اكتب لنا الاشتراكات الإعلانات الأرشيف بحث الرئيسية
Thursday 24 August 2000 No.11749 Year 37 الخميس 24جمادى الأولى1421 العدد 11749 السنة 37
مواضيع الصفحة
رامبو والحداثة الشعرية

"قلق التأثر"
ديالكتيك الشعراء الأقوياء


اسرة الراحل طلال مداح تفتح نوافذ القلب لـ "الرياض"
أم عبدالله: جملة "عظم الله اجرك".. حسمت قلقي على طلال
أم خالد: قبل صعوده الى خشبة المسرح بـ "10 دقائق" حدثته


البيئية والمحلية في الرواية!

الشاعر خالد البرادعي الفائز بجائزة البابطين لـ "الرياض":
طبيعة العصر صورت أن الشعر قد أفسد!
أرفض قصيدة النثر لأنها ليست لي وليست مني!


مقترحات على طاولة المسؤولين في عاصمة الثقافة 2000م
تهاني الغريبي: إقامة مكتب نسوي في جمعية الثقافة يذلل العقبات أمام الباحثة ويمدها بالمعلومات
المكتبة الإلكترونية موقع على الإنترنت للجمعيات والنوادي.. يختصران الزمن أمام الباحث


بتكلفة مليون وخمسين الف ريال.. و100 يوم تصوير
10 حلقات تتحول الى 20 حلقة في أساطير شعبية.. والمشاهد المصورة 964
"ثور" يحتج ويرفض التصوير.. ونورمان اسعد تطلب الزيادة المرفوضة!


في المركز الثقافي بدمشق
نجاح معرض التصوير الضوئي السعودي


شمرة عصا ـ 2 ـ

من الشعر التركي

مجرد رعاية مزيفة وخادعة!

(سيبويه) في ذكرى ميلاد (تشومسكي) 2/2

التجو ل في الحقول الممغنطة

دفاع عن طفولة العقل

كتاب "الشعر ومرايا الحداثة الخادعة" لفوزي كريم
الأمثولة والخديعة في النص الشعري الحديث


النهج وعولمة الاستبداد


رامبو والحداثة الشعرية

هاشم صالح

سوف اتابع مع الناقد الألماني هيغو فريدريش ومع غيره مقالاتي عن الحداثة الشعرية الأوروبية. وبعد بودلير سوف اصل الى رامبو طبيعة الحال. فهذا الشاعر الذي لم يعش الا ستة وثلاثين عاما , والذي لم يكتب الشعر الا خلال أربعة أعوام فقط (بين السادسة عشرة ـ والتاسعة عشرة) يعتبر مفخرة الآداب الفرنسية كلها. والبعض يشبهه بالمعجزة ويقارنه بموزار الذي نبغ ايضا في سن الطفولة ولم يعش اكثر من خمسة وثلاثين عاما. وقصة رامبو معروفة: فبعد التاسعة عشرة دخل في مرحلة الصمت الأدبي والشعري الكامل ولم يكتب حرفا واحدا. راح يطبق الشعر حرفيا. أي يغامر في مجاهيل الشرق, في بلاد العرب والحبشة. وهو يتحدث عن كتابته الشعرية وكأنها انفجار. والواقع ان حياته ايضا كانت انفجارا مدويا: فقد سقط بكامل جسده الضخم على عتبة بيته بعد ان عاد الى فرنسا, وقطعت له رجله بسبب المرض, ومات ميتة رهيبة في احد مشافي مرسيليا, وتحطمت كل احلامه في الحياة دون ان يحقق أيا منها. ومات دون ان يعرف انه أكبر شاعر انجبته فرنسا على مدار تاريخها الطويل. ذلك ان اسطورة رامبو لم تتشكل الا بعد موته. وحتى عائلته لم تكن تعرف انه "يتعاطى الشعر" إلا قبل موته بقليل..

لقد ابتدأ رامبو كتابة الشعر النظامي الموزون أولا, ثم انتقل الى كتابة الشعر الحر, ومنه الى قصيدة النثر. ويمكن القول بانه مسار طبيعي لشعراء الحداثة بشكل عام. لقد أدهش رامبو شعراء جيله والجيل الذي تلاه وصدمهم بطريقته الغريبة في كتابة الشعر. فمثلا يكتب عنه الشاعر جاك ريفيير عام 1920: ان مهمته تكمن في ارباكنا او تشويشنا. وأما بول كلوديل فيتحدث الى أحد اصدقائه بعد ان قرأ "الاشراقات" ويقول: أخيرا خرجت من العالم المقرف للنقاد والعلماء من امثال "تين" و"رينان". خرجت من ذلك العالم المحكوم بقوانين صارمة لا يحيد أحد عنها. ولكنها قوانين قابلة للمعرفة والتلقين في المدارس. خرجت من كل ذلك لكي ادخل في عالم فوق طبيعي, في عالم رامبو واشراقاته..

عندما كتب كلوديل هذا الكلام كان يفكر بالفلسفة الوضعية والصناعية السائدة في عصره. وهي فلسفة تعتقد بان كلية الكون السماوي والارضي قابلة للمعرفة على يد العلم الحديث من فيزياء وكيمياء ورياضيات. وبالتالي فالفلسفة الوضعية تخنق الشعر والعواطف والخيالات الجامحة التي ترفض ان تـسجن داخل القوانين الرياضية والفيزيائية. وعلى العموم فان هذه المسألة القديمة, أقصر مسألة الصراع بين العلم والشعر. فالأول يستخدم لغة واقعية, دقيقة, باردة. والثاني يستخدم لغة الرموز والاستعارات الخيالية والعواطف المتأججة. ان نصوص رامبو تصدم القارئ بفجاجتها وعنفها, ولكنها تسحره ايضا بموسيقاها وشاعريتها. ويبدو احيانا وكأن رامبو يهرب الى بلاد خيالية تقف فوق الواقع, أو انه يجيء من عالم آخر, عالم الاشعاع والغرابة. وكان اندريه جيديري فيه نارا مشتعلة, في حين ان مالارميه يصفه بانه في المنفى. وأما صديقه فيرليني فيقول بانه لم يكن ملاكا ولا شيطانا, وانماكان شاعرا كبيرا جدا.. والبعض يرون فيه أكبر شاعر على وجه الأرض وهذه مبالغة والبعض الآخر يقولون بانه كان مراهقا ولم يستطع ان يتجاوز طيش المراهقة وعنفوانها.

وفي عام (1871م) كتب رامبو رسالتين رؤيويتين يعرض فيهما وجهة نظره حول الشعر بشكل عام. وهما تدوران حول فكرة "الرائي" او "العراف" أو "المستبصر" أو حتى "البني". فالشاعر رؤيوي لأنه يرى ما لايراه الآخرون. ولكن هذه الفكرة ليست جديدة. فنحن نجدها لدى الاغريق. الشيء الجديد هو طريقة رامبو في فهمها والتعبير عنها. فما الذي يراه الشاعر الرؤيوي؟ وكيف يصبح رؤيويا؟ هذا هو السؤال الذي طرحه رامبو على نفسه وأجاب عليه كما يلي: ان هدف الشعر هو التوصل الى المجهول, ان سيكتشف اللامرئي وان يوسع من دائرة الغريب أو الخارق للعادة. وكان بودلير قد عب ر عن افكار مشابهة سابقا. ولذلك يصفه رامبو بانه ملك الشعراء. (نحن نقول أمير الشعراء والمعنى واحد). ان هدف الشعر هو التوصل الى الشيء اللامألوف, اللاواقعي, الى الشيء الآخر او المختلف كليا. وهذا ما تؤكد عليه قصائد رامبو ذاتها. فانفجارها وانطلاقتها في عالم ما بعد الواقع (او ما فوق الواقع) هما التعبير عن الغرائز المحررة المتفجرة في جوانح رامبو نفسه. ثم يقوم رامبو بتشويه الواقع عن طريق صوره ومجازاته الغريبة دون ان يتوصل الى تعال حقيقي أو الى هدف محدد. فالمجهول الذي يركض وراءه رامبو او يحاول اسكتشافه سرعان ما يبتعد كلما اقترب منه. انه لا يعطي نفسه بسهولة, أو لا يعطي نفسه ابدا. وربما لهذا السبب يستمر الشعراء في كتابة الشعر..

ما هو موضوع هذه الرؤيا التي يتحدث عنها رامبو؟ انه يقول بما معناه: الأنا هي شخص آخر. لست انا الذي يكتب القصيدة وانما هناك قوة خفية هي التي تكتبها من خلالي. من الخطأ ان نقول: انا افكر. ينبغي ان نقول: يفكر منخلالي.. هذا يعني ان رامبو كان يشعر بأنه مسكون في الداخل بقوة غريبة هي التي تدفعه الى كتابة الشعر. ما هي هذه القوة؟ هل هي شيطان الشعر مثلا كما تقول العرب؟ ام هل هي قوة خارقة تتجاوزنا وتخفىى علينا ولكننا نحس بها؟ أو قل ان الشاعر الكبير هو وحده الذي يحس بها دون ان يدرك كنهها ولا مصدرها. على أي حال ينبغي ان نعذر رامبو اذا كان يشعر بانه مسكون بقوة خارقة من الداخل, قوة تدفعه الى كتابة الشعر دفعا. فالذي يكتب قصائد خالدة في مثل هذه السن المبكرة لا يمكنه ان يكون شخصا طبيعيا. انه مريض وعبقري في آن معا, وقصة الالهام في الشعر وغير الشعر مسألة مطروحة منذ ان وجدت الخليقة. هكذا نجد انفسنا على عتبة الحداثة الشعرية ونفهم لماذا تعلق السورياليون برامبو واعتبروه واحدا منهم. حقا لقد كان رامبو شخصا غريب الأطوار. ألم يقل استاذه في المدرسة الثانوية وهو يتنبأ بمستقبله: لن ينبت في هذه الرأس أي شيء عادي او مبتذل. هذا الشخص سوف يكون اما عبقريا باتجاه الخير, واما عبقريا باتجاه الشر.. لقد كان رامبو الآخر بامتياز: كان سارق النار الذي أراد تغيير الحياة واعادة ابتكار الحب. كان الشخص الذي انتعل الريح كما يقول صديقه فيرلين في مجاز رائع لا يصله الا الكبار او كبار الكبار. كان مهووسا بالانطلاق, بالتحرر, بالحرية. كان عاشقا للمطلق, أي المجهول, وظل يلاحقه حتى سقط صريعا دون ان يصل اليه. ولكنه حاذاه, رآه, أصبح منه قاب قوسين أو أدنى. ويكفيه ذلك فخرا. يكفيه انه كان الرائي الأول, أو أحد الرؤيويين الكبار الذين من كثرة ما رأوا عموا, ومن كثرة ما اهتدوا تاهوا..

يقول عنه فيليكس فينيون: انه شعر يقف خارج كل أدب, وربما يتعالى على كل أدب. وتقول عنه الناقدةالانكليزية اينيد ستاركي في كتاب اصبح مشهورا فيما بعد: ان الرسالتين اللتين كتبهما رامبو عام (1871م) تشكلان المانيفست الاساسي للشعر كما يراه هو. لا ريب في ان الكتب الصوفية والسحرية والرمزية هي التي قدمت لرامبو المادة الأولى لعقيدته الشعرية ولتنظيره الفني. ثم وجد في بودلير المثال الأعلى على الشاعر الرؤيوي أو الرائي. كان يعتقد ان بودلير قد تحلل من القيم, وعلى هذا النحو تفجرت فيه الشرارة الشعرية. كان يعرف كم تعذب بودلير وكم عانى.. وكان مستعدا لأن يكابد نفس المعاناة والعذاب لكي يصبح شاعرا كبيرا . ولكنه كان يجهل ت0قزز بودلير من نفسه ومن نواقصه وضعفه, وذلك لأن رسائله الى أمه لم تكن قد نشرت بعد. كان يجهل التمزق الداخلي الذي عانى منه بودلير بسبب انغماسه في حياة الشهوات الجارفة: شرب الكحول وتعاطى المخدرات ومعاشرة العاهرات.

عندما نقرأ تنظيرات رامبو عن الشعر لا نصدق انه كتبها وعمره سبعة عشر عاما! فلكي يكتب هذا الكلام ينبغي ان يكون المرء قد عاش ستين سنة وعاش مئات التجارب وقرأ آلاف الكتب.. ولكن رامبو لم يكن بحاجة الى كل ذلك لأنه كان ملهما. والواقع انه لا يعتبر القصيدة لدى الشعراء الكبار ناتجة عن صنعة أو احتراف, وانما عن عبقرية . وحدهم الشعراء الصغار يكتبون الشعر عن طريق الحرفة والصناعة. واما هو فان القصيدة هي التي تكتبه وليس هو الذي يكتبها. ألم يقل: انا هو شخص آخر؟ والأمر ذاته ينطبق على شعراء الاغريق الكبار ثم على الشعراء المحدثين بدءا من بودلير, وبين الاغريق وبودلير لا يوجد شيء يذكر. حتى فيكتور هيغو لم يكن شيئا كبيرا على الرغم من انه رأى بصي نور في أعماله الأخيرة. ثم جاء بودلير وانتعش الشعر من جديد بعد ان مات لمدة الفي سنة. جاء بودلير لكي يستكشف غياهب المجهول, لكي يرى ما لا يرى. بودلير هو الرائي الأول, هو ملك الشعراء, وبالتالي فالطريقة الوحيدة لكي تصبح شاعرا هي ان تصبح رؤيويا, سارقا للنار. والشاعر ينبغي ان يصبح غير عادي: أي ان يتوصل الى اللانهائي وان يخترق حجاب الواقع الصفيق لكي يرى ما الذي يختبئ وراءه.

لقد عاش رامبو في شبابه مختلف التجارب الشاذة وغير الطبيعية وارتكب حماقات عديدة لكي يكتشف المجهول كما يقول, لكي يصبح شاعرا. كان يعتقد ان المرور بهذه الأشياء أمر ضروري لاختراع القصائد البكر.. ولهذا السبب كتب عبارته الشهيرة: ان الشاعر يصبح رائيا أو يصل الى مرتبة الرؤيا عن طريق خلخلة مقصودة وضخمة وطويلة لكل المشاعر والحواس. وقد طبق ذلك حرفيا عندما عاش كل تجارب الحب والجنون ولم يستبق منها الا الجوهر أو اللباب. وهكذا طبق نظرية استاذه بودلير التي عبر عنها في هذين البيتين من الشعر:

وذلك لاني استخلصت من كل شيء جوهره

اعطيتني الوحل (يا باريس) وصنعت منه الذهب...

بداية الصفحة

"قلق التأثر"
ديالكتيك الشعراء الأقوياء

محمد العباس

القصائد, برأي هارولد بلوم, لا تأتي كاستجابة لزمن راهن بل كاستجابة لقصائد أخرى. هذه هي البذرة الجدلية التي يقوم عليها كتابه "قلق التأثر ـ نظرية في الشعر" الصادر عن دار الكنوز الادبية, بترجمة الدكتور عابد اسماعيل, حيث يؤكد على ذلك المعنى الديالكتيكي في مفاصل مختلفة للوقوف على الكيفية التي يؤثر فيها شاعر في آخر, لأن معنى القصيدة, بتصوره, لا يمكن ان يكون سوى قصيدة اخرى, أو هي نوع من التأويل الضال للقصيدة الأم. بل ان التاريخ الشعري بالنسبة له "هو قصة الطريقة التي يعاني فيها الشعراء, كشعراء, شعراء آخرين".

هذا هو المنحى الذي تتجه اليه نظريته "قلق التأثر" الفريدة في التفاتاتها الجمالية وبنائيتها النقدية, والتي تأتي للرد على جملة من التيارات النقدية المعاصرة, فكل شاعر هو في الاصل مخلوق متورط في علاقة ديالكتيكية ـ شعرية تناصية ـ مع شاعر أو شعراء آخرين, عبر ميكانيزمات التسامي, الخطأ, التواصل, والتكرار, فيما يسميه تشخيصيا بالولاء الرحمي بين الشعراء, والذي ىؤكد عليه بمفاهيم علوية تتبدى عند فرويد بمفهوم "رومانس العائلة" وتمتد عند الشك الديكارتي بكل تداعياته كموجب لفكرة القلق, عند استحضار كل تلك الفرضيات المعرفية الى مركزوية الفعل الشعري, والتي يعود بها بلوم الى اشكالية العلاقة الابوية ـ الأمومية كبذرة لأصل القلق, ليماثل بتدليلات وسجالات فطنة وطويلة النفس بين الولادة الانسانية والولادة الشعرية.

إذا فالخوف من ان يقع الشاعر في أسر السلف هو الذي يدفعه ناحية قلق القصيدة الاستثنائية, أي مرض وعي الذات, لئلا يحرم من الابتكار تحت وطأة العقلنة, بتعبير بليك, حيث ينتج هنا وجها من وجوه "قلق التأثر" نتيجة الخوف من العبودية لمنظومة لسلف الشعرية, على اعتبار ان المرء بالمعنى الهيجلي قادم متأخر للتاريخ, يخشى عليه من الانئسار للمستعاد من الموضوعات والصياغات, ما لم يتكئ على آليات دفاع فاعلية ضد التكرارات والاستعادات, تليق بالشعراء الأقوياء, كما يسميهم بلوم, وكما تتمثل في المعنى النتشوي الذي يطاله المعري عربيا بقوله:

واني وان كنت الأخير زمانه

لآت بما لم تستطعه الأوائل

بمعنى ان القصيدة هنا, اي على محك قلق التأثر تكون حسب بلوم "كآبة الشاعر على ما يعوزه من ريادة" فالقصائد, برأيه تطلع من وهم الحرية, ومن احساس بالريادة ليس مستحيلا, أي ان القصيدة, كما يلخص بلوم فكرته عن الشعر "ليست محاولة للتغلب على القلق, بل هي القلق عينه".

ولأنه اقرب الى التأويل ضمن أطره وآلياته التدليلية, واقل ميلا إلى الافراط التأويلي, يؤسس لمفهوم "قلق التأثر" ضمن مرجعياته المعرفية, وبكل تداعياته الدلالية, حيث يتحدث عن مفهوم القلق عند فرويد في المدرسة النفسية بمعنى "الوجل حيال شيء ما" وعند كريغارد ضمن المناحي الوجودية بمعنى "أرق الكينونة التي تستهلك نفسها" أو بالمعنى النتشوي الساعي الى اختراع أب جيد, أو الهجس به, عند انتفائه واقعيا, حتى يصل بها إلى عمق الدلالة القاموسية, حيث يحيل مفردة التأثر إلى معنى "امتلاك القوة تجاه الآخر" والى قدرة المفردة ذاتها على الاحتفاظ بمدلولها الاشمل بمعنى الوحي والالهام, وليس التأثر بمعنى الاستلاب والانمساخ امام الآخر.

وبهذا يغدو التأثر الشعري فرصة للابتكار, حيث لا يجعل المتأثر اقل اصالة, انما يكون أكثر قربا ووعيا بما يسميها الحركات التنقيحية الست في حياة الشاعر القوي وهي "الانحراف الشعري ـ التكامل والتضاد ـ التكرار والقطيعة ـ السمو المضاد ـ التطهر والنرجسية ـ وعودة الموتى "اذ يتحقق هنا مفهوم الشعر كحركات انقباضية تنقيحية تعمل كآليات دفاع, مقابل حركات انبساطية منفتحة على الخارج ومتمثلة في الابتكار الشعري, الذي هو بمثابة الولادة الثانية.

وعلى تلك القوة الكامنة في معنى "التأثر" ابتنى بلوم الوجهة الايجابية في نظريته, فهي نظرية الاقوياء من الشعراء بامتياز, وهو ـ أي قلق التأثر ـ علامة صحة, أو عافية ابداعية عندما يتعلق الأمر بالشعراء الاقوياء, اذ التأثر الشعري كمسألة مركزية في الوعي الشعري هو "مرور الافراد أو الخصوصيات عبر الحالات, ومثل كل الاشكال التنقيحية, وهو هبة الروح التي تأتي الينا فقط عبر ما يمكن تسميته, بتجرد, شذوذ الروح" ولكن ذلك المرور يظل ناقصا بمفهوم بليك "اذا لم يأخذ شكل الانحراف" عن منظومة من يسميهم "الآباء الشبحيين" بمعنى ان الشعر وفق نظريته هو "قلق التأثر, هو التكتم, هو الانحراف المؤدب, هو الفهم الضال, التأويل الضال, الحلف الضال".

ذلك التأثر الصريح, والمطلوب شعريا هو ما يعني ان الشاعر لا يكتب قصيدته إلا عبر "رومانس عائلته" وقلما نقرأ الشاعر, أو قصيدته إلا عبر شعراء آخرين, فالشاعر الجيد يسرق, حسب مقولة إليوت التي يستعين بها بلوم ليواجه ناكري التأثر الكبار أمثال غوته ونيتشه وأمرسون وثورو وبليك, من حيث مناداتهم بالذاتية والحذر من المحاكاة والتكرار, والذين هم من وجهة نظره وتدليلاته حقول شاسعة أصلا لقلق التأثر, فالقلق الشعري من منظوره "يكون أقوى عندما يصبح الشعر أكثر غنائية, أكثر ذاتية, وينبثق مباشرة من الشخصية".

وبموجب ذات المقولة فإن الشاعر الرديء الذي يستعير صوت غيره, يكون عرضة لشيزوفرينيا الشعر الرديء, لأن الشيزوفريني مجرد مقلد فاشل ابتعد أكثر مما ينبغي عن خلوته التخيلية, الأمر الذي أدى إلى فقدانه "قوة التكتم المنحرف والمتعمد," ولم يعد ديالكتيك التأثر الشعري يفعل فعله لا في داخله ولا خارجه, ليحقق له الولادة الثانية (الشعرية) المتماثلة بالولادة الأولى (الانسانية) وهو ما يتأكد نقديا, حسب بلوم, عند تأمل الآلية التي تعمل بها كافة اشكال النقد البلاغية والبنيوية والظاهراتية والنفسية والفلسفية والاخلاقية.

إذا فقلق التأثر نظرية ذات منزع انساني, تليق بديالكتيك الاقوياء من الشعراء, يحاولها بلوم ولا يدعيها للتغلب على مأزق النقد الشكلاني, والوعظ العقيم الذي سقط فيه النقد الاسطوري, والتيارات المعادية للانسان بشكل صارخ, حسب تعبيره, اذ التاريخ الشعري غير منفصل عن التأثير الشعري, بمفهومه, وهذا التاريخ انما يصنعه الشعراء الاقوياء, اولئك الذين يصارعون الاسلاف حتى الموت, عبر تكتمهم على بعضهم البعض, وهو ما يفسر امتناعهم عن قراءة الشعر كآلية دفاع ضد التكرار, ذلك لأنهم في حقيقة الأمر لا يقرؤون إلا أنفسهم, فديالكتيك التكتم الشعري يضعهم على حركة التكرار والتذكر, ولكن ليست حركة التكرار الهبوطية والافقية, انما التكرار كفرصة ثانية, كما يسميه ورذورث, أي "بواسطة التذكر باتجاه الامام".

بداية الصفحة

اسرة الراحل طلال مداح تفتح نوافذ القلب لـ "الرياض"
أم عبدالله: جملة "عظم الله اجرك".. حسمت قلقي على طلال
أم خالد: قبل صعوده الى خشبة المسرح بـ "10 دقائق" حدثته

جدة ـ منى الحيدري:

في لحظات.. اكتسح الألم كل مساحات الأمل اختفى الضوء.. ضاع البريق.. بصيص النور تلحف بالظلام.. تاه الصوت الشدي.. انطفأ وهجه.. اختنقت العبارات وشخصت النظرات في العيون بلوعة تتابع سقوط الفن.. هرم الفن وبدون مقدمات.

- في لحظات.. ذاب الأمان وسرى نبض الخوف في الشريان وتسارعت خفقات القلوب الآمنة في الصدور.. وتجرعنا مرارة الرحيل.. مرارة الفقد.. مرارة الغياب مات طلال هكذا رددت الألسن.. عبارة بسيطة الحروف عميقة الوجع.. عبارة اعطت الضوء الاخضر لطوفان الدموع ان ينهمر فوق الارض لصوت الارض.

- في لحظات.. تشكلت كل ملامح الحزن في الوجوه لفراق المداح.. كل الاقلام ارتعشت عباراتها فوق السطور هربا من كلمات عزاء في المداح.

- في لحظات.. عدنا الى البداية.. بداية الحياة ونهايتها عدنا بسرعة اليه بعد ان فقدناه.. عدنا الى تاريخه والى ذكرياته والى رحلة متاعبه مع قلب اتعبه التعب عدنا الى جذوره بين اسرته لنرصد بعضا من صور طلال الانسان.

التقينا زوجتي الراحل طلال مداح.. بدأت الحديث أم عبدالله قائلة عن قصة ارتباطها به..

كنا جيران نسكن في مدينة الطائف وكما هو متعارف في تقاليد الزواج شاهدتني أمه وطلبتني للزواج وكان ذلك في عام 80هـ انجبنا ثلاثة اولاد واربع بنات ولنا من الاحفاد 12 حفيدا .

- كيف كانت بداية الراحل طلال الفنية..

اجابت.. بدايته مع الفن بدأت بين اصدقائه في الجلسات التي كانت تجمعه وبعض الحفلات العائلية.

- أقرب اغنية لقلب أم عبدالله من زوجها طلال..

قالت مؤكدة.. جميع اغانيه قريبة لنبض القلب بدون استثناء.

- هل غنى الراحل طلال اغنية خاصة لك..

اوضحت قائلة.. لا.. ولكن ليلة زفافي لها ذكرى خاصة مرتبطة بأغنية "وردك يا زارع الورد" والتي قام بتلحينها في اول ايام الزواج.

- طفولة طلال.. ماذا تحمل في فصولها..

ولد ـ ابو عبدالله ـ يتيما في منطقة تسمى ـ العبيكان ـ في مدينة الطائف وقام بتربيته زوج خالته, وقد كان طفلا هادئا ومجتهدا في دراسته.

- من اقرب الفنانين من الوسط الفني الى قلب طلال..

قالت.. جميع الفنانين اصدقاء لأبي عبدالله يرحمه الله خاصة عبادي الجوهر ـ محمد عبده ـ علي عبدالكريم.

- معاناة الراحل طلال مع متاعب القلب ـ متى بدأت..؟

في السنوات الاخيرة, اكتشف الاطباء وجود انسداد في ثلاثة صمامات في القلب وكان لا بد من اجراء عملية قسطرة ونجحت العملية وقتها وهذا بفضل من الله ونصحه الاطباء بالراحة ومنع من التدخين.. ولكن حياة وظروف الفنان مرهقة.

- كيف بلغك نبأ وفاة الفنان طلال...

سالت دمعة من عينيها ثم قالت بحزن... كنت في القاهرة وجلسنا امام التلفزيون ننتظر نقل الحفلة على الهواء مباشرة عبر احدى القنوات الفضائية, وطال انتظاري حتى الساعة الثانية والنصف صباحا , عندها رن جرس الهاتف كانت المتصلة صديقة ابنتي والتي كانت تسأل عن صحة ابي عبدالله ـ بطريقة غير مباشرة الى ان قالت.. والدك سقط من فوق الكرسي اثناء الحفلة, وفورا اجرينا اتصالات بالاهل وبمدير اعماله وصديقه خالد ابو منذر والذي تمتم بعبارة واحدة ادعو له. الى ان تأكد خبر الوفاة.

- من ابلغك بالخبر..

ابني عبدالله هو الذي اخبرني وذلك بعد الحاح شديد مني في الاطمئنان على صحة والده في جملة واحدة "عظمة الله اجرك".

- آخر لقاء بينكم متى.. وماذا دار فيه...

اجابت أم عبدالله.. آخر لقاء بيننا كان عبارة عن مكالمة هاتفية قبل فترة قصيرة من وفاته.. وتناولت سؤاله عن احوالنا.

- أم عبدالله.. ما النظام اليومي للفقيد الراحل طلال..

اجابت موضحة.. النظام اليومي للفنان غير محدد بحكم ارتباطه احيانا بأكثر من عمل بالاضافة لمواعيده الاخرى سواء العائلية او الفنية, وبالنسبة للفنان طلال فعادة يبدأ يومه بعد صلاة الظهر, حيث يتناول وجبة الافطار ثم يصلي ويبدأ في استقبال اصدقائه من الوسط الفني.

- كيف كان يتعامل ابو عبدالله مع ما يثار في الصفحات الفنية من قضايا او مقارنة ساخنة بينه وبين الفنان محمد عبده

قالت أم عبدالله.. كثيرا ما كان يلتزم بالصمت فالعلاقة بين ابو نورة وطلال علاقة زمالة ومشوار في طريق الفن واحيانا اخرى كان يقول لأبي نورة.. انا عارف الصحافة تريد ان تفسد الود الذي بيننا...

- وماذا يفعل في حالة نزول شريط كاست للفنان محمد عبده في الاسواق ويحقق مبيعات هائلة...

قد لا تصدقي اذا قلت لك بأنه كان يحرص على شرائه من محلات الكاسيت بنفسه.. ويستمع اليه اثناء قيادته للسيارة وبمجرد ان يصل البيت يتصل على ابي نورة ليقول له الف مبروك على الكلام الحلو والالحان الرائعة..

- هوايات ابو عبدالله في ماذا تنحصر...

اجابت.. هواية ـ طلال الله يرحمه ـ القراءة بشكل عام وقراءة الكتب الدينية بشكل خاص وكان يردد الاذكار بشكل كبير خاصة في ايامه الاخيرة, واحيانا يتابع التلفزيون لمشاهدة الاخبار..

- ما الامور التي تحزن ابا عبدالله وتفرحه...؟

قالت.. كان يرحمه الله.. يفرح عندما يشاهد ابنائه مجتمعين على مائدة الطعام يضحكون, وكان يردد الله لا يفرق الشمل ويحزن عندما تحصل مشادة بين احدهما واخيه حيث كان يحرص على ان يزيل اي سوء فهم بين افراد العائلة ككل.

- ماذا تقولين عن ذكرياتك مع ابي عبدالله..

سرحت بخيالها وقالت.. ذكرياتي مع رفيق العمر رائعة مليئة بالطيبة والحنان والكرم.. طلال فوق معاني الوصف.. طلال بالنسبة لي الأب والأخ والزوج.. ويكفي انه لم يسيء لي طيلة حياته معي..

- اسم طلال.. يتردد ـ مناداة ـ بين الاطفال الذين كانوا في منزل الراحل ابو عبدالله.. عندها سألتها عن هؤلاء الاطفال..

فقالت.. ابنائي عبدالله ورأفت اسموا ابنائهم على اسم جدهم طلال, ليظل هذا الاسم يصدح صداه في ارجاء البيت.

- هل من كلمة اخيرة تودين قولها..

اقدم الشكر الجزيل لكل من قدم تعازيه في فقيدنا سواء شخصيا او هاتفيا او برقيا .. شكرا لكل عشاق طلال والذين اشعرونا بالاخاء والحب ولم يهدأ رنين الهاتف للسؤال والاطمئنان عنا.

ثم انتقلنا بالحديث الى أم خالد زوجة الراحل والتي بدأت حديثها بسرد تفاصيل اللحظات الاخيرة في حياة ابو عبدالله قائلة:

قبل صعود ـ طلال ـ على خشبة المسرح بعشر دقائق اتصلت على جوال مدير اعماله للأطمئنان عليه وتحدثنا معا وقال: انني اجلس الآن خلف الكواليس.. فقالت له لماذا لا تنتظر في غرفتك فأجاب.. المسافة طويلة بينها وبين المسرح واضاف.. انني بصحة جيدة. واغلقت سماعة الهاتف وجلست امام التلفزيون لاشاهده وفوجئت بسقوطه من فوق الكرسي, ثم صمتت قليلا , واكملت.. اعتقدت وقتها بأن سقوطه سببه مشكلة ما في الكرسي, ولكن عندما لم يحاول ان يرفع نفسه تأكدت بأن مكروه قد حدث له.

ثم اضافت.. انهالت الاتصالات على التليفون الكل يسأل.. ماذا حدث, فأجيب لا ادري اعطوني فرصة لاتصل اطمئن عليه, ولم يكن امامي سوى الاتصال على هاتف مدير اعماله ابو منذر والذي ظل مشغولا فأتصلت على جوال الفنان عبادي والذي قال "انشاء الله خير" ثم اخبرني ابنه عبدالله بالخبر.

- عند صعود الراحل على خشبة المسرح واثناء تحيته للجماهير كان يضع يده اليمنى تجاه قلبه.. وتردد بين الناس بأن ذلك مؤشر لسوء حالته الصحية.. فما تعليقك..

اجابت أم خالد نافية.. اطلاقا .. غير صحيح فالفنان طلال اعتاد ان يحيي الناس بوضع يده على صدره وتستطيعي ان تتأكدي من ذلك من خلال جميع حفلاته الفنية السابقة.

- ماذا عن تفاصيل آخر لقاء بينكم...

قالت: سافر ابو عبدالله الى ابها يوم الاحد الساعة الخامسة عصرا قبل وفاته بثلاثة ايام على امل العودة يوم الجمعة لنسافر يوم السبت الى مصر ومنها الى امريكا

.. ثم اشارت بيدها قائلة.. هذه شنط السفر التي اعددتها.

- كم عدد ابناء الفقيد الراحل طلال....منك.

اجابت ستة ابناء, خالد وخمسة بنات اكبرهم في الصف الثاني الثانوي واصغرهم نغم ثلاث سنوات ثم روت أم خالد موقفا حدث لها مع ابنه خالد والذي يبلغ من العمر خمس سنوات عندما سألها اين بابا فأجبته بابا سافر لأنه طفل لا يعي معنى الموت فيرد على كلامي.. بس يا ماما اصحابي بيقولوا بابا مات.

- حديثنا عن طلال الأب.. الزوج...

اجابت.. طلال الأب حنون مع ابنائه.. لا يجيد اللعب معهم ولا يجيد ان يعبر عن مشاعره تجاههم فأقل ما يمكن ان يفعله تعبير عن حبه ان يحتضنهم برفق الى صدره وقد كان متعلقا كثيرا بنغم لكونها اصغر ابناءه طلال.. اذا سأله احد حاجة ماليه ولم يستطيع ان يوفرها له, لا يستطيع ان ينام ويظل يفكر طوال الليل في كيفية مساعدته.. طلال.. الزوج.. رحيم لم يبخل علينا بشيء .. رحمه الله.

- ابنة الراحل الفنان طلال مداح السيدة نجاة شاركتنا الحديث قائلة...

بلغني نبأ وفاة والدي عن طريق زوجي والذي شاهد سقوطه من فوق الكرسي. رحمة الله عليه.

وأضافت قائلة: قد تستغربي اذا قلت لك بأن والدي اشترى ـ كفنه ـ قبل شهور وكان دائما يردد خليكم معاي ـ كلوا معاي ـ يمكن ما نتقابل ثاني.

لقد كان الوالد يتعامل معنا بحب لا اذكر انه فرض رأيه بقوة بل كان يستخدم اسلوب النقاش والاقناع.

- ابنتا الراحل (سارة ورشا) في الصف الثاني الثانوي اعتبرتا وفاة والدهم خسارة كبيرة في حياتهم, لأنه بالنسبة لهم كل الحياة.

بينما ظلت طفلته الصغيرة ـ نغم ـ تنادي على ابيها في ارجاء البيت تناظر العيون والوجوه التي جاءت تقدم واجب العزاء.

بداية الصفحة

البيئية والمحلية في الرواية!

حنا مينه

اتابع الكتابة عن التجربة الروائية, كما تابعت الكتابة, سابقا , عن التجربة القصصية, التي وصلتني حلقاتها مجموعة بين دفتي كتاب "الرياض", في اخراج أنيق, آمل ان يتلاءم فيه المضمون مع الشكل, حتى يرضى القارئ العزيز عن جهدي المكرس, خالصا مخلصا , لارضائه, من خلال المتعة والمعرفة.

لقد قلت, واكرر, انني لست بالمنظ ر للرواية أو القصة, أو أي من الأجناس الأدبية الأخرى, فالتنظير, كيلا يكون مطرقة على الرأس, يحتاج إلى التخصص, ولعل التجربة, في ممارسة الكتابة, توفر للكاتب ما يقوله للناشئة من الكتاب, واحسب ان سنوات عمري الطويلة, التي تقض ت في كفاح مع الحرف, لجعله مطاوعا لانشاء القصة أو الرواية, قد امدتني بالتجارب غير المسموح باحتكارها, أو في التقاعس في بسطها, عبر حلقات متتابعة, تجلو, إلى حد ما, نوعية هذه التجارب, وامكانية افادة الآخرين منها.

ليس معنى هذا انني اعتزم انشاء كتاب حول تجربتي الروائية, فهذا المطمح يحتاج إلى الوقت, وكفاء الجهد, وجمع المصادر والمراجع, وهذا متعذر دون التفرغ الكامل, ولأنه حتى الآن, غير متوفر, فانني اكتب, اضافة إلى ما كتبت سابقا , بعض الفصول حول تجربتي الروائية, انشرها في هذه الصحيفة التي اعتز بالانتساب إلى تحريرها منذ سنوات غير قليلة.

ان جدلا كثيرا , دار حول البطل الايجابي, وورقا غزيرا استهلك في تحديد سماته, وسفح حبر اغزر في تقويم صفاته, دون الوصول إلى نتيجة هي النقطة في آخر السطر.. ذلك انه ليس من بطل ايجابي, في القصة أو الرواية, خالص الايجابية, أو بطل سلبي, خالص السلبية, أو ايديولوجية صافية تمام الصفاء, وإلا انكرنا امتداد الماضي في الحاضر, وانكرنا, أيضا , تطاول الحاضر إلى المستقبل, واوقفنا دورة الزمن, في محاولة عبثية, لا طائل من ورائها, ففي كل كائن حي, (والبطل القصصي أو الروائي يكون حيا أو لا يكون) تنوجد التناقضات, واخذ التناقض في المعيار, يفرض علينا ان نحسب حساب الايجاب والسلب في هذا البطل, وبهذا وحده يكون بطلا من لحم ودم, وفق تعريف الأديب اللبناني الكبير عمر فاخوري ـ رحمه الله ـ

اخلص من هذا إلى ان أبطالي, في كل الروايات والقصص التي نشرتها حتى الآن, ليسوا ايجابيين بالمطلق كما يزعم هذا أو ذاك من النقاد, وليسوا سلبيين بالمطلق أيضا , كما يردد آخرون, انهم باختصار, أبطال شعبيون, مهاد وجودهم هو المأثور الشعبي الذي يتجلى في أكثر ما كتبت, ومنه, من هذا المأثور الشعبي الشائع, تناولت, غالبا , احداث رواياتي, بحرا وبرا , ومن هذه الروايات التي تجاوزت الثلاثين عدا , استقام لي, كما يعترف معظم النقاد, ما اسميه عالمي الروائي, وهذا العالم لا يستقيم إلا بالتراكم, فالرواية أو الروايتان أو الثلاث, لا تشكل عالما روائيا قريبا من التكامل, إلا ان قلتها لا تنتقص من قيمة الروائي أو مكانته, فالطيب صالح عرف بروايته "موسم الهجرة إلى الشمال" وقديما , في القرن التاسع عشر, اشتهر فلوبير, الكاتب الفرنسي الفذ, بروايته "مدام بوفاري" كما اشتهر مجايله, الكاتب الفرنسي الآخر ستاندال, بروايته "الأحمر والأسود", وتشتهر, في ايامنا هذه الكاتبة الجزائرية المتفوقة احلام مستغانمي بروايتها الاولى "ذاكرة الجسد" ويحدث ان يتوقف الكاتب بعد الرواية الاولى, أو الثانية, وكل منهما مستمد من الخصوصيات, أي من التجارب الشخصية الخاصة, وبعدها ينقطع هذا الكاتب عن العطاء, اما لانه ضحل التجارب, أو لانصرافه إلى جنس أدبي أو فني آخر..

ويحدث, وهذا نادر, عند كاتب نادر, صاحب عبقرية, مثل استاذنا نجيب محفوظ, ان يستطيع الروائي, وبتكثيف شديد, ان تحيط بعض رواياته, كالثلاثية المشهورة مثلا ـ قصر الشوق, السكرية, بين القصرين ـ بكل ما في مجتمع ما, عبر مدينة أو قرية, على نحو ما فعل محفوظ في ثلاثيته, التي تناولت مدينة القاهرة, المدينة التي استقطبت, واستغرقت معظم رواياته, لكنها تمحورت في الثلاثية بشكل شامل ورائع.

أما أنا فقد حرصت, في معظم رواياتي, ان التقط احداثها من المناطق المجهولة في ادبنا العربي, قديمه وحديثه, كالبحر, الغابة, المعركة الحربية, الإنسان والموت, الجبل, الثلج, وغير ذلك.. وما التقطته كحدث كان نطفة, تخص بت, ونمت, وكبرت, واوفت, من خلال السياق, وبتعبير آخر, ان هذه النطفة هي عالم فككته واعدت تركيبه, ولم اتناول هذا العالم جاهزا , كما لم اتناول اية شخصية جاهزة في أعمالي, ففي هذه الحال ينتفي الابتكار, الاختراع, ينتفي الخيال والتخييل, وتصبح الشخصية الروائية أو القصصية, في هذه الحال, شخصية فوتوغرافية, صورة جامدة, باهتة, لا خلق فيها أو حياة أو فرادة, وتظل بيئية, لا تخرج عن حاضنة البئية, لا تبلغ ان يكون لها بعد إنساني, خارج اطار بيئتها المحددة تحديدا قسريا , فلا يوجد, عندئذ, القارئ المتفهم لها خارج هذه البيئة, أو المتناغم معها, أو المنجذب إليها بقوة كما هو متوقع, ونادرا ما يقول قارئ رواية كهذه: اني اعرف هذه الشخصية, أو أنها ليست غريبة علي أو عني.

المهم, في موضوع البيئة, الا نفعل الفارق بين ما هو بيئي ومحلي, فالمحلي, أو ما هو حدث محلي, اغنى, اندى, ارحب, مما هو بيئي, لان البيئة تنطوي في المحلية وليس العكس, ونحن نجد في البيئة شخصية نمطية, فردية, لا تعدد لها, ولا تشكل مماثلا لقوامها بينما نجد في المحلية شخصية غير نمطية, غير مفردة أو افرادية, تتعدد صفاتها, وتتقاطع شمائلها, ونستطيع بكل سهولة, ان نقول ان هذه الشخصية معروفة, ولنفرض انها شخصية حلاق ما, ففي البيئة تمثل شخصية الحلاق حلاقا واحدا , وفي المحلية تمثل شخصية الحلاق أربعين أو خمسين حلاقا , ومن هنا تعددها, قوامها الإنساني العام, شموليتها في تمثيل الحلاق, كما تمثيل البخيل في مسرحية موليير, التي تقدم نموذجا تنطوي فيه دنيا من البخلاء, أو في شخصيات البخلاء لدى الجاحظ التي تمثل كل شخصية بخيلة عالما من البخلاء..

اتذكر, في هذا المقام, قصص "المتشردون" لمكسيم غوركي, فشخصية تشالكاش, لص المرافئ, ليست نمطية, أو احادية, ويمكن, بكل بساطة, أن نجد هذه الشخصية في كل لصوص المرافئ, من الروسيا إلى فرنسا, ومن اليابان إلى بريطانيا, أي انها, بكلمة واحدة: شخصية عالمية, لها بيئتها, ولكن لها محليتها أيضا , المحلية التي جعلت منها شخصية عالمية.

وما يقال عن تشالكاش غوركي, ينطبق بصمة وصفية على احدب نوتردام, أو جان فالجان في البؤساء لفيكتور هوغو, شاعر فرنسا الكبير, وعلى شخصيات كثيرة تزخر بها الرواية العربية والرواية العالمية, من اوروبا إلى افريقيا ومن آسيا إلى أمريكا.

دمشـق

بداية الصفحة

الشاعر خالد البرادعي الفائز بجائزة البابطين لـ "الرياض":
طبيعة العصر صورت أن الشعر قد أفسد!
أرفض قصيدة النثر لأنها ليست لي وليست مني!

حوار: عبدالله الطلحة

الدكتور خالد محيي الدين البرادعي من سوريا. احد مؤسسي اتحاد الكتاب العرب في سوريا, وعضو الاتحاد العالمي للمؤلفين باللغة العربية, وعضو مجلس الاتحاد الدائم الآن في سوريا, وناقد وشاعر وشاعر مسرح قبل كل شيء, وهذه صفة اتسم بها كثيرا, حيث له حوالي عشرين مسرحية شعرية وحوالي 17 ديوانا من الشعر, كان آخرها "عبدالله والعالم" الذي فاز بجائزة البابطين وملحمة شعرية طبعت منذ شهور في اتحاد الكتاب العرب اسمها "ميسلون" وهي في "11" فصلا تعالج الأيام الثلاثة الأخيرة من حياة البطل يوسف العظمة الذي وقف في وجه الزحف الفرنسي سنة 1920م في وادي ميسلون وتمزق جسده تحت جنازير الدبابات الفرنسية في ذلك العام. وله كذلك عدد من كتب النقد إضافة الى اطروحة الدكتوراه التي لم تطبع بعد وهي بعنوان "تعددية النمط في الشعر الجاهلي وظلاله". هذه مقدمة عن شاعرنا الذي نلتقي به في هذا الحوار الذي أجري معه ليحدثنا عن حال الشعر العربي فإلى نص الحوار:

لا يوجد شعر منثور

- "الرياض": كيف ترون حال الشعر العربي؟ سواء العمودي المقفى أو المنثور وغيره؟

ـ أولا لا يوجد شعر منثور إنما يوجد شعر والشعر سواء كان ضمن التفعيلة أو ضمن البيت الموزون المقفى. وأنا اكتب الاتجاهين.

ثم ان المعوقات المعاصرة والقنوات الفضائية وبرامج الترفيه والتقانة المعاصرة التي دخلت الى البيوت قد أفسدت أو اصلحت أو عطلت الطاقات الابداعية وعملت على اكمام أو خمول حركة الشعر وحركة الأدب بشكل عام, لكن هذه ظاهرة لابد ان نتخلص منها في المستقبل, ومع ذلك أرى واعيش مع طاقات شعرية مهمة جدا في اقطار الوطن العربي من شرقه الى غربه ومن شماله إلى جنوبه وهناك طاقات شعرية تبشر بكل خير فعلا. المصاب بالهاجس الشعري وبالقلق الفني لا يسأل عن إن كان شعره وصل أو قرئ أو لم يقرأ, هو يعيش هواجسه الشعرية ويترجم همومه وهموم الآخر بزخم عميق وبقلق فني متواصل ومحترق بدون ان يسأل عن تلك المعوقات. والشاعر مستمر في العطاء, ولكن تلقي الشعر يواجهه الآن بعض الصعوبات.

طريق الحياة

- "الرياض": من الذي أفسد الشعر.. هل هم شعراء الحداثة أم شعراء الفصحى؟

ـ الشعر أفسده ربما ظروف الحياة كلها مثل التعليم الرديء وتراجع اللغة العربية والمعوقات لتي ألهت الانسان العربي وكثرة الاهتمامات, إنما في كل عصر موجود الشعر الجيد والنظم الرديء وكلنا نذكر كلمة المتنبي:

"في كل يوم تحت ظله شويعر".

لكن الآن هناك وسائل لنشر كل ما يكتب وهذا ما أظهر الفاشل أمام الجيد, إلا ان في كل عصر من العصور يوجد شعر جيد وهي ظاهرة طبيعية فلا يمكن لعصر ان يكون كل شعرائه شعراء عظاما, ولكن الآن إذا قمنا بعملية مسح نقدي في الوطن العربي لعثرنا على الأقل على مائة شاعر يكتبون شعرا جيدا, وهذا يكفي ان مائة شاعر يتواجدون في عصر واحد.

نحن لم نفسد الشعر ولا أحد أفسد الشعر, لكن طبيعة العصر هي التي صورت لنا ان الشعر أفسد. وعندما نقرأ الشعر العباسي, نقرأ ما وصل إلينا من الشعر العباسي, ولكن التجارب الهزيلة التي مرت على جوانب هذا الشعر لا نعرف عنها شيئا, إنما الآن هناك دور نشر, فمثلا في المملكة العربية السعودية توجد عشرات الصحف والمجلات, هذه كلها تبحث عن مواد وعن قصائد تنشرها, وفي بعض الأحيان تنشر الرديء إلى جانب السيئ إلى جانب الجيد إلى جانب المتوسط لتكمل صفحاتها. إذن طبيعة العصر هي التي صورت لنا ان الشعر أفسد.

أنا حينما أقرأ ما يسمى بالقصيدة النثرية يلاحقني احساس انني اقرأ شعرا مترجما عن لغة اجنبية, اضافة الى واقعة خطيرة جدا في هذا النمط من الكتابة وهي ان القصيدة المنثورة حتى الآن لم تدخل الى مناخ الانسان العربي وبيئته. أي انني احس بأن هذا النظام له علاقة بالشعر العربي. فقد قرأت صورا متناثرة وصورا عامة مصفحة لا تنتمي إلى شيء وتدل على شيء, أي ان عظمة الشعر الجاهلي انه ابن بيئته, ولهذا نحن ندرسه بعد ألف وخمسمائة عام, ندرسه لأنه هو الانسان الجاهلي, والقصيدة المنثورة نمطه ليس عربيا, ولا يمكن ان يعبر عن طبيعة الانسان العربي مما يدفعني كعربي الى رفضه لأنه ليس لي وليس مني.

والقصيدة المنثورة سواء كتبت في السعودية أو في دمشق أو في مصر أو في العراق أو في المغرب لا تعبر عن طبيعة الانسان العربي. ولا اعرف ما هو الذي ولماذا وكيف فرض على هذا النمط من الابداع ان يكون بعيدا عن الانسان العربي وهويته.

الإلقاء موهبة

- "الرياض": هل يمكن لنا ان نقول بأن الإلقاء يمثل الجزء الكبير من نجاح الشعر لديكم؟

ـ الالقاء هو موهبة مثل موهبة الشعر ومثل موهبة الصوت الجميل, وأنا وهبني الله تعالى هذه الملكة واستطيع ان أوصل شعري بشكل جميل الى المتلقي. لكن الالقاء في بعض الأحيان لا يدل على قوة الشعر أو الشاعر أو ضعفه. يعني بعض الشعراء لهم شعر جميل ولا يستطيعون إلقاءه, فمثلا أحمد شوقي له شعر جميل إنما كان فاسد الإلقاء وبدوي الجبل كان إلقاؤه سيئا وهما شاعران عظيمان, وأبو تمام كان فأفاء لا يستطيع إلقاء شعره, إلا ان عدم القدرة على الالقاء لا تدل على ضعف الشعر أو قوته بالعكس هناك من يلقون بشكل جيد وتجد شعرهم رديئا, اما الحسنة ان يجتمع الشعر الجميل مع الإلقاء الجميل, وهذه موهبة مــــــن الله سبحانه وتعالى.

لا تؤثر

- "الرياض": ما مدى تأثير الشللية على الإبداع وعلى مستوى النقد؟

ـ الشللية لا تؤثر على الإبداع, لكنها تحجب ايصاله للآخرين. نحن نعيش في عصر يسيطر عليه الاعلام الموجه, الاعلام الحزبي أو الاعلام السياسي أو اعلام السلطة السياسية أو اعلام الشلل, ولهذا السبب تجد بعض الشعراء الكبار يتأخرون في الظهور لأنهم لا يرتبطون بالشلة ولا يرتبطون بالحزب ولا يرتبطون بالسلطة السياسية. وأنا لي الشرف ان أكون واحدا من هؤلاء, فلست مرتبطا لا بالسلطة السياسية ولا بحزب ولا بشلة. وأنا أعيش في معزل عن الناس وأعالج أمور الآخرين وأمور أمتي ومشاعر قومي وأعالج ذاتي ومشاعري الخاصة بغض النظر عن اني أحاول ان أوصلها إلى الآخرين ولكن بشكل هادئ ورصين بدون قفزات وبدون طفرات اعلامية جوفاء.

توجد طاقات

- "الرياض": ما حقيقة وجود النقد على الساحة العربية الأدبية؟

ـ توجد طاقات نقدية هائلة في الأدب العربي وبمنتهى العظمة لكنها لا تواكب حركة الإبداع للأسف الشديد, وأيضا هذه تسيطر عليها في بعض الأحيان العلاقات الشخصية بين المبدع والناقد.

- "الرياض": كيف يمكننا إعادة الشعر العربي إلى سابق عهده؟

ـ لا يمكن ان يعود الشعر العربي إلى سابق عهده لأن الشعر ابن عصره والإبداع دائما ابن عصره لا يمكن ان يعود إلى الوراء, ولكن تسألني متى يكون الشعر معب را عن عصره ومعاصرا لانسانه الذي يعيش معه؟

اقول لك بأن هذا السؤال وجيه والآن ألاحظ من خلال إسهامي ومن خلال متابعاتي ومن خلال اطلاعي ان هناك عددا من الشعراء الذين أفسدتهم التيارات والتجارب بدأوا يعودون إلى كتابة الشعر الأصيل والموزون والرصين والمفهوم إلى حد ما, وهذه دلالة صحة وعافية.

بداية الصفحة

مقترحات على طاولة المسؤولين في عاصمة الثقافة 2000م
تهاني الغريبي: إقامة مكتب نسوي في جمعية الثقافة يذلل العقبات أمام الباحثة ويمدها بالمعلومات
المكتبة الإلكترونية موقع على الإنترنت للجمعيات والنوادي.. يختصران الزمن أمام الباحث

تحقيق ـ هيام المفلح

"تهاني الغريبي" باحثة من باحثات هذا الوطن.. محاضرة بقسم اللغة الانجليزية في كلية التربية للبنات بالرياض.. حصلت على درجة الماجستير ـ تخصص مسرح ـ وتعد الآن لرسالة الدكتوراه.

أثناء بحثها الدؤوب في إعدادها لرسالتي ـ الماجستير والدكتوراه ـ صادفتها بعض العوائق والمشاكل ـ كما تصادف كل امرأة باحثة في أي مجال كانت ـ تتعلق بعملية الحصول على المراجع والمعلومات اللازمة للبحث.

وهي هنا, في هذا اللقاء تركز تلك العوائق وتقدم المقترحات التي تراها مناسبة. وتخص جمعية الثقافة والفنون بمقترحاتها هذه وهي تثق ـ تمام الثقة ـ أن المسؤولين في الجمعية سينظرون في هذه الاقتراحات الموضوعية (وليس الانتقادات) لأنهم حريصون كل الحرص على إرضاء شريحة جادة لا يحركها سوى مواطنتها وفخرها بالفئة المتميزة واشتغالها بالعلم والأدب ـ فئة الكت اب والمبدعين ـ الذين يمثلوننا كسعوديين.

وفيما يلي تفاصيل ما اقترحته الباحثة "تهاني الغريبي" كما ترويها بنفسها:

مكتب نسوي؟

إن أحد الأغراض من وراء إقامة الجمعية السعودية للثقافة والفنون هو خدمة الفنانين والمثقفين والباحثين في تلكم المجالين (الثقافة والأدب). هذه الخدمة تتلخص في تزويد طالبها بالمعلومات والمطبوعات التي تتناول الشأنين الثقافي والفني السعوديين.

أنا أجهل طبيعة الخدمات التي تتوفر للمثقف والطالب الرجل من قبل الجمعية, ولكن تلك المقدمة للمرأة, هذه أعرفها بل وخضتها. أعرف أن المرأة لا يمكن أن تطلع على محتويات الأرشيف الجمعية والنادي الأدبي. بالطبع لم يذكر أحد الموظفين الذين تحدثت إليهم أي شيء عن أية قاعدة للبيانات والمعلومات أو فهرس للمطبوعات التي بالأرشيف, وعليه لا يتسنى للباحثة والمهتمة أن تحدد ما تريد من الأرشيف. ليس من المقنع أن تتجاهل إحدى أهم المؤسسات الثقافية بل وربما أهمهن على الإطلاق, التعامل على نحو مرض مع المرأة السعودية المثقفة والمهتمة بالشأن والتي لها بصمتها المتميزة في مجال البحث والدراسة والنقد والنتاج الأدبي. يجدر أن نذكر هنا أن عدد الدارسات والباحثات السعوديات في العلوم النظرية يفوق عدد الباحثين ـ هذا حسب إفادة دراسة محلية. وفي نظري أنجع حل لهذه المسألة ـ وليست بأية حالة مشكلة ـ إقامة مكتب نسوي للتعامل المباشر مع المستفيدات من السيدات ويوفر لهن كافة خدمات الجمعية والنادي.

التقنية والإنترنت

هناك مؤلفات ومطبوعات تمت طباعتها عن طريق الجمعية السعودية للثقافة والفنون وهذه تزخر بها مكتبة الجمعية, وهناك أيضا نتاج سعودي آثر مؤلفوه نشره خارج المملكة. حتى هذا النتاج يجب أن يحتوي ضمن قائمة خاصة به كونه سعوديا . وفي عصر الثورة المعلوماتية, أجد أننا لا نملك أية خيار آخر سوى أن نلجأ إلى التقنية. بالإمكان مثلا وضع المادة التي تقتنيها الجمعية على قرص ليزر وبيع نسخة للمهتمين وبالإمكان الإطلاع على هذه المكتبة الإلكترونية في أي مكتبة عامة.

ولعل فكرة ا ستحداث موقع على شبكة الإنترنت تراود المسؤولين في الجمعية لأن الكثير من الجهات الأقل أهمية قد قامت بذلك فعلا . وهذا ما قام به نادي حائل الأدبي فعلا . ونتمنى لو ضم هذا الموقع التالي:

1 ـ الفعاليات والأحداث الثقافية الراهنة, بالتفاصيل.

2 ـ نبذة عن الجمعية.

3 ـ التاريخ الأدبي للمملكة.

4 ـ الجوائز الدولية والمحلية التي حاز عليها أدباؤنا.

5 ـ بنذة مختصرة ذات طابع محلي عن الأشكال الأدبية في المملكة.

6 ـ مصادر ومراجع ونظام بحث (Search Engine).

كما أعتقد أن من شأن ضخ الدماء الجديدة والمتخصصة في الجمعية أن يؤثر في الأداء العام وأعني أولئك المتمرسين في مجال البحث وجمع المعلومات. ولأشير هنا أنه ما من جهة أخرى يمكنها إنشاء وتوثيق أعمال وإبداعات أبناء هذا البلد مثل الجمعية السعودية للثقافة والفنون.

ضرورة التسويق.. والتسويق

ولابد من التنسيق والتعاون مع وزارة الإعلام لتخصص الأخيرة مساحة إعلامية للجمعية والنادي ولتوجه خطابتها الثقافية للجمهور على أنواعه. لهذا التعاون بين الجمعية فوائد أخرى (مثلا لا حصرا ), إثراء أسواق الكتب السعودية التي تعج بالغث وليست بمثل غزارة المكتبات خارج المملكة ولهذا تأثيره السيىء على مستوى الثقافة بشكل عام. المحصلة من هذا التنسيق هو إخضاع اختيار الكاتب في البلاد لذوق المثقف والمتخصص وليس للتاجر الذي لا يعرف كثيرا عن الكتب سوى كونها ممنوعة أو مصرحة من خلال وسائل الإعلام يمكن لجمعية الثقافة والفنون أن تروج لمبدعينا ونتاجهم الذي يمثل المملكة في السباق الدولي للإبداع على حد سواء ـ والذين تمثلهم وتدعمهم الجمعية بطبيعة الحال. الجدير بالذكر أن أهم المحطات الفضائية العربية والتي تبث برامج ثقافية هامة والتي نجحت في الترويج لكثير من الأدباء والمثقفين العرب, هذه المحطات في الغالب يمتلكها سعوديون وهذه النقطة يجب أن تستغل لصالح أدبائنا. فلا يجب الاكتفاء بالطبع بل بالتسويق والإعلان كأحد أشكال دعم مبدعينا.

أنشطة لابد منها

[ من المهم إقامة ندوات ومحاضرات تعر ف بنشاط المؤسسة والإعلان عنها في حينه عبر وسائل الإعلام. والإعلان عن النشاط في قاعة المحاضرات التابعة للجمعية وإعداد قاعة أخرى مجاورة ليتسنى للسيدات حضور الفعاليات على نحو لائق.

[ بالإمكان إقامة المزيد من المهرجانات الثقافية العربية والدولية والتعاون مع الجمعيات الثقافية ومثقفي الدول المجاورة لمد جسور للآخر.

[ عمل دورية خاصة بالجمعية والنوادي الأدبية بالمملكة.

[ عمل المزيد من المعارض الفنية وتشجيع الأعمال الفنية والنحت وعرض المتميز منها في المحافل الدولية. وإقامة صالة للفنون يمكن ارتيادها. وينطبق الكلام على العروض المسرحية التي لا يمكن إقامتها لعدم وجود دار عرض وأعتقد أنه آن الأوان لإنشائها!!

بداية الصفحة

بتكلفة مليون وخمسين الف ريال.. و100 يوم تصوير
10 حلقات تتحول الى 20 حلقة في أساطير شعبية.. والمشاهد المصورة 964
"ثور" يحتج ويرفض التصوير.. ونورمان اسعد تطلب الزيادة المرفوضة!

متابعة ـ محمد السلوم:

يجري حاليا في "الرقة" وهي مدينة صحراوية صغيرة تبعد عن دمشق عاصمة سوريا ما يقرب من سبع ساعات بالسيارة وهي منطقة جميلة جدا ولا تبعد عن الحدود التركية إلا ثمانين كيلو مترا تقريبا آخر مشاهد مسلسل الاساطير الشعبية

- اكثر من تسعين شخصا ما بين ممثل وفني وكمبارس جمعتهم الاساطير الشعبية وهي للأستاذ عبدالكريم الجهيمان وكتب السيناريو والحوار ذياب عيد وتولى الاخراج محمد عزيزية. ومن انتاج التلفزيون السعودي واشترك في تجسيد الشخصيات مجموعة كبيرة من الفنانين السعوديين والفنانات البحرينيات والسوريات وهم.

عبدالله السدحان ـ ناصر القصبي ـ محمد العلي ـ بكر الشدي ـ خالد سامي ـ عبدالعزيز الحماد ـ علي ابراهيم ـ يوسف الجراح ـ عبدالرحمن الخريجي ـ محمد العيسى ـ جعفر الغريب ـ علي المدفع ـ عبدالعزيز السكيرين ـ ابراهيم الحساوي وخالد مفتاح الذي اشترك بالتمثيل وادارة الانتاج وعبدالله السناني ممثلا .

من البحرين لطيفة المجرن ـ فضيلة المبشر ـ سعاد علي ـ زهرة عرفات ـ شيما سبت ووالدتها فاطمة.

من سوريا ناهد حلبي ـ لينا مراد ـ لينا الجندي ـ صباح عيد ـ نصرشما قمر ـ لانا ـ وفرح بسيسو. مساعدون للمخرج صفاء وبطال حسين , الماكياج ستيلا زوجة المخرج محمد عزيزية. ملابس لينا والمصور دحام وهو عراقي وهو من المصورين البارزين.

جاء المسلسل الذي يجري حاليا تصوير المشاهد الاخيرة من حلقة الارملة وذكر العصافير وعدد مشاهدها 99 مشهدا والحلقات هي:

- محمد حسين جلا عن قبيلته وشارك فيها خالد سامي ـ عبدالعزيز الحماد ـ ابراهيم الحساوي ـ عبدالرحمن الخريجي ـ وجعفر غريب وعدد مشاهد هذه الحلقة 108 مشاهد.

- الأمير الهارب والفارس الملثم وشارك فيها عبدالعزيز الحماد ـ ابراهيم الحساوي ـ عبدالرحمن الخريجي ـ جعفر الغريب ـ محمد العلي ـ شيما سبت وعدد مشاهدها 101 مشهد محمد العيسى ـ عبدالعزيز السكيرين.

- الذي مامر عليه يوم اقشر وشارك فيها ابراهيم الحساوي ـ جعفر الغريب ـ زهرة عرفات ـ يوسف الجراح ـ محمد العيسى ـ عبدالعزيز السكرين ـ وعدد المشاهد 100 مشهد.

- الفتاة الغريبة وشارك فيها ابراهيم الحساوي ـ زهرة عرفات ـ علي المدفع ـ محمد العيسى ـ فضيلة المبشر ـ لطيفة المجرن ـ عبدالعزيز السكيرين وجاءت في 96 مشهدا .

- الراعي والمدينة وقدم شخصياتها ناصر القصبي ـ ابراهيم الحساوي ـ عبدالعزيز الخريجي ـ جعفر الغريب ـ شيما سبت ـ علي المدفع ـ خالد مفتاح ـ سعاد علي ـ عبدالله السناني ـ فضيلة المبشر. وبلغت مشاهد هذه الحلقة 87 مشهدا .

- القروي والسلطان شارك فيها عبدالله السدحان جعفر الغريب ـ علي ابراهيم ـ لطيفة المجرن ـ عبدالله السناني ـ وممثلات من سوريا. وبلغت مشاهد الحلقة 106 مشاهد.

- ابنة السلطان الصامته وشارك فيها جعفر الغريب ـ محمد العلي ـ علي ابراهيم ـ محمد العيسى ـ عبدالإله السناني. وبلغت عدد مشاهدها 81 حلقة.

- سارق ثور السلطان وشارك فيها مجموعة منهم محمد العلي ـ بكر الشدي ـ علي ابراهيم ـ جعفر الغريب وبلغت مشاهد الحلقة 92 مشهدا .

- سارق لفافة السلطان وشارك فيها عدد من الفنانين منهم خالد سامي ـ محمد العلي ـ يوسف الجراح ـ جعفر الغريب وبلغت مشاهد الحلقة 92 مشهدا .

- الحلقة العاشر والاخيرة هي الارملة وذكر العصافير وشارك فيها عبدالعزيز الحماد ـ ابراهيم الحساوي ـ عبدالإله السناني وعدد مشاهدها 99 مشهدا وهي التي يجري تصوير آخر مشاهدها ومشاهد مسلسل اساطير شعبية.

- الجدير بالذكر بأنه كانت مرشحة للمشاركة في هذا العمل الفنانة السورية نورمان اسعد ولكنها اعتذرت بسبب ارتباطها بتصوير مسلسل وانها لم تقتنع بما اسند لها في الاساطير وهي حلقة واحدة ولكنها طلبت ان يمنحها السدحان والقصبي مساحة اكبر لكي تعتذر عن العمل التي سوف تشارك فيه وتتفرغ للاساطير ولكنهم رفضوا ذلك.

-مر طاقم العمل بمواقف عديدة منها:

ـ اثناء تصوير لأحد المشاهد غزاهم عدد من الثعابين مما اضطرهم توقف التصوير لفترات.

ـ عند وصول الفنانة البحرينية زهرة عرفات لمطار دمشق وبعد وصولها بأقل من ساعة اعلن عن وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد وعلى الفور غادرت الى بيروت ومنها الى الكويت حيث انها تصور مسلسلا هناك.

ـ احد المشاهد في حلقة "سارق ثور السلطان" كان يتطلب هروب الثور في الشوارع وعندما احضروا ثورا كان ثقيلا في حركته ولم ينفذ المطلوب وبعد عدة محاولات قرروا ان يحضروا بقرة ويضيفونها امامه ومن ثم يطلقون الثور فيذهب لها بسرعة وهنا يأخذون المشهد.

ـ من المواقف ايضا هو سقوط الفنان يوسف الجراح من على ظهر الخيل حيث كان في احد المشاهد يتطلب ركوب الجراح على الخيل وعندما انتهى من تصوير المشهد وحاول النزول لم يكن السرج مشدودا حيث وقع واربعة ايام وهو رابط يده.

- عبدالعزيز السكيرين من الفنانين الذين يجيدون العزف على آلة العود وكان يطرب الفنانين في فترات الراحة بعزفه.

- تكلفة الاساطير شعبية بلغت مليونا وخمسين الف ريال شاملة تذاكر سفر الفنانين السعوديين والبحرينيين واسكانهم واعاشتهم ومصاريف تأجير الكاميرات وغيرها.

- بلغت اجمالي المشاهد 964 مشهدا . وسوف تجزأ حلقاته العشر الى عشرين حلقة ومن المحتمل عرضه قبل رمضان.

بداية الصفحة

في المركز الثقافي بدمشق
نجاح معرض التصوير الضوئي السعودي



تجلت ملامح إبداع فناني جماعة التصوير الضوئي بمركز الخدمة الاجتماعية بمحافظة القطيف بعرض إبداعاتهم في مجال التصوير الضوئي ذلك الفن الرفيع الممزوج بعلم رفيع حيث لم تقتصر مشاركاتهم محليا بل امتدت واستطاعت أن تنقل إبداعات فنانيها عبر العديد من المحطات. وامتدادا لما توليه حكومتنا الرشيدة أيدها الله من اهتمام ورعاية للمثقفين والثقافة فقد أقيم مؤخرا بصالة المركز الثقافي العربي بالعاصمة السورية (دمشق) معرض التصوير الضوئي السعودي الذي افتتحته وزيرة الثقافة السورية مها قنوت بحضور القائم بأعمال السفارة السعودية بدمشق الدكتور شايع الحتشيبان ومدير ثقافة دمشق سهيل الملاذي حيث تجول الجميع في أروقة المعرض الذي اشتمل على صور لجماليات الحياة والطبيعة في المملكة بمشاركة ثلاثين فنانا من أعضاء جماعة التصوير الضوئي بمركز الخدمة الاجتماعية بمحافظة القطيف وأعربوا خلالها عن سعادتهم بإقامة معرض لفن التصوير الضوئي السعودي مبدين في الوقت نفسه إعجابهم بالمستوى التقني والفني الذي وصل إليه الفنان السعودي من خلال الصور المعروضة على المستوى الفني الراقي لجماليات الصورة التي أتاحت الفرصة للإطلاع على الكثير من الواقع الاجتماعي للمملكة العربية السعودية كما أتاحت الفرصة لكل فنان للظهور بعرض إبداعاته في مجال التصوير الضوئي في مثل تلك المحافل الدولية والتواصل عبر هذه الأقنية الفنية من أجل رعاية هذا الفن وإثراء ساحته الفنية ولخلق نواة لتلقي النوعي الرفيع لدى القاعدة العريضة لعشاقه من المتذوقين.

بداية الصفحة

شمرة عصا ـ 2 ـ

خالد المعالي

الأيام المتراكضة بحثا عن أثر, بحثا عن ذكريات متباعدة, ها هي تعودـ بثقلها, تحاصرنا حيث لا أحد ينتظر, سوى الأوهام المتراكمة في الزوايا. أتريدـ أن تتكلم, أتريد أن تتعلم, ما عليك سوى السكوت. البحث عن البهجة خلف الحائط! الذكريات تداعبنا ونحن؟ هل هناك أحد غيرنا, يجر نفسه في كل زاوية, حيث الأيام تنتظر وحيث تختفي. ألهذا أعيد الذكريات المتضاربة التي لا تجد خيطا يـشد ـ ولا وترا يمكنـ العزفـ عليه؟

الآن, اليدـ على اليد, أفكر بالنهار الذائب, بهذا الليل الحاط على نافذتي, مفكرا بدوامة الأفكار, باللحظات المتراكمة, التي يسيطرـ الهواءـ الهاب على أعوادها.

هنا, أجلسـ كالميت, كالمرمي في هذا النهار, مـبعدا عن الأوهام. اللحظات لا تدومـ وروحي ذائبة. فقدت كل اللحظات انبهارها, ضاحكة من الدأب الدائم لكلماتي التي هبت, التي كـب ت في السواقي, ضاحكة من كركرة الماء,من الزبد المتطاير في الهواء الذي يغل ف أيامي.

أردتـ أن اتكلم كثيرا اليوم, لكن صمت الساعات التي أمضيتها متأخرا في فراش الصباح, تركت آثارها. المرثية تستيقظ لوحدها, النهار ينامـ وحيدا , تاركا أثر الليل, والغيوم تمرقـ في مكانها!.

اليوم هو يوم التذكر, التذكير بالمارة, بالأوهام العابرة, تطرقـ بابا بعد باب, دون أن يـفتح باب لنا, الأيام تدك معاقلها ونحن, صغار ننزوي في المكان, بحثا عن الرائحة.

أنتظر نهارا كاملا هنا, أفكر لوحدي, منصتا لكل هذه العوامات, ذاهبا إلى العالم البعيد, لكي أنتهي من هنا, وأذهب إلى هناك.

النفسـ تستريح على سطح الذكريات, اليدـ الطويلة تنادي, تشير والكلمات تتوارى هنا, خلف التلال, في تلك المناطق البعيدة, تذهبـ أوهامي ولا تعود إلا قليلا لكي أريحها وأرتاح, متجاهلا إياها, تاركا أيامي تنادي, تصيح من بعيد, عل أحد يعود, مشدود الرأس, عمامته طويلة وأفكاره نائمة تحتها.

أين تمر حياتي؟ وأي طريق ستختار من بين هذه الذكريات التي أريدها أن تصلني وتذهب بعيدا , لقد أوقفت الذكريات عند حدها, أريد ان أتكلم وأن أتواصل مع رنين ضحكات الطفولة, الخطوات تتلاحق والموتـ يطير عاليا ويذهب ذاويا , منطلقا من ذات نفسه, من روحه الكبيرة, أني أوصي كل الذكريات التي أعيدت إلى مكانها بألا تتكئ على أنفاسها, عليها أن تسرد الأوهام وتضعها جانبا لكي نسمع ولكي نرى, إلى أي طريق سيأخذنا النهار ومن أي طريق سيعيدنا الليل!.

لقد ثقلت الراحة علينا, وتراكمت أوتار الحياة, مقطعة في الزاوية. أريد لو يتذكرني أحد هنا. لو جاؤوا به حيا ليتكلم ولكي يصغي إلينا! نحن نتباهى بهذه الصور وبهذا الليل لكي ننام ولكي نـنسى كلية. اني استريح؟ ماذا تريدون مني؟ هل أذهب إلى تلك الرواحل وأشد الخيط لكي يـقطع بعد قليل وتترك كل أيامي ورائي, مرمية, في زاوية تتبادل ادوارها وأنا أشد الخيط وأمضي!

كولون ـ ألمانيا

بداية الصفحة

من الشعر التركي

ثقافة اليوم ـ طارق عبدالعزيز أبوعبيد:

صدر عن المجمع الثقافي في ابوظبي ديوان للشاعر التركي اورخان ولي ترجمة جمال جمعة تحت عنوان (هذه الارض, تلك النجوم, هذي الأشجار)..

مه د المترجم للديوان بمقدمة عن الشاعر عكست كثيرا من تاريخ تركيا والدولة العثمانية في اوائل القرن العشرين:

(ولد اورخان ولي كانيك في استنبول عام 1914, اي في نفس الفترة التي وقعت فيها تركيا, "رجل اوروبا المريض" حكم اعدامها بدخولها الحرب العالمية الاولى جنبا الى جنب مع الالمان. وحينما اعلنت الجمهورية التركية عام 1923 على يد مصطفى كمال اتاتورك, كان اورخان ابن التاسعة, يتعلم الابجدية العربية في المدارس قبل ان يبدلها اتاتورك بالابجدية اللاتينية, معلنا فيها القطيعة مع ماضي الامة التركية الشرقي ـ الاسلامي.

هذه القطيعة مع الماضي استحوذت على الاجيال التالية التي تربت في ظل ثورة التجديد القومية الأتاتوركية, ومن ضمنها ذهنية اورخان ولي الذي حاول خلق تقاليد حداثية جديدة في الشعر التركي المعاصر يدا بيد مع اثنين من زملائه, اوكتاي رفعت ومليح جودت اندي, حيث شكلوا تيارا تجديديا متشابها الى حد ما في البداية لدرجة انه كان بوسع اي منهم وضع اسمه تحت قصيدة الآخر دون ان يلاحظ الآخرون الفرق, الا انهم انفصلوا بعد تبلور شخصياتهم الشعرية فيما بعد.

نشر اورخان اولى قصائده في مجلة "اورليك", عام 1936, ثم تلاها بخمس مجموعات شعرية كان اولها "غريب" عززها بمجموعة مقالات يوضح فيها خطه الشعري الجديد الذي نجح في بلورته كشاعر تركي اصيل, لكن موته المبكر عام 1950 جعل شهرته تذهب الى شاعر آخر اقل موهبة منه, اعني ناظم حكمت.

تنم اشعار اورخان اليومية عن بساطة آسرة وعاطفة كبيرة, عاطفة قروي مستوحد, "غريب" في مدينة لا يعرفه بها احد, عاطفة طفولية, لكن ليست ساذجة تنطوير على حب كبير للحياة واحتفاءاتها حتى في اشد لحظاتها حزنا, ربما آلامها التي لا تحتمل هي التي اودت مبكرا بحياة انسان ذي قلب كقلب اورخان وهو في السادسة والثلاثين من عمره بنزيف في الدماغ).

وتمتاز بعض قصائد الديوان بالقصر والكثافة مثل قصيدة (حشرات):

(لا تفكر

تمن فقط,

هكذا تفعل الحشرات أيضا)

وفي (قصيدة الوحدة) يرسم الشاعر ملامح من الضعف الانساني الشفيف

(انتم, يا من لا تعيشون وحيدين, لن تعرفوا كم سيكون الهدوء مرعبا, كيف يتكلم انسان مع نفسه, كم من المرات عليه ان يهرع الى المرآة, ولا كيف يتوق المرء لانسان آخر, عن ذلك لا شيء تعرفون).

وفي قصيدة (وهم) يخلع الشاعر قيده ويتجه بحماس نحو الحرية:

(تحررت من حبي القديم.

الآن كل النساء جميلات,

قميصي جديد,

تحممت

وحلقت ذقني,

فقد حل السلام.

ها هو الربيع

والشمس مشرقة.

خرجت الى الشارع,

الناس سعداء ومرتاحون

وأنا أيضا مرتاح وسعيد)

بداية الصفحة

مجرد رعاية مزيفة وخادعة!

سعدية مفرح

"ما التضحيات التي تقدمها المرأة في مجتمعاتنا العربية في سبيل أن تصبح كاتبة؟"

سؤال يتكرر في صيغ مختلفة لأي امرأة عربية قدر لها أن تتعاطى في الشأن الكتابي الابداعي بصفة خاصة, والسؤال رغم ان يقترح معنى إجابته ومضمونها الأخير بمجرد صيغته الأولية "خاصة عندما يفترض وجود هذه التضحيات مقدمة للسؤال عنها أو التساؤل حولها" إلا ان تكراره النمطي يجعل فرضيته حقيقة غير قابلة للدفع ربما.

لكن هذا كله لا يعني انه سؤال غير مهم أو غير حقيقي أو غير ضروري, أو ان الاجابة عليه غير واجبة مثلا خاصة في ظل الأجواء المغلفة لعالم المرأة في محيطنا العربي, فالمرأة والكتابة أو الابداع بشكل عام يضيف إليها مزيدا من مكونات الاستفزاز, وبالتالي فالتضحيات التي تقدمها المبدعة الحقيقية ربما تساوي الحياة نفسها, خاصة وان الابداع الحقيقي يتطلب من أي مبدع بغض النظر عن جنسه أو انتمائه ان يكون صادقا وهو بصدد ممارسته لهذا الابداع مائة في المائة.

لكن هذا لا يعني أننا لا ننكر أن المرأة الأديبة "سواء أكانت مبدعة حقيقية أم لا" في الخليج بشكل خاص تعامل على أنها شيء خارق للعادة مما يجعل من أنصارها بشكل عام يحاولون رعايتها والاهتمام المبالغ به بما تكتب مهما كان مستوى وأهمية هذا الذي تكتبه مما يجعل هذه "المعاملة الخاصة", وبالا حقيقيا على موهبتها الحقيقية من حيث لا تدري أحيانا, فالكثير من الأديبات الشابات يفرحن بالاهتمام النقدي غير الطبيعي الذي يحظين به مما يجعلهن يتباطأن في تنمية أدواتهن الكتابية ولا يحاولن تطوير ملكاتهن الابداعية والأكثر سوءا من هذا ان تلك المعاملة "التدليلية" الخاصة من قبل الأنصار من النقاد والكت اب والصحفيين بشكل خاص لا تعني أنها تحميها من معاملة بقية أفراد المجتمع الذكوري أو تغنيها عن بذل التضحيات الكثيرة في سبيل الاستمرار.. إنها مجرد رعاية مزيفة وخادعة لا تحمي ولا تغني ولا تكفي.

هل أجبنا على السؤال؟ لا بالتأكيد.. لكنها فرصة للحوم حول السور.. مجرد فرصة.

بداية الصفحة

(سيبويه) في ذكرى ميلاد (تشومسكي) 2/2

د. محمد ربيع الغامدي

خلصت الحلقة السابقة من هذا الحديث إلى أن سيبويه يعد واضع اللسانيات أكثر من أن يعد واضع القواعد المدرسية التي بها يتعلم المتعلمون اللغة وفي ضوئها يـعمد إلى مجرد التصويب أو التخطئة. وأن القول بـ "الأصل المفترض, والعوامل, والعلل, والتقدير النحوي) يرجع إلى إرادة سيبويه ـ ومن ثم الخليل كما سبق ـ التعبير عن التفسير العقلي لنماذج الاستعمال المختلفة وتحليلها, وان ذلك من مظاهر انصراف سيبويه وأستاذه إلى الدراسة اللسانية التي بها التقيا في عملهما مع عمل بعض أصحاب الدراسات اللغوية الحديثة التقاء تفرضه وحدة الموضوع ووحدة الهدف المشترك. ونزعم انطلاقا من ذلك أن منجزهما اللساني اللغوي الذي أتماه, و(العامل) المتصور في عقول أصحاب اللغة وأذهانهم, ثم ما جاء منه على حال يمكن ـ بمعرفة ما استقر في أذهان الجماعة اللغوية بالطبع ـ (تقدير) انه مقدم مثلا و(الأصل) فيه أن يكون مؤخرا , أو العكس, أو أنه حـذف وهو مراد, أو نحو ذلك. نزعم أنه انحرف بالتدريج على أيدي الأجيال التالية من النحاة إلى العودة به إلى الاقتصار منه على قانون ((قل ولا تقل), واماتة ما عدا ذلك, عوضا عن ان ينهضوا بالجانب التحليلي الذي بدأه الإمامان. وحدث أن وجد الخالفون أحاديث العوامل والعلل والتقدير والتأويل ووجدوا إلى جانب ذلك وصفا للقواعد فخلطوا هذا بذاك, فوصل إلينا من النحو مزيج غريب من القواعد التعليمية ومن الدراسات التحليلية للنظام. ولذلك استغرب المحدثون هذا الخليط العجيب, فلهذا ذهبوا ينادون بتصفيته. لكنهم أخطؤوا حين أرادوا نبذ الجزء التحليلي. اللهم إلا إن ارادوا تصفيته من ذلك عند تقديمه للتعليم فقط.

وكثيرا ما نرى في عصرنا هذا اتجاه الدارسين في فهم علوم الاوائل إلى جعلها علوما تعليمية. ويسيطر هذا الفهم سيطرة تؤدي إلى تحويلها عن مسارها الصحيح, أو يتجاهل على الأقل دور التحليل الذي ما انفك ملازما لها. ويبعد تبعا لذلك تصو ـر أنها دراسات نشأت لغرض استكناه الظاهرة ومحاولة فهمها والوصول إلى كشف أسرار نظامها. ومن ثم يبعد أن يضع اللاحق نفسه موضع السابق في مراجعة ما أثبته السابقون وتوصلوا إليه, ثم القيام على اتمام الجهود والوصول إلى مزيد من المنجزات. فعلم (العروض) مثلا أـخذ على أنه مجموع (القواعد) التي يـتعلم بها الوزن, ويـحكم في ضوئها على أوزان الشعر من حيث موافقة الشعر العربي بالصحة أو الخطأ. لا على انه محاولة من الخليل لتدبر القائم من الشعر حتى زمنه وفهم (نظام) الأوزان الصوتية التي قام عليها. وعلم (البلاغة) فـهم فهما يقربه من أن يكون مجرد (القواعد) التي يحكم في ضوئها بصرامة على العبارة جمالا أو قبحا , لا أنه علم نشأ بغرض الغوص في أعماق العبارة وتحليلها ومحاولة استكشاف بعض أسرار الجمال فيها وفهم نظامه. وهكذا النحو وغيره من علوم الأقدمين. وأظن أن من بين الأسباب القوية المؤدية إلى ذلك أن أغلب الدارسين والكتاب من المثقفين وأشباه المثقفين وجدوا أنفسهم في مقاعد الدراسة يتعلمون هذه العلوم, فرسخ في عقولهم واستقر في اذهانهم تلقائيا الدور التعليمي التربوي, وتـنوسي الجانب التحليلي في المقابل. هذا إلى جانب ما تقدم آنفا من سيطرة فكرة صيانة اللسان عن الوقوع في الخطأ واللحن, تلك الفكرة التي توحي بأن جميع ما كتبه السابقون لم يكن غرضه إلا أن يتلقفه اللاحقون بتعلمه وحفظه عن ظهر قلب لأنه المؤدي إلى صون اللسان عن كل زلل. ولم يؤخذ شيء من ذلك ـ إلا قليلا ـ مأخذا يصوره على أنه محاولة أولية لفهم (النظام) تقتضي محاولات أخرى تتبعها نحو محاولة سبر النظام نفسه بمزيد من التأمل, وانطلاقا إلى مزيد من تطوير فهمه كذلك. ذلك لأن اللاحقين لم يضعوا أنفسهم في مكان السابقين في النظر إلى الظواهر وفهمها وتفسيرها, بل جعلوا من أنفسهم تابعين يرددون ما توصل إليه سابقوهم على أنه الكلمة الاولى والأخيرة وما عليهم إلا تلقيه وحفظه.

إن اشارة الخليل نفسه إلى علمه الذي جاء به كافية في بيان جوهر ما جاء به, وفي تلخيص الغرض الذي قام علمه لأدائه. يقول الخليل رحمه الله: "إن العرب نطقت على سجيتها وطباعها. وعرفت مواقع كلامها, وقام في عقولها عل له, وإن لم يـنقل ذلك عنها. واعتللت أنا بما عندي أنه عل ة لما عللته منه. فإن أكن أصبت العلة فهو الذي التمست, وإن تكن هناك علة له فمثلي في ذلك مثل رجل حكيم دخل دارا محكمة البناء, عجيبة النظم والأقسام, وقد صحت عنده حكمة بانيها بالخبر الصادق وبالبراهين الواضحة والحجج اللائحة. فكلما وقف هذا الرجل في الدار على شيء منها قال: انما فعل هذا هكذا لعله كذا وكذا, ولسبب كذا وكذا, سنحت له وخطرت بباله, محتملة لذلك. فجائز أن يكون الحكيم الباني للدار فعل ذلك للعلة التي ذكرها هذا الذي دخل الدار, وجائز أن يكون فعله لغير تلك العلة. إلا أن ذلك مما ذكره هذا الرجل محتمل أن يكون علة لذلك. فإن سنح لغيري علة لما عل لته من النحو هو أليق مما ذكرته بالمعلول فليأت بها). (الإيضاح في علل النحو للزجاجي ص 66). وهذا نص صريح واضح أشد ما تكون الصراحة والوضوح من الخليل في أنه دخل إلى أعماق الظاهرة اللغوية كما يدخل الحكيم إلى داخل الدار, واجتهد في التأمل في لغة العرب حتى عرف (مواقع كلامها) وما (قام في عقولها) من (العلل) داعيا غيره من الحكماء المتأملين إلى مزيد من التأمل والتدبر, حتى إذا سنح لغيره علة هي أليق مما قاله هو فليأت بها. وذلك ما جعل الزجاجي يعقب على كلام الخليل المتقدم بقوله: (وهذا كلام مستقيم, وإنصاف من الخليل ـ رحمة الله عليه).

وتابع سيبويه ما بدأه أستاذه, سائرا على النهج نفسه, متأملا فيما (قام في عقول المتكلمين, مستظهرا (عل ل ه), مسترشدا تارة برؤية الأستاذ وتحليله, ومجتهدا تارات في محاولة الوصول إلى علل أخرى هي (أليق) بها كما قال الأستاذ, وانفاذا لما وصى به.

ولو تأمل متأمل مسرد الموضوعات فقط في فهرس (الكتاب) لرأى ـ بما يدع مجالا للشك ـ أنها عناوين يندرج تحتها كلها أو جل ها موضوعات تـعنى أكثر ما تـعنى بما استقر في الذهن واخـترن في العقل. وتذهب إلى استنباط المعاني المتصورة في أذهان الجماعة اللغوية المنتجين لنماذج الاستعمال المختلفة, والذين شافههم سيبويه وأستاذه من قبله, ومن ثم تحليل نماذج الكلام قياسا بالمتصور في الأذهان.

ولو نظر ناظر ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ إلى عدد محدود جدا من نصوص كبيرة جدا وردت في كتاب سيبويه (تحو ل مضمونها والمراد منها فيما بعد على أيدي متأخري النحاة وأـدرج تحت مصطلح "الاتباع على التوهم أو على المعنى أو على المحل" لرأى انها تفسير توص ل إليه سيبويه وتصد ى لوصفه يظهر به ما استقر في أذهان الجماعة اللغوية وجاء بموجبه اتباع ما لشيء لم يتحقق في العبارة المنطوقة, لكنه تبادر إلى الذهن واستقر في العقل وأضمر في النفس, مقصودا إلى معناه, غير متنبه من قبل المتكلم إلى مخالفة المتحقق بالفعل للموجود بالقوة. وراح سيبويه يعم م هذا التفسير العقلي على جملة من العبارات في نصوص متفرقة, بعضها من القرآن الكريم وبعضها الآخر من شعر العرب ونثرهم. قلل في شأن تأويل ما يلحظ في بعض صور ما تقدم ذكره: "واعلم أن ناسا من العرب يغلطون فيقولون: (إنهم أجمعون ذاهبون) و (إنك وزيد ذاهبان) وذاك أن معناه معنى الابتداء, فيرى أنه قال: (هم) كما قال:

ولا سابق شيئا إذا كان جائيا

على ما ذكرت لك. (الكتاب 2/155 ـ 156 ط هارون). وقال أيضا : "وقال الخليل رحمه الله: لا يقولون إلا (هذان جحرا ضب خربان) من قبل أن الضب واحد والجحر جحران. وإنما يغلطون إذا كان الآخر بعد ة الأول, وكان مذكرا مثله أو مؤنثا . وقالوا: (هذه جحرة ضباب خربة) لأن الضباب مؤنثة, ولأن الجحرة مؤنثة, والعد ة واحدة, فغلطوا". (الكتاب 1/437). وقال في باب ما ينتصب فيه المصدر المشبه به: "وذلك قولك: (مررت به فإذا له صوت صوت حمار) و(مررت به فإذا له صراخ صراخ الثكلى). وقال الشاعر, وهو النابغة الذبياني:

مقذوفة بدخيس النحض بازلـها

له صريف صريف القعو بالمسد

وقال:

لها بعد إسناد الكليم وهدئه

ورن ة من يبكي إذا كان باكيا

هدير هدير الثور ينفض رأسه

يذب ـ بروقيه الكلاب الضواريا

فإنما انتصب هذا لأنك مررت به في حال تصويت, ولم ترد أن تجعل الآخر صفة للأول, ولا بدلا منه. ولكنك لما قلت : (له صوت ) عـلم أنه قد كان ثم عمل , فصار قولك: (له صوت) بمنزلة قولك: (فإذا هو يصو ت) فحملت الثاني على المعنى. وهذا شبيه في النصب, لا في المعنى, بقوله تبارك وتعالى: وجاعلـ الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا لأنه حين قال: جاعلـ الليل فقد علم القارئ انه على معنى (ج ع ل), فصار كأنه قال: وجعل الليل سكنا , وحمل الثاني على المعنى. فكذلك (له صوت ) فكأنه قال: (فإذا هو يصوت) فحمله على المعنى, فنصبه, كأنه توهم بعد قوله (له صوت): يصو ت صوت الحمار, أو يبديه, أو يخرجه صوت حمار, ولكنه حذف هذا; لأنه صار (له صوت) بدلا منه". (الكتاب 1/355 ـ 356). وقال: "سألت الخليل عن قول الأعشى:

إن تركبوا فركوب الخيل عادتن

أو تنزلون فإنا معشر نزل

فقال: الكلام ههنا على قولك: يكون كذا, ل ما كان موضعها لو قال: (أتركبون؟) لم ينقض المعنى, فصار بمنزلة قولك: ولا سابق شيئا (يقصد البيت المذكور آنفا )" (الكتاب 3/50 ـ 51).

وليس ما ذـكر من النصوص غير غيض من فيض مما أورده الإمام في كتابه, لو تتبعناه ما اتسعت هذه العجالة للتطويل بسرده. لكن ما ينبغي التأكيد عليه أن إمام النحاة عني أشد العناية بالعودة مرارا وتكرارا إلى مقارنة التصورات الذهنية التي أدت إلى وجود علامات اعرابية بعينها في النصوص أعلاه بما يتأمله ويصل إليه في تحليل النصوص الأخرى التي انحرفت عن المفترض نظريا بحسب المعتاد في لغة القوم. ويغني عن الإطالة في هذا المقام بنقل النصوص الإشارة إلى مواضع بعضها في (الكتاب) اختصارا . انظر مثلا مقارنة سيبويه نصب لفظ (الجماعة) في قول الشاعر: (أزمان قومي والجماعة كالذي) بقول الآخر: (ولا سابق شيئا ). ومثله: (ونهنهت نفسي بعد ما كدتـ أفعل ه) بنصب (أفعله). (الكتاب 1/305 ـ 307). ووجوه المشابهة بين قولهم: (ليس زيد بجبان ولا بخيلا ), و(ما زيدـ بأخيك ولا صاحب ك) بجر الأول ونصب الثاني, وبين (هذا جحر ضب خرب) بجر الصفة, ومثله قول الشاعر: ) (فلسنا بالجبال ولا الحديدا), وقول الآخر: (فإن لم تجد من دون عدنان والدا ,,, ودون معد فلتزعك العواذل) بجر (دون) الأولى ونصب الثانية. (الكتاب 1/66 ـ 68). ومشابهة ما سمي فيما بعد بعطف المصدر من (أن) المضمرة والفعل بعد الفاء السببية على المصدر المتصي د قبله بقول الشاعر: (مشائيم ليسوا مصلحين عشيرة,,, ولا ناعب إلا ببين غرابها) بجر (بين), وقوله: (وما زرت سلمى أن تكون حبيبة,, إلى ولا د ي ن بها أنا طالبه) بجر (دين). مع تأكيد سيبويه الشديد أن ذلك يشبه قول الشاعر: (ولا سابق شيئا ) المتقدم. (الكتاب 3/28 ـ 29). وانظر نحوا من هذا تحليله الدقيق لأسباب وجود ظاهرة نصب المصادر لمفاعيلها, ثم إن ما يضمر في النفس من معنى الفعل حينئذ يجعل المتكلم ينصب المعطوف على المفعول الذي أضيف إليه المصدر نحو (هذا ضارب زيد وعمرا ) و(عجبت له من ضرب زيد وعمرا ), واستشهد بأبيات لرؤبة. (الكتاب 1/189 ـ 192). (وينظر أيضا 1/169 ـ 170, 171 ـ 174 ـ 94, 2/344). وانظر أيضا تفسيره هو وأستاذه لإتباع المنادى المبني على الضم بالرفع, وتعليلهما ذلك بأن المتكلم لم يفصل في تصوره الذهني بين حركتي البناء والإعراب; لأن الحركة في الحالين سواء; إذ إنها الضمة. (الكتاب 2/183). وهو ما عـرف فيما بعد بعلة اطراد البناء على الضم. ومثل ذلك الاتباع جرى على تابع اسم (لا) النافية للجنس. (الكتاب 2/291 ـ 295). ومثل الذي تقدم ما ذهب إليه سيبويه في تعليل ورود كلمة (سراويل) غير مصروفة في لغة العرب; لأن ذهن المتكلم تصورها شبيهة بصيغ الجمع التي اعتاد منع صرفها مع أنها مفرد. (الكتاب 3/229). وإلى نحو هذا التحليل ينحو في كسر العين من (ادع ه) عند بعض العرب فيما يرويه عن أبي الخطاب الأخفش, ثم يعود إلى مقارنة هذه الظاهرة بما جاء في قوله: (ولا سابق شيئا ) المتقدم. (الكتاب 4/160). وسيبويه هنا يعمد بهذا النوع من التحليل العقلي لما دار في الذهن وما تحقق في العبارة المنطوقة إلى بيان قدر (الانزياح) بين المجرد المتصو ر ذهنيا والمتحقق المنطوق لسانيا .

ويشير سيبويه إلى أن تصو ر العقل ما يعرف بـ (العامل) وجودا وعدما , تقديما وتأخيرا , وانبناء العبارة إما على أساس تصو ـر وجوده أو على تصو ـر سقوطه وعدمه وانمحائه, هو الفيصل في تحت م وجود العلامة الإعرابية التي يقتضييها ذلك التصور للعامل, أو اقتضاء حذفها واستبدالها تبعا لما يحل في التصور مكان العامل المفترض نظريا . والعامل بذلك ليس غير تصو ـر عقلي, إن ثبت في الذهن أعمل المتكلم ذلك التصو ـر في العبارة إن لم يوجد التصو ـر لم يوجد الإعمال. ولذلك تجد سيبويه يفسر ـ سر عدم نصب المفعول أحيانا إذا تأخر عنه أو عن الفاعل فعلـ القلب, نحو (ظن), مؤكدا أن اعتياد الذهن على نصبه إذا ابتدأت الجملة بفعل القلب, وجز م المتكلم بهذا الإعمال في كل حال, يختل حين التأخر, فيبني المتكلم كلامه على الابتداء بالجملة من غير تصور سابق لمقتضي النصب, فكأن المتكلم حينئذ بنى كلامه على اليقين ثم تداركه وأتبعه بالشك فيما بعد لما جاءت (ظن) متأخرة لم يبتدئ بها الكلام, فلذلك أمضى المتكلم عبارته على وفق ما انبنى في ذهنه أولا . (الكتاب 1/120). وسيبويه يحمل نصب الاسم المتقدم على فعل لا يصل إلى المفعول بنفسه على هذا المحمل, فإنه إنما انتصب لأن المتكلم حين نطق بالفعل لم يدقق فيما نطق أهو مما يتعدى بنفسه أم أنه لا يتعدى إلا بالحرف, فالمتكلم يسيطر على عقله حين نطقه بالفعل دلالة ذلك الفعل على الحدث وأن هذا الحدث يقع على الاسم الذي فاه به, فهو كأنه تصور أن الفعل إذ ذاك متعد . ثم يزيد ذلك الأمر ثابتا وتأكيدا في نفسه إن هو ابتدأ بالفعل, فيجري كلامه بعد ذلك على أن الحدث واقع على الاسم. ولا يغفل سيبويه التنبيه على أن هذا الذي ينقله في المسألة هو قول الخليل. (الكتاب 1/92, 93). وهو ما أخذه متأخرو النحاة بعد ذلك ليضعوه قانونا ينص على ترجيح النصب في باب الاشتغال إن كان عطف الاسم على جملة فعلية قبله, بخلاف إن كان المتقدم جملة اسمية.

ولا نمضي إلى أكثر من هذا في استقصاء نصوص الكتاب أو الإشارة إلى مواضعها; إذ فيما سبق وفيما ذكر في الحلقة السابقة كفاية في الدلالة على اتجاه الدراسات اللغوية المبكرة على يد إمام النحاة وأستاذه إلى استكناه الظاهرة اللغوية في المقام الأول, ولاسيما في ضوء التيقن من أن فكرة (التقدير) والقول بـ (الأصل) المفترض إنما نشأت في ظروف نوع التحليل اللغوي المنو ه عنه وملازمة له. وهذه الأمور مجتمعة تشكل منها ما أعده أنا ـ دون تردد ـ نظرة إلى اللغة سبق بها سيبويه إمام المتقدمين نظرة إمام المحدثين سوسير إلى مستويين لها, أحدهما: المستوى المتصور في أذهان الجماعة اللغوية الواحدة, وهو ما عب ر عنه بمصطلح (اللغة). والآخر: المستوى المنطوق, وهو المعبر عنه بمصطلح (الكلام). أول هذين المستويين مثالي موجود بالقوة والأخير متحقق بالفعل. وقد يوافق المتصو ر المتحقق, وربما خالفه. وفي المقابل ليس في الكتاب تفصيل ملحوظ يفهم منه ما ينبىء عن القصد إلى الاكتفاء بتعليم اللغة, كما سبق في الحلقة السابقة.

وإذا كانت الصلة واضحة بين التصور النحوي لمستويين للغة, مثالي ومتحقق, مجرد متصو ر في الذهن ومنطوق باللسان, وبين ما يفيده مصطلحا سوسير (اللغة, والكلام) بوصف الأول دالا على المتصو ر والأخير دالا على المتحقق, فقد لحظ بعض الباحثين المعاصرين صلة مباشرة وشبها بين تصور النحاة ذاك وتصور أصحاب النحو التوليدي التحويلي فيما عرف عنهم بـ (البنية العميقة) و(البنية السطحية). يقول الدكتور عبدالحكيم راضي: "لم يتخل النحو العربي أو علم اللغة بصفة عامة عن التمسك بتصوره للغة في مستواها المثالي. ومن أجل إثبات هذه المثالية والمحافظة عليها قام النحو العربي بما يشبه صنيع المحدثين من أصحاب النحو التوليدي التحويلي في تصورهم لوجود بنية عميقة مثالية كامنة وراء كل بنية سطحية". (نظرية اللغة في النقد العربي ص 204). وليس بمستغرب أن يكون بين تصور الدرس النحوي لهذا الجانب وبين كلا التصورين السوسريين, لأن المصطلحين الشهيرين لكل منهما لا يمكن أن يقال: إن اللاحق منبت الصلة عن سابقه. ذلك لأن الدراسات اللغوية بعد سوسير نمت وترعرعت في ظل ما حرره من المفاهيم اللغوية التي كانت ملتبسة قبله, وظلت تسير على هدى ذلك التحرير. وأجزم بأن الدراسات بعد أن أحدث سوسير ما يشبه الثورة على المفاهيم القديمة عادت لتسير في ضوء التحليل العقلي لظاهرة اللغة. وليس مصطلح (الكفاءة اللغوية Competence) الذي ابتدعه تشومسكي إلا شيئا مطورا مبني ا على تمثل الفرق الجوهري الذي توصل إليه سوسير بين (اللغة) في مستواها المجرد و(الكلام) في صورته المادية. لاسيما أنه مصطلح مرتبط ارتباطا عضويا بالبنيتين (العميقة) و(السطحية) المتحد ث عنهما سلفا . وليس تناول سيبويه لقضايا اللغة ببعيد أو منبت الصلة عن أن يكون حديثا في الكفاءة والمقدرة اللغوية, قريب الشبه في المضمون بما عني به وتحدث عنه تشومسكي ومن قبله سوسير. والقاعدة إن أوردها سيبويه فليس لإيضاح وجه الصحة أو الخطأ, بل من باب بيان (أصل الوضع) الذي هو ترجمة أخرى لما يفترض أن يكون عليه التركيب نظريا , ومن ثم تحليل (نماذج الاستعمال) على ضوء ذلك الأصل ونسبة كل نموذج إلى موقعه من نظام ذهني ما, مطابقا له, أو منزاحا عنه, أو متخذا مكانا ما من نظام ذهني آخر لا يتبين إلا بالتحليل.

لقد سار القريبون من عصر سيبويه ممن أتى بعده ـ كالمبرد وابن السراج ـ في خط لم يبعد كثيرا عن خط سيبويه, تارة بترداد عباراته وتارات بإضافات جيدة يسير بعضها في الاتجاه الصحيح الذي كان ينبغي أن تسير عليه الدراسات اللغوية في العصور المتتابعة التالية. وشاع في تعاليم مدرسة البصرة بعض الملاحظات التي امتزجت بروح سيبويه وفكره. وشابها قدر من مضمون أحاديث سيبويه التي يفهم منها أنها تتجه إلى (أصل الوضع) المفترض نظريا , ومن ثم تحليل نماذج الكلام المسموع عن العرب شعرا ونثرا في ضوء المجرد المتصو ر, وهو ما عرف عند أهل البصرة بـ (القياس), في مقابل (السماع) الذي ينصرف في معناه إلى نماذج الاستعمال, ومنها بالطبع (الشواهد النحوية) من الكلام العربي الفصيح. لكن الأمر تحو ل تدريجيا إلى سوء فهم لقضية القياس والسماع, وحدث في مسيرة النحو العربي تغيرات أدت إلى أن يكون شيئا آخر غير الذي بدأ أول الأمر. ولا أدل على هذه التغيرات من تحو ل نماذج التحليل التي بدأها سيبويه وذكرت آنفا إلى قواعد جامدة غير قابلة للبحث والتطوير على أيدي الخالفين من النجاة المتأخرين, ولا يرجى منها غير التصويب والتخطئة. وقد ورد في صدر هاتين الحلقتين الإلماح إلى بعض ما اعترى النحو المتأخر من اتجاه به إلى أن يكون تعليميا خاليا من روح التحليل, ومازال بعض وجوه التغيير التي مرت بالنحو في تطوره التتابعي عبر العصور والمراحل الزمنية في حاجة إلى الوقوف على مزيد من التفصيل. وبتفصيله يمكن إزالة بعض الأوهام العالقة بسيرورة الدرس النحوي. وبه أيضا يمكن تحرير بعض المفاهيم التي تحتاج إلى تحرير. وهو الأمر الذي أرجو أن تتاح لي العودة إلى إفراده بحديث مستقل; فهو حديث يطول.

بداية الصفحة

التجو ل في الحقول الممغنطة

محمد علي شمس الدين

الحقول التي دخلتـ اليها مع ابي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري إمام أهل الأدب, المتوفى من أكثر من ألف عام, سنة 255 للهجرة, حقول شاسعة, متنوعة ذات استقامات ونتوءات, وفيها فسحة للنفس والجسد كأنها الجنة, كما تنطوي على حفر ومهاو مستورة على شاكلة آبار سـد ت افواهها بطبقة رقيقة وخادعة من أوراق الأشجار وأغصانها, ما إن تطأها قدم, حتى تهوي إلى قاع البئر السحيقة, وتمشي في هذه الحقول وكأنك تمشي في مساحة قائمة بين اليقظة والمنام, لا هي واقعية فتستند إليها استنادا حسيا مأمونا, ولا طالعة من محض المخيلة, فتكتفي منها بمتعة الخيال, وأثمارها ومحاصيلها ملتبسة, كبطونها ومهاويها, فتحسب أنك تستمتع (معه) باللفظ استمتاعك بالمعنى, وباللفظ والمعنى معا استمتاعك بالشيء نفسه, وحين تحاول الإمساك بالشيء واللفظ والمعنى, تفر جميعها من شبكتك كأنها أسماك زلقت في شبكة واسعة, ولا يبقى سوى هذه المتعة المستحيلة... النص المستحيل للجاحظ,

اعترف انني دخلت الى الحقول التي دخلت اليها مع ابي عثمان عمرو ابن بحر الجاحظ, وكانت تحلق فوقي اطياف "دريدا", وكان دريدا يتنقل احيانا كغيمة فوق هذه الحقول, ويسقط بعض المطر على الأثلام والحبوب والاشجار, فينعش من يباسها, وربما تنقل كشمس ساطعة كاشفة للزوايا المظلمة, او ابتعد ككائن هائل مديرا ظهره للحقول, وارتمت اطيافه عليها, وعلي, فالمشهد كهذا هو, كان, او هكذا على وجه التقريب, ولا اجزم شخصيا بانه حدث على هذه الصورة بالضبط, كما لا اجزم بانه لم يحدث... فالعلاقة بيننا نحن الثلاثة, افتراضية على كل حال, اما بينهما فالارجح النفي.

قال الجاحظ ".. قال وقال رجل لزياد: ايها الامير, ان ابينا هلك وان اخينا غصبنا على ميراتنا من ابانا.. فقال زياد: ما ضيعت من نفسك اكثر مما ضاع من ميراث ابيك, فلا رحم الله اباك حيث ترك ابنا مثلك", وقال ايضا "كان زياد النبطي شديد اللكنة, وكان نحويا, فدعا غلامه ثلاثا, فلما اجابه قال: "من لدن دأوتك (أي دعوتك) إلى ان ديتني (اي جئتني), ما كنت تضنأ؟ (اي ما كنت تصنع؟).

المحاسن والاضداد التي يوردها الجاحظ, في هذا الحقل, تمنح اللغة حقا, في الحق والباطل, في الصواب والخطأ, في استخراج الشيء من ضده, والضد من اصله, اكثر مما توحي بنيتها الخارجية, حتى كأنها ميزان قائم فوق العدالة. اذ كيف يضيع حق الرجل الشاكي القادم الى الامير زياد (بن ابيه), وهو الحاكم والقاضي, بإرثه المغصوب من قبل اخيه, لانه اخطأ في النحو واللغة, فجر اسم إن المنصوب, ونصب الاسم المجرور بحرف الجر (من).. ولم يبؤ من شكواه الا بالتوبيخ والتثليب؟ وهل اللغة سلطة قائمة فوق مجريات الحياة, وهي فيها, حتى اذا فسدت فسدت؟ انه من المضحك جدا ان يكون زياد النبطي, نحويا وذا لكنة, في آن, فيقول دأوتك بدلا من دعوتك, و"ديتني" بدلا من "جئتني" و"تصنأ" بدلا من "تصنع" انها بنية تنخر نفسها بنفسها. يتشكل ضدها في اصلها, والجاحظ كاشف عجيب وقديم عن هذه النقائض.. لقد حمل منجل "اللا.." من اكثر من الف عام, وحصد به حقول اللغة والمجتمع, التاريخ والاسطورة, حصادا فنيا ذكيا ومبكرا لا مزيد عليه.

يمر طيف دريدا امامي الآن حاملا منجله على صورة "De"... ويفك به البنية "Canstruetion" بمكر هائل, بمكر معاصر, ثم يمضي تاركا كل شيء تناوله منجله, مبقورا من داخله, واحشاؤه طالعة منه, بكل اخلاطها, وبكل محاسنها واضدادها...

كأنه ماكر يهودي, امريكي, يجزىء الوجود والعالم, ليحسن تناوله. كأنه انتقل من ميتافيزيقيا المعارضات التاريخية, الغربية والشرقية معا, من الضديات المطلقة القديمة, التي كرسها هيغل في فلسفته, الى تفكيك هذه الميتافيزيقيا, على ظهر هيدغر في النقض destruction, وصولا الى التفكيك deconstruction كأنه اعظم مخرب لحكم النسق الذي سيطر على العالم قبله, باداة الاختلاف La Differuce والغيرية Alterite, وهما ليسا خارج المفاهيم وكالأشياء واللغة, بل في اصلها, في خلاياها الاساسية المكونة لها المركبة تركيبا متداخلا وملتبسا, فليس المقصى او المستبعد من غياب او تأخر او غرابة, مقيما خارج "النسق" بل هو قائم في اصله, في جوهره. حسنا, يقول الجاحظ في "المحاسن والاضداد":

"شكا رجل الى إياس بن معاوية (وهو من مشاهير اجواد العرب, حتى قيل: في جود إياس) كثرة ما يهب, ويصل الناس وينفق. قال: إن النفقة داعية الرزق,,, وكان جالسا على باب, فقال للرجل: اغلق هذا الباب, فاغلقه, فقال: هل تدخل فيه الريح؟ قال: لا. قال إياس: فافتحه.. ففتحه, فجعلت الريح تخترق في البيت, فقال: هكذا الرزق, اغلقت فلم تدخل الريح, فكذلك اذا امسكت لم يأتك الرزق".

وقال "بحاتم يضرب المثل في السخاء... .... ...." قيل: ونزل على حاتم ضيف ولم يحضره القرى, فقام حاتم الى ناقة الضيف فنحرها وعشاه وغداه منها وقال: انك قد اقرضتني ناقتك فاحتكم علي. قال: راحلتين, قال: لك عشرون, ارضيت ؟ قال: نعم وفوق الرضا.. قال: لك اربعون.. ثم قال لمن بحضرته من قومه: من اتانا بناقة, فله ناقتان بعد الغارة, فأتوه باربعين, فدفعها جميعا الى الضيف".

نقع في هذين المعقلين الجاحظيين, في السخاء, على ما يشبه جنون العطاء, خاصة في المثال الثاني عن حاتم, او ما يشبه هستيريا الكرم. وكان الجاحظ, في البخلاء, قدم نماذج طريفة ساخرة عما يمكن تسميته لوثة البخل, الواصلة لحدود المرض والاضحوكة.. عن مريم الصناع واهل مرو وديكة مرو, وما الى ذلك. وينضم لاضحوكة البخل ما قاله ابن الرمي في عيسى, البخيل:

"يقتر عيسى على نفسه

وليس بباق ولا خالد

فلو يستطيع لتقتيره

تنفس من منخر واحد"

وهستريا الكرم الحاتمي, كما يرويها الجاحظ, تكاد تكون قائمة في منطقة وسط بين الواقع والاسطورة او الخرافة, وهي تنتمي في النتيجة الى "الحكاية" والحكاية, ما هي؟ واقع ام خيال؟ ام واقع اكمله الخيال وحرفه عن اصله؟ ام خيال يحاول الواقع ان يتقمصه ويتلبس فيه؟

اساس حكاية إياس بن معاوية ان الرزق وهو الكسب, مؤسس على العطاء او الاخراج. والرزق كالباب اذا اقفل لا تدخل فيه الريح, اما اذا فتح, فالريح مدعوة اليه. وهذا الاساس الذي جعل الضد شرطا لضده او اصلا له, فيما يتجاوز به الجاحظ الثنائيات المطلقة, يدفع به الكاتب الى اقصى حالاته, الواصلة به لحدود الخرافة, او الاسطورة. في اخبار "حاتم", فالواقع هنا يحبل بالاسطورة, والاسطورة تضفي على الواقع ظلالها العجيبة. الواقع ينطوي على اللاواقع, كما اللاواقع يرشد الواقع ويتمثل له, اي يصبح له مثالا وطريقا. فالاعجاب قائم تلقائيا بجنون كرم حاتم.. وقد ذهب مثلا في التأريخ. ليس مهما اذا كانت حكاية حاتم المذكورة, قد جرت بالفعل, ام لم تحدث, صحيحة ام مركبة.. المهم حضورها حكاية بين التاريخ والاسطورة, الواقعة والعبرة, الدال والمدلول, المهم انها علامة او اشارة "Signe".

اذ كيف يعمد رجل مضياف, كحاتم, الى نحر ناقة ضيفه, في الصحراء, من دون علمه, ليطعمه من لحمها, وكيف بعد ذلك يطلب منه احتكاما, بدل قرضه القسري هذا, فيطلب الضيف ناقتين بدلا عن واحدة, فيقبل حاتم, ثم تأتي المفاجأة الكبرى, فيعطيه عشرين بدلا من اثنتين, وللوصول بالحكاية الى حد الخرافة, تتضاعف العشرون, فتغدو اربعين ناقة, يجمعها حاتم من اصحابه, لتعطى لضيفه البدوي, بدلا من واحدة مستلفة. ما هذا؟ اللغة الاصطلاحية, هنا, لا تسعف في الاجابة. فلابد من اضافة وصف ما, كلمة اخرى, لكلمة كرم, او عطاء, او ضيافة, ليستقيم المعنى او يتضح الرمز, او الدلالة. هو "كرم حاتمي" اي مبالغ فيه الى حدود الخرافة. قل هو "جنون العطاء".. ولا يتصل بواقع الصحراء بل بواقع النفس البشرية المتصلة بالاسطورة او الخرافة. لا شك في ان تفكيك هذه الحكاية يمر فيه طيف لدريدا. وقد سبق ومر مثله في نكث او نكأ او نقب دريدا لما اورده مارسيل موس في كتابه الممتع عن الاعطية المسمى "تجربة حول الاعطية" او الهبة, بنية ومنطق التبادل افي المجتمعات البدائية طبعة باريس 1966.

فالهبة, كما يرى "موس" لدى بعض الشعوب البدائية, كشعوب "الماوري" مثلا, تتجاوز اطار ومعنى التبادل السلعي المنفعي بين الناس, من اخذ وعطاء محكومين بالحاجة والمنفعة, في اتجاه اضفاء معنى رمزي روحي وديني على الهبة. ان الاشياء الموهوبة تنطوي على جزء من القوة الروحية المسماة "هو" التي لابد لها ان تعاد مضاعفة الى واهبها, لان من طبيعتها هذه العودة. والهبة غير القرض. فمن شروط القرض الاعادة في زمن محدد, وتوقيت ملزم, والقرض من معاملات الاستهلاك والاقتصاد المتبادل. اما الهبة فلا تخضع لمبدأ الرد, بل توهب بلا مقابل ولا توقيت. هي عطاء مطلق.. ويصل جنون الهبة لدى بعض القبائل الى ما يشبه جنون العطاء لدى حاتم الطائي, في حكاية الجاحظ عنه. انه يصل الى حدود تبديد الثروات, او هدرها على مائدة العطاء بلا روية, وبلا فكرة نفعية, وربما وصل الى وهب النساء والاطفال او المدن, او القلاع او الاراضي الشاسعة... وهنا تنتقل الهبة من اطارها الواقعي الى اطارها الاسطوري, بل اكثر من ذلك تنتقل من حقل الواقع او الحكاية, الى حقل العبارة. فما هي على وجه التحديد يا ترى؟ هنا يبرز الاختلاف المخترق للنسق, كما يبرز ما يسمى بالتبديد في حقل الدلالة اللغوية.

يأخذني الجاحظ من يدي, في حقوله الشاسعة العجيبة, ولا تزال اطياف من دريدرا تتراقص بين خطانا, ونحن نقطع هذا البرزخ الغامض بين اليقظة والنوم, هذه الحقول المغناطيسية الرائعة.

ملاحظة:

[ النصوص بين مزدوجين مأخوذة من كتاب الجاحظ "المحاسن والاضداد" منشورات مكتبة العرفان, بيروت, من دون تاريخ للطبعة.

[ افكار جاك دريدرا مأخودة من كتبه المعروفة خاصة اطياف ماركس,وDomes le temfa, Qaris Galilee 1991 وسائر كتبه في فلسفة التفكيك.

بداية الصفحة

دفاع عن طفولة العقل

محمد بن عبدالله الهويمل

عندما حظي المنجز الغربي ببعده الأدبي بتأييد قطاعات مجتمعية واسعة جـس د هذا في شخوص وذوات درامية عند طه حسين في سردياته , مثلا عـزي الخلل في الصعوبة المنهجية ركبت الطرائق التوصيلية العقيمة مما حدا بالبعض الى القول بالانفصال عن الرباط التراثي والميدان الحياتي وبقاء الذهن العربي منفصما عن واقعه وربما كلف هذا التنبه الى أهمية الأدب الشعبي العربي (الفصيح).

كل ما سبق توطئة لاطروحة دفاعية تصدى له د. هلال حرب في كتابه "أولي ة النص"* ينتهي الرأي فيها الى انه مع نهوض بعض الباحثين بالشعر الجاهلي ودمجه اصطلاحيا في المدارس الغربية وحشره في تعريفات غربية دفع بالبعض الى تصنيف ابن الرومي في خانة الرومانطيقيين لأنه وصف غروب الشمس وتنسحب هذا على وجوه أخرى للفكر الأدبي كالفلسفة ظهور فكرة المؤاخاة بين مذاهب متنافرة كنظرية ونحن نشاركه في ان الانغلاق على الذات ونبذ الغرب خلل في آلية التفكير فلا مناص من اعادة انتاج نموذجنا الحضاري ولا يتأتى هذا إلا في رفض اشكالية الغرب كمحكم لمنجزنا الثقافي أو صيت على تناميه وفق تجرد من أدلجة مستوردة كالمنطلق الماركسي الذي يربط الحدث بالحالة الاقتصادية او الفرويدية وعقد الجنس أو أولية النص المعو ل على الحركة الداخلية للنص دون الامتداد الخارج نصي لأنه مدعاة للاسقاطات ورابعها نسبية الحقيقة التي تنقل النص من تفسيري الى انتاجي علاوة على ضرورة تنوع العوامل الفاعلة المتباينة في ظروفها دون اغفال الاطار المحلي ذي الانتماء الزماني والمكاني حيث العالمية في أصلها محلية لا تساق من غير مرحلتها التاريخية وفي ظل ديمقراطية متبادلة بين المبدع والمتلقي في شأن التأويل والجهد انها جملة من الاسئلة لم يجبها العلم فأتيح المجال بهذا الحقل في الطرح والتأويل أعني الدراسة الشعبية يسدد الكاتب نقده للنقد الذي انصرف عن المنثور الى المنظوم والنظرية الشعرية لندرة المنثور ومثالبه لاسيما القصة التي تخلو من الخلط والاسفاف وضعف البناء فوقف الأدباء موقفا عدائيا ازاءها فابن النديم مثلا يصف (ألف ليلة وليلة) بالغث البارد كما وقف علماء الدين الموقف ذاته من زاوية أخرى محذرين من الخوض في القصص الديني في الوقت الذي وصفها الغربيون وسيلة للتطهير والعفو والعلاج النفسي ثم يكرر الكاتب تنديده بنقاد العرب حينما ارتكبوا هفوة حيال اعتمادهم على الأساس الغربي المستخلص من طروحات بداية القرن العشرين كمقياس للنص القصصي العربي متجاهلين عاملي الزمان والمكان بوصف مفاهيم منتزعة من سياق آخر فضلا عن سوء الطالع الملازم للقصة التراثية بدءا بعدائية رجال الشريعة والسياسة وانتهاء بتدمير ما كنز منها على يد المفعول بعد ان أثراها النص القرآني وجعلها ركيزة تربوية حيث ألح على تفردها اصطلاحا , اذ ذكرت كلمة (قصة) في القرآن الكريم بعد ة تشكلات لفظية تجاوزت الثمانية وهذا ينهض شاهدا على حقيقتها .

وفي استعراض مستفيض للخطوط العريضة لمسار القصة وض ح الكاتب انها تعرضت لتهمة نفت عنها الاختراعية التحليلية وثبتت النزعة النقلية والسبب هو التقيد بالنموذج القصصي الغربي غير ان المعهود ان الخيال ركن هامشي في القصة العربية وان القاص يتماهى مع الشخصية مضيفا تفاصيل على شخصية كعنترة او حذفها كما في شخصية الحجاج , اذ نفى عنه الطابع الايجابي او اختلاقية كمجنون ليلى وحي بن يقظان وتزداد الاضافات ظهورا ما ابتعد القاص عن ميدان القصص الديني وتحت الوطأة السياسية والاجتماعية تبدو على نحو رمزي كقصص كليلة ودمنة الهادفة الى نقل الأثر التربوي من المجتمع البسيط والسؤال الذي يطرح على المؤلف : لماذا لجأ هؤلاء القاصون الى المجتمع الحيواني في حين لجأ آخرون الى مجتمع انساني رمزي.

ولا ينسى د. طلال حرب من هذا السياق الحادثة بوصفها عنصر اساسي يمثل العقل وابعاده والذاكرة القصصية الشعبية تزخر بألوان من الأحداث يصنفها الى حدث متنام حتى النهاية وحدث متكرر كالسير الشعبية وحدث تمثيلي حواري وحدث لغوي كالمقامات واستطرادي تشعيبي كـ "ألف ليلة وليلة" التي يرجح المؤلف انها عربية رغم الغياب الفعلي لمصدرها. هذا من حيث الحدث اما القاص فهو كالمناصر أعرب عن روح عصره وتفاصيل بيئته التي يبوء اليها بأداته الخاصة التي تحمل سمة مرحلة يحمل عبئها في ظل رواية لخبر وحدث تكتنفه الضبابية يفضي الى موقف صريح مع الفضيلة عبر شخوص مباشرة الظهور أحيانا تحشد في ذواتها التطلعات والآمال الشعبية المكبوتة. ثم يطرح المؤلف في هذا المبحث محورا ترقبناه عن اهتمام وهو التفريق بين الأدب الشعبي والعامي , حيث ألح على ان العامي كالزجل والدوبيت والكان كان أدب شخصي لكنه معطل عن الاعراب خلافا للشعبي والفصيح, فالشعبي توارثي غني بالتجارب والرموز غير انه قوبل باستهانة النخبويين فعـد بدائيا فجا تعتمده مقولة ان الأدب الشعبي يمثل طفولة العقل الحديث وهذيانه وخرافته ويزعم الكاتب ان هذه المقولة تحطمت على يد كلود ليفي ستراوس , اذ يفصل الكاتب في مصطلح (فولكلور) بأنها تعني باللاتينية حكمة الشعب ويخلص ان التراث الشعبي جملة من التجارب الانسانية مقسما إياه الى معتقد وعادة وأدب وثقافة مادية ثم يحطم الكاتب العناصر التي تثير الشبهة بين العامي والشعبي حين عرض تعريف د. محمد المرزوقي للأدب الشعبي: "انه الأدب المجهول المؤلف العامي اللغة المتوارث جيلا بعد جيل بالرواية الشفوية" فحصره في شروط أربعة لكنه لم يشترط لسقوط المؤلف غيابه الزمني بل صعوبة ردها الى مؤلف واحد ولم يشترط النقل الأصم للرواية دون بسط الأثر الشعبي عليها كـ "ألف ليلة وليلة" التي صـبغت بلون عربي بغدادي وهي هندية فارسية من خلال رواية شفهية يستملح المرونة العصرية واغناءها تعديلا وتبديلا يتلاءم مع الجمهور وهذا ما يقبله النص الحرفي المدون بشرط استخدام العامية لعفويتها الملائمة للقبول الشعبي رغم انها اثارت حفيظة الجهات النخبوية التي اعدته أدبا ترويجيا في الوقت الذي عد ه الكاتب أداة لكشف حقيقة الكون بأبعادها الرئيسة كالموت والنشأة كشفا رمزيا كما مثل الأدب الشعبي ـ في رأي الكاتب ـ وظيفة السيطرة على الظاهرة الكونية وتصويرها وتأويلها اسطوريا وينهض الشعبي بالمشكلة السياسية وبصورها ويوجهها متمثلة المطالبة بالعدالة الاجتماعية وعند احتدام المشكلة السياسية يبرز الشعبي مستذكرا سير الابطال كـ "ابن ذي يزن" و"عنترة" على صورة أكبر مما كانت عليه في واقعها لتعكس المثال المتطلع اليه ويمتد هذا الى التربية النفسية والاجتماعية بوصفها وظيفة أخرى لهذا اللون من الأدب من حيث تخليد المسلمات والمثل والأحلام. وهذه الوظائف تصاغ في قالب ترفيهي مشروط وهنا أوجه سؤالين للمؤلف مفادهما ان بعض المعتقدات الشعبية القديمة المتفقة مع الدين ليست من نتاج مفكر شعبي فذ انما قراءة كتب منزلة ومقولات انبياء تحولت من تنزيل الهي الى حكاية شعبية تجذرت في ذهنية الأجيال والا فكيف عرف الشعبي الجنة والجحيم وهن ة أخرى تقول ان المؤلف هاجم من وصفوا الادب الشعبي بالمعتمد الخرافي للحياة. فلم يسوق المؤلف نتائج خرافية بدائية أفرزتها آلة التفكير الشعبية.

وفي باب أخر يلح على الوجود التاريخي الفعلي للقصة اذ يوزعها على أبواب قصصية واخبارية ومقامات وسير وأدب المنادمة والمسامرة وكلها في قالب ترفيهي وهنا أطرح سؤالا آخر حول شرط الترفيه للسرد الشعبي وهو مدعاة الازدراء في الوقت الذي يرفض فيه المؤلف الازدراء. ثم يواصل دفاعه عن القيمة الفكرية للأدب الشعبي وانه شكل للتعاطي مع القضية الكونية والانسانية ولهذا السجل الأدبي عدة اشكال فأولها الاسطورة التي يؤصلها لغويا بمعنى الزخرفة وذكرت في غير آية قرآنية في سياق الانتقاص (ان هذا الا اساطير الأولين) وهي القصة الخارقة للعادة تفك الطلسم وتبحث عن حقائق العقل الكوني كأسطورة التكوين السومرية التي تعد شكلا للأسطورة التكوينية , اما التعليلية فهي يقلل الظاهرة المستجدة كالتفاسير اليمنية لمواقع النجوم والاسطورة الرمزية تبرز في التعامل مع معطيات العقل والواقع كالصراع الدائم بين الخير والشر ومنها الاسطورة البطولية التي تطلعنا على الخارقين من الابطال كجلجامش وأخيل وابن ذي يزن ويقفز الكاتب ليخوض في اشكالية الاسطورة العربية معلنا يأسه من توفر مصادر بحث بسبب قلة المصادر وعدم الاطمئنان لها وضرب مثالا حسبه جانب الصواب اذ يقول: ان سورة نوح وذكر الآلهة تتعارض مع مقولة ابن الكلبي (ان اول من غير دين اسماعيل ونصب الأوثان هو عمر بن ربيعة وابن الكلبي ذكر دين اسماعيل لا نوح , واسماعيل متأخر عن نوح بقرون وهذا من هن ات الكاتب.

غير ان القرآن دعم البحث في هذا الشأن وهذا يحملنا الى الحديث عن الحكاية الشعبية كشكل تنتمي للقرن الثامن والعشرين قبل الميلاد امتد الشغف بها حتى ما بعد الحقبة الاسلامية حيث ركز على الحدث او البطل بكل اشكاله وأبعاده القومية والتاريخية والسياسية طارحة الصراع الاخلاقي بين ما هو كائن وما يجب ان يكون منتهية الى انتصار الخير المستعين بالله والدعاء كما تعكس الحكايات ايضا الايمان بالجن والسحر ولها تسميات عدة في اطار اجتماعي وسياسي الخرافية والواقعية والتعليمية والوعظية والرمزية والابطال. ثم ينتهي في هذا الباب للحديث عن المثل الشعبي اذ عد ه وجها آخر للأدب يجمع المعتقد والتقليد والسلوك جامعا الفكرة والطريقة في التفكير وتناول المؤلف عرض القرآن للمثل الذي شغف به العرب فألفت المصنفات مثل (مجمع الامثال للميداني) وعرض لجملة من تعريف المثل لأحمد أمين مثلا الذي لم يحصره في الطبقة الارستقراطية ونادى المؤلف بالشيوع والانتشار والخبر والبلاغة والايجاز والايقاع والتحوير الذي يكسب القبول الشعبي وهو رأي فيه نظر لخلو كثير من الأمثال بعض هذه الشروط ويخلو هذا الباب من التصريح على المثل الأعجمي والاقتصار على العربي ولعل ضيق المساحة حمل المؤلف على الاقتصار , اما اللغز فهو مستودع الرؤية الجماعية اذ يعد لغة للعارفين باختبار الصفة الابعد وهو قائم على تورية وايقاع ويشي بروح المثل في احيان أخر. ولم يتجاوز المؤلف هذا الباب دون ان يميل الى الأغنية الشعبية التي حملت في تصاميمها ايقاعها وعباراتها المطلعة للعمل والحب.

يبسط المؤلف بابا مستقلا للسيرة الشعبية كملحمة عارضا تعريفا تقليديا يختزل في التجربة والانسان والبطولة والرمز واشهرها إلياذة هوميروس موضحا كونيتها اذ لا تنفرد أمة بها دون أخرى غير ان التراث العربي خلا من الملاحم ويعزى هذا الى جملة اسباب متهافتة تقيد العرب بالقافية الواحدة والوزن وكذلك التسرع وعدم الرؤية فضلا عن ان الملحمة وثنية والعرب دهريون ناهيك عن عدم حدوث حروب ذات شأن اضافة الى التكسب والغنائية الشعرية ورد د. طلال حرب على هذه المزاعم وفندها واحدة تلو الأخرى, لكن هذا لا ينفي وجود اللمحة الملحمية في الشعر الجاهلي او تجليها على شكل سيرة بطولية شعبية كسير سيف بن ذي يزن وسماها المستشرقون الروس ملحمة ثم تدور الاشكالية حول اشتراط النظم في العمل الملحمي تنتهي الى ان حصر الملحمة بالشعر أمر لا يصمد أمام النقد الذي لم يقر ه ارسطو. ان الارتباط العنيف بين إلياذة هوميروس والملحمة اساء لمصطلح الملحمة فقز م قامتها وقصرها في نطاق الشعر والحرب والابطال غير ان ثمة ملاحم اختلفت فكانت اوسع أفقا منها ويجمعها اركان تختزل في البطولة الخوارق والمعتقد والبعد الاجتماعي والاصرار على الحدث التاريخي مع التأصيل في ظل وحدات فنية تميز اللحمة وتجمعها مع الأخريات من حيث البطل فيجب ان يكون ذا جمال بارع قويا مبارزا شجاعا ذا سلاح وحصان مستفردين وضربة اسطورية مدافعا عن حمى الجـماعة محبا للترحل ذا عشيقة على قدر وافر من الجمال والاخلاص والفروسية ولابد له من فعل درامي ثابت يخترق المحــظور ويمارس الخديعة لاحراز النصر واعلاء شأن الجماعة فضلا عن الحضور الواضح للشاعر المنشد في الملحمة كهوميروس , اما الكاهن فيها فهو شخصية دائبة التواجد لبعد تخديري استشرافي تشاركه الاحـلام الحافلة بالرؤيا المستـــقبلية المتراوحة بين السـعود والنحوس في الختام اذكر ان كتاب (أولية النص) اقحمنا في جدلية الاسطور من حيث البعد التفسيري الذي بسطته على مدى قرون قبل ميلادية وما زالت تصارع لتحقق وجودها في الذهنية الانسانية كاقتراح بدائي لم يحظ حتى الساعة بأي تقدير علمي والسؤال الأخير الذي أذيل به قراءتي.. ماذا سيقدم البــحث الاسطوري لحضارة الانسان الجديد.

بداية الصفحة

كتاب "الشعر ومرايا الحداثة الخادعة" لفوزي كريم
الأمثولة والخديعة في النص الشعري الحديث

فاطمة المحسن

ولدت فكرة هذا الكتاب عندما أصدر الشاعر العراقي فوزي كريم مجلة فصلية صغيرة في لندن أسماها "اللحظة الشعرية" كان ذاك قبل أكثر من سبع سنوات, وفي عددها الأول وضع مقدمة تحت عنوان "ثياب الامبراطور" صف ى فيها حسابات مؤجلة مع مفهوم الحداثة الشعرية وقصيدة النثر والغموض الشعري وما إليه من مصطلحات كان من بين أكثر المستنكرين لها. لم تدم المجلة طويلا ولكنها كانت مناسبة استأنف الشاعر بعدها نقاشه حول الحداثة والحداثة الزائفة في الشعر العربي في كتابه هذا "ثياب الامبراطور: الشعر ومرايا الحداثة الخادعة" الصادر عن دار المدى الأشهر المنصرمة.

وفوزي كريم من الجيل الستيني في العراق, الجيل الذي سمي "حداثيا " قبل ما يزيد على ثلاثين عاما , وكان ضمن موقعي "البيان الشعري" الشهير الذي صدر في بغداد ونشر في العدد الأول من مجلة "شعر 69". ولم يكن فوزي كريم حينذاك يـحسب على موجة التجديد التي قادها فاضل العزاوي واضع نص البيان, غير ان بقية الموقعين أيضا وهم سامي مهدي وخالد علي مصطفى وحميد سعيد, ما كانوا على بينة من أمر هذا البيان, لا في اتجاهاتهم الشعرية ولا في نزوعاتهم الكتابية, ولكنهم دافعوا عنه ضمن مشروع الدفاع عن مجلتهم المشتركة التي جمعت حلفا أدبيا يخفي بين طياته مشروعا سياسيا قصير المدى.

المهم بعد كل الذي حدث, كرر فوزي كريم في كل مناسبة ان ما جرى له مع تلك الأيام كان في غفلة عن وعيه, فكل ما ورد في نص البيان, بل كل ما هو حداثوي في الشعر العراقي الستيني, وفي الشعر العربي عموما , محض أكذوبة تشبه ثياب الامبراطور التي خرج فيها إلى الناس, ولم يجرؤ أحد ان يصارحه بحقيقتها, وها هو في كتابه يحاول ان يكون الطفل الذي صرخ: ولكنك عار يا سيدي الامبراطور!

تبدو المهمة على درجة من الصعوبة, فليس هناك من اعتبار يسوغ النظر في أمر على هذا النحو المتداخل والضبابي في تشريحه المعرفي, فمفهوم الحداثة في عرفة الغربي يحوي الكثير من اضطراب الفحوى والمعنى. ويزداد الحال تعقيدا ان حاولنا مقاربته عربيا . فوزي كريم يحاول التصدي لا إلى المصطلح بل إلى المنظومة العربية التي انتجت شعرا كتب أو قيل عنه انه ينتمي إلى الحداثة.

يتبع المؤلف في مقدمته محددات ينطلق منها لمناقشة هذا الأمر, أولها يؤكد ان عالمنا العربي ينتسب إلى ما قبل العالم الحديث, فكيف للشاعر ان يكتب قصيدة حداثية وهو نتاج مجتمع يتخلف عن الحداثة أصلا . ثم يمضي إلى بيت القصيد في كتابه مؤكدا بأن هناك هوة تفصل شعر الخبرة الروحية عن شعر الصنعة الأدبية, ومعظم الشعر الجديد هو نتاج الأخيرة.

وعلى القارئ والحالة هذه, ان يتابع هذين التعبيرين على مدى محاججات كل الكتاب, فبواسطتهما يقيس المؤلف كل أنواع الشعر العربي منذ الجاهلية حتى يومنا.

فهو يرى ان الشعر الجاهلي يعاني من علة النقص في الخبرة الروحية لأن القصيدة كانت ضربا من المهارة اللغوية والخيالية عمادها الذكاء, وهي تأخذ بالأغراض مثل المديح والهجاء التي تنتسب إلى عرف اجتماعي. وهذا السياق في الشعر العربي امتد كما يقول بأقنعة تأخذ أصباغ كل مرحلة لتحتال عليها وتنسبها إلى نفسها.

على هذا يقسم الشعر الذي لحق الجاهلية وصولا إلى اليوم إلى مذهبين: الأول هو المذهب البغدادي الذي يعود إليه شعر الخبرة الروحية, والمذهب الشامي حيث ينتسب إلى شعر الصنعة, وهو تقسيم عثر عليه في كتاب عمر فروخ عن تاريخ الأدب العربي.

المدرسة البغدادية حسبما يقول, لقـحت بالتيارات الوافدة من اللغات الأخرى لأنها مدرسة مفتوحة لا تعتمد التراث وحده في مرجعيتها, في حين بقي المذهب الشامي وفيا للسلف, أي الاتجاه البدوي الذي يعتمد الصنعة اللغوية. وهو عند هذا الحد يستخدم المفهومين وفق تصور تأويلي يحتسب المتنبي وأبا تمام والبحتري ممثلين للمذهب الشامي, لا من حيث الانتماء إلى المكان, بل من حيث طبيعة اشعارهم التي اصبحت تكسبا لدى الشاعر مثل المتنبي ولدى البحتري الذي عاش على المديح, في حين كان التعمل في اللغة ومحاولة خلق علاقات جديدة بين مكوناتها من مهمة أبي تمام الذي يعده شاعر صنعة قبل كل شيء. ولكنه يرى بأبي العلاء المعري وأبي نواس وبشار بن برد النزوع نحو التجربة الروحية التي تشكل لهم انتسابا إلى المذهب البغدادي. وهو يرى بأن العقيدة والدعاوى في عالمنا اليوم مثلما حصل في الأمس, تحول الشعر إلى خطاب لا يعتمد الإلهام والتعبير عن ذات الشاعر ووجدانه.

ثم يأتي على الحاضر الشعري, فيرى في مدرسة ادونيس استمرارا للمذهب الشامي, في حين يشخص السياب لديه نموذجا للمذهب البغدادي. فالسياب كما يقول انتفع من خبرات القصيدة الحديثة الأوروبية, في وقت صرف انتباهته الشعرية إلى الموروث العربي, ولكنه عبر هذين المصدرين اندفع بصورة استثنائية إلى الاستغراق في تجربته الفردية, وإبرازه المهم ما كان له ان يظهر لولا غفلة عن مفاتن الهاجس الطليعي للحداثة الغربية. في حين كان يمثل ادونيس كما يرى, الوعي الزائف بالحداثة الغربية عبر تهيامه بالشكل الجديد الغامض أو المتشظ ي, وعبر تحليقه مع سحر البيان بعيدا عن الحياة المعاشة الملموسة, فالقصيدة لديه تملك استقلالها اللفظي عن خبرة الشاعر الفردية والروحية. والنزعة الطليعية في الشعر العربي الحديث والتي تزعمها أدونيس, انعكاس لرغبة مفتعلة في تحقيق انتساب إلى حضارة المستقبل وهي وهم كما يؤكد لا ينتج سوى مباراة عضلية في الكلام الشعري وعلى هذا الأساس يرى ان موجة الشعر العربي الستيني التي تعتبر امتدادا لتجربة ادونيس في العراق وغيره, هي موجة تحوي الكثير من الاحتيال: "الاحتيال في التعامل مع اللغة الشعرية واللغة النقدية واللغة الفكرية وهذا التوليد الخادع للصياغات والمصطلحات والتيارات ليس سوى صدى بائس ومحزن في آن, لذلك الاحتيال والخداع الذي يتم في موطن الحداثة وما بعدها".

فرفض فكر عصر التنوير في عهد ما بعد الحداثة الغربي, كما يقول المؤلف, أي رفض الموروث العقلاني, والدعوة إلى خطاب مقطوع الصلة بأي حقل تجريبي. وإلى نسبية ثقافية وإدراكية لا ترى في العالم إلا مجرد (خرافة) أو (حكاية) أو بنية اجتماعية بين البنيات, كل تلك الأشياء التي زادتها الترجمة ارتباطا , هي التي انتجت موجة تركت الكثير من النصوص ملتبسة وغير واضحة, وحققت طلاقا بين الكلمة ومعناها.

ولكي يبرهن المؤلف على بطلان مصطلح ما بعد الحداثة, استعان بكتاب أصدره استاذ في جامعة نيويورك اسمه (الان سوكال) بالاشتراك مع استاذ الفيزياء النظرية (جون بربكمونت). والكتاب تحت عنوان "خداع ثقافي ـ إساءات فلاسفة ما بعد الحداثة للعلم" ومحاولتهما مبنية على ان أشهر المفكرين والمثقفين من أمثال (دريدا) و(لاكان) و(كرستيينا) و(بودريلار) و(دولوز) وسواهم أساءوا بصورة متكررة للمفاهيم العلمية ومصطلحاتها باستعمال الأفكار العلمية خارج سياقها تماما , دون اعطاء تبرير لذلك, أو إلقاء اللغة الاصطلاحية المبهمة المتعالية هكذا في وجه قرائهم غير المختصين دون إشارة لعائديتها أو شرح معانيها.

أما الحداثة العربية التي انتجت قصيدة النثر كما يقول, فهي نتاج موجة مجلة (شعر) اللبنانية التي خلطت ثلاث أوراق: الدعوة إلى قصيدة النثر, كتابة قصيدة الشعر الحر التي تعتمد شبحا وزنيا بسيطا , ثم ترجمة الشعر الغربي والعالمي نثرا دون الاشارة إلى ذلك.

يبدو الكتاب بأكمله رد فعل على حالة جوبهت منذ بداياتها بثورات نقدية حاولت الانتقاص منها, فلا السياب ولا أدونيس, أو سواهما استطاع النجاة من نقد استهدف الصنعة في منحاه. والسياب على اختلاف تجربته عن أدونيس, كان في استخدامه الأسطورة وما يسمى بالمعادل الموضوعي أكثر الشعراء تصنعا , أما أدونيس الذي لم ينج من سهام النقد منذ ان بدأ مشروعه إلى اليوم, فكانت حججه تنبني في الكثير منها, على الانتقاص من الشعر العقائدي, وهي ذات الحجة التي يستخدمها فوزي كريم, ولكن شعر أدونيس وفي الكثير من تنظيراته كان أكثر عقائدية من العقائديين, مثلما حدث مع كتاب فوزي كريم, فتقسيم الشعر إلى مذهبين: بغدادي وشامي هو في وجه من وجوهه تقسيم عقائدي, لأن فيه الاجراء اليقيني الذي لا يركن إلى النسبية في دراسة الحالات, فعلى أي أساس يمكن ان ينسب شعر أبي العلاء المعري إلى ما يسمى بالمذهب البغدادي إن صح ان نطلق عليه (شعر الخبرة الروحية) وهو شعر يزخر بالتعمل اللفظي والتأمل الفكري, أي انه في النهاية شعر غرض فلسفي قبل أن يكون شعر وجدان أو خيال. ولكي نكون أكثر حذرا , علينا أن نضع كلمات مثل (الخيال) و(الوجدان) بين تصورات قابلة للاستئناف. فالعلاقة مع القارئ هي من بين تلك المكونات التي تصوغ نسبية كلمات مثل هذه, وبالتالي امكانية النظر إليها من زاوية غير التي ينظر بها هذا الناقد أو ذاك. فرب شاعر بمقدوره ان ينقل تجارب تتميز بالصدق وهي لا تعود إليه ولا تشغله على الصعيد الشخصي, وثمة شاعر يزخر وجدانه بالتجارب الروحية ولكنه لا يملك المخيلة التي بمقدورها ان تعقد علاقة وجدانية مع قارئه لأن أدواتها وفي المقدمة منها موهبته, قاصرة عن الوصول إليها. ولكي لا نحول مصطلحات مثل (الوجدان) و(الخيال) و(التجربة الروحية) إلى حكم قيمة أخلاقي, علينا ان نتصور ان أنظمة النقد مثل النظام الشعري, عند تصورها لحالة معينة قد تقع في مأزق المعيار الذي يتبع الذائقة وهي نسبية, فمن يستطيع ان يجزم ان تجربة البحتري تجربة شكلانية أو تخلو من نزوعها الروحي, وشعره في الأصل له علاقة مباشرة مع الأشياء والطبيعة, وهو يستخدم المديح ذريعة للوصول إلى بغيته هذه.

يبدو فوزي كريم محقا في ثورته على ما يمكن ان نسميه الإسراف في الاستعانة بالجانب الشكلاني في تجربة الحداثة العالمية, الأمر الذي حو ل النقد الذي رافقها إلى ميدان يحفل بالادعاء والتنطع وتضليل القارئ. وكانت الستينات العراقية واللبنانية وما بعدها من سنوات تزخر بهذا الكم من الشعر الذي يغمض على قارئه ويتقصد إرباك المتعارفات من دون مسوغ جمالي أو نظري. وربما كان الشعر اللبناني في مدحه هذا التجريب, أكثر تورطا من غيره لكون مرجعيته فرنسية, غير ان الشعراء في بلدان عربية مختلفة, حاولوا تجاوز تجربة السياب وصحبه, بل تجارب سعدي يوسف وصلاح عبدالصبور. وبرزعلى مستوى قصيدة النثر شعراء احتلوا مكانة تليق بهم مثل محمد الماغوط وبعده سركون بولص, كما أن فاضل العزاوي الذي يخصه المؤلف بهجوم ينكر عليه أي انجاز, كانت الكثير من قصائده تملك ناصية القول الواضح الذي لا يستغرق في إنتاج الشكل الجديد.

ان من المفيد التثبت من فاعلية المنهج الذي اتبعه فوزي كريم في تصديه للحداثة الشعرية, فالحداثة تسمية يمكن استخدامها عربيا رديفا لكلمة تجديد, والمحدثون من الشعراء القدامى هم المبتكرون ولا ضير ان نجد في الابتكار بعض تأمل أو تعمل أو شغل على اللغة, فاللغة هي ملعب الشاعر الأساسي, وجمال شعريتها يقوم على انحراف المعنى, وقد تقوم بدور خلاق في تجسيد التجربة الإنسانية, أي ان بينها وبين الحالة التي تعكسها تنافذ قد تصبح فيه فاعلة في فرض أنظمة للخيال وللتجربة ذاتها. ولا يصح والحالة هذه ان نطلق كلمة (احتيال) على شعر يجرب في الشكل أو يحاول تجاوز تجارب سابقة له على مستوى اللغة والإيقاع والوزن والقافية, فليس هناك في الشعر بقعة مقدسة يجوب في محرابها الشاعر. والمشهد الشعري في كل مكان من الرحابة ما يستوعب مناهج مختلفة في الكتابة, أما الكيفية التي ينظر فيها إلى الاختلاف, فهي التي ينبغي ان تكون قادرة على الابتعاد عن الحماس والتعصب.

( لنـدن )

بداية الصفحة

النهج وعولمة الاستبداد

المجلة: النهج (فصلية)
الناشر: مركز الأبحاث والدراسات, العدد: 22 ربيع 2000
عماد العباد:


بعد سنوات طويلة من الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية, بدأت النظرة العربية لإسرائيل لا تقتصر على كونها ـ أي إسرائيل ـ جسما غريبا يجب إبعاده وحسب. إذ تخطت ذلك إلى مرحلة أعمق, مرحلة النظرة الاختراقية التأملية لكيان المجتمع الصهيوني وأسلوب الأدلجة الذي اتخذته الإدارة اليهودية لإعداد بناء مجتمع هو خليط من ثقافات وأعراق مختلفة. إذ ان بعض الباحثين تناولوا أساليب التعليم والتثقيف في إسرائيل, في حين تناول آخرون نقاط الاهتزاز والضعف في هذا الكيان المبتدئ كدولة.

في ذات السياق, كتب مؤخرا ماهر الشريف, في مجلة (النهج) ـ وهي مجلة فكرية سياسية تصدر في سوريا ـ كتب استعراضا واسعا لملف كبير نشر في فصلية "دفاتر الشرق" الباريسية بعنوان "إسرائيل أمة يعاد تركيبها".

في بداية استعراضه أورد الشريف, الطرح الذي قدمه (آلان ديكوف), مدير الأبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي في فرنسا, والأستاذ بمعهد الدراسات السياسية في باريس, إذ تساءل ديكوف عن مصدر ذلك الشعور الغريب الذي انتاب الإسرائيليين خلال احتفالهم بالذكرى الخمسين لقيام دولتهم, وأعاد مصدر ذلك الشعور إلى اكتشاف الإسرائيليين وجود نقاط مظلمة في تاريخ دولتهم لا سيما بعد أن أظهرت نتائج المؤرخين الجدد وعلماء الاجتماع أن بناء الأمة العبرية الجديدة لم يتم باللجوء إلى العنف الجسدي تجاه العرب فحسب وانما تم أيضا باللجوء إلى العنف الاجتماعي مع المهاجرين الجدد الشرقيين إذ فرض عليهم التخلي سريعا عن عاداتهم وتقاليديهم لكي يتحولوا إلى إسرائيليين "أصليين", وخلص ديكوف إلى أن المرحلة التأسيسية التي مرت بها الدولة العبرية, والتي تطلبت وحدة وطنية وإجماعا ايديولوجيا واسعا قد انتهت وباتت إسرائيل تقف اليوم على عتبة مرحلة انتقالية, فقد خلفت وراءها "الأزمنة التأسيسية" وبلغت سن النضج الذي يفرض عليها أن تعيد تحديد علاقاتها مع نفسها ومع الآخرين.

انتقل (الشريف) بعد ذلك إلى دراسة أخرى (لسامي سموحا) استاذ علم الاجتماع في جامعة حيفا, إذ تناول الباحث ديمومة الطابع الاثني في ذلك المجتمع كما تناول الاشكنازيم (اليهود الذين ترجع أصولهم إلى بلدان أوروبا الشرقية والوسطى ويمثلون 55% من السكان) والمزراحيم (والذين يعودون بأصولهم إلى بلدان الشرق الأوسط وشمال افريقيا ويمثلون 45%) والانقسام التاريخي بين الأولى والثانية. كما أشار إلى المساعي الفاشلة للصهيونية في تجاوز الاختلافات الاثنية القائمة بين اليهود ومحاولة جمعهم في اطار وحدة قومية أحادية الثقافة من خلال الدمج والمماثلة بينهم حتى اضطرت في النهاية إلى الاعتراف بشكل من أشكال التنوع الثقافي, إذ صار في وسع اليهود الشرقيين والروس والاثيوبيين الحفاظ على تراثهم الثقافي. كما تحدث عن الهيمنة الثقافية والانفصال الاجتماعي والطبقية الاجتماعية في المجتمع اليهودي.

من المواضيع الأخرى التي حوتها مجلة (النهج) موضوع بعنوان (العلاقات العلمية بين إيران والعالم العربي ـ مثال علم المثلثات) أعدته الباحثة في المعهد الفرنسي للدراسات العربية بدمشق د.هيلين بيلوستا.

تحدثت الباحثة في البداية عن الرابط الأقوى بين إيران والعالم العربي في الفترة ما بين القرنين الثاني والتاسع الهجريين, وهو اللغة العربية, اللغة العالمية, لغة الشعوب والمعارف كما تصنفها هيلين. إضافة إلى رابط الإسلام. وقد ظلت اللغة العربية لغة الرياضيات حتى بالنسبة للعلماء الفارسيين. فالبيروني كتب مؤلفه الرياضي باللغة العربية وهو فارسي اللغة, وابن سينا الفارسي, كتب موسوعته الفلسفية "الشفاء" بالعربية. لذا استغربت د.هيلين تمييز العلماء من أصل فارسي عن العلماء من أصل عربي في ذلك العصر.

انتقلت الباحثة بعد ذلك إلى بداية علم الفلك وحساب المثلثات. وعلم المثلثات هو فصل من الرياضيات يقع بين علم الفلك والهندسة وقد انتقل علم الفلك الهندي ذو المزيج الكبير من الاسهامات اليونانية والبابلية والأخميدية. إلى العالم العربي عبر ايران. كما أن النصوص الأولى لعلم الفلك التي ترجمت للعربية كانت من أصل فارسي وهندي عبر إيران قبل أن تتفوق المصادر اليونانية على هذه المصادر الأولى, ولهذا السبب سميت أكثر المقالات الفلكية باسم (الزيج), وهي لفظة فارسية الأصل وهي عبارة عن مجموعات جداول عن حركات النجوم.

إضافة إلى أن مجلة (النهج) ضمت مواضيع هامة أخرى ومنها: مهدي عامل: فاعلية العقل وغواية النظرية, العولمة في مرآة الفكر العربي المعاصر, عولمة الفقر, الليبرالية المعاصرة: رؤية نقدية, صورة الكورد أمام القراءات الاستشراقية العروبية الدينية, وحدة العقل الديني والعقل الإيماني. إضافة إلى قراءات في كتب مثل: تواؤم السلطة والجنس, ستالين نظرة أخرى, 9 فضائح هزت أمريكا, نقد الترويج للرق.

جدير بالذكر ان مجلة (النهج) يرأس مجلس إدارتها رئيس التحرير فخري كريم, وتضم هيئة التحرير سمير أمين سيد محمود, صادق جلال العظم, عزيز العظمة, طيب تبزيني, عصام الزعيم, فالح عبدالجبار, فهمية شرف, فواز طرابلسي, ماهر الشريف, محمد أمين العالم, نصر أبوزيد, مجيد الراضي. وتكون العدد من 305 صفحات.

بداية الصفحة
للمشاركة أو التعليق، اضغط هنا

[ محليات | الرياضة | اقتصاد | الرأي للجميع | تحقيقات | حروف وافكار | فن وثقافة | كاريكاتير | محطات متحركة | شئون دولية | لقاء | هموم عربية | القبول والاختبارات | الاسهم | اخبار الشركات | مهرجانات المملكة | حوادث | تحسين مستوى المعلمين ]
[ بحث | الأرشيف | الاشتراكات | الاعلانات | أكتب لنا ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2000
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@alriyadh-np.com

فن وثقافة

صفحات العدد
محليات
الرياضة
اقتصاد
الرأي للجميع
تحقيقات
حروف وافكار
فن وثقافة
كاريكاتير
محطات متحركة
شئون دولية
لقاء
هموم عربية
القبول والاختبارات
الاسهم
اخبار الشركات
مهرجانات المملكة
حوادث