قد يعود تاريخها إلى 18 ألف سنة..! رسوم مغارة "التعميرة" الاسبانية تبرهن على أن الإنسان الأول تميز بقدرات فنية عالية
خمسة زوار يقفون في ضوء النهار الساطع خارج المغارة غير الاعتيادية. المرشد السياحي يطفئ الأضواء الكهربائية الصفراء عند المدخل ويغلق الباب الحديدي الثقيل معلنا انتهاء فترات الزيارات لهذا اليوم.. المغارة تخلصت من حرارة الاجساد والهواء الملوث. الظلام دامس والجو بارد. والصوت الوحيد هو صوت نقط الماء الهابط من النوازل. المغارة ترتاح مجددا مثلما فعلت لحوالي 14000 سنة الى حين اكتشف أحد الصيادين مدخلها قبل 132 سنة. المغارة المظلمة تحتضن في باطنها متحفا فنيا من العصر الحجري مؤلفا من 21 لوحة جدارية رائعة لحيوان البايسون مرسومة ومظللة باللون الأسود واجسام حمراء منقوشة في الحجر الكلسي البراق. الحيوانات تظهر رابضة ومستلقية ومهاجمة عبر السقف ورؤوس ملتفتة وعروف متطايرة واذناب مرفوعة وعيون محفورة سوداء كالفحم.. ويختلط مع قطيع البايسون عدد من الغزلان الحمراء الماردة طولها حوالي ثلاثة امتار من طرف الأنف الى طرف الذنب وخنزير بري ومعاز سوداء واجسام بشرية لها رؤوس حيوانات وثمة رسوم حمراء بتصميم تجريدي لم تفك طلاسمه بعد.. وقد اكتشفت المغارة سنة 1868م الا انها انتظرت 11 سنة أخرى ليستكشفها مارسيلينو سانز دي سوتيولا وهو مزارع يقيم في المنطقة مغرم حديثا بعلم جديد اسمه الآثارات.. في زيارته الثانية للمغارة بحث سوتيولا في ارضها عن الاحافير والأدوات الصوانية فيما توغلت ابنته ماريا البالغة من العمر ثماني سنوات الى مقصورة قريبة من المدخل الرئيسي. ورفعت ماريا فانوسها ونظرت الى أعلى ثم هتفت: "بابا, ثيران". ولحق سوتيولا بالطفلة وقرفص تحت السقف الواطئ تماما مثلما فعل الفنان القديم الذي لم يكن يستطيع ان يرى مساحة واسعة من السقف الا اذا استلقى على ظهره. وصعق سوتيولا ـ ولاحقا صعق العالم ـ لما رآه. لقد احتاج العلماء الى 20 سنة لكي يقبلوا الحقيقة التي تعكسها تلك الرسوم, وهي ان الانسان البدائي كان له دماغ قادر على الاعراب الفني بدقة. انك تشعر بشيء من الإثارة التي احس بها سوتيولا عندما تزور المغارة التي تسمح بزيارة مجموعتين فقط كل منها مؤلف من خمسة اشخاص بالدخول يوميا خلال أشهر الصيف وزيارة مقصورة ثيران البايسون محددة بعشر دقائق فقط لكل مجموعة بعد زيارة المقصورات الأخرى داخل المغارة التي يبلغ طولها 285 مترا. والدخول الى المغارة يتم من نفس الفتحة التي اكتشفها ذلك الصياد عرضا وأول ما يشاهده الزائر هو موقد محفور وكومة من الصخور الساقطة من السقف. ويؤشر المرشد نحو حيطان حجرية بنيت حديثا لمنع السقف المتآكل بسبب الماء من الانهيار. وبعد التوغل قليلا في المغارة يؤشر المرشد بمصباحه نحو أول اتصال للزوار مع الفنانين القدامى: غزال منقوش على الجدار ويعتقد الخبراء ان هذه النقوش قد تكون اقدم عهدا من الرسوم الجدارية وقد يعود تاريخها الى 18000 سنة عندما انتزع بشريون المغارة من الدببة القاطنين فيها. ومع التوغل اكثر في المغارة يرى الزائر ممرات مظلمة متفرعة في اتجاه مقصورات جانبية تذكرك بالمذابح الجانبية المظلمة والمعزولة في الكاتدرائيات الاسبانية. والمغارة اجواؤها باردة ورطبة ومبهجة. ويقول المرشد ان الحرارة ثابتة طبيعيا عند 57 درجة فهرنهايت. وتقود ادراج حجرية الى قاعة كبيرة تنساب من احد جدرانه نازلة هائلة اشبه بشلال متجمد. ويهمس احد الزوار: "هذه أول كاتدرائية للانسان". ويقسم العلماء المغارة الى عشرة اقسام تحتوي كلها على رسوم وبعضها بعيدة عن الممرات السياحية وضيقة الى حد انها لا تتسع الى اكثر من شخص واحد ليتمكن من الاقتراب الى مسافة تسمح لها بمشاهدة كل الرسوم. ويستدير المرشد متجها نحو المدخل ثم ينعطف الى اليمين عبر رواق يؤدي الى السقف المنخفض لمقصورة الثيران المعروفة باسم المقصورة الملونة. اللوحات هي عمل فني غير اعتيادي فالوانها براقة, واللون الأحمر لامع بسبب الرطوبة وكأنها رسمت بالأمس فقط والخطوط حادة دقيقة لا تشبه نماذجها الباهتة التي رسمت قبل 30 سنة والمعروضة منذ ذلك في متحف الاثريات الوطني في مدريد. وتسيطر صور ثيران البايسون على هذه المقصورة وتتراوح احجامها بين 5 و10 أقدام ومحددة بخطوط سوداء وملونة بمزيج من الأوكر (اوكسيد الحديد) والماء ويظهر احد الثيران وكأنه يحدق في عينيك مباشرة. وسقف المغارة هو اشبه بخامة مساحتها 1744 قدما مربعا كل بوصة منها تقريبا مغطاة بالرسوم وتمتد عدة ثيران الى خارج السقف وتفرد اجسامها بشكل نافر على نتوءات صخرية طبيعية. ويقف الزوار فاغري الفم ولا يسمعون ما يقوله المرشد وهم يجولون بانظارهم في بقية انحاء السقف وفي الزوايا البعيدة المظلمة حيث عثر العلماء الذين سمح لهم بالاقتراب منها على رسوم وتصميمات غامضة ولبشريين لهم رؤوس حيوانات. وفجأة تقع الانظار على شيء غير متوقع: بصمة يد بشرية حمراء على السقف لا تقل دراماتيكية عن العثور على امضاء لال غريكو او غويا على لوحة في علية منسية في منزل عتيق انها يد ممدودة عبر 14000 سنة لفنان له دماغ ليس اقل عصرية من ادمغتنا. الفنان الفرنسي تيار دي شاردان كتب: "ما نكتشفه في التعميرة هو طفولتنا. اننا نعثر على انفسنا لأن الفن يعكس نفس الآمال والطموحات الاساسية التي تنبع من أعماق ارواحنا. هذا القول المأثور لدى شاردان مذكور في دليل كتبه ميغل انخيل غارسيا غوينيا, مدير معهد سوتيولا للاثريات في بلدة سانتاندر القريبة. ويقول غارسيا غوينيا: "ان القيمة العلمية لهذا الاكتشاف واضحة تلقائيا. فهو سد الثغرة بيننا وبين تلك العقلية المجهولة للانسان الغربي وثقافة ازمنته". ويقول خوزيه لاشيراس المشرف على ادارة المغارة بصفته مدير متحف العميرة ومركز التحقيقات ان رسوم المغارة هي روائع لا تعود الى فن ما قبل التاريخ فحسب, بل الفن بحد ذاته. ويضيف لاشيراس في مقال له منشور في الدليل ان "النوعية الفنية المطلقة لتلك الرسوم هي سبب ان اكتشافها اشاع ارتباكا وعدم ثقة عظيمين". ولقد اقتنع فنانون اسبانيون ومنهم البروفسورة ماتيلدا موزكويز بيريز ـ سيوان وزوجها بيدرو سوارا راموس اللذان رسما النموذج الموجود في المتحف بعد تفحص الرسوم الاصلية عن كثب, وبعد مراجعة تجاربهم الشخصية في تقليد الأسلوب, ان فنانا واحدا رسم كافة ثيران البايسون على السقف. وقد اجتذبت المغارة جماهير كبيرة من الزوار في البداية ـ بلغ المجموع 177000 زائر في العام 1973م وحده وللحفاظ على الرسوم تم اغلاق المغارة لمدة خمس سنوات, ثم اعيد فتحها في العام 1982م لاستقبال 8500 زائر كحد أقصى سنويا. وثمة لائحة انتظار لثلاث سنوات للزائرين الجدد. ويشرف لاشيراس على بناء متحف سيضم مغارة افتراضية (Virtual) ستستخدم فيها أحدث تكنولوجية البث الرقمي بالكومبيوتر من أجل توفير فرصة الزيارة الكومبيوترية لشريحة اوسع من الناس وفي نفس الوقت لاجتذاب الدولارات السياحية الى مقاطعة كانتابريا الشمالية وسيستقبل نموذج المغارة والمقصورة الملونة مئات الآلاف من الزوار سنويا. واصبح سوتيولا داعية للرسالة التي تحملها اللوحات, وهي ان "بشريي ما قبل التاريخ لم يكونوا مجرد همجيين بسطاء همهم الوحيد الصراع من اجل البقاء عن طريق صيد الحيوانات وجمع الثمار, بل كان بينهم فنانون ذوو قدرات تفكيرية تجريدية مطلقة ومهارة عظيمة". بخلاف الزوار المعاصرين لم يدر في خلد سوتيولا, عالم الآثارات الهاوي في القرن التاسع عشر ما كان ينتظره في الداخل . وأمضى سوتيولا بقية حياته يحاول ان يبين أهمية الرسوم لكبار علماء الآثار في العالم الذي لم يكن قد شاهد مثيلا لها. الا ان معظم هؤلاء سخروا من استنتاجاته ولم يعترفوا بشرعيتها الا بعد العثور على مغاور مماثلة في فرنسا. بعد عشرين سنة وبعد ان كان سوتيولا قد توفي. ولا أحد يعرف بالتحديد لماذا اقبل سكان الكهوف في مرحلة ما قبل التاريخ والذين ينتمون الى الانسان الناطق المنتصب على رسم السقف. الا ان آراء العلماء متفقة ان ذلك لم يكن من أجل التسلية وتمضية الوقت. ويقول لاشيراس: "لا اشك في ان الرسوم كانت تعبيرا ذا قيمة رمزية عالية ان فن المغاور في دائرة ما نعتبره فكرا خرافيا او فكر ما قبل الفلسفي متاخما او واقعا في مجال الأديان". وقد تم اكتشاف لوحات فنية مماثلة في 280 موقعا في اوروبا الغربية ويعود اقدم نماذجها الى 30 الف سنة وكانت مغارة التعميرة مأهولة ورسمت لوحاتها الجدارية قبيل العصر الجليدي الأخيرة وكان يكثر فيها حيوانات لم تعد تعيش هناك ومنها ثور البايسون. وكانت الدببة تقضي هجيعها الشتوي في المغارة قبل ان ينتقل اليها الانسان قبل 18500 سنة وقد عثر على ادوات عمرها 100 الف سنة في المنطقة المحيطة وتخص فصيلة الـ Homo ولكن من فرع يختلف عنا وعن فناني المغارة. وسيضم المتحف الجديد مكتبة وقاعتين كبيرتين احداهما للمؤتمرات والأخرى لعرض اغراض تعود لمرحلة ما قبل التاريخ اكشتفت في مقاطعة كانتربريا الاسبانية الشمالية, ويجري بناء مقطع مساحته 8611 قدما مربعا من المغارة طبق الاصل كما كان قبل 14000 سنة ويستعمل البناؤون نفس المواد والاساليب التي اتبعها الرسامون الاصليون ويضم النموذج القاعة الموجودة عند المدخل وهي منطقة عيش سكان الكهف ـ ومقصورة البايسون القريبة. ويصل الزوار الى مدخل مجسم المغارة هذا عبر رواق يضم رسوما ونصوصا تربوية وتظهر صورة عائلة من مرحلة ما قبل تاريخية فجأة يلتئم افرادها امام موقد قديم. وثمة ممر مرتفع يتاخم حفريات اثرية وورشة فنان قديم يؤدي الى المقصورة الملونة. وقد بني المجسم على اساس نموذج كمبيوتري للمغارة الأصلية أعده معهد ناشنال جيوغرافيك الأمريكي. وتم نقل "خريطة المغارة الى القوالب حيث تم صب المقاطع بالأصماغ والحجر الكلسي المسحوق ضمت الى بعضها البعض في المتحف. وتحتوي هذه المغارة النموذجية المقلدة على كل شق وحفرة موجودة في المغارة الاصلية ويشار في هذا السياق الى ان ثمة نماذج مقلدة موجودة في المانيا واليابان الا انها اصغر حجما وليست مصنوعة بهذه الدقة. ويدعو بعض العلماء الى اغلاق المغارة الاصلية بعد افتتاح المغارة الافتراضية الا ان شيراس وغارسيا غوينيا من معهد سوتيولا هما بين الغالبـيــــة التي تعارض هذه الدعوة. ويقول غارسيا غوينيا: "ان التعميرة هي ملك للبشرية وليس للعلماء فحسب ان اغلاق المغارة الملونة امام العامة هو اشبه بتعليق الصور الفوتوغرافية للوحات في متحف برادو (في مدريد) واغلاق الأبواب على اللوحات الاصلية في القبو". انجار مشروع المغارة الافتراضية متأخر سنة كاملة عن موعده, الا ان لاشيراس يقول انه يرفض التضحية بنوحية المتحف والمغارة من اجل التقييد بالمواعيد. زميلة لاشيراس كارمن دي لاس هيراس, تقول: أذكر انه عندما كان مايكل انجلو يرسم سقف كنيسة سيستين, نفذ صبر البابا وصاح بالفنان من أسفل: "متى سيكون السقف جاهزا؟ فرد الفنان العظيم: "عندما انتهي من رسمه".
|