بعد منعها لأكثر من 38 عاما مشروع إنشاء مصارف خاصة ومشتركة في سوريا أصبح وشيكا
دمشق ـ مكتب "الرياض" محمد أحمد طيارة
لاقت خطوات التصحيح الاقتصادية التي اتخذتها الحكومة السورية مؤخرا من خلال إصدار بعض المراسيم التشريعية أو تعديل بعضها ترحيبا كبيرا من قبل الفعاليات الاقتصادية والاجتماعية.. حيث أتت هذه الخطوات كدلالة أكيدة على دعم مسيرة النمو والتنمية وتفعيل دور الاقتصاد السوري من خلال تبني سياسات اقتصادية جديدة تتفهم كيفية الانتقال بسلامة من مرحلة مركزية التخطيط والإدارة للمؤسسات الاقتصادية إلى واقع جديد يتصف بالمرونة ويساعد على اتخاذ القرار الذي يدعم الاقتصاد في مختلف نشاطاته.. وهي بنفس الوقت للوقوف أمام موجة التحديات الاقتصادية الراهنة التي تواجهها المنطقة.. والتي تتمثل بسياسات الانفتاح العالمية والاعتماد المتبادل بين الدول الذي تسانده وترعاه منظمة التجارة الحرة (الغات) إضافة إلى التكتلات الاقتصادية الأخرى. ولا شك بأن الاقتصاد السوري الذي كان يعتمد في خططه سابقا على التخطيط المركزي فإنه سيواجه بعض الصعوبات.. لكنه بالنهاية ومن خلال تغير النمطية الاقتصادية والإدارية التي بدأ بها سيلاقي تجاوبا عالميا كبيرا للتعامل معه.. وإذا أردنا التحدث عن التحديث الذي بدأ بالقطاع المصرفي الذي يعتبر مصدر دعم كبير للاقتصاد الوطني.. فإننا نرى ان هذا التحديث كان مطلبا ملحا منذ وقت طويل نتيجة التحولات العالمية.. وان احداث مصارف خاصة أو مشتركة حسب ما يطرح حاليا في ظل هذه الظروف يأتي حافزا جديدا ومهما في دعم العملية التنموية واللحاق بركب الدول المتقدمة التي تعتمد في دخلها القومي على نسبة جيدة منه. ويرى بعض المراقبين ان الحاجة إلى احداث مصارف خاصة أو مشتركة أصبحت أكثر الحاحا من أي وقت مضى وذلك لتنشيط عمل القطاع الخاص التجاري والصناعي من جراء تمويل عمليات التجارة الخارجية السورية التي كانت تذهب عائداتها إلى مصارف دول أخرى والتي لم يواكبها الجهاز المصرفي السوري حتى الآن.. إضافة إلى المشاريع الاستثمارية واستقطاب عدد أكبر من المستثمرين.. كما سيستفيد عدد كبير من التجار ورجال الأعمال الذين ما زالوا يتعرضون لمخاطر كبيرة نتيجة الشروط القاسية التي تفرضها المصارف الأجنبية إضافة إلى الفوائد المرتفعة. والحقيقة إنه منذ عام 1991م وبعد صدور قانون الاستثمار رقم (10) كان هناك أصوات كثيرة تنادي بتطوير وتحديث القطاع المصرفي في سورية ليواكب ما آل إليه هذا القانون.. على اعتبار ان هذا القطاع بوضعه الذي كان عليه لا يمكنه ان يفي بمتطلبات التنمية من حيث التمويل وخدمة المشاريع الاستثمارية المتوقعة.. وقدمت دراسات كثيرة لكنها لم تجد طريقها إلى النور.. وبقيت المصارف على حالها رغم كل التحولات والتغيرات المتسارعة في وتائر النشاط الاقتصادي الذي تشهده سورية.. وبعد تسع سنوات من صدور قانون الاستثمار صدر مؤخرا قرار بالسماح بإنشاء مصارف خاصة بالمناطق الحرة في سورية.. وهو القرار الأول منذ عام 1962م أثر تأميم سبع شركات مساهمة مصرفية وثمانية مصارف عربية.. وبعد صدور القرار سارعت شركات عربية وأجنبية لتقديم طلبات لإقامة مصارف خاصة.. هذا القرار رغم خصوصية تعليماته الناظمة بأن تكون هذه المصارف التي ستفتح من الدرجة الأولى وألا يقل حجم استثماراته في المنطقة الحرة السورية عن عشرة ملايين دولار وان يكون عمل هذه المصارف مع المستثمر حصرا في المنطقة الحرة إلا أنه كان بادرة طيبة لفتح مجالات أوسع. وهذه الأيام تلوح في الأفق القريب أنباء عن نية الحكومة بالسماح بإنشاء مصارف خاصة رأس مالها لا يقل عن مليار ليرة سورية وما فوق وحسب مصادر مسؤولة في وزارة الاقتصاد فإن الحديث بدأ عن إقامة مصارف خاصة وذلك من خلال تأسيس شركات مساهمة سورية خاصة أو شركات مساهمة سورية مشتركة.. إلا ان هذا أقلق عددا من مديري المصارف الحكومية الذين اعتبروا ان صدور مثل هذا القرار سيحمل المصارف الحكومية أعباء كثيرة لأنها ليست مؤهلة للمنافسة.. أما الفعاليات الاقتصادية في القطاع الخاص ترى مثل هذا القرار يعد انفراجا كبيرا إلا ان البعض يرى انه يجب قبل إصدار هذا القرار تدعيم البنية التحتية والتنظيمية للمصارف الحكومية أولا . د. محمد العمادي وزير الاقتصاد السوري كان قد ألمح منذ أيام قليلة عند افتتاحه لمعرض دمشق الدولي إلى قرب صدور قرارات جديدة من شأنها تقديم الخدمات للمستثمرين وذلك من خلال إصدار صك إحداث سوق تداول للأسهم وتطوير الجهاز المصرفي وتدعيم المصارف العربية والأجنبية في المناطق الحرة السورية إضافة إلى إصدار قانون سرية العمل المصرفي. الدكتور عصام الزعيم وزير التخطيط السوري يرى أنه قبل إقامة مصارف خاصة ومشتركة لا بد من القيام باصلاح النظام المصرفي العام أو تفعيله في إطار عملية إعادة هيكلة النظام الاقتصاد والتأكيد على دور النظام المصرفي في تمويل التنمية. د. نبيل سكر باحث اقتصادي: يرى بأنه أفضل ان يكون الاهتمام الأول هو الاصلاح المصرفي في السوق المحلي قبل السماح بإقامة مصارف خاصة من خلال دراسة معمقة وخطة شاملة لاصلاحه.. وتأتي في المقدمة تحديث قانون النقد الأساسي (القانون رقم 87 لعام 1953م) وإعادة إحياء مجلس النقد والتسليف.. بينما يرى بعض المحللين الاقتصاديين أيضا ان هذا المشروع سيؤدي إلى تقليص عمليات ونشاطات المصارف الحكومية القائمة ولا سيما منها العمليات التجارية مع القطاع الخاص بشكل يبقي نشاطها مع القطاع العام.. كما سيؤدي إلى سحب جزء هام من أرصدة وودائع المواطنين لمدى المصارف المتخصصة ونقلها إلى المصارف الجديدة مما سيوقعها في أزمة سيولة وسينعكس هذا أيضا سلبا على كوادرها التي ستتطلع إلى إغراءات المصارف الخاصة. أما رأي محللين آخرين فيلخص بأن هذه المصارف الجديدة ستاير الركب الحضاري في صقل العمل المصرفي ويعتبرونها إيجابية ولها دور كبير على المستويين الداخلي والخارجي شريطة استكمالها بإصدار قانون سرية الحسابات المصرفية وكفالة هذه السرية مما سيؤدي إلى إيجاد متعاملين ومستثمرين يرغبون في تفعيل هذه المصارف دون وضع حساباتهم في دول أخرى. إن وجود مثل هذه المصارف سيشجع المستثمرين العرب والأجانب على الاستثمار في سورية ضمن تعامل مريح وتخلق نوع امن المنافسة بين المصارف الحديثة والمصارف المتخصصة والتي ستحاول ان تطور نفسها للحاق بركب المصارف الأخرى. وسيعود نفع هذه المصارف على المدخرين السوريين المقيمين والمغتربين بفتح حساباتهم بالقطع الأجنبي في المصارف الجديدة طالما يضمنون سرية هذه الحسابات وسرعة تحريكها وتحويلها.
|