أهلها سلموا قلبها للغرباء واكتفوا منها بالأطراف حارات جدة القديمة تقاوم الهجر والنسيان مواطن: وافدون جئنا بهم عمالا ليتحولوا إلى تجار يتحكمون في السوق! مقهى قديم ينقلب لمحل بيع أحذية ودكاكين تعرض السلع الرديئة
تحقيق ـ سالم مريشيد ـ تصوير ـ محسن سالم
تأخذني أزقة حارات جدة القديمة في أحضانها تبثني بصمت حنينها إلى حكايات اندثرت.. ولم يبق منها إلا بيوت, واطلال بيوت تحاول جاهدة أن تقاوم عوامل الهجر والنسيان والأهمال الطويل الذي تعيشه بعد ان غادرها أهلها منذ زمن بعيد.. ولم يبق من آثارهم غير اسماء باهتة تعتلي بوابات تلك البيوت.. وتتوسد على استحياء جدرانها!! من هنا تبدأ حكاية حارات جدة القديمة.. التي كانت نابضة بالحلم.. تصحو وتنام على صوت ابنائها.. وضحكاتهم وزغاريدهم.. عندما كانت نابضة بذلك الحضور الحي لكل أهلها وناسها الذين بنوها طوبة طوبة.. وحجرا حجرا .. ونقشوا على حجارتها.. وخشب رواشينها وابوابها.. والتواءات ازقتها أحلامهم وذكرياتهم.. وملأوها بشقاوتهم صغارا .. وفنونهم شبابا , وحكمتهم وتجابهم شيوخا !!السؤال الادانة؟! للمرة الألف أو أكثر أذرع سوق البدو جيئة وذهابا .. حيث اصل من خلاله إلى قلب جدة القديمة "سوق العلوي", و"برحة نصيف".. و"سوق قايل".. لاول مرة احسست بكآبة لم اعهدها في هذا السوق.. الذي تغيرت صورته عن الماضي كثيرا وبهتت الكثير من معالمه.. ولم تعد رائحة "الهيل" و"القرنفل" تصافح أنفك وأنت تلج إليه مثلما كان الحال في السابق.. بعدان استبدل التجار في هذا السوق تجارة البن والهيل بالأقمشة.. والسلع الرديئة.. ولم تعد تجد في السوق محلات الفضة التي كانت تحتل جزءا منه.. بعد ان هجر تجار الفضة تلك التجارة واستبدلوها بالاكسسوارات (الفالصو). كان الاذان لصلاة العصر وقتها قد بدأ يرتفع من خلال المسجد الجامع.. أحد مساجد جدة القديمة.. وكان مسجدا وكت ابا في عهد مضى.. حيث يدرس فيه ابناء الحي القرآن والفقه والحديث.. والتفسير على يد عدد من الأساتذة الفقهاء الذين توالوا على القيام بالامامة والتدريس في المسجد.. الذي مازال على حاله وصورته القديمة.. كل الوجوه التي حولي وامامي وخلفي في السوق من الوافدين الذين سارعوا إلى اغلاق متاجرهم.. والتجمع في الازقة وامام المتاجر.. وبعضهم دلف إلى المسجد الذي اكتظ بهم.. ولا أكاد اجد من بينهم أحدا من أبناء هذه المنطقة.. الذين عاشوا تاريخها وحكاياتها بكل حلوها ومـر ها.. وسعادتها وشقائها.. ورغدها وشحها!! العشرات.. بل المئات من الوافدين في كل زاوية وفي كل ركن.. وفي كل محل تجاري تدخل إليه.. لا تجد من يعرف عن تاريخ هذه المنطقة.. أو تلك.. أو يروي لك حكاية بناء هذا المسجد.. أوذاك أو يقص عليك شيئا من ذكريات أهل هذه البيوت! كل من حولك غرباء.. وافدون.. لا تعني لهم هذه المنطقة شيئا .. ولا تشكل في نفوسهم أي مبعث للاحساس الحميم!! في سوق العلوي تلاشت الكثير من الصور الجميلة للسوق.. باعتباره أحد اسواق جدة القديمة المميزة.. لم تعد رائحة التوابل والبهارات تصل إليك بعد ان طغت عليها رائحة زيت "النارجيل" الذي يسرف العمال الذين يملأون المحلات التجارية من الهنود والباكستانيين والبنغلاديش في استخدامه لدهن شعرهم. كل من "حولي اغراب".. هنا في سوق "العلوي".. و"باب مكة" وسوق "البدو".. و"برحة تصنيف".. وهناك في سوق "قابل" و"الندى".. وسوق "الاشراف".. و"الخاسكية".. وحارات البحر, واليمن والشام, والمظلوم كلهم وافدون غرباء لا يعنيهم بقي تاريخ هذه المدينة.. أو ذهب مع الريح.. احتفظت هذه البيوت ببريقها ونضارتها.. ام فقدتها إلى الأبد.. بقيت هذه الرواشين متماسكة قوية.. أم تناثرت أشلاء من الأخشاب المحطمة والمهترئة!!سلموا القلب.. واكتفوا بالأطراف [ من الصعب أن يتخلى الإنسان عن تاريخه وحكاياتهم الحميمة.. ولكن أهل جدة القديمة.. أو لنقل أغلبهم تخلوا عن ذلك التاريخ.. وباعوه رخيصا للغرباء الذين يملأون المحلات التجارية في اسواق جدة القديمة.. ويتخذون من هذه البيوت سكنا رخيصا .. ومستودعات لبضائعهم. فوجود أهل جدة القديمة في هذه المنطقة أصبح مجرد اسماء على واجهات بيوت رممتها الأمانة من الخارج وهي تحاول جاهدة ان تبقيها واقفة رغم عوامل التعرية التي احاطت بها من كل جانب.. وحولتها إلى خرابات من الداخل. من النادر ان تجد احدا من أهل هذه المدينة القدامى فيها.. أو تجد من يصف لك شيئا عن ماضيها.. وتاريخها.. بعد ان هجرها أهلها وسلموا قلبها للوافدين الغرباء.. واكتفوا منها الأطراف!! بعض الوافدين القدامى من أصحاب المحلات في اسواق جدة القديمة.. يحاول ان يتقمص دور أهلها الذين هجروها.. ويحاول ان يتذكر لك بعض المواقف.. والاسماء في هذه المدينة. أحيانا كثيرة يشوه هؤلاء تاريخ المدينة وأهلها.. بان ينسبوا مواقف لغير أهلها.. ويتجاهلوا أناسا آخرين لأمر في نفوسهم.. وهم شهداء غير مؤتمنين على ذلك العصر؟! الجباء.. والدين!! في زاوية من زوايا احياء جدة القديمة لفت نظري بقايا مقهى قديم هجره اصحابه.. وحولوا جزءا منه إلى دكان لبيع الأحذية.. وجزءا صغيرا بقي يقدم المشروبات الساخنة.. والباردة. لم يكن الأمر يحتاج مني إلى تفكير.. فقد دلفت إلى داخل المقهى على أمل ان اجد فنجان "شاي منعنش" يعيد لي بعض النشاط بعد هذه الجولة الطويلة في طول احياء واسواق جدة القديمة. لم يكن الهدف من الدخول إلى هذا المقهى إلا تناول فنجان شاي مع زميلي المصور على عجل ثم استكمال جولتنا الاستطلاعية في هذا الجزء من مدينة جدة.. الذي يبدو أننا مازلنا لا نعرف من اسراره إلا القليل.. قال لي زميلي المصور.. وهو يلقي بجسده متعبا على الكرسي.. اخيرا وجدنا مكانا نجلس فيه في هذه الأسواق.. التي لا تكاد تجد فيها كرسي.. أو مكانا تستريح عليه.. وكأنهم لا يريدون لنا ان نمكث في السوق أكثر من الفترة التي يحتاجها شراء الغرض الذي جئنا من أجله ثم نمضي؟! قلت له: هذه ملاحظة في محلها.. فالمدن القديمة في العالم بأسره تحظى بخاصية مميزة عند الزوار.. وهم يحرصون على البقاء فيها فترة طويلة ليتعرفوا على كل مشاهدها.. ومواقعها.. ولهذا تنتشر في المدن القديمة المطاعم والمقاهي.. والاستراحات التي تتيح للزوار لأن يأخذوا قسطا من الراحة.. ويتأملون البيوت, والناس وهم يتناولون المشروبات الساخنة.. أوالباردة. بينما جدة القديمة لا تكاد تجد فيها إلا عددا قليلا من المقاهي.. وهي أماكن ضيقة لا تتيح فرصة للزوار لكي يستمتعوا بمشاهدة البيوت والناس.. بينما معظم المحلات التجارية مخصصة للسلع الرديئة.. والملابس الجاهزة.. التي يمكن ان يجدها المتسوق في أي مركز تجاري.. المفروض ان تحول الكثير من بيوت جدة المعطلة إلى مطاعم.. ومقاه .. وتعاد صياغتها بشكل لا يؤثر على نمطها العمراني ويتفق مع الاغراض التي يحتاجها التوظيف الجديد لها.. بدل من تبقى مهجورة.. أو مستودعات للسلع الرديئة, والقطط والفئران والهوام؟! في المقهى لفت نظري جزء صغير من لوحة قديمة.. تلاشت عباراتها.. ولم يبق منها إلا كلمتين.. هما "الجباء.. والدين".. لم يفهم زميلي المصور ما تعنيه الكلمتين. قلت: لقد عرف ابناء جدة القدامى مثل غيرهم من ابناء هذا البلد بالكرم والنخوة.. وكانت تلك المقاهي هي المكان الذي يلتقي فيه الناس.. صاحب المقهى اكد لي: ان هذا "مركاز" قديم كان يجتمع فيه تجار الحبوب بعد صلاة الظهر.. وفي الضحى.. حيث يتناولون الاحاديث عن الأسعار.. ولكن بعد تبدل الاحوال.. وهجوم العمالة الوافدة على قلب المدينة واحيائها.. لم يعد لهذه المقاهي حضورها السابق.. وتحولت معظمها كما ترى إلى محلات لبيع الخردوات الفالصو وبيع الملابس الردئية.. والعطور المقلدة والالكترونيات..المواطنون مجرد متسوقين جميع الذين يعملون في اسواق جدة.. ومحلاتها التجارية في قلب جدة.. ومراكزها التجارية من غير السعوديين.. ومن جميع الجنسيات الوافدة التي تتحكم في أهم رافد من روافد الاقتصاد الوطني وهي التجارة.. وتحتكر العمل فيه بالكامل وفي جميع مجالاته!!. أحد المواطنين أكد لي ان هذه الجنسيات المتعددة التي جاءت إلى بلادنا كعمالة لم يتوقعوا ان يصبحوا في بلادنا تجارا .. وأصحاب محلات تجارية.. وهم الذين يتحكمون في السوق.. ويرفعون ويخفضون الأسعار على هواهم وبمزاجهم!! قلت له: ولكن هؤلاء مجرد عمالة ونحن الذين جئنا بهم.. واعطيناهم الفرصة لذلك.. وجميع هذه المحلات لسعوديين.. يستطيعون ان يديرونها.. أو يجعلون ابناءهم يديرونها.. ولكنهم فضلوا النوم.. واعطوا الجمل بما حمل لهذه العمالة الوافدة؟! قال المواطن: أكاد اجزم ان جميع هذه المحلات التجارية.. وهذه المعارض الضخمة وهذه المتاجر الفخمة التي تعتلي واجهاتها اسماء سعودية.. ليس للسعوديين فيها شيء.. وهي ملك للعمالة التي تعمل فيها.. وهذه العمالة التي من كل جنس ولون.. تمص دم المجتمع.. وتمص دم الاقتصاد الوطني.. وتنخر في بنيته الأساسية.. كما ينخر السوس الخشب, وتحوله إلى حسابها في البنوك الاجنبية.. بينما السعوديون يتفرجون على المشهد من بعيد.. وشباب البلد عاطلون لا يجدون عملا .. وهذه العمالة تحصد اموال البلد.. وتزداد من خلالها ثراء وانتفاخا وتخمة.. وتحول كل ما تجده إلى بلادها.. دون ان يستفيد منه البلد..
|