مدننا الحبيبة بين الحداثة والاصالة
بقلم د. سامي احمد بالبيد *
منذ زمن بعيد وحكومة المملكة العربية السعودية لا تدخر جهدا لتطوير مدنها المختلفة ناهيك عن النصيب الكبير الذي تقدمه لتطوير القرى والهجر. ولا يخفى للعيان ما أثمرت به تلك الجهود وبنسبة عالية جعلت من مدننا الحبيبة مراكز حضارية لها مكانتها على المستوى الاقليمي والقاري, فعلى سبيل المثال: تعد مدينة جدة من احدى ثمرات العمل الدؤوب والتطوير الناجح لمدينة تعتبر من اهم بوابات المملكة الاقتصادية وميناء مهم لحجيج بيت الله الحرام. فقد حظيت جدة بالكثير من الجهد والمال واستقطبت اليها خيرة الخبرات في مجال تخطيط المدن وتم صهرها منذ السبعينات لخدمة المواطن وتطوير مدينته. ومع مرور الوقت وبرغم المشاكل التي واجهت قافلة التطور من نقص في المساكن والنمو العشوائي لبعض الاحياء ونقص في بعض الخدمات إلا ان الناتج النهائي هو مدينة حديثة ذات طابع تخطيطي ومعماري يظاهي اكبر مدن لعالم واجملها حتى اصبح من الصعب التفريق بين جدة او الرياض وغيرها من مدن المملكة وبين ما نراه في أعرق مدن شرق آسيا واوروبا وامريكا الشمالية مع اختلاف الطقس والعادات. عزيز القارئ من المؤكد انك تتفق معي فيما قلته ومن المؤكد انك تعلم جيدا انني لم آت بشيء جديد فالكل يعرف المدى الذي وصلت اليه مدننا الحبيبة فن تقدم في مجال التخطيط والعمارة, ولكن ليس هذا ما اردت لفت الانتباه اليه, انما اردت ان الفت الانتباه للثمن الباهظ الذي تدفعه مدننا في المملكة في غمرة الحداثة والتطوير المستورد والذي اكسب مدننا الكثير وفي نفس الوقت الكثير والكثير. فبرغم كل ما وصلت اليه المدينة السعودية من روعة التنسيق وجمال المظهر التخطيطي والمعماري, إلا انها فقدت شخصيتها المميزة وجذورها وطابعها المستوحى من بيئتها ومناخها وعادات سكانها الذي نراه جليا واضحا في احياء مدننا القديمة. فلو قمت بزيارة جدة القديمة لوجدت ان هناك تناسقا بين البيئة ومناخها الصعب وبين النسيج العمراني للاحياء ومن ثم للمدينة الكل, فمباني جدة القديمة برغم عشوائيتها إلا انها شيدت في تقارب بديع يوفر لرواد ازقتها وشوارعها الصغيرة اكبر قدر من الحماية من لهيب الشمس وذلك بتوفير المساحات المظللة وخلق تدرجات فراغية بديعة فيما بين المباني بداية من الساحات الشبه عامة بين الاحياء والتي تؤدي الى ساحات عامة كبيرة تخدم المدينة ككل. فالمساحات الصغيرة الموجودة بين الاحياء هي بمثابة بؤرات للتجمع والترفيه وقد يكون فيها بعض الدكاكين الصغيرة وفي نهاية المطاف تعتبر هذه المساحات المفتوحة اداة مهمة لتوطيد اواصر الترابط الاجتماعي لأهل الحي الواحد وسمة مميزة من سمات الحي العربي المسلم. اما الساحات العامة الكبيرة فهي تلعب نفس الدور الذي تقوم به الساحات الصغيرة ولكن على نطاق يخدم المدينة ككل او مجموعة اكبر من الاحياء السكنية, ففي مثل هذه الساحات يوجد السوق التجاري الرئىسي او المسجد الجامع الكبير وهي غالبا ما تكون متنفس المدينة وملتقى سكانها في المناسبات المختلفة (كليالي رمضان وعيد الفطر وخلافه من المناسبات), اما المباني فهي بحد ذاتها جديرة بالتأمل والاهتمام فكل مبنى في جدة القديمة يوفر لسكانه قدرا كبيرا من الخصوصية ويوفر كذلك بيئة ذات طقس مغاير تماما لخشونة وقساوة البيئة خارج المنزل. هذا التناسق بين البيئة والتكوين الحضري والتصميم المعماري لمدينة جدة القديمة فقدناه في مدننا الحديثة بأحيائها ذات التخطيط المستورد من الغرب وكانت النتيجة ان اهملنا تراثنا الموجود في احياء مدننا القديمة فضاعت شخصية مدننا الحديثة واصبحت (نسخة مكررة) لأي نسيج عمراني موجود في الغرب. ولذلك اصبحت شوارع مدننا وكأنها صممت في المقام الاول للسيارات فقط وما توفره من رفاهية وراحة جعلت مجرد التفكير في استعمال الاقدام للانتقال من مكان لآخر مهما كانت المسافة بسيطة شيئا لا يخطر على بال سكان المدن والاحياء الحديثة والسبب هو عدم ملائمة البيئة الحضرية لسكانها خاصة في ظروف مناخية صعبة تزداد سوءا بسبب طول الشوارع واتساعها غير المنطقي في اغلب الاحياء مما يجعلها عرضة لأشعة الشمس المباشرة ومما يزيد الامر سوءا ايضا ان المباني لاتستطيع توفير كميات الظل المطلوبة لعدم وجود التناسق بين عرض الشارع وارتفاع المبنى. انا لا اطالب هنا بالغاء الحديث ولا اطالب بتبني القديم كلية, بل انادي بالرجوع دائما الى تراثنا وخاصة في تخطيط مدننا الحبيبة واقتباس ما هو مناسب لبيئتنا ومناخنا حتى لا تضيع شخصية مدننا الحبيبة التي انشئت منذ القدم لتكون مميزة على مدن العالم كله ولا احتاج ان اذكركم بالقاهرة الفاطمية وبغداد الاموية والعباسية ودمشق الخالدة. ختاما هذه ابيات اهديها الى جدة: تركت حضوري.. وانا الغياب.. تركت عندك.. القلوب التي استوطنتني, صاغتني.. تركت الصور.. ووجهي ابي وامي, والاصدقاء.. جدة.. هل تعلمين قدومي؟ هل تعلمين حضوري؟ جدة.. قيح قلبي ان ابتعد! فا انت الخلد.. والخلد انت.. * دكتوراة من جامعة لندن في هندسة تخطيط المدن
|