السحيباني: سكان المدن العربية يتنامون 3 أضعاف المعدل الطبيعي
كتب ـ محمد الحيدر:
أكد الامين العام المساعد للشؤون الاقتصادية بجامعة الدول العربية عبدالرحمن السحيباني على ان المدن العربية تواجه ظاهرة الزيادة السكانية ووصفها بأنها خطيرة وبمعدلات متزايدة سنويا . سواء لارتفاع معدلات الزيادة السكانية الطبيعية او لاستمرارية تدفق الهجرة للمدن من الأرياف والقرى والبوادي. وقال السحيباني: إن تدفق الهجرة للمدن تصل معدلاتها الى ثلاثة اضعاف معدلات الزيادة الطبيعية حيث زاد سكان المدن العربية بمعدل يفوق 10% سنويا في ربع القرن الأخير مما قاد الى اكتظاظ رهيب جدا . وأضاف يقول ان كل ذلك ادى الى نشوء العشوائيات والأحياء الفقيرة الفوضوية المعدمة بسلبياتها الاقتصادية والاجتماعية مما ترتب على ذلك قصور أداء البنى والمرافق الأساسية بجانب الاعتداء على المساحات الخضراء والأراضي الزراعية وقلة الحدائق والمتنزهات والنوادي ومراكز الشباب وبين الى ان هناك أعدادا لا يستهان بها من سكان المدن العربية لا يجدون مياها نظيفة صالحة للشرب ونسبة كبيرة من المساكن لا يتوفر فيها صرف صحي كما يفتقر سكان معظم المدن المكتظة بعشوائياتها واحيائها الفقيرة الى الرعاية الصحية المناسبة بجانب المعاناة من الأمية المطلقة. وأشار الى ان هناك العديد من المدن العربية تعاني من الاكتظاظ الموسمي, سواء للاصطياف او لمناسبات دينية, مما يؤدي الى مواجهتها لمشكلات نقل ومواصلات واتصالات واسكان وتموين.. الخ, ويمكن مواجهة هذه المعضلات عن طريق التنسيق القطاعي في اعداد استراتيجية المدن بحيث يؤخذ في الاعتبار دور القطاعات المختلفة والجهات القائمة عليها في: ـ اقامة المدن العمرانية الجديدة, لتستوعب سكان العشوائيات وينقل اليها سكان الأحياء الفقيرة ويتجه اليها المهاجرون الجدد من الأرياف والقرى والبوادي والنجوع, حيث تعمل هذه المدن العمرانية الجديدة على الاستغلال الأمثل للموارد, وتخفف من حدة زحام المدن الحضرية والعواصم, وتدفع لتوطين المشروعات الاستثمارية الصناعية والزراعية والخدمية, وتخلق فرص عمل مريحة, وتحقق خطط ومستهدفات التنمية المستدامة. ـ اعمار الريف والقرى والبوادي بالبنى الأساسية والمرافق والخدمات الاقتصادية والاجتماعية, ودفع المشروعات الاستثمارية الاعمارية, بما يحقق بعد العدالة السكانية والانسانية, ويخفف من حدة تدفقات الهجرة الداخلية, ويحقق توازنا بيئيا له أهميته. ـ ضرورة نقل بعض الهيئات والمؤسسات والمصالح الحكومية الأساسية الكبرى الى المدن العمرانية الجديدة, خاصة القريبة من العواصم والمدن الحضرية الأم, مما يخفف من حدة غلواء المركزية والقيود الادارية والروتينية, وبالتالي يخفف من الاكتظاظ السكاني وسلبياته. ـ حتمية تفعيل القوى المجتمعية المتباينة والمؤثرة في المجتمعات العمرانية الجديدة: من حكومية ومحليات وتعاونيات ونقابات وجمعيات وممثلي القطاع الخاص.. الخ. ـ تنشيط التشابكات القطاعية بين المدن العمرانية والعواصم والأرياف والبوادي, في اطار قوى دفع متباينة واعتماد متبادل وتواصل في شتى المناحي الحياتية والمراحل الانتاجية, بدءا بحشد المدخلات والعمليات التشغيلية والتوزيعية حتى تفعيل الأنماط الاستهلاكية المرشدة. ـ تنمية الوعي بكافة اساليبه ووسائله, خاصة امام التطورات الاعلامية التقنية المتلاحقة, عبر القنوات الفضائية والأقمار الصناعية, واستخدام شبكات الانترنت. ويشار الى ان المشكلات السابقة وكيفية مواجهتها تختلف في أولوياتها وابعادها من بلد لآخر, وان كانت تعتبر كقاسم مشترك لكل المدن العربية, مما يفرض ضرورة التنسيق العربي للاستفادة من التجارب العربية المشتركة لمواجهة هذه المعضلات, بجانب اهمية الاستفادة من التجارب العالمية المماثلة, والتي لا يخلو منها أي بلد في العالم, حتى اكثر الدول ثراء وتقدما وتقانة, حيث نجد الكثير من هذه المشكلات ـ كمثال ـ في الولايات المتحدة الأمريكية كأغنى واقوى دولة في العالم واكثرها تقدما تكنولوجيا , حيث خصصت 30 مليار دولار في الموازنة الفدرالية لمواجهة معضلة الاسكان والايجار للطبقات الفقيرة, كما نشر اخيرا انه يوجد فأران لكل مواطن في مدينة نيويورك ـ الملتقى العالمي لكل دول العالم كمقر للأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الهامة ـ ومن ثم تفرض الضرورة التنسيق العربي لتماثل المعضلات في المدن العربية, مما يدعم ويسهل مواجهة هذه المشكلات. تدلل المؤشرات الاحصائية للمدن العربية في العقد الأخير على تخفيف حدة المعضلات, بعد ان بلغت ذروتها من ناحية, وأساليب المعالجة والتوسعات والتحديث للحد من مضاعفات هذه المشكلات من ناحية اخرى فبدأ الاكتظاظ السكاني يقل نسبيا , وتفاقم حدة العشوائيات يتدنى, وكفاءة أداء الخدمات والمرافق الأساسية يرتفع, وحدة التلوث والضوضاء تخف نسبيا , كما ان كبرالفجوة الاسكانية بين زيادة الطلب وقصور العرض بدأ يضيق نسبيا , سواء للمدن الجديدة أو زيادة الاعمار, وتلوح الآمال وفق التنبؤات المستقبلية الى امكانية حل المعضلات جذريا , وفي ابعاد زمنية قصيرة نسبيا , ويعزى هذا التفاؤل الى المؤشرات التالية: ـ الاتجاه لإقلال معدلات الزيادة السكانية, حيث كانت 3.8% سنويا كمعدل عام للبلاد العربية في الستينات من القرن العشرين, انخفضت الى 2.8% في الثمانينات ونسبة 2.2% في التسعينات, ومن المتوقع بلوغ المعدل 1.1% في العقد الأول من القرن الحالي. ـ حتمية الاهتمام بالقرى والارياف والبوادي لتحقيق العدالة الانسانية والمكانية, مما سيخفف من الضغط السكاني, ويخفف ان لم يكن يلغي تدفقات الهجرة من الأرياف والقرى للمناطق الحضرية, خاصة إذا ما دفع ببعض المشروعات الاستثمارية, ومزيد من المرافق والبنى الأساسية لهذه المناطق. ـ تزايد اقامة المدن العمرانية الجديدة المتخصصة والمتكاملة, محققة مستهدفات عمرانية على أسس حديثة. تنفيذ برامج التحول وتصحيح الاختلالات الهيكلية وتغير دور الدولة الاقتصادي المعاصر, وتقارب العالم اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وحضاريا وسهولة الاتصال العالمي, مما قاد الى خلق تيار هجرة معاكس من العواصم والمدن المكتظة الى النجوع والقرى والأرياف والصحاري والخلاء, سعيا وراء الراحة والهدوء, والتخلص من تلوث المدن وضوضائها. تزايد الهجرة الدولية خاصة من الجنوب للشمال في ظل المعدلات الحالية للنمو السكاني في البلدان المتقدمة, التي تتراوح بين معدلات متدنية ومعدلات بالسالب, مما يعني تزايد حاجة الدول المتقدمة للعمالة من البلدان النامية, حيث تقدر الاحصاءات حاجة الاتحاد الأوروبي الى 25 مليون عامل خلال العقدين القادمين. ان تداخل وتناغم عوامل التفاؤل بتنبؤات مستقبلية افضل, تدفع الى ضرورة التكامل القطاعي في اعداد استراتيجية لتنمية عمرانية مستدامة, ليس فقط على مستوى كل دولة عربية على حدة, بل في اطار التنسيق والتكامل الاقتصادي العربي, بما يحقق تطلعات وطموحات ورفاهة الجميع.
|