكير والتأنيث في المعنى المراد في التركيب المخصوص, ولا سيما في الالفاظ التي جاءت في القرآن الكريم تارة بالتذكير واخرى بالتأنيث.(انظر السابق ص 90). وراحت بعض كتب الاقدمين الاخرى تسرد ما ثبت عن العرب تذكيره او تأنيثه, مشفوعا بالاستشهاد على ذلك بالنصوص الشعرية او النثرية الموثوق في فصاحتها, من غير اجتهاد في التوصل الى قوانين يكون بموجبها تحتم التذكير او التأنيث. وان ذكرت خلافا في شيء من ذلك فغالبا ما يكون الخلاف على ثبوت الورود عن العرب او نفيه, اي: انه خلاف في السماع فحسب. ربما لانهم استشعروا صعوبة الجزم بقانون ما, ولانهم لحظوا اختلاف القبائل في اللفظة الواحدة تذكيرا وتأنيثا , ولا سيما تميم والحجاز. فكما اختلفت اللهجتان في اجزاء الجسم تذكيرا وتأنيثا ـ كما تقدم ـ اختلفتا ايضا في الفاظ أخر كأسماء الاماكن نحو(الطريق, والسبيل, والزقاق والصراط, والسوق). وقال السيوطي:((هل الحجاز: هي التمر, وهي البر, وهي الشعير, وهي الذهب, وهي البسر. وتميم تذكر هذا كله)). (المزهر 2 ـ 277). واعلن كثير من الباحثين المحدثين في نهاية الامر العجز عن الوصول الى منطق خاص يحكم الجنس اللغوي, وقرروا ان الاصطلاح وحده هو الذي عامل لفظا ما معاملة المذكر وآخر معاملة المؤنث.(انظر مثلا علم اللغة للدكتور محمود السعران ص 254 ـ 256). وتصدى عدد من المحدثين لمحاولة تفسير عدم استقرار اللغة على حال في اعتبار التذكير او التأنيث للاشياء الجامدة التي ليست كالاشخاص المتصو ر لهم بوضوح حال معينة حقيقية من التذكير والتأنيث. فقد عزا المستشرق رايت(Wright) تلك الظاهرة في العربية الى الخيال السامي الخصب الذي شخص لاشياء وجعل اناسا , ثم تصور في بعضها تأنيثا وفي بعضها الآخر تذكيرا . فأخضع جميع الكلمات لأحد الامرين.(انظر من اسرار اللغة لابراهيم انيس ص 163). ويرى فنسنك(Wensinck) ان اللغات السامية حين خلعت على بعض الاسماء فكرة التأنيث تأثرت في هذا بعوامل دينية, وبأخرى مرجعها التقاليد والمعتقدات العامة, الامر الذي تضمن غير قليل من الاعتقاد ان في المرأة غموضا وسحرا . ومن ثم ضموا الى المرأة ظواهر الطبيعة التي خفي عليهم تفسيرها, ودق على اذهانهم فهمها, بجامع الغموض والسحر في كل منها.(انظر السابق ص 163). وانطلاقا من الحيرة في تفسير الغموض المحيط بقضية(الجنس) في التعبير اللغوي, ولاجل الصلة بين التذكير والتأنيث في الالفاظ وبين الفحولة والانوثة في الاشخاص, راح كثير من نقاد العصر وادبائه يعقدون المقارنات, ويتكلفون التأويلات, في محاولة للربط بين ما يعتمل في نفسيات اهل اللغة وما يحملونه من تصورات ومعتقدات وافكار عن الذكور والاناث وبين ما ينطقونه من كلمات معبرة عن الذكورة والانوثة. ولا تبعد هذه المقارنات والتأويلات عن اجتهادات بعض المستشرقين المذكورة اعلاه, من حيث انها جميعا من نوع القراءة الحرة في فكر اصحاب اللغة, والتي يضيف فيها القارئ الوانا من الدلالة النابعة من ذاته, لا انها نتائج علمية لقضية الجنس اللغوي. واود الاشارة هنا الى مناقشات جرت قبل سنوات بعد ظهور كتاب الدكتور عبدالله الغذامي(المرأة واللغة), 1996م. ومنها حلقات كتبها الدكتور حمزة المزيني في جريدة"الرياض", قرأتها في وقتها. ثم افضل علي صاحبها قبل فترة وجيزة بإهدائي ـ مشكورا ـ نسخة من كتابه الذي تضمنها ونشر في ضمن سلسلة كتب"الرياض", وهو كتاب(مراجعات لسانية) ج2, عام 2000م. خلصت تلك الحلقات الى تأكيد ان الانحياز(الذكوري) انما هو انحياز في الثقافة لا في اللغة من حيث تركيبها. وفي الوقت الذي ينفي فيه الدكتور المزيني شبهة انحياز العربية الى جانب الرجل ضد المرأة, ويحشد الادلة على براءة اللغة من هذا, يوافق الدكتور الغذامي على الصاق التهمة نفسها بالثقافة, ويقترح ان يكون عنوان الكتاب(المرأة والثقافة) بدلا عن(المرأة واللغة). ومع اني اتفق مع الصديق المزيني في نفي تهمة الانحياز العمد عن اللغة, اتحفظ على الطريقة التي اقترح ان تحول بها التهمة الى الثقافة. ان قضية (الجنس) في العربية لا يلتمس تفسيرها العلمي ـ فيما ارى ـ من مجرد النظر في فكر اهل اللغة ومعتقداتهم على اطلاقه. بل ينبغي اللجوء الى التماس التفسير من طبيعة اللغة نفسها لا من خارجها, كما ينص على ذلك الدكتور المزيني نفسه. وعندي ان السر وراء اضطراب التذكير والتأنيث من جهة ومعاملة بعض الالفاظ على اساس انها من المذكر واخرى من المؤنث من جهة ثانية يعود الى طبيعة(الاسناد) ونظامه في العربية, لا في تصور ان شيئا ما في نفسه مذكرا وآخر مؤنثا, ولا على اساس تصور الاشياء جميعها من ذوات الارواح, ولا من منطلق التصورات الذهنية لجماعة المتكلمين ومعتقداتهم ومواقفهم النفسية تجاه الانثى وتجاه الفحول من الرجال. ولذلك لا يلزم ـ بل لا يجدي نفعاـ في الدفاع عن موقف اللغة من التأنيث وتنزيهها عن محاباة المذكر اثبات ان هناك امورا معنوية عظيمة مؤنثة, كالفضيلة والنجدة والشجاعة والنخوة والانفة.(انظر د. حمزة المزيني. مراجعات لسانية ج2. ص 143). ولا يستقيم اثبات محاباة التأنيث ضد التذكير بأن جعلت((النفس مؤنثة والحرب مؤنثة والشمس مؤنثة والسماء مؤنثة وكذلك الارض)). (انظر مقابلة اجريت مع الدكتور مصطفى عبدالواحد في ملحق الاربعاء, 14 /رجب/1421). لان المسألة ليست مجرد التعلق بمحاباة من نوع ما.بل المسألة تتلخص في ان نظام التركيب في الجملة العربية, خلافا لانظمة مختلفة في لغات اخرى, اقتضى ان يكون في الجملة اسناد اما الى مذكر واما الى مؤنث بصورة قطعية على النحو الذي توضحه السطور التالية. تنفرد العربية بعدم وجود(فعل) مستقل تمام الاستقلال, مجرد عن الزيادة مما ليس من جوهر الفعل. فإن المضارع مثلا لا يمكن الحصول عليه مجردا . فإذا قلت:(يضرب) فإن حروف الضرب الثلاثة ملتصقة بالياء التي هي علامة على غائب مذكر. وبالتاء للغائبة المؤنثة. وبحروف الهمزة والنون والتاء للمتكلم والمخاطب المذكر وبالياء في آخر الفعل للمخاطبة المؤنثة وبالالف للمثنى وبالواو لجماعة الذكور وبالنون للنسوة. فاذا نظرت الى الفعل الماضي وجدت المسند منه الى واحد(ضرب) ملتصقا لزوما بتاء التأنيث من آخره للدلالة على اسناد الفعل الى مؤنث, او خاليا من العلامة لكن للدلالة على اسناده الى مذكر, اي:ان عدم العلامة هو العلامة(مورفيم الصفرZero Morpheme). فهو وان بدا(غير موسومUnmarked) لخلو ه من العلامة يعد موسوما من جهة ان عدم الوسم نفسه علامة. ويسند الماضي الى غير الواحد بعلامة مستقلة لكل منها كما في المضارع. وعلى هذا النحو يكون ايضا فعل الامر. وعلى هذا لا يخلو على الاطلاق فعل من ان يكون واضح الاسناد اما الى مذكر واما الى مؤنث ما عدا بالطبع ما اسند الى متكلم. اي: ان العربية عمدت الى تبني هذا النوع من المغايرة بين فعل وآخر بحسب المسند اليه, وذلك بالصاق المورفيم الدال على المسند اليه في المسند. مخالفة بذلك طائفة اخرى من اللغات, كالانجليزية التي يأتي فيها الفعل مجردا من كل لاحقة, بحيث يستوي فيه الاسناد الى كل واحد من الجنسين. فالفعل(Go) مثلا مجرد ليس فيه من الحروف ما يدل على ما يرد قبله او بعده أمذكر هو ام مؤنث. واستتبع هذا النظام المتبع في الاسناد في العربية ان يحدد شكل الفعل المستعمل من حيث نوع المورفيم الملتصق به تبعا لجنس المسند وعدده. فإن كان رجلا واحدا قيل:(قام), وان كانت امرأة واحدة قيل:(قامت), وهكذا. واقتضى هذا الامر ايضا ان تكون صياغة الوصف متضمنة المورفيم الدال على الذكورة او الانوثة, فان كان رجلا قيل:(قائم), وان كانت امرأة قيل:(قائمة). وكان لزاما اذن ان تتنوع الضمائر واسماء الاشارة والاسماء الموصولة تنوعا نابعا من طبيعة الاسناد ليدل كل نوع منها على نوع من الكلمات مبي ن للجنس, فتكون في نهاية المطاف المنظومة الكاملة في نسق نظام معين مكون هيئة النظام الخاص للغة. وهو النظام اللغوي الذي اختار لنفسه ان يـعنى بنسبة كل فعل او وصف الى جنس معين, وينفرد بذلك عن لغات اخرى جنحت الى نظام او انظمة اخرى مختلفة. ان وجود علامة التأنيث في الفعل والوصف في حال, وخلو العلامة منهما الدال على العكس تماما من المراد بوجودها فيهما في حال اخرى, هو المسؤول الاول والاخير عن المأزق الحاصل لمستعملي اللغة حين يريدون الاسناد الى ما ليس في حقيقته مذكرا او مؤنثا . اذ ليس لهم من خيار في ضوء نظام لغتهم القائم الا اعتبار احد الامرين, اما التذكير واما التأنيث. فإن اراد المتكلم التعبير عن طلوع الشمس فليس امامه ان نطق بجملة فعلية الا ان يقول:(طلعت, او تطلع الشمس) فتصير مؤنثة, او ان يقول:(طلع, او يطلع) فيكون قد عاملها معاملة المذكر. ولو نطق بجملة اسمية ما وجد من الخيارات الا ان يقول:(الشمس طالعة) فتكون مؤنثة, او(طالع) فيكون عاملها معاملة المذكر. وليس له الحرية في ان يعدها(محايدا ). ولذلك يكون الاجتهاد فقط في تخمين سبب ميل المتكلم الى احد الامرين وترك الآخر, لا في تعليل سبب عدم استبعاد الامرين معا . ولهذا ارى ان اتجاه المتكلمين نحو تذكير بعض الالفاظ وتأنيث بعضها الآخر هو عمل تال لما يقتضيه نظام لغتهم. ومن ثم يكون صحيحا على نحو ما ان نتحدث عن تخي ل الجماعة اللغوية ان بعض الجوامد اقرب الى التأنيث وبعضها الآخر ابعد منه ومن ثم اقرب الى التذكير او العكس, لكن ليس على اساس ان ذلك ما انبنى عليه النظام اللغوي, بل العكس هو الصحيح, وهو ان النظام ألجأ الى هذا النوع من التخيل وفرضه فرضا . ولا غرابة حينئد ان تختلف الجوامد, فيجري على بعضها اعتبار معين وعلى بعضها الآخر الاعتبار المقابل. ولا غرابة في الوقت نفسه في الا يضبط اعتبار الجنس اللغوي ضابط من نوع ما, كما قرر الباحثون فيما تقدم. ولذلك اختلفت اللهجات في اللفظ الواحد كما مر. على ان اللفظ الذي يجتهد في الوصول الى علة اعتباره مؤنثا مثلا كان سيسأل ايضا عن علة اعتباره مذكرا لو ورد كذلك, لانه لا سبيل الا الى احدهما. وعلى هذا يكون افتراض انبناء انقسام جميع الالفاظ الى مذكر ومؤنث على اساس العقلية السامية وخيالها الخصب, او التراكمات العقائدية والنفسية للقوم, افتراضا فيه ضرب من الميتافيزيقيا, وبه غير قليل من الخيال الخصب. والاهم من هذا انه يتجاهل الاسباب العلمية النابعة من اللغة ذاتها لا من خارجها, ويتجه الى نوع التأويل الممتزج بالذات, السابح في الخيال. وهذا النظام الذي اتخذته العربية وسبق بيانه كان سببا في ان العربية خالفت بعض اللغات الاخرى التي تعتد بالمحايد قسما ثالثا , ذلك انه لم يوجد فيها هذا القسم من اقسام الجنس. فكانت لها بذلك طريقتها الخاصة في التعبير عن الموجود خارجها. وبها عـد ت ذات سمة مميزة في التصنيف لما هو خارجها, كما انفردت الروسية ولغة البسا بسمتهما المميزة في النظر الى ألوان الطيف. على انه لا مجال لتفضيل نظام او طريقة في لغة على نظام او طريقة مغايرة في لغة اخرى, ولا مجال في الوقت نفسه للربط بين النظام المعين والطريقة المتبعة في لسان امة ما وبين التحضر والتخلف فيها, لا سيما اذا علمنا ان في اللغات من الكليات العامة ما يجعل اللجوء الى الحكم من خلال لغة قوم عليهم امرا غير ذي بال, كما تقرر اللسانيات.
|
للمشاركة أو التعليق، اضغط هنا
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2000
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@alriyadh-np.com
|
|
ثقافة اليوم
|
|
|

| مواقع الرياض |
| جريدة الرياض |
| الرياض@نت |
| دنيا الرياضة |
| الرياض الاقتصادي |
| الصحفي الإلكتروني |
| دليل المواقع |
| دليل الشركات |
|
|
| | | |