تعصف بها الفوضى والاضطرابات والتشرد أفريقيا تعاني من الفقر والجوع والمرض
باحساس كبير بالأمل اعلنت الامم المتحدة اعتبار شهر كانون الثاني الماضي "شهر افريقيا" وركزت اهتمامها على الحرب والفقر والايدز في القارة السوداء. إلا ان الواقع يبدو وكأن هذه هي "سنة الأزمة الافريقية الدائمة", حيث يحمل كل يوم تقريبا مزيدا من الأخبار السيئة عن بروز منطقة كوارث جديدة. ففي البراري الداخلية الوعرة, أجج ثوار سيراليون المتوحشون مجددا نار الحرب الأهلية المدمرة محتجزين 500 من أفراد قوات حفظ السلام الدولية كرهائن عدة أسابيع (تم اطلاق سراحهم لاحقا ). وفي السهول القاحلة الجافة في القرن الافريقي حيث يخيم شبح المجاعة على أثيوبيا واريتريا, اندلعت نيران حرب جديدة على قطعة ارض قاحلة. وفي المناطق الشاسعة في الكونغو, تتوزع جيوش وثوار من ستة بلدان في أرجاء أكبر ميادين المعارك في افريقيا في مرحلة مابعد الاستعمار. وثمة ستة بلدان افريقية على الأقل تعصف بها الحروب والاضطرابات المدنية كجزء من التوجهات القاتلة للنزاعات المتغايرة والحكومات المنهارة والتي فتكت بالقارة منذ انتهاء الحرب الباردة. ويقول كومفورت ارو من مركز الدراسات الدفاعية في كلية كينغز في لندن: "غالبا ما ترى نمطا مألوفا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة: السلطة المركزية منهارة ولا أحد يظهر بوضوح أنه مسيطر والحكومات لا تستطيع أن تعالج بفعالية سنوات من الحكم السيء وسوء الإدارة الاقتصادية, ثم تساعد حرب ما على اشعال القتال في بلد مجاور". ولنلق نظرة على الرحلة التالية: مسافر يبدأ رحلته منطلقا من ساحل أنغولا الحار على المحيط الأطلسي ويتجه نحو الكونغو المجاورة ويتوغل إلى داخل وخارج بوروندي في منطقة البحيرات الوسطى. ثم يتجه إلى الشمال الشرقي نحو السودان واثيوبيا واريتريا والصومال وينهي مغامرته على الرمال الساخنة على ساحل المحيط الهندي. وهذا "السافاري" يمتد ألوف الكيلو مترات مجتازا سبعة بلدان وملامسا محيطين ـ ولكن المسافر لم يحط قدميه على أرض بلد مسالم. ولم يسبق ان كانت افريقيا متورطة في مثل هذا العدد من النزاعات المتزامنة. وكانت البلدان الاستعمارية الاوروبية قد فرضت مفهومها الخاص للنظام على القارة إلى حين بدأت دول القارة تنال الاستقلال الواحدة بعد الأخرى حوالي العام 1960م. ثم جاءت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لتؤيدا الحكام المتسلطين المحبذين لدى كل منهما طيلة العقود الثلاثة التالية. واعتقد كثيرون من الافريقيين ان القارة ستبدأ مرحلة من الازدهار مع تراجع التدخل الخارجي مع انتهاء الحرب الباردة قبل عشر سنوات, وتمكن عدد من البلدان الافريقية من اقامة حكم ديمقراطي دون مشاكل وبنمو اقتصادي متواضع. إلا ان كوارث عديدة حدثت أيضا في العقد الماضي من الحرب الأهلية العبثية في ليبريا إلى المجاعة في الصومال والابادة العنصرية في رواندا.ويقول فرنسيس كونغاي, الزميل الزائر في المعهد الجنوب افريقي للشؤون الدولية, ان المجتمع العالمي متردد كثيرا عن التورط في النزاعات الافريقية. الوضع السيىء يتحول إلى أسوأ ولا أحد يريد أن يتدخل في الأمر. والسيراليون والكونغو واثيوبيا, واريتريا هي الأكثر خطورة هذه الأيام, وكل منها تحمل في طياتها توجهات خطرة تتهدد القارة. ففي سيراليون, يتزعم الرئيس الهادئ الطباع أحمد تيجان قابا حكومة عاجزة هي نموذج للدول المضعضعة التي تتوزع الآن على الخريطة الأفريقية. ورغم الحرب الأهلية التي بدأت قبل تسع سنوات لا تزال الحكومة عاجزة عن انزال جيش للسيطرة على الأوضاع. وعلى خطة الجبهة المتغير في الأدغال, يتألف أسطول نقليات المؤسسة العسكرية من سيارة شحن مهلهلة واحدة, ويعتمد قابا نفسه على ميليشيا خاصة فوضوية لمقاومة المتمردين الذين يجوبون الأرياف وينهبون مناجم الماس في المستنقعات الشرقية. وفي العاصمة فريتاون على شاطئ البحر, التيار الكهربائي ينقطع حتى في المباني الحكومية. والهاتف والمصاعد نادرا ما تعمل, ومخيمات اللاجئين تتوزع في المدينة التي تندر فيها فرص العمل أيضا . ولقد وصل انهيار العمل الحكومي إلى ليبيريا والصومال والكونغو في السنوات العشر الماضية, وثمة عدة بلدان أخرى على وشك الانضمام إلى اللائحة. ولقد القيت مهمة محاولة اعادة الاستقرار إلى البلدان الافريقية المضطربة على عاتق الامم المتحدة, لأن البلدان الغربية لا ترغب في التدخل. إلا ان قوات السلام الدولية الموجودة في سيراليون, وقوامها 12000 رجل, تحولت إلى هدف للمتمردين الجوالين, ولم تعد قادرة على تأمين الحماية للمدنيين. وبعد قتل عدد من أفراد قوات السلام وخطف المئات منهم (تم الافراج عنهم) أخذ عمل الأمم المتحدة المشلول يعيد إلى الاذهان المشاكل التي واجهتها المنظمة سابقا في القارة الافريقية ـ ويثير المخاوف إزاء النية في ارسال قوة إلى الكونغو. وقال روبرت هولبروك, السفير الأمريكي لدى الامم المتحدة الذي سعى لدى الكونغرس لتقديم دعم أكبر لعمليات الامم المتحدة: "لا اشك في أن ما حدث في سيراليون سيكون له أثره في واشنطن". وفي أثيوبيا واريتريا, تخيم سحب المجاعة على عدة ملايين من البشر في البلدين الفقيرين. وتجدد القتال على الحدود في 12 ايار الماضي والذي هجر أكثر من مليون اريتري من ديارهم أوجد جحافل جديدة من اللاجئين. ومع ان البلدين اتفقا على وقف القتال في 18 حزيران الماضي إلا انهما لم يوقعا هدنة رسمية, والزمن سيبين إلى متى سيبقى الهدوء مخيما على الحدود. ان الفقر الشديد وعدم وجود مدارس ومستشفيات صالحة فضلا عن وباء الايدز المستوطن, هي من المشاكل الدائمة في افريقيا. إلا ان الجيوش هي اول من يمد يده إلى الخزانة الوطنية, رغم قلة الاموال الموجودة فيها. وحيث الديمقراطية ضعيفة, يستطيع القادة ان يشنوا الحروب دون أن يكونوا مضطرين إلى تبرير ذلك امام مواطنيهم, وفي بعض الحالات يقدمون التبرير لا لشيء إلا بغية الهاء الناس عن مشاكلهم الأخرى. وعلى سبيل المثال, الزحف الاثيوبي الخاطف ضد اريتريا حمل الناس على النزول للرقص والغناء في شوارع العاصمة اديس ابابا ـ وحول الانظار عن الأحوال المتردية بسرعة في المناطق الصحراوية التي تمر بمرحلة جفاف. ولقد وبخ الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان ـ دون أن يذكر اسماء الزعماء ـ الزعماء الافريقيين المنعزلين وضيقي الأفق الذين لا يأخذون مصالح شعوبهم بعين الاعتبار في صراعهم على السلطة والبقاء وتأمين مصالحهم الخاصة. الكونغو "الحرب العالمية" لافريقيا وفي الكونغو فإنه من الناحية التقليدية الحروب الافريقية هي حروب أهلية ولكن حرب الكونغو تحمل لقب "اول حرب عالمية في افريقيا" لأن عددا كبيرا من البلدان ارسلت قوات إلى الحرب الدائرة هناك. إن ادارة بلد مثل الكونغو حتى في اوقات السلام مهمة صعبة جدا بالنظر إلى وجود 200 جماعة اثنية فيها تفرق بينهم اللغات والخصومات القبلية وسوء الاتصالات, والمسافات الكبيرة. وقد وضعت الحرب حدا لأي ادعاء بأن الكونغو هي بلد واحد وموحد بشكلها الراهن. والسؤال الآن هو ما إذا كان ممكنا إعادة لصق القطع بعضها ببعض بعد اقناع الجيوش الاجنبية بالانسحاب. واضافة إلى كل هذه المشاكل, فإن ثروات الكونغو المعدنية الهائلة تشكل أهدافا مغرية, مما يزيد من تعقيد المهمة التي تنتظر القوات الدولية المزمع ارسالها إلى هناك. وفي واحدة من أصعب مهمات الامم المتحدة غرقت قوات السلام الدولية في الحرب الأهلية الكونغولية في مطلع الستينات. ولقد زالت تلك الصدمة مع الزمن. إلا ان هناك مغامرة فاشلة أخرى في افريقيا ـ ألا وهي ارسال قوات دولية إلى الصومال في العام 1993م. ولا تزال تلك التجربة تؤرق أمريكا واوروبا اللتين لم ترسلا قوات كبيرة منذ ذلك الوقت.
|