|
أثناء دراستي الابتدائية لم أكن أعرف من الشجر أو على الأصح من النبات إلا الأثل والنخل حتى إذا ذهبت إلى جدة تخيلتها غابة خضراء, وما هي كذلك إلا فيما بعد, ومن جدة إلى مكة.. المدينة ذات الخصوصية في كل شيء, لها تراث الدين والمعمار واختلاط الشعوب ورنين الصوت والآلة في أعماق النفس.. إضافة إلى كونها مدينة مقدسة فهي أرض وبشر لهما طعم.. لهما نكهة متميزة خاصة.. ويرتبط عندي التعرف الذوقي لها سماعي بكلمة "ورد" وكنت أحفظ بيتا لابن لعبون يقول فيه: ولا تحسب الجشجات والرمث والحزا والشيح والقيصوم عطت هدومها وعطت تعني تصاعد الرائحة, يريد ان يقول أن لها شذا شبيها بعطور النباتات البرية.. لكن كان الصوت يأتي عذبا من المذياع عبر نوافذ المنازل أو الحوانيت وهو يردد "وردك يا زارع الورد.. فتح ومال عالعود". كان صاحب الصوت "جنايني رقيق" يباعد بين اضمامات الورد ثم يقاربها كي تسري نسائم لم يكن يعرفها ابن الصحراء.. الغناء ذاته ذلك الرقيق الذي تصاحبه آلات موسيقية كان يختلف جذريا عن الهجيني المنفرد أو جماعيات السامري.. صاحب الصوت كان امتدادا أصيلا لروعة ذوق الحجاز الفني الذي احتوى الرصيد الأول لفنون الجزيرة العربية, ولولاه لكان كل شيء مستجلبا من اليمن والبحرين فيما عدا السامري.. طلال مداح.. رحمه الله.. اسم لا يمكن ان ينسى.. زارع الورد الذي ظل عشرات السنين وهو ينتقل من نجاح إلى آخر دون ان يتوارى حتى انتقل إلى رحمة الله وهو يسمع.. آخر ما سمع.. صيحات الجمهور وتصفيقه.. اكبارا .. لما كان عليه الفنان الكبير من حضور وصفاء. رأيته أكثر من مرة في القاهرة لكنني لم أتعرف عليه.. كان عكس الفنان محمد عبده الذي يبادل الناس رغبة التعارف, وربما كان محمد أذكى فنان سعودي جمع بين عملقة ومرونة تعدد العلاقات الاجتماعية.. طلال.. فيما يبدو لي كان أقرب إلى الانعزال والوحدانية مع نفسه.. فنان يهيم منفردا أو مع الناس مع حوارات ذاته.. مع تصاعد غناء ولحن يعبر أعماقه ويترقرق في أعلاها مثلما تفعل النسائم بصفاء المياه.. كل الذين يعرفونه يكررون مدى تناهي الطيبة والبساطة في ذاته, ولذا لم يكن صاحب معارك شخصية مع أحد, لأنه لم يكن يخاف على أصالته من أي أحد.. حاولت فهلوة الصحافة الفنية ان توقع بينه وبين محمد عبده أكثر من مرة لكنها لم تفلح بشيء حيث واحد بطيبته وآخر برزانة عقله أبقى العلاقة بينهما متوفرة الاحترام والتواد .. رحمه الله رحمة واسعة.
|