|
|
|
Thursday 10 August 2000 No.11735 Year 37
|
الخميس10جمادى الأولى 1421 العدد 11735 السنة 37
|
|
|
|
 هاشم صالح ـ باريس
تحت هذا العنوان صدر كتاب في باريس للباحث اليسكندر بابا دوبولو. وهو من مواليد مدينة كييف ومن أم روسية, وحائز على شهادة الدكتوراه في الفلسفة. وكان مهتما بالفنون والجماليات وبخاصة الفن الاسلامي. ولذلك أسس في جامعة السوربون "مركز البحوث عن جماليات الفن الاسلامي". وهو أول مركز من نوعه في العالم. وقد اصبح كتابه عن "الاسلام والفن الاسلامي" بمثابة مرجع لكل الباحثين. كما انه ألف عدة كتب عن فلسفة بينوزا وبيرغسون والنزعة الانسانية المعاصرة. وهو أحد الخبراء العارفين بالعقلية الروسية والفكر الروسي, ولذلك فإن كتابه هذا يسد نقصا في المكتبة العالمية. فنحن لا نعرف إلا القليل عن الفلسفة الروسية. ولذلك اخترناه للعرض هنا على صفحات "الرياض". في الواقع ان هذا الكتاب يهدف الى تحقيق غاية مزدوجة فهو اولا يريد ان يثبت انه توجد فلسفة في روسيا. ويقدم لنا مدخلا واسعا الى هذه الفلسفة من خلال القرون الثلاثة الماضية. ويتحدث لنا عن اسماء مشهورة من أمثال هيرزين, غوغول, تولستوي, دوستيوفسكي, بيرداييف, باكونين, لينين, سولجنستين. ولكنه يتحدث ايضا عن اسماء اقل شهرة من أمثال : لومونوسوف, كومياكوف, سولوفييف, بليخانوف, الخ .. وهذه الفلسفة محض روسية. فهي تعبر عن الروح الوطنية العميقة لروسيا السلافية. واذا ما اطلعنا عليها رأينا كيف ينظر الروسي الى الحياة والموت, الى العدل والظلم, الى الاخلاق والدين, الى الجمال والفن, الى التاريخ والمعنى, ان الموقف من كل ذلك عبرت عنه سلسلة من الفلاسفة السلافيين والمفكرين الدينيين المتعلقين كثيرا بالمذهب الارثوذكسي : أي الدين الوطني لروسيا. ولكن هناك فئة ثانية من الفلاسفة الروس الذين تأثروا بالفلسفة الأوروبية والغرب , ولذلك دعوهم "بالمستغربين" ولكن على الرغم من تأثرهم بفلاسفة المانيا وفرنسا وانكلترا إلا انهم ظلوا في اعماقهم روسيين. هكذا نجد ان فلاسفة روسيا يشبهون الفلاسفة العرب والمسلمين المعاصرين فنحن ايضا نعاني من مسألة الأصالة, والمعاصرة, التراث, والحداثة. ونحن ايضا متأثرون بمصدرين اساسيين للفكر: تراثنا العربي ـ الاسلامي من جهة, والتراث الاوروبي من جهة أخرى. ويبدو ان روسيا ابتدأت تعاني من نفس المشكلة بعد ان ادخلها القيصر بطرس الأكبر في الحداثة ومحاولة تقليد الغرب. ولكن بعض فلاسفة الروس تأثروا كثيرا بالتيارات الفلسفية الغربية الى درجة انهم فقدوا روحهم او اصالتهم الروسية. نضرب عليهم مثلا اتباع الفلسفة الوضعية, والمادية, والمثالية, والنقدية الجديدة, الخ .. وهؤلاء لا يهتم بهم المؤلف باعتبار انه كان بامكانهم ان يكتبوا مؤلفاتهم خارج روسيا. فليس لهم من روسيا الا الاسم . ان المؤلف يريد ان يثبت لنا انه توجد في روسيا صورة متوازنة عن الفلسفة, وانه لا يمكن اختزال فلاسفة الروس الى فئتين اثنتين : فئة الصوفيين المتدينين, وفئة الماركسيين . فهناك تيارات اخرى متعددة للفكر في روسيا. يضاف الى ذلك ان روسيا منذ ان دخلت في عصر التحديث على يد القيصر بطرس الاكبر في القرن الثامن عشر أخذت تشهد ظهور علماء كبار في الطبيعة والفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات.. وهؤلاء لهم ايضا آراؤهم الفلسفية عن الوجود والحياة. ومجرد وجودهم يثبت ان الروس ليسوا جميعهم مثاليين حالمين. وانما فيهم واقعيون يمتلكون ناصية العلم ويسيطرون على المنطق والاسبتولوجيا. ولولا ذلك لما استطاعوا الوصول الى القمر وبناء المركبات الفضائية ومنافسة الامريكان على صناعة الاسلحة.. ويرى المؤلف ان الدين المسيحي في مذهبه الارثوذكسي لعب دورا كبيرا في تشكيل الثقافة والعقلية الروسية. ولا يمكن ان نفهم كتابا كبارا من امثال تولستوي ودوستيوفسكي اذا لم نأخذ ذلك بعين الاعتبار. يفتتح المؤلف الفصل الأول من كتابه بالعنوان التالي: القرن الثامن عشر وتأثير الفلسفة الفرنسية ويقول بما فحواه: بدءا من بطرس الاكبر وخلفائه وبخاصة الامبراطورة كاترين الثانية راح المجتمع الروسي يتعلق بوله بكل ما يجيء من جهة الغرب وبخاصة من جهة فرنسا. ولم يتأثرفقط بالافكار والعلوم والآداب والفنون, وانما تأثر ايضا بالاخلاق والعادات وحتى الازياء واللباس. وكان تقليد الغرب يصل احيانا الى درجة مضحكة من العبودية. وكان الصحفيون والكتاب الروس يسخرون من هذه الطريقة الكاريكاتورية في تقليد الثقافة الفرنسية, ويعتبرونها طفولية. ولكن تأثير فرنسا كان قويا جدا سبب اعجاب الامبراطورة كاترين الثانية بفلاسفة التنوير الكبار من امثال فولتير, وديدرو, والموسوعيين بشكل عام. ومن العلوم ان كاترين الثانية هي التي قدمت المعونة المادية لديدرو من اجل اخراج الموسوعة الفرنسية الشهيرة. وقد ترجمت الموسوعة الى الروسية فيما بعد. كان المثقفون الروس آنئذ مهووسين بجان جاك روسو, ومدنتسكيو, وبيير بايل, وفينيلون. وكان سفير روسيا في باريس هو الذي نظم رحلة الفيلسوف ديدرو الى روسيا لمقابلة الامبراطورة كاترين التي كانت معجبة به اشد الاعجاب.. ومعلوم انها وجهت نفس الدعوة الى فولتير ولكنه اعتذر عن تلبيتها بسبب كبر سنه واعتلال صحته. ينبغي ألا ننسى ان المجتمع البورجوازي في سان بطرسبورغ وموسكو كان يعرف الفرنسية جيدا ويتكلمها بطلاقة. وبالتالي فكان يقرأ الفلاسفة الفرنسيين في النص الاصلي دون الحاجة الى الترجمة. ولكن الترجمة كانت ضرورية من اجل الطبقات الدنيا في المحافظات والاقاليم. وقد ترجم احد الديبلوماسيين الروس المقيمين في باريس بعض كتب مونتسكيو ثم كتاب فونتنيل "محاورات حول تعددية العوالم". وقد تمت مصادرة هذا الكتاب الاخير بحجة انه يحتوي على أفكار مضادة للدين. ثم راح الكثيرون من كتاب روسيا يبسطون أفكار فلاسفة التنوير في فلسفية وعلمية وثورية ويشيعونها في مختلف الاوساط الشعبية. ولكن مثقفي روسيا لم يكتفوا بتقليد فرنسا والتأثر بثقافتها. وانما راحوا يترجمون مفكري الانكليز وكتابهم الكبار من امثال: شكسبير, توماس مور, جون لوك, هوبز, نيوتن, الخ .. وكانت الترجمة ضرورية جدا لأن القليل من الروس آنذاك كانوا يعرفون الانكليزية. واما فيما يخص الثقافة الالمانية فكانت معروفة سابقا بسبب العديد من الألمان المقيمين في روسيا وبسبب القرب الجغرافي بين المانيا وروسيا. وكانت العلاقات وثيقة بين البلدين. وكان اول فيلسوف روسي يدعى لومونوسوف (1711 ـ 1765). وقد درس الفلسفة في المانيا على يد "وولف" تلميذ لاينبتز. وهكذا دخلت الفلسفة الالمانية الحديثة الى روسيا. واذا كان مثقفو روسيا يهيمن عليهم التأثير الفرنسي في القرن الثامن عشر, فإن الفلسفة الالمانية سوف تهيمن في القرن التاسع عشر. وهكذا راح الفيلسوف الالماني شيلنغ يهيمن على الفكر الروسي. ولكن لا يمكن ان نهمل ايضا تأثير هيغل وآخرين. في القرن الثامن عشر شكلت طبقة اجتماعية تدعى: الانتلجنسيا. ونقصد بها جميع اولئك الذين استفادوا من علمنة المشاكل الفلسفية للانسان وعلمنة الفكر الخاص بمعنى التاريخ وتنظيم المجتمع. وهذه المشاكل جميعها كانت من اختصاص رجال الدين المسيحي الارثوذكسي في الماضي. وكل الترجمات التي تحدثنا عنها وكل التأثيرات الفلسفية الغربية تمت خارج اللاهوت والكنيسة, بل وضدهما ايضا هكذا وقع الصراع بين التراثيين والحداثيين داخل الثقافة الروسية. وانقسم الناس الى قسمين: الأول ينادي بتقليد الغرب والأخذ عنه, والثاني يرفض ذلك بحجة المحافظة على الخصوصية والاصالة ثم نشأ بعدئذ تيار ثالث يحاول المصالحة بينهما. وكان المثقفون الروس يتناقشون كل الليل حول افكار فولتير وروسو وشيلنغ وهيغل... وقد اشتهر المثقفون الروس بالهوس بالافكار والتطاحن حولها والتطرف في اعتناقها. ونجد صدى ذلك في الروايات الخالدة لدوستيوفسكي. كان أهم تيار فلسفي حديث زرع في روسيا هو التيار الفولتيري (نسبة الى فولتير). وقد ازعج رجال الدين الارثوذكس كثيرا وحاولوا محاربته, ولكنه انتشر انتشار النار في الهشيم بسبب حاجة المثقفين الروس الى التحرر او التخلص من قبضة رجال الدين. ثم تلاه شيلنغ والرمانطيقية الالمانية في القرن التاسع عشر. واما تأثير جان جاك روسو فكان مختلفا . فقد ارتبط بنشر قيم الطيبة والعدالة الطبيعية, وقيم الدين الطبيعي والقانون الطبيعي ايضا . وكلها قيم مستمدة من طبيعة الانسان العاقل والطيب بطبيعته. وفي عام 1769 نشر الفيلسوف الروسي انيتشيكوف كتابا بعنوان "الدين الطبيعي", ولكنه احرق من قبل الكنيسة بتهمة الالحاد. وقد أثرت هذه الكتب والترجمات على الأجواء السياسية في روسيا. وراح بعضهم يشكك بنظام الرق الذي كان سائدا في الارياف الروسية. بل وتجرأ بعضهم على طرح الاسئلة على مشروعية السلطة القائمة. ويعتبر الفيلسوف راديشتيشيف احد المناضلين من اجل العدالة الاجتماعية في روسيا فقد دافع عن الفلاحين الفقراء الذين يعاملون كعبيد من قبل اسيادهم الاقطاعيين. وفي عام 1790 نشر كتابا بعنوان: "رحلة من بطرسبورغ الى موسكو" وفيها يصدر المصير الاسود للفلاحين ويدعو الى الغاء قانون الرق والعبودية. ويبدو ان الامبراطورة كاترين الثانية, المستبدة المستنيرة, قرأت بعناية هذا الكتاب. والدليل على ذلك حجم التعليقات التي كتبتها بخط يدها على هوامشه. ولكنها استشاطت غضبا وقالت: ان مؤلف هذا الكتاب مفعم بالاخطاء الفرنسية ومعدى بها. فهو يحاول بكل الوسائل ان يخفض من احترام السلطة"! ثم أمرت بمصادرة الكتاب وحرقه واعتقال مؤلفه والحكم عليه بالاعدام. ولكنها لم تقتله وانما أمرت بارساله الى سيبيريا وسجنه هناك لمدة ستة أعوام. هذا ما فعلته كاترين الثانية صديقة فولتير وديدر والفلاسفة. فما بالك بالحكام الآخرين؟ ماذا كانوا سيفعلون بهذا الفيلسوف المسكين الذي تجرأ على قول الحقيقة؟ ولكن الاقتراب من السلطة أو نقدها له حدود حتى لو كانت هذه السلطة مستنيرة على طريقة كاترين الثانية. فللتسامح مع المثقفين سقف معين لا ينبغي تجاوزه.. والواقع ان هذا الفيلسوف انتحر عام 1802 بعد ان وصل تناقضه مع المجتمع الى ذروته. لقد عبر هذا التيار عن نزعة انسانية حقيقية وعن حسن أخلاقي صارم. وبلغ ذروته في القرن التاسع عشر على يد تولستوي الذي تخلى عن لقبه وثروته في أواخر أيامه وحرر اقنانه وعبيده الذين يشتغلون في ارضه. ويقال بأنه وزع ثروته او قسما منها على الفقراء. وكان يحمل على صدره ميدالية منقوشة عليها صورة الفيلسوف جان جاك روسو..
|
د. معجب الزهراني
توطئة: "خلال العقد الاخير من زمننا الثقافي العربي شاع استعمال كلمة "التنوير" في عديد من السجالات حول بعض الكتابات الادبية والمعرفية والايديولوجية, ونتيجة لاستعمال هذه الكلمة دونما تحديد او نقد تنزع الكتابات الى الخلط بين الابعاد الخرافية الميتافيزيقية والمعرفية الفكرية والايديولوجية الأخلاقية لذات الكلمة ـ المفهوم. هنا محاولة لبيان هذا الخلط او التداخل نأمل ان تساهم في اضاءة هذه الجانب المعتم وصولا الى تحديد اكثر صرامة للمفهوم اعلاه, وربما الى تجاوزه والعدول عنه الى ماهو ألصق وأليق بلحظتنا المعرفية الراهنة. فاذا كان الفكر كله هو "ابداع متصل للمفاهيم", كما يقول جيل ديلوز, فان من دلالات غياب التفكير المعمق والخلاق التعامل مع المفاهيم "القديمة" وكأنها صالحة للاستعمال في كل زمان ومكان فيما هي غير ذلك كما يحاول شرحه وبيانه هذا المقال". المفهوم في موضعه وسياقه: "1 ـ 3": "التنوير" او "الأنوار" ككلمة او كمفهوم ليس مرادفا لـ "الفكر" أو "الفلسفة" فماهو اذا . انه تسمية استعارية شاعت, مثلها مثل تسميات اخرى, في فكر محدد بحدود عصر او حقبة من التاريخ الاوروبي الغربي الحديث ورغم أن قبولها كمفهوم اعلاها الى مرتبة "المصطلح" الا أن مراجعتها في هذا السياق تكشف عن عدم دقتها وعدم مطابقتها للفكر موضوع البحث كما يعاين ويراجع اليوم, اي من منظور الانجاز الفكري المعاصر. ففي قاموس "لاروس" (Larrousse) ترد الكلمة ـ التسمية بالجمع "الأنوار" (Lumieres) لتدل على "حركة فلسفية انتشرت في اوروبا في القرن السابع عشر وهيمنت على الفكر( (La penses الاوروبي في الثامن عشر اما في قاموس "روبير Robert " فلا تحتل هذه الدلالة الاصطلاحية سوى حيز صغير جدا لأن اهتمام محرر المادة يتجه الى حزمة متنوعة "ومختلفة" من المعاني والتوظيفات الحقيقية والمجازية لهذه الكلمة, ولا نجد هنا ولا في القاموس السابق اي اشارة الى شيء اسمه "ادب التنوير" أو "شعر التنوير" او "فن التنوير" كذلك في المعجم الانجليزي (Webster,s) يبدأ التعريف للتنوير (En lightenment) بالتمييز بين فعل التنوير act of en lightening وحالة التنور (To be enlightened) لنصل الى مادة شبيهة بما وجدناه في القواميس الفرنسية مع الاختلافات في التركيز على بعض الاحداث وبعض الاسماء وبعض الكتابات اذ من الطبيعي ان يركز كل "قاموس" على "مرجعيته التنويرية" الخاصة بمحرريه ومتداوليه "الاصليين". أما في "الموسوعة البريطانية" فيعرف التنوير كحركة من الأفكار والاعتقادات التي "نادى بها المثقفون الاوروبيون في القرنين 17/18 وفي كل مراحله واتجاهاته هاجم التنوير طرق الحياة المستقرة في اوروبا وفي يقينه ان العقل يمكن ان يكتشف المعارف المفيدة ويحقق طموح الانسان الى السعادة عن طريق الحرية, بعد هذا التعريف العام تتحدث الموسوعة عن جذور "التنوير" الممتدة الى الفكر اليوناني, ثم عن "ملامح فكر التنويري فيما يتعلق بالفكر الاجتماعي والفكر السياسي والنظرية الاقتصادية بل وفي فيزياء "بيكون وابشمولوجية "لوك" واخيرا يشار الى "نهاية عصر التنوير" المفتوحة على هيجل وداون وماركس! وهنا لا نعثر على شيء في هذه المادة الدقيقة المنظمة عن الأدب والفن ولهذا الغياب ايضا دلالته كما سنرى لاحقا. اما في الموسوعة الفرنسية Encyolpedia Universalis فتبدأ المادة تحت عنوان/تسمية "الأنوار" بالاشارة الى "الاختلافات" في المعاني والسياقات فالأمر يتعلق بفكر "محافظ" في بريطانيا وبفكر علماني "معاد للكنيسة" في فرنسا, وبفكر "مشبع بالروح الديني" في المانيا, وبفكر طهراني ـ بيوريتاني في الولايات المتحدة, وبفكر لا حضور له في ايطاليا, ويمكننا ان نضيف اليها العديد من الدول الاورربية الأخرى. بعد هذه الاشارة الدالة على اختلافية ومحدودية المفهوم في الفكر الغربي ذاته يعلن محرر المادة (Yvon BELAVAL) انه سيركز على "التنوير" أو "الأنوار" من وجهة النظر الفرنسية تحديدا, لن نتتبع التفصيلات في هذه المادة رغم انها اقل غزارة واقل صرامة منهجية وفكرية مما نجده في الموسوعة البريطانية, لكننا سنركز على ثلاث اشارات تهمنا اكثر من غيرها في هذا المقام, الأولى تتعلق بفقرة تتحدث عن "الاسلوب" التنويري ومرجعيتها كما تقول الموسوعة أن بعض فلاسفة التنوير "الفرنسيين" كان "يترجم افكاره لا في رسائل (فلسفية) او حوارات فحسب لكن ايضا في قصائد وروايات ومسرحيات.. (وفي) اسلوب يتسم بالوضوح المنطقي وحيوية الحوار ورهافة الذهن (esprit) ويستشهد على هذا الاسلوب بكتابات فولتير ومنتسكيو وديدرو وجان جاك روسو تحديدا. الاشارة الثانية تتعلق بكون "الأنوار" "لم تصنع الثورة الفرنسية وان ساعدت على نضج خطابها" اما الاشارة الثالثة فتتجه الى "الراهن" حيث ان فكرة الوثوق في التقدم العلمي وفي مبادئ "المساواة" و"الحرية" كانت وما تزال تجعل "فكر الأنوار" هو "الاكثر عالمية على مستوى الكرة الارضية". هنا نلاحظ ان استحضار "الأدبي" في سياق الحديث عن "الأنوار" هو امر ثانوي جدا فالحديث عن "الاسلوب" هنا يبدو كالضرورة من هذا المنظور "الفرنسي" الخاص لأن بعض "مفكري الأنوار" وظفوه في كتاباتهم الفلسفية والاجتماعية والايديولوجية اما رغبة في تحقيق الفعالية التداولية القصوى للخطاب واما تهربا من وطأة الكاثوليكية الكنسية والاقطاع الملكي الكاثوليكي هو الآخر, بعد هذا لا اظن احدا اليوم يعتبر اولئك "المفكرين" بين كبار الشعراء والروائيين الفرنسيين او الاوروبيين وذلك تحديدا لأن كتاباتهم الأدبية هذه انما كانت موجهة نحو غرض آخر غير الابداع الادبي الجمالي, تماما مثلما ان كتاباتهم الفلسفية قد لا تسمح لمؤرخ الفكر بوضعهم في مرتبة ديكارت او كانط او هيجل او هوسيرل لأنها "ادبية", اي لا تخضع لنفس الصرامة المنهجية ولا نجد فيها ذات العمق التأملي أو التحليلي. أما فيما يتعلق بعلاقة "الأنوار" بالثورة فمن الواضح انها ثانوية بمعنى ما وبالتالي فان فكر الأنوار يفقد هنا بعض بريقه الشعاري الايديولوجي عند من يعتقد ان التحولات الكبيرة في التاريخ من صنع المفكرين والادباء!. هذا البدع الدلالي "السلبي" هو ما نجده في "الموسوعة الفلسفية" التي أنجزها نخبة من الباحثين "السوفييت" ومن منظور ايديولوجي رسمي كما نعلم جميعا اليوم, حيث نقرأ ان الأنوار "حركة فكرية برجوازية مثالية ساعدت على التغلب على نفوذ الايديولوجية الكنسية والاقطاعية, ثم على مناهج التفكير المدرسية "السكولائية".. ولم يعد التنوير في الوقت الحاضر اتجاها مؤثرا في التفكير الاجتماعي, الا ان آراءه لا تزال سارية المفعول بين المثقفين غير الماركسيين", كما تقول الموسوعة. أما عن "عالمية" فكر الأنوار من المنظور اعلاه فلا شك انها ليست من المسلمات المقبولة حتى داخل اطار الفكر الاوروبي وهذا مما يفترض ألا يغيب عن ذهن محرر المادة. وقد اشار منذ البداية الى "الاختلافات" الكثيرة, والعميقة ربما, بين المرجعيات والسياقات والدلالات والوظائف الخاصة بكل دولة او ثقافة أوروبية, كما اشار الى أن مقاربة للأنوار محدودة بوجهة النظر الفرنسية. وفي كل الأحوال فاننا سنلاحظ لاحقا كيف ان مفكرا فرنسيا جادا ومجددا مثل ميشيل فوكو سيخلخل ويعمل على نفي هذه المقولات والدلالات "الاصطلاحية" بل وسيحذر منها لأن "الأنوار" بهذا المعنى قد لا تكون موجودة أصلا . الذي يهمنا الآن هو أن الكلمة ـ التسمية اعلاه تحولت الى مفهوم منتج للمعرفة والفكر في سياق محدد هو سياق الفكر الغربي الحديث, هذا لأنها تحيل إلى جملة من الظواهر والأحداث والعلاقات التي شهدها القرنان السابع عشر والثامن عشر, وان بصيغ وتجليات مختلفة, فمقولات "الانسان" و"العقل" و"العلم" و"الحرية" و"المساواة" و"التسامح" و"المؤاخاة".. وغيرها من المقولات "التنويرية" بالمعنى الاصطلاحي اعلاه, كانت تتحول من المستوى الذهني ـ الفلسفي الخاص بـ "النخبة العارفة" "المثقفة" الى المستويات الأكثر واقعية وفعالية و"شعبية" ذلك ان هذه الافكاروالمبادئ كانت تتفاعل مع قناعات ومطالب وحاجات لدى فئات أخرى من المجتمع تعمل بطريقتها الخاصة على اقناع او اجبار سلطة المؤسسة الرسمية أو "النخبة السياسية الحاكمة" لتعترف لها بحقوقها فتتحول الفكرة او المبدأ الى سلسلة من النظم والتشريعات والقوانين التي تعيد تنظيم العلاقات بين الفرد والآخر, وبين الفرد والمجتمع وبين المجتمع المدني والمجتمع السياسي وهكذا, هذا تحديدا ما يجعل مفهوم "التنوير" او "الأنوار" وجيها وفاعلا في سياقه الفكري والاجتماعي الخاص هذا وان كان اصبح يحيل اليوم الى "تراث" تم انجازه في الماضي ويعاين من منظور الراهن على هذا الاساس اولا وبعد كل شيء مما يشي الى ان "قطيعة" ما قد تحققت في هذا السياق الفكري ـ التاريخي ـ الحضاري نفسه. اما ان تحولنا من منظور تاريخ الفكر الى "تاريخ الأدب" فالمؤكد ان لغياب شيء اسمه "ادب التنوير" او "شعر التنوير" او "فن التنوير" من هذا السياق, في عمومه, يتضمن دلالات يجب ألا تغيب لا عن المبدع ولا عن الناقد, فعمليات التجديد والتحديث والتحول في المجالات الادبية ـ الفنية ـ الجمالية كانت تتحقق في مجالها الخاص وتتسمى بتسمياتها الخاصة وتبحث بأدواتها الخاصة الملائمة والمطابقة لموضوعها, من هذا المنظور تحديدا نفهم جيدا دلالات مفاهيم كـ "الكلاسيكية الجديدة" و"الرومانسية" و"الحداثة" لا في تعالقها مع مفهوم "التنوير" وإنما في تمايزها واختلافها عنه, ذلك ان "القطيعة" في مجال السيرورة الادبية ـ الجمالية ربما كانت اقوى واوضح منها في المجالات الأخرى, وفي كل الأحوال, فهي ذات دلالة مختلفة لأنها منبثقة عن نوع خاص من الابستمي, او البرادايم, الذي يكمن في مجال الحس والحدس والشعور بالذات والزمن والعالم أكثر مما يكمن في مجال العقل والعلم والمعرفة المنظمة والمنتظمة. بدون مثل هذا الافتراض لا نستطيع ان نتفهم جيدا ذلك الهوس بالحرية والتجديد والتجريب المتصل الذي دشنه الرومانسيون ضد مقولات "الكلاسيكية" تحديدا, ثم مضى به الحداثيون الى افق متجدد باستمرار, ذلك لأن التجديد هنا لا يخضع تماما لشروط الفكر الفلسفي او الاجتماعي او السياسي وان تفاعل معها سلبا او ايجابيا لانبثاقه عن نفس الدينامية الحضارية العامة. كما اننا لن نتفهم جيدا ظاهرة أخرى تؤكد الاختلاف والتمايز بين الفنون وتلك الأفكار ونجدها تحديدا ماثلة في كتابات من بحث في "فلسفة الفنون", وعلم الجمال, ومن الفلاسفة التنويريين أنفسهم مثل كانط وهيجل!.. ففي هذا المجال الخاص كان هؤلاء الفلاسفة يستبعدون مقولات الفكر الفلسفي الصارم, التنويري وغيره, ليبتدعوا من المقولات والمفاهيم والاصطلاحات ما يتلاءم مع طبيعة الفن ووظيفته واشكاله الخاصة, فالفن عند كانط نوع من "اللعب الحر الممتع", الذي لا دخل للمعرفة المنطقية فيه الا في مرحلة امتلاك الأدوات. أما الانجاز الجمالي المتميز فهو عنده من نتاج "العبقرية" التي لا تحدد ولا تقاس الا بأثرها, ولعل الحاجة الشديدة في بداية كتابه الشهير "الحكم الجمالي" على ضرورة التمييز الدقيق بين مفاهيم الجميل والخي ر والنافع والجليل.. تؤكد على ان الفكر النقدي الصارم لابد ان يعي ويولد الوعي بالتمايز بين المفاهيم والمجالات المعرفية, والفنية والأخلاقية, اما هيجل فيعتبر الفن هو التجلي ويلح على أن اسمى اشكاله ما نزع نحو التجريد البعيد عن اي دلالة مسبقة كالموسيقى والشعر الغنائي. بل إن توقعاته الشهيرة "بموت الفن" انما تأسست في جزء منها على وعيه بخطورة الهيمنة المضطردة للمعرفة العقلية والوعي العلمي وللتقنية التي تنزع باضطراد الى التحكم في مصير الانسان والعلم. واذا كان كوليردج قد بذل جهدا مميزا لتحديد مفهوم "الخيال الثانوي" الخاص بالمبدع والذي عنه يتولد الابداع فما ذلك الا احتفالا باحدى المقولات المركزية في الشعرية الرومانسية وهي تنفي نظريا وابداعيا الشعرية الكلاسيكية المقيدة بمقولات "العقل" وما نتج عنها من قوانين ومعايير مقي دة ومثبطة للعملية الابداعية الحرة والمحررة. وفي فترة لاحقة سيحاول كروتشه, من نفس المنطلقات السابقة, التمييز الصارم بين "المعرفة المنطقية الموضوعية" الناتجة عن العقل والمعتمدة على المفهوم والمصطلح والتي غايتها اكتشاف القوانين ومجالها "العلم" و"المعرفة الحدسية ـ الحسية" التي تنتج عن الخيال وأدواتها الصورة وغايتها التعبير والتأثير ومجالها "الفن" وكأنه يعطي الصياغة الأخيرة لأفكار باومجارتن وكانط وكولبردج بهذا الصدد. وفي كل الأحوال فان مفهوم التنوير والفكر المرتبط به لا يغي ب هنا الا لأن مفاهيم وأفكارا أخرى انسب منه واقرب الى الفن القولي وغيره, تحضر وتشتغل وجلها من انتاج الأدباء والنقاد أنفسهم, أكثر من ذلك فان هذا المفهوم لم يعد اليوم له نفس القيمة الاجرائية والنظرية حتى في مجال الفكر, مما يعني ان حضوره في القواميس والموسوعات لا يعني بالضرورة الاتفاق على وجاهته من منظور "الفكر النقدي" الحديث والمعاصر.
|
استحضار الوجود الواعي للأنا
محمد العباس
كل نص روائي يتضمن بالضرورة وجهتين نقديتين, الاولى فكرية, تستدعي فاعلية الأفكار, فتلاحظ المنظومة الاجتماعية وفق اعتقادات ثقافية وسياسية واقتصادية وسلوكية, ولكن لا تتحول إلى رواية فكرية, انما تستحضر الوجود الواعي للأنا ازاء التاريخ, والثانية مؤسسة على نزعة فنية تقارب شكل الرواية كمنتج ابداعي في آخر طرازاته التعبيرية, لتنزاح إلى مقترح يميزها موضوعيا وفنيا , ولتؤسس ـ فنيا ـ لتاريخ يحاذي التاريخ الإنساني, أو يستبطنه, وليعبر بالجهد الروائي عموما من حد النزوة العابرة إلى أفق الضرورة أو الحاجة التاريخية. وبقدر ما تتكئ الرواية على رؤية أو ملاحظة ذهنية للحياة, ناهضة بسؤال معرفي منبثق من الذات أو ربما الجماعة, تكون مسئولة بالمقابل عن انتاج شكل فني جديد, تنتج في النهاية ما يمكن اعتباره نسقا فلسفيا للجماعة أو الفئة المنتجة لها, هو مزيج من الشكل والرؤية, ويتناغم فيها بشكل بنيوي فكرة كتابتها, ومنسوب كفاءتها التعبيري مقابل مبرر مقروئيتها, فهي فعل ابداعي يستمد مقوماته من حركية الخروج على محدودية الذات, وينمو ـ كوقائع ولغة ـ في ظل التجربة الإنسانية المعاشة, لا على هامش المتوهم. هذا النسق المفهومي ـ الذوقي, المؤكد على البعد الكوني للرواية, من حيث صلة الذات بالمجرد والدرامي من التصويرات والتمثلات الذهنية والجمالية, هو ما يتشكل الآن سؤالا معرفيا ـ فنيا بامتياز في المنتج الروائي المحلي, الآخذ في التمدد بشكل أفقي منذ منتصف التسعينات, وكما يتمثل في المقترح الفني عند جملة من الاصوات الروائية التي تجهد للاقتراب بالرواية من حركية الواقع, من خلال اعادة تأوين الذات أو مخاطبة الآخر بكل أشكال حضوره, وبتحديد أدق توهم وعي الذات, وفهم الآخر. وكل ذلك يأتي تأسيسا على المفترق الذي بدأت فيه مركبات وعناصر الحياة الريفية والقروية في الاندثار لصالح الحياة المدينية, واستكمال ملامح ظهور الطبقة الوسطى, فهذا هو أحد الحواضن الهامة لتولد المناخ الروائي, كنظرية الأصل أو دافع الكتابة الروائية, فلا انفصال بين مادة الرواية القائمة على كثافة الحضور الرمزي للذات وبين الواقع في تحولاته, فانكشاف الذات هنا, يكاد يكون الشرط أو المبرر الأول للنوعية الروائية, على اعتبار أن الرواية تقرير تفسر به الذات وفيه أفعالها وشكل حضورها. بتلك النظرة الناقدة التي تمدنا بها الرواية, يفترض في الجهد الروائي كتابة تستدعي مقروئية متجاوزة, تتعدى ما يمكن أو يراد قوله روائيا , إلى الكيفية التي يمكن أن تقال بها الأشياء, فالرواية المحلية على اختلاف أدائياتها وأغراضها, التي تندفع بكثافة إلى واجهة المشهد الثقافي فيما يشبه الولادة الجديدة, المنقطعة عن طرازاتها الأقدم, والمرتبطة بشكل استنساخي أحيانا بمرجعيات الرواية العربية, لها من الدلالة ما يستوجب تأمل النسق الذي تؤسسه, أو تتعاطى جاهزياته, إذ يراوح الأحداث منها ما بين الحكائي الرافل بالروح التسجيلية واعادة انتاج الواقع, وبين الفانتازي القائم على التطرف اللغوي وتوظيف اليومي كمجاز روائي. وكل تلك المحاولات التي تبدو متمادية في بعض الأحيان, تشير إلى ذوات تريد أن تنطق لتكتب تاريخها الشخصي أو الجمعي, لتأكيد امتلاكها أداة التعبير عن وجودها, بمعنى أن "الأنا" صارت معنية باستحضار وجودها الواعي ازاء التاريخ, وهو الشكل الأولي للنسق المتولد من حاثات اللحظة الذي أنتج ـ مثلا ـ رواية الحرب لبنانيا, ورواية المخيم فلسطينيا , فهذه كتابة تتعلق بكائنات آخذة في التشيؤ عبر اللغة ضمن حواضن مادية ومعنوية, وبالتالي فهي ـ ضمن المنجز ـ ليست مستقلة ذاتيا وموضوعيا ما دامت تؤسس لتاريخ روائي, ولو في حده الأدنى, يعبر عن تاريخ الوقائع والشخوص أو يحاذيه, على اعتبار أن الرواية فعل ابداعي يستبطن الزمن أو يسير بموازاته. أما من الوجهة الفنية, أو كدلالة تعبيرية, فالأهمية تكمن في كونها كتابة صادرة عن فئة بشرية ذاهبة في الانزياح عن التكثيف والمجاز (الشعر), وعن الشفاهية (الحكاية الشعبية) إلى التفاصيل والسرد للتعبير عن شكل أو أزمة الوجود بالرواية, التي تزعم كونها أداة اللحظة التعبيرية, وأن بامكانها أن تقول ما لا تقوله الأجناس الأخرى, الأمر الذي يؤكد على احساس الذات بالعلاقة التبادلية بين الحاضن التاريخي والشكل التعبيري (السرد) أو الاقرار بالتماثل البنياني بين النص والواقع. والتأمل الحفري هنا لا يعني البحث عن نظرية للرواية المحلية, ولا تأطيرها بسحنة اجتماعية مصطنعة لتأكيد أوليات النسق ولو في حده التصوري, انما الوقوف على التنوع الأدائي لملاحظة اللحظة والكيفية التي يتحول فيها الحياتي بكل وجوهه الاقتصادية والاجتماعية والفكرية إلى أدبي, فهذا هو تماما ما يحدث الآن روائيا , بصيغ تعبيرية لا تختلف كثيرا عن بعضها, لا من حيث النظرة إلى العالم ولا على مستوى الأدوات والموضوعات والتقنية, بل تتقارب بتجانس رؤيوي وأدائي حد التطابق أحيانا , ولكن ليس إلى درجة وضع كامل المنتج الروائي في سلة واحدة, أو استهدافه بذات الرؤية التحليلية. وعلى هذا يمكن القول أن كل نص روائي نستقبله ليس مجرد مكان لاختبار وعي منتجه, فهو أيضا صورة أمينة لواقع ومطامح الذات المبدعة, بكل ما تحمله من مضامين ومقاصد فنية, كما هو فرصة لتفعيل "الأنا" وهو ما يشير في الغالب ضمن المنجز الروائي المحلي إلى رغبة في التمثل عبر نص لا يبتعد بأي مسافة ولو تصورية عن الذات المنتجة له, بمعنى أن الروائي هنا, ان هو الا مثقف يعبر عن هموم وتطلعات فئة أو شريحة اجتماعية (الطبقة الوسطى) باعتباره نتاجا اجتماعيا أو اختراعا نفسيا لها, يتولد عن "أنا" شديدة الوعي بواقعها, وبالتالي فإن تعاظم المنجز الروائي نتيجة طبيعية وليس مجرد طفرة دون مبرر, حتى وان قامت على فكرة الفرد كنظرية لأصل الرواية معززة بنظرية مساندة تراها خطابا مفتوحا من خطابات العصر الحديث.
|
التشكيلية شريفة السديري.. ومن خلال معرضها "أبها 2000" اللون الرمادي وقصة فتح الرياض والتراث العسيري يزدانون بلوحاتها
أبها ـ علي عوضة الأسمري تصوير ـ طراد الأسمري
لا يزال الفن التشكيلي هو اللغة البسيطة والحية والواقعية التي تنقل ما وراء الذات إلى حقائق ووقائع تمتزج بالريشة وتنطق باللون الحي والواقعي, وكما هو معروف ان الإنسان بطبعه يحتاج إلى التعرف على كل ما يدور حوله مع وجود التفاوت بين إنسان وآخر والفنان التشكيلي "بالذات" يحتاج إلى الاطلاع وبشكل مكثف لأن تنمية الخلفية الثقافية هي من أهم مقومات نجاحه في مسيرته الفنية والفنانة شريفة السديري قد ظهرت موهبتها مبكرا فمنذ سن الطفولة تعاملت مع قلم الرصاص كأي طفل بريء صادق التعبير ثم تعاملت مع الألوان الخشبية وقد واصلت دراستها حتى حصلت على الثانوية العامة ولم تتوقف عند هذا الحد بل استمرت في تحصيلها في المجال التشكيلي حيث تلقت العديد من الدورات التخصصية في كيفية التعامل مع الألوان الزيتية وأخرى مع المائية ومع خامة الفحم والخامات الأخرى وعلاوة على دورة في السراميك وقد كانت أول مشاركاتها في معرض الفنانات السعوديات المتجول في مدينة جدة والرياض والباحة وأبها, وقد شاركت في أكثر من خمسة وستين معرضا جماعيا داخل وخارج المملكة وشاركت في معرض المملكة بين الأمس واليوم في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1410هـ وشاركت في معرض يوم المرأة العالمي الذي نظمته اليونسيف بباريس عام 1996م كذلك مهرجان الجنادرية لعام 1420هـ بمناسبة الذكرى المئوية لتأسيس المملكة. وقد عرضت عشرين عملا بمكتبة الملك عبدالعزيز عام 1999م وعرضت مجموعة من الأعمال عن فتح الرياض بمركز الأمير سلمان الاجتماعي واقامت معرضا شخصيا تحت عنوان "رؤية فنانة سعودية". ونتيجة للجهد الكبير في البحث والتجريب والتطور المستمر حصلت على المركز الخامس والميدالية الفضية بين 284 فنانا وفنانة من أكثر من 100 دولة في بينالي فلورنسا بايطاليا عام 1997م, وحصلت على العديد من شهادات التقدير في أكثر من مناسبة وهي الآن تقيم معرضها الشخصي الثاني في أبها البهية تحت عنوان (أبها 2000) والذي افتتحه صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة عسير. وقد اشاد سموه بما رآه من ابداع وتطور ورقي للعنصر النسائي في هذا المجال ومدى ارتفاع الذوق النسائي الراقي الأصيل وتمنى سموه لها مزيدا من الابداع.. وقد اشتمل معرضها الثاني على (42) عملا فنيا منها (22) عملا يحكي قصة فتح الرياض على يد المؤسس الملك عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ وقد حرصت الفنانة على إبراز البطولات والانتصارات وشجاعة العربي الأصيل وقد استخدمت في هذه الأعمال الزيتي وسمت إحدى هذه اللوحات التشكيلية (بطل الصحراء) امتدادا للانتصارات وشجاعة العربي البدوي الأصيل. وكان من ضمن أعمال الفنانة (11) عملا يحكي عن التراث العسيري في منطقة عسير وعما يتصف به من الكرم والأوصاف التي تميزه في مظهره وقد استخدمت اكريليك وزيتي ويتضح في لوحاتها هذه عن التراث العسيري انها ترسم الرجل بأوصافه ولبسه والمرأة بأوصفها وطريقتها في اللبس التي تشتهر به المرأة العسيرية واحدى صورها سميت "بنت أبها" والتي استخدمت فيها زيتي وجواش, ايضا كان للعمل التعبيري والسريالي مشاركة في المعرض فقد شاركت بثلاثة أعمال وشاركت بعملين زيتية وستة أعمال تصميم كراميك ومن اعمالها السرايالية (الخنساء) كرمز لأمهات الأبطال ومدى حب الانتصار في المعارك وكذلك احد اعمالها اسمته (شيماء العرب) امتدادا للأصل العربي ذي المعدن الأصيل الذي لا يتغير مع مرور الزمن.. وقد تميزت الفنانة شريفة بأسلوب جديد على الساحة بالرغم من انه قديم يعود إلى (400) سنة تميز به الهولنديون وهو استعمال اللون الرمادي بكافة طبقاته في اظهار تفاصيل اللوحة وهذا يدل على مدى ما وصلت إليه الفنانة من تطور فني وذوق متميز يضفي النجاح في عالم الفن التشكيلي . وقد تحدث عن المعرض الفنان التشكيلي سعد العبيد بأن هذه الأرض الطاهرة تفرز لنا بين فترة وأخرى وجوها جديدة تتسلح بسلاح المعرفة حيث استفاد الفنان والفنانة "الشباب" من التقنيات الحديثة واستمرارها في تقديم تجارب جديدة والفنانة شريفة السديري هي أحد تلك الأمثلة الحية التي تمارس التجديد والبحث باستمرار دون ملل منحها موقفا بارزا في قائمة التشكيل المحلي فقد حققت انجازات ومراكز متقدمة محليا وخليجيا وهذا بحد ذاته انجاز كبير يدعو للفخر, ويضاف للانجازات السعودية السابقة حيث يحتل الابداع السعودي مواقع بارزة في متاحف عالمية ونتيجة للجهد الكبير الذي بذلته وتبذله الفنانة شريفة في التحصيل المعرفي من مصادرها المختلفة فقد انعكست اثاره على عطائها الابداعي, وها هي تطرح بين يدي المتلقي خلاصة تجاربها جاعلة الحس الوطني نصب عينيها والمتمثل في ترجمتها للانطلاقة الاولى لتأسيس المملكة على يد الملك عبدالعزيز ـ طيب الله ثراه ـ.. واتمنى لها دوام التوفيق في مشوارها الفني الطويل..
|
رسالة إلى صديق: الشاعر في قائمة المرتدين
خالد المعالي
الصديق العزيز.. لقد سافرت كثيرا في الفترة الأخيرة, بل قل: سفرت من قبل أوهام الحياة الزائلة, انشغلت بالقراءة وهي, أنت اعرف بهذا الأمر عمل اجباري, اذ علي قراءة جميع المخطوطات سواء الصالحة منها أو الطالحة, علي ان اقوم بالترجمة بترجمة عشرات القصائد المختلفة التي يمنحك القليل منها ارتياحا وحيث تكتشف عوالم اخرى لهذا الشاعر أو لتلك الشاعرة, وحيث تكتشف خطلك الشخصي في التقييم. وتبدو لك عملية الترجمة وكأنها امتحان تستطيع بواسطة رؤية القصيدة الحقيقية, وربما يمكنك ان تقول: اذا اردت ان تكتشف أهمية الشاعر, ترجمه! وقليلة بل نادرة جدا تلك القصائد الجيدة التي لا تعطي نفسها أثناء الترجمة!. كل هذا الجهد المبذول, من اجل ماذا؟ صدقني, حتى انا نفسي اتساءل: لماذا؟ ماذا رأيت من افضال هذا العذاب اليومي من هذا الزهد الدائم. بل من هذا الضياع الذي وجدته في تلك السنوات الخوالي ضبابا خريفيا رائعا لم نشاهده إلا في الافلام الأوروبية. لقد جئت الى هنا قبل أكثر من عشرين عاما, وقد كان الفصل هو الخريف, حيث رأيت تساقط الأوراق وشاهدت حمرة الغسق وتلك العتمات التي يضيع المرء فيها, ان كان ساعيا وراء حلم من ضباب ولم تره الحياة لسعاتها الحقيقية بعد.. وحيث تولت لدي القناعة بأني اعتبر المدينة التي لا اعاني فيها من الجوع هي مدينة غير مرئية. لقد أمضيت كل هذا الوقت وأنا اتدمر أو اتذمر, وكل حياتي أو ذكرياتي مركونة كخرج في الزاوية. حتى هذه القصائد التي اكتبها لم تعد تمنحني تلك النشوة, ذلك الارتقاء الا لماما حينما تحفر القصيدة عميقا, حينما استعيد تلك المشاعد وادعمها مع عالم آخر, لكي اعتقد بأني رأيت شيئا مفيدا أو مقنعا على الاقل بالنسبة لي وهذه الدورة من الحفر تطول كثيرا لكي اصل في ختامها الى التلاشي والشك بل يجتاحني شعور هائل بالانمساح التام, اليأس يخيم حقا.. عندها كم أشعر بنفسي صغيرا, بل صفرا... لكني سرعان ما اعتاد لحظات اليأس القاتلة هذه حتى تعدوا هي نفسها الشائعة والمهيمنة, حينها اعود تدريجيا الى القرمزات.. واذا بذلك الحس بالنشوة بالارتقاء... بتلك المفاجأة البطيئة.. حيث اجد ذلك اليأس الكبير, ذلك الاحتراق, تلك الارواح الشريدة, الذئاب والصحراء القاحلة.. باختصار اجد حالات يأس كبيرة وقد صورت بالكامل وهنا اشعر بالفرح, بالانتشاء من جديد.. اذا فقد كانت للشعر مهمة ألا هي تسجيل تلك اللحظات الغامضة التي يختلط فيها الواقع الحالي ـ القديم مع المتخيل.. لكن هذا الانتشاء أو الفرح أو الغرور ربما لا يدوم.. ذلك ان اعراض الحمل الشعري دائمة وانا, كما قلت لك راحل أبدي ـ هل انا حقا راحل أبدي ـ لكن حقا, ليس هذا ما اردت ان اكتبه لك كان بودي ان اكتب لك ذكريات قد تباعدت بها الاوقات احلاما اردت ان اسردها لك, أو أوهاما وأمنيات ـ ما أكثرها ـ لكني وارجو ان تصدقني, لم افتح دفتر المذكرات منذ اشهر, ربما منذ بداية هذا العام, اذ كنت انوح من كتاب الى آخر, من شقلبة في الحياة الى أخرى, كل يوم وأنا افتح هذه الرسائل السائلة, الرسائل القادمة من القريب ومن البعيد, من الصديق ومن العدو, كيف لي ان اطعم هؤلاء؟ بل كيف لي ان اطعم نفسي! الداء العياء اصاب اغنام الأخت.. ابنة العم مريضة ولا تستطيع النوم في الليل.. الدواء الذي يحتاجه الخال.. الشاعر الصديق الذي يبحث عن قطرة للعين.. وذلك الكاتب الذي يرسل شكر وبركات اطفاله... وأنا... أنا لا أعرف اين اجد الحل! فالجوع والفقر جيشان جباران, وهؤلاء العراة الذين غرر الزمن بهم قل لي بالله عليك: ماذا افعل من اجلهم؟ اني بالكاد اعيش والزمن تغير كثيرا وأنا هرمت قليلا... حاولت هنا وهناك ولكن الابواب التي كانت تفتح لي سابقا, لم تعد كذلك اليوم, بل ولا يوجد حتى من يرد علي , وهذه الورقة الخضراء التي صارت ديدن كل عراقي هناك, كيف اجدها لهذه الايدي الممدودة! من زنا؟ راعي اغنام أم ذئب تائه! جمال بلا جمال في هذه البلاد البعيدة, صياد سمك أم بائع كباب في طرق السوق!. في الأيام الخوالي هنا, كنت استيقظ مرتاحا من النوم, اكتب واقرأ واتمشى, ألهو واثرثر طويلا... ثم انني كنت احلم حقا... واجد المتعة!! لكني الآن.. اتألم فقط, صحيح انني احلم لكني اتألم أكثر! حياتي اضحت ربعا... نتفا في الهواء.. وكثر ما استغرب من هؤلاء الذين يمدحون اعمالي, انجازاتي واحوالي.. ماذا انجزت بعد كل هذه الاعوام... ماذا انجزت لنفسي وأنا لا استطيع مد يدي بالورقة الخضراء الى تلك الاخت التي راح "الداء العياء" بأغنامها وبقيت تصفر الريح بعباءتها قرب بيتها الشعر, ذي العمودين المنصوب في الصحراء... لكن.. حتى اليأس, لنأخذه في الاعتبار كيأس مقصود أو كجزء من العملية الابداعية.. ولكن لو كان الأمر هكذا لما ازعجتك ايها الصديق, فها هي الاخبار تصفعني من جديد.. حيث نشرت جريدة اسمها "الزوراء" قائمة بأسماء الكتاب والصحفيين المقيمين خارج العراق, وهي كما تقول الاخبار جريدة اسبوعية تصدر عن "نقابة الصحفيين العراقيين" والتي يشرف عليها صحفي اسمه عدي صدام حسين, وهذه كما تعرف ليست القائمة الأولى, اذ انها طبعة منقحة عن قوائم اخرى, وقد قسم هؤلاء الى ثلاثة انواع الأول: المرتدون, وقد كان نصيبي مثلما في الطبعة السابقة, هو شمولي بهذه المكرمة من لدن ابن الرئيس نفسه, مكرمة الارتداد! ثم شملت القائمة الثانية من اسمتهم: الوسط والثالثة حوت اسماء الذين لا حول لهم ولا قوة, كما تريد ان توهمنا تلك الصحيفة التي اسمها "الزوراء"! ما ازعجني في هذه القائمة لا ورود اسمي "حيثما كان" انما شيئان: الشيء الأول, هو انهمام هؤلاء الاشخاص وهذه الدولة العتيدة المستمر بتوزيع انواط الوطنية والخيانة رغم كل الكوارث! فأنت تعرف بأني امضيت أكثر من نصف عمري هنا في أوروبا, لم احظ بشرف عضوية هذه النقابة الصحفية التي وضعتني على قائمة المرتدين, ولا بشرف عضوية اتحاد الكتاب العراقيين أو اتحاد الأدباء سابقا ولا يهمني ان اكون كذلك! ايضا لم اتدخل بشؤونهم ذلك ان ما يهمني كان وما زال: الادب بشكل عام! ولم اهتم بالرطانة اصلا. كما ان هذه القوائم تبدو للوهلة الأولى وكأنها تحمل اشارات انتقامية من اولئك المداحين, حاملي البخور للدولة العتيدة, لهذا وضعت معظمهم في القائمة الأولى, لكنها قائمة مسمومة أو بالأحرى ملغومة, انها نوع من الضحك على الذقون, تحت حجة عدم المعرفة أو من أجل تلميع وجه ذاك أو تلك من حاملي صولجان الرطانة الصدامية في الخارج! فالجثة ما زالت تثير برائحتها شهية بنات أوىي والضباع!. لكن.. هل هذا حقا ما أردت ان أكتبه لك اليوم؟ قبل أيام كنت أقرأ مخطوطة غير منشورة لمستشرق ياباني يسرد فيها انطباعاته عن العالم العربي حيث يقول مقارنا بين اليابان, التي تعلمت من اخطائها اثناء الحرب, وبين العرب, حيث يتساءل: "لماذا لا يستفيد العرب من تجاربهم؟ لماذا لا ينتقد العرب اخطاءهم؟ لماذا يكرر العرب الأخطاء نفسها؟ نحن نعرف ان تصحيح الاخطاء يحتاج الى وقت قصير أو طويل.. فلكل شيء وقت ولكن السؤال هو: كم يحتاج العرب من الوقت كي يستفيدوا من تجاربهم ويصححوا اخطاءهم ويضعوا أنفسهم على الطريق السليم!", هذا الياباني اسمه نوبوأكي نوتاهارا وقد ترجم عشرات الاعمال النثرية العربية الى اليابانية وأكثر ما أثار استغرابه هو اللاأبالية, انعدام الشعور بالمسؤولية عندنا! وأكثر ما أثارني في مخطوطته هو توصيفه العربي بأنه يتناول أفكاره من خارجه بينما الياباني يستنتج أفكاره من الواقع الملموس!.
|
الشعر والرواية.. مرة أخرى!
حنا مينه
قال ابوالطيب المتنبي يوما: "انا وابوتمام حكيمان.. والشاعر البحتري" وهذا الاعتراف, من أضخم وأمجد الشعراء العرب, لا ينفي انه كان أشعر أهل زمانه, وحتى أهل زماننا نحن ايضا, انما فيه اعتراف ان شعره تخالطه الحكمة, وأن الأمر ليس كذلك مع البحتري, الذي يأتي شعره خالصا لوجه الشعر وحده, في اغراضه المختلفة. لقد امتلك المتنبي الجرأة ليعترف بالحقيقة الموضوعية, بينما يكابر, بعض الشعراء, أو بعض الغيورين على الشعر, في انه, كجنس ادبي, قد تراجع قليلا, وتقدمت الرواية قليلا, ليس عندنا وحدنا, بل في العالم كله ايضا, والاعتراف بهذه الحقيقة الموضوعية, قد صار عاما اليوم, ولست وحدي من يقول ان الرواية اصبحت, في العقد الأخير من القرن العشرين, ديوان العرب, بل ان النقاد العرب الكبار, يقولون هذا القول, وفي مقدمتهم الناقد العربي الكبير جابر عصفور.. الأمر, الى هذا الحد, واضح ومفهوم, الا ان بعض الراغبين في تعكير ماء الحقيقة, يقومون, من حين لآخر, بهجوم معاكس, متسائلين, بغير عفوية, هل انتهى عصر الرواية. وهل بدأ, من جديد, عصر الشعر؟ وفي الجواب اقول: عصر الشعر لم ينته حتى يبدأ من جديد, ففي هذا السؤال الملغوم افتئات على الواقع, لأن الشعر باق ما بقيت الحياة هذه التي عرفت, اول ما عرفت, الشعر, في الأناشيد الابتهالية لنمو الزرع, الا ان بقاء الشعر, لا يعني, بالضرورة, انتهاء عصر الرواية! ففي ندوة حول الرواية عقدت منذ قريب في دمشق, طرح علي سؤال عريض, استفزازي, حاولت جهدي الاعراض عنه فما استطعت, هذا السؤال العريض هو: هل انتهى عصر الرواية؟ فكان جوابي انه سؤال عريض فعلا, لكنه, من الداخل, يبدو ملغوما جدا, بما افترض من انتهاء عصر الرواية, وكأنه يجيب على نفسه بنفسه قائلا: نعم! انتهى عصر الرواية فلماذا وضع الأمر على مشرحة, وليس, ثمة, مستشفى او جراح؟ وهل السؤال الاستفزازي يأتي, دائما, بجواب استفزازي, كما أن السؤال الجيد يأتي بجواب جيد؟ بالنسبة لي, كما يعرف الذين يقرؤوني, ابدو عصيا, الى حد ما, على الاستفزاز, فكيف الأمر وهذا السؤال حول انتهاء عصر الرواية ليس بالجديد؟! واذا كان القراء يذكرون انني اول من اطلق مقولة "الرواية ديوان العرب" في القرن المقبل, في العام 1982م, حسبما يقول الناقد اللبناني محمد دكروب, وبعد ذلك أخذ الآخرون هذه المقولة عني, وتبنوها, ونشروها مشكورين, فان من البدهي, ان يكون السؤال الموجه الي: "هل انتهى موقفك, أم انك لا تزال مصرا على ان الرواية العربية ستكون ديوان العرب؟" وفي هذه الحال أجيب: أن الأيام أثبتت صحة المقولة ليس في الوطن العربي وحده, وانما في العالم كله, وفي حدود رأيي, المبني على الواقع والمعطيات, ان الرواية هي, منذ العقد الأخير من القرن العشرين "ديوان العرب" فعلا, ومع كل تقديري للشعر, وشغفي به, فان الموضوعية تفرض نفسها, ولا تتعامل مع الأماني الخلبية, وهذه الموضوعية تثبت ان الرواية تسيدت في الوقت الحاضر, عندنا وعند غيرنا, وان الشعر تراجع, عندنا وعند غيرنا, ومعه القصة القصيرة وكل الأجناس الادبية الأخرى, باستثناء البحث الفكري, النظري, الذي له نفس مقام الرواية. من الطريف, في هذا السياق, ان احد الكتاب وجه الي اللوم, في مجلة مصرية اظنها "المصور" بسبب من ان اغلب الكتاب تحولوا الى كتابة الرواية, وحتى بعض الشعراء الكبار, وان المسؤول عن ذلك هو أنا, لذلك استحق العتاب, وكان جوابي مع الابتسام, هو التالي: "درب الرواية يتسع لكل الروائيين, وهذا الكم الكبير الآن, سيكون منه النوع الحسن مستقبلا, وهذا, في ذاته, جيد جدا"!. لماذا يريد بعضهم أن يضيق الدروب امام الأجناس الأدبية والفنية؟ اليابسة تتسع, والماء يتسع, ومن يرغب في تعلم السباحة فأهلا ومرحبا به, مع ملاحظة مهمة, ضرورية, هي ان الشعر, لكونه ديوان العرب حقيقة, فان الرواية, توضيحا, هي "ديوان العرب" مجازا, وهذا المجاز اقتضاه التشبيه, بسبب سعة الانتشار, لا اكثر ولا اقل.. لكن صاحب السؤال اياه, التف علي من ناحية اخرى, بقصد احراجي, فقال: "وما تفسيرك لتراجع الاقبال على مبيعات الرواية إذن؟!" واضعا إياي, برغمي في موقف المساءلة عن كل شؤون الرواية: كتابة وطباعة ونشرا ومبيعا, واشهد أن هذا الموقف اصبح يضيرني جدا, فشأني, كما ارغب في تحديده, ان أكتب الرواية, بعد ان كرست حياتي لكتابتها, اما التنظير بها, نقدا, او شرحا, او دفاعا, او اغضاء, فانه ليس من اختصاصي, واذا كان السائل الكريم, يريد بسؤاله الثاني, أن يؤكد صحة سؤاله الأول, فانني اجيبه, وللمرة الأخيرة: ليس السبب, في تراجع الاقبال على شراء الرواية المفترض, كثرة الروائيين طبعا, فالرواية الجيدة, كما الشعر الجيد, والمرحوم نزار قباني نموذج يؤكد حضوره, كما تؤكد الرواية حضورها, ولا تزال الروايات الجيدة, برغم كل ما قيل حولها من حسن وسيئ تلقى اقبالا جيدا, والشاهد على ذلك روايات عربية وغير عربية, لاقت, في العامين الأخيرين, اقبالا جماهيريا واسعا, أما بالنسبة للروائيين المكرسين, حسب تعبير دور النشر, فان رواياتهم تلقى حفاوة واهتماما لائقين, ولا موجب لذكر الاسماء. لماذا اقول هذا؟ وما اهميته في الجواب على السؤال, حول تراجع مبيعات الرواية, وهل حققت, بصفتي روائيا, وبعد ثلاثين رواية لي نشرتها "دار الآداب" اللبنانية, ما يفي بالحاجة الى عيش الكفاف؟ في الجواب اقول: تقريبا! ولا أزيد, ولا اقارن اي اديب, او اي فنان, في البلاد العربية كلها, باي اديب او فنان في الغرب, فهناك لو نجح كتاب الكاتب, لباع ملايين النسخ, وكان العائد كافيا ليعيش هذا الكاتب الغربي عيش الترف! ديوان الشعر الجيد يتقدم, ولانه يبيع, لا لشيء آخر, يتقدم, وهذا شأن الرواية ايضا, الا ان الرواج الكبير, في الحالين, نسبيا يظل, ذلك ان هناك قيودا سياسية مفروضة على الابداع العربي, وفوقها قيود تسويق من جمركية ونقدية, وقيود نقل, ما بين مغرب ومشرق عربيين, وكل هذا لابد من اخذه في الحسبان. أحسب, بعد هذا كله, ان الأشياء صارت في الضوء, ويكفي كلاما حول الاجناس الادبية او الفنية, فالمهم ليس الكلام عليها, بل انتاجها, وبشكل رائع, ذي سوية فنية عالية, وحين يكون لنا مثل هذا الابداع, يكون لنا حضور ثقافي في العالم, كما للعالم حضور ثقافي عندنا وعند غيرنا!.
|
الأصل الظلمات نظرة في مجموعة "ينام في الأيقونة" للشاعر عبدالقادر الحصني
محمد علي شمس الدين
في مجموعة "ينام في الأيقونة", وهي الأخيرة الصادرة للشاعر السوري عبدالقادر الحصني, العام 2000, في طبعتها الأولى, عن دار الكنوز الأدبية, بيروت, مستويان في الشعرية: المستوى الأول (وهو ما لن نتعرض له بالنقد), يشمل القسم الأخير من الديوان, ويشكل ثلثه على وجه التقريب, وهو القصائد السياسية وقصائد الرثاء. قصيدة "الضجيج" وهي عن فلسطين, وقصيدة "طائر الفينيق" وهي عن العراق.. يضاف اليهما قصيدة "تعب البنفسج" وهي مرثية موزونة مقفاة الى الشاعر محمد عمران في رحيله, وقصيدة "نم قرير العين" وهي رائية موزونة مقفاة مهداة الى الراحل الدكتور فهد عكام. أما المستوى الثاني من شعرية الحصني, فيشمل سائر قصائد الديوان, ويشكل ثلثيه على وجه التقريب, ويشمل قصائد "المغن ي" و"كلام أول" و"مقدمة للصمت", و"ظلم الليل", و"قصيدة ضب" و"قصيدة الرجل" و"الكلام البعيد", و"القلب أحمر", و"على باب بيت صديقي" و"الوردة" و"احتفاء" و"صلاة". وفيها تتجلى شعرية الحصني, الخاصة, العميقة والملتبسة, ونفسه الطويل المتماوج في ظلمات القصيدة, كحلم مفتوح على مفاجآت لا واعية, دونما انتظار لليقظة. وفي هذا القسم من الديوان, يتبوأ الحصني المرتبة الأولى بين شعراء سوريا اليوم, وكم كنت اتمنى لو اكتفى به, مسقطا القصائد السياسية وقصائد الرثاء, على ما بها من جودة سبك وصنعة متينة, لكنها تنتظم في مألوف ما يقال في هذا المجال, وتظهر وكأنها تفرد خارج سرب "الأيقونة".. أو كأنها "لا تنام في الأيقونة".. انه ليس في امكان الشعر السياسي ان يكون خاصا ما لم يكن خاصا , أي لاذعا المكان الخاص من ذات الشاعر وهو المكان العام في نفس الوقت كما لدى الماغوط وأمل دنقل, وليس في امكان شعر الرثاء ان يخلص من المناسبة, ما لم يتحول الى ما يشبه مرثية غارسيا لوركا لصديقه مصاريح الثيران الأسباني "أغناتيو". من أجل ذلك, حجبنا ما ذكرنا من قصائد الحصني عن النظر الشعري اليها, كون خصوصيته تكمن في مكان آخر. ولا أكتم انه اعتراني احساس حاد بجيا كوميتي, في قصيدة "الرجل", واستكمل هذا الاحساس في القسم ا لثاني من قصيدة "صلاة", هذا على ان قصيدة "طعم الليل" تشتمل على خصائص الحصني الأسلوبية, النفسية/ الفكرية واللغوية معا , ما يجعلها نموذجا صالحا للانتباه والملاحظة. واحساس بجيا كوميتي Giacometti, متأت مما أشاعته في نفسي القصائد من احاسيس بالعزلة, والحزن, وغموض أشبه ما يكون باقتراحات الأموات على الاحياء, وتشابك الخيوط داخل القصيدة, حتى كأننا أمام بعض تخطيطات لأحد تماثيل جياكوميتي حيث ثمة شبكة خطية ليست سوى رسوم في داخل الرسم. ان قصيدة "طعم الليل" هي هذا على وجه التقريب. اما الاحساس بالعزلة فمصدره انك مع "طعم الليل", على الرغم من انك ضالع في حشد هائل ومتماوج من الأحوال والكلمات, إلا أنك تجد نفسك في خضم الحشد, وفي نهايته, أعزل مستوحدا , نظرا لكون كل حال يطرد صاحبه.. بل كل جملة تعترض على نفسها وعلى سابقتها أيضا ... فثمة تأرجح لا يستريح بين حدين, بل بين أكثر من حد, ثم تكتشف أخيرا انه ليس ثمة لا تأرجح ولا حدود.. ولا شيء البتة. وهو أمر لعب عليه الشاعر في جميع القصائد. ففي قصيدة "المغن ي" ـ والغناء كلام يغنى ـ تبدأ القصيدة باستحالة الغناء, أي باستحالة القصيدة "كأن الكلام انتهى/.. كأن الذي لم يـقل بعد قد قيل من قبل/..." ومع ذلك تتشكل قصيدة حول استحالة الغناء من الغناء نفسه. ما يتابعه الحصني في "مقدمة للصمت", حيث يظهر أن كل شيء مختلط, وأنه لابد من أن يضاف الى الظلام (الذي هو حاجب) شجر كثيف يزيد الحجاب حجابا , فيعود كل شيء الى اصله (الظلمات), مثلما يجري كل شيء في هذا الأصل: الحياة والخلق.. وجودبيت في البعيد, تفاصيل النهار, أمشاط الألماس في شعر القصيدة, عروق الورد في طفل الرخام, صور النساء الغائبات, رنين اجراس البنفسج في الكنائس, "اختلاط مشاعر العطار حول الوقت/ أسلمه خريف من نحاس الزيزفون الى شتاء من بياض الزنجبيل الى السقام...", وعليه, فلا يمكن تسمية الأشياء بأسمائها.. لا يمكن: إذ كيف يمكن بث فحوى الضلال في الوجود؟... حتى القصائد سوف أقنعها بأن لها من الغايات ما ينأى وأدفعها اليه/ حتى إذا وجدت سرابا لم تجد أحدا لديه/ وجدت صداها وردة زرقاء عر تها الرياح وبعثرتها في البدد..". من اجل ذلك فإن ما يقدمه الحصني هو "التيه الجميل"... التيه الذي يسعى إليه الشاعر, ويصنعه في اكثر من صورة وموقف ومكان, يصنعه ليتيه فيه. هذا الاحساس بالتيه هو احساسي بجياكوميتي ايضا ... في قصيدة "الرجل" يصور الشاعر وجه رجل حزين غارق في بركة كفيه, وحين يحاول تسلق حبال الاجراس ليكشف عن وجه, يعثر ويسقط, ويحاول قراءة اخبار ايامه الأولى فلا يستطيع. انه رجل مقفل.. والحال كله هو هذا المقطع: ليل أليل في ليلته الليلاء/ كانا ينتظران على مهل أيهما يصبح ماء/ كي يتخذ الآخر شكل إناء/... ما اوحدني في هذا الصمت المصمت...". في بحث جميل عن جياكوميتي, كتبه جان جينه, يروي أنه أجلسه أمامه لساعات طويلة, لينحت لوجهه تمثالا . كان يردد أمامه وهو يتأمله, بصوت مهموس: كم أنت جميل. وكانوا قالوا لجينه, أن جياكوميتي سينحت له تمثالا تتحول فيه كل الاستدارات والنتوءات الى حد مسنن, كأنه حد سكين. هكذا كان يراه جميلا , إذن.. كل شيء يذوب خلف هذا الحد. ومثل ذلك كان جياكوميتي قد نحت مشخصا لوجه أخيه. الوجه معروف, وكأنه مشطوف بحد السكين.. بل كأنه مهيأ لكي يرمى به للأموات. يقول جان جينه انه من خلال حديثه مع جياكوميتي, قال له انه يفكر في نحت منحوته ودسها في التراب. اهدائها للأموات أو اقتراحها عليهم. ان في ذلك منتهى العزلة, بل فيه تجريد للظلمات ذاتها. فمع اعمال جياكوميتي احساس بالفقدان "ما ان نراها حتى ثنأى". نجد في قصائد الحصني ما يشبه هذا النأي. سر من أسرار جاذبيتها, تواريها من حيث تحشد أمامك شبكة نتوءات وصورا وأحوالا , تراها ما تلبث أن تأكل نفسها, ويتحول كل شيء, في النتيجة, الى صدى موسيقي غامض ولا يقبض عليه. يقول في قصيدة "الكلام البعيد" واصفا حال رجل يذهب الى منزل ما: "صدقوني هو الآن في الباب لا يتذكر ماذا يريد" و"مثل الشريد/ اعترته فـجاءة ألا بريد". كما يقول في قصيدة اخرى بعنوان "على باب بيت صديقي" هذه المفاجأة: "ماذا لو انفتح الباب عنهم فألفيتهم آخرين؟... وهذا وسواه سببه أن كل شيء راسب في الظلمات يقول الحصني في القسم الثاني من قصيدة صلاة: "حين يرين الليل على جنبات الدير/ وينحل الصمت الغامق في قلب الصلوات/ يحدث ان تتنهد راهبة قرب الشمعة/ حتى تعرف أن النور هو الطارىء/ والأصل الظلمات" فالنوم في الايقونة هو مصير الطفل الباحث في أروقة الدير حتى يتعب.. عم اذا؟ ـ لا أحد يملك الجواب عن هذا السؤال. ..... أهم ما في الجوهر الشعري لعبدالقادر الحصني, هو هذا التيه الشعري الذي يقذف احواله ولغته فيه. وهو تيه منتظم كتوهان الأفلاك والنجوم, فهو يموه المعنى بمركبة الايقاع ما يجعلنا متآلفين ومنسجمين مع ا لغامض. وهو سرده الشعري. هو هذا السرد الذي يقول فيه "للسرد مأزقه", ومأزقه حقيقته من حيث دورانه الدائب على معنى لايتحصل, فيتحول الى ما يشبه الدوران على ذاته, كرقص الدراويش. ان قصيدة "طعم الليل" هي هذا الدوران بذاته. وماذا بعد؟ يقول الشاعر انه لابد من شيء من الاصطبار, ومن شم طعم الليل, لكي يبرز صمغ النهدين, ويتشقق عن حليب يقوم قيامته. وماذا بعد؟ يجد الشاعر هنا أن الدوران أوقع الراوي كما أوقع الآخرين في مسألتين فيقول: "لا بأس انتم تائقون الى فم يحكي وإني ببغاء. فمن طبع الدلاء الماء. واذا علق للدلو لسان, صار ناقوسا يرن.. فعلام تدلون بدلوكم في البئر لولا أنكم قوم ظماء؟ ولأي شيء انتم ظماء؟ ولأي شيء ايضا ؟ يتابع الحصني هذا التطواف الهذياني ورابطه الأوحد خيط الايقاع, وهو كمركب في امواج, مقلوبة موجة وتهبط موجة دونما نجم أو دليل. وهي تقنيته في غموض تطوافه وتدافعه من قافية لأخرى ومن كلمة تسلم نفسها لكلمة... "لولا الهبوط الى تفاصيل الحكاية لم نقطف من ثمار الليل فاكهة/ ولم نلج الستور على الخدور والى لذائذ خبئت تحت الشعور ما سال ماء غامض تحت الجواري والجسور لولا الهبوط الى تفاصيل الحكاية/ من يحل اللغز والطلسم/ من؟ كيف تدلق ما بداخلها الجرار؟ هي لمسة المصباح والرصد المقيم على الكنوز القهرمانة بيضة الرخ ابنة السلطان زاجلة الحمام القمقم العفريت خلخال الوصيفة كف العين منديل العروس الخرزة الزرقاء حب السر, والسور المهتك والسوار. وهي التبسط والتوسط والحوار هي الخلاص إذا تمرس بالقراءة والكتابة شهريار. هذا الحشد من الحكايات ورؤوسها, ورموزها, هو حشد يتضاءل ويذوب في الموسيقى. ولا يبقى منه في النتيجة سوى ما يبقى الموت من تماثيل جياكوميتي. والالحاح من بعد ذلك على تفاصيل الحكاية, هو مزيد من التأمل والتمعن في جمال يتحول الى خيط.. الى محض هواء أو صوت أو ربما صدى وأخيرا ... صمت... صمت عقيم يسربل الأشياء في ابانها (كما يقول الشاعر). وهو اذ يلح (ويعيد الحاحه..) على تفاصيل الحكاية, نسأل انفسنا اية حكاية هي؟ والاجابات تأتي متلاحقة من مقطع لآخر ولا ناظم لها سوى هذه الكلمة/ اللاشيء, الكلمة/ اللاتحديد: "الحكاية!" وعلى الرغم من غموضها, فالشاعر يوغل ويوغل في التفاصيل, فيحكي, مثلا أنه "لولا تفاصيل الحكاية" لكان الهواء يمضي الى شؤون اخرى غير غرفتها (أي غرفة الأنثي.. الحبيبة) ويخليها بلا عسل وماء يبل ثيابها. ثم ينتبه الى انه هو الذي ابتكر كل شيء: شرفة للبيت, زهرا للأصيص, سيدات, لاعطاء الزهر معنى والأدواح من الأحاديث واحتمال العيش والموت, وهو ابتكر بين هذه النقائض ما يسلي.. انه الغموض المتناسل من ذاته.. يقول الحصني: على الخيال... وخذوا الغموض الى الوضوح ولو بدائرة احتمال. انا اخذنا ما استطعنا من سبيل نحو غايات تلاشت ثم أردكنا العيائر/ في الأمر متسع ولكن في اتساع الأمر منقطع كبير لا يفسره الرحيل لا البقاء"... نعم: ها هي بين ايدينا حصيلة دوران في الوزن وتوهان في الموسيقى وهدم ما يبنى من اهتمالات, بفعل هذا الدوران عينه, فكيف يكون (مثلا ) الوقت أوسع من فراغ شد مكحلة لمرودها؟ وكيف يكون في الأمر متسع ولكن في اتساع الأمر منقطع كبير؟ وكيف لا يفسر ذلك لا الرحيل ولا البقاء؟ وهل الشعر, أخيرا , ليفسر؟
|
"سيبويه" في ذكرى ميلاد (تشومسكي) 1-2
د. محمد ربيع الغامدي
تستحضر عبارة العنوان أعلاه فور قراءتها حلقات كتبها الدكتور حمزة بن قبلان المزيني على صفحات هذا الملحق مؤخرا . وهي حلقات جهدت في التماس ما به ينتفي تأثر تشومسكي المباشر بكتاب سيبوبه, بمعنى: نفي أن يكون ما جاء به تشومسكي استلابا لعلم سيبويه البثوث في كتابه هذا في حين نبه الباحث على تمثل تشومسكي لعدد من الأنحاء القديمة, وبذلك تكون لديه منها جميعا ما يشبه الخلفية التي اشتركت مع غيرها في تأسيس رؤيته الفكرية. وأنه انطلق بعد معرفتها وهضمها إلى ما عـرف به من دراسات (النحو التحويلي التوليدي) الذي لم يكف تشومسكي نفسه عن تطويره وتعديله. ولم يغفل الدكتور المزيني بحث ما يلحظه كثيرون من نقاط الالتقاء بين علمي سيبويه وتشومسكي. ويسرني هنا أن أنوه بما لتلك الحلقات من أهمية, وبأنها من بين البواعث التي حفزتني على كتابة هذه السطور. وهي سطور تتداخل مع ما أثبته الباحث, وتسير باتجاه التكامل معها, والامتداد لما صرح به أو ألمح إليه. إذ إن ما عـرض في تلك الحلقات يوافق ما أذهب إليه أنا هنا, غير ان الحاجة ماس ة إلى التطرق لبعض الجوانب التي تزيد المسألة وضوحا وجلاء . ولابد في البدء من التوقف قليلا عند بعض المسلمات التي يعتقدها كثير من اللغويين, والتي أسهمت في ضبابية الرؤية لسير الدرس النحوي العربي, بدءا بانطلاقته الاولى ومرورا بانعطافاته عبر مسيرته وانتهاء بالصورة التي انتهى إليها عند اواخر النحاة. والتبست أمور على الدارسين لولا التباسها لاتضح لهم سبب تلاقي العالمين في بعض جوانب علمهما, دون الحاجة إلى ادعاء أخذ اللاحق عن السابق, حتى في حال ثبوت اطلاع تشومسكي على كتاب سيبويه أو ثبت أنه قرأه في فترة زمنية معينة. وجلاء الأمور الملتبسة لا تقتصر فائدته على نفي التأثر المباشر والاستلاب. بل لذلك أهمية بالغة في الوقوف بوضوح على حقيقة صورة الدرس النحوي عند أوائل النحاة, وإدراك ما آلت إليه هيئته عند متأخريهم. وهي صورة أزعم انها لم تكن في أذهان الدارسين واضحة وما تزال كذلك. وينبني على إيضاحها ما تتجاوز أهميته الكشف عن محاور التقاء الدراسات اللغوية الحديثة ببواكير الدراسة النحوية إلى تحرير بعض المفاهيم التي يكفل تحريرها إزالة الأوهام العالقة بأذهان الدارسين, والمتعلقة من جهة ببعض قضايا النحو الكبرى (كالعوامل, والعلل, والتأويل والتقدير, والاستشهاد النحوي,.. إلخ), وتتعلق من جهة أخرى بتصور التتابع التطوري لدراسة العربية. كما ينبني على ايضاح ذلك أيضا الفصل الدقيق بين نوعين متقابلين من أنواع الدراسة النحوية اختلط أمرهما على أغلب دارسي النحو واللغة إن لم يكن جميعهم, هما: النحو بمعنى (القواعد), وهو النحو الذي يصان اللسان به عن الوقوع في الخطأ واللحن, والنحو بمعنى (التحليل الذهني) الذي يـحلل بموجبه الحدث الكلامي في نماذج الاستعمال المختلفة ويـن سب به كل حدث كلامي إلى نظامه الذهني الذي ينتمي إليه ويتبع له. وسيأتي تفصيل ذلك. يـخيل إلى كثير من الدارسين أن النحو على صورته التي انتهى إليها في ألفية ابن مالك وكافية ابن الحاجب وشروحهما, ومصنفات ابن هشام والسيوطي, وما إلى ذلك من الشروح والحواشي والتقارير, قد بدأ بداية حقيقية بسيبويه والخليل, بعد أن استثمرا ما جاء به من قبلهما, كأبي الأسود الدؤلي ونصر بن عاصم وعبدالله بن أبي اسحاق وغيرهم. وأنه بناء واحد لم يصبه اختلال أو تغيير أو تعديل, عدا ما زيد عليه أو امتزج به من اضافات, لم تمس جوهره ولم تبد ل أصوله الثابتة, حتى تلك الإضافات الوافدة من حقول المنطق والفلسفة وعلم الكلام وأصول الفقه لم تستطع ازاحة شيء من علم متقدمي النحاة. ويردد كثيرون مقولة أخرى مفادها: أن النحو عبر مسيرته لم يستطع الانفلات من العوامل والعلل التي قيدها سيبويه في كتابه, وان الخالفين بنوا على ذلك ما أتوا به في عصورهم المتأخرة, وساروا على الخط نفسه في تصور العوامل والعلل النحوية كما وردت عند سيبويه إمام النحاة. وكما يسل م جمهور الباحثين بوح دة الموضوع الذي يهتم بدراسته علمـ النحو في بدئه وعند منتهى عصوره, يسل مون أيضا بوحدة غرضه الذي نشأ لأجله. ويعم ما يشبه الاجماع على التصديق والتسليم بظروف نشأته, واستمرار تلك الظروف التي تستدعي ايضا دوام وجوده كما استدعت نشأته. وهي ظروف تفشي اللحن والخوف من فساد الألسنة, الأمر الذي يستوجب صيانة اللسان عن الوقوع في الخطأ. أي: أن الدرس النحوي ينحصر في صياغة (القواعد المدرسية). ولعل ما أوهم الباحثين وجرهم إلى هذا الاعتقاد ما يقرؤونه من روايات نشأة النحو كـ "قصة أبي الأسود الدؤلي مع ابنته", ونحو ذلك من القصص التي تروى عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب, كرم الله وجهه, وهي القصص التي يتبادر إلى الذهن منها ـ في ضوء الاعتقاد بوحدة الخط الذي سار عليه النحو ـ أنه أولا وأخيرا صيانة للسان ومن أجل صيانته, لا فرق في ذلك بين جهود سيبويه وبين جهود من تقدم عنه أو تأخر. ولعل مما أمعن في الإيهام بذلك بقدر كبير أن بعض المتأخرين تصد ى لتعريف النحو ـ كابن جني ـ فجعله (انتحاء سمت العرب) وقصر غرضه على (إلحاق غير العربي بالعرب), تأثرا بغلبة النظر إلى أحد وجهين للنحو, هو الوجه الذي يمكن تسميته بـ (المدرسي). ولعل منه أيضا ما ردده النحاة المتأخرون من عبارات يشعر معظمها بسلطة المنع والإجازة, كقول ابن مالك: (فما أبيح أفعل ودع ما لم يـبح) التي هي أقرب إلى عبارات (المعلمين) منها إلى لغة (العلماء), وذلك يوحي أيضا بغلبة تصور الجانب المدرسي المنو ه عنه سلفا . وتبعا لغلبة النظر إلى الجانب المدرسي واغفال تصور ما عداه ذهب كثير من دعاة اصلاح النحو إلى الاعتقاد بأن الضرورة تحتم الخلاص من (العامل) و(العلل, ولا سيما الثواني والثوالث) و(التأويل) و(الإعراب التقديري) وما إلى ذلك. بوصف ذلك كل ه لا حاجة للمتعلم بالضرورة إلى معرفته على وجه الوجوب; لأنه مما لا يعيق (انتحاء سمت العرب), ولأن (غير العربي يلحق بالعرب) من غير إلمام به. وبوصفه أيضا مما يزيد في صعوبة النحو وتعقيده. لا فرق في ذلك الاعتقاد بين قدامى المصلحين كـ (ابن مضاء القرطبي) ومحدثيهم كـ (إبراهيم مصطفى, وعباس حسن, وشوقي ضيف, ومهدي المخزومي, وغيرهم); لأنهم لم يروا في نحو سيبويه وغيره إلا الوجه (المدرسي). ويشيع اليوم أقوال ألفها الناس من كثرة تداولها حتى غدت من المسل مات التي يصعب تحويلهم عن اعتقادها. بدأ بعضها أو جل ها من تصور الباحثين لبعض قضايا (النصوص) المستشهد بها, وانتهت كلها عند تصورات عن (مدارس) النحو و(مذاهب) النحاة. قليل من هذه الأقوال والمسائل والتصورات صحيح وأكثرـها إما مبالغ فيه وإما مغي ر عن واقعه الصحيح. فقد أجمع مؤرخو النحو على أن سيبويه وأستاذه الخليل بن أحمد الفراهيدي يقفان على رأس أعلام مدرسة البصرة, وبذلك يكونان المشر ع ين لما اشتهر عن موقف مدرسة البصرة من قضية (السماع والقياس) المشهورة في مقابل موقف مدرسة الكوفة المناقض له. ومن هنا تـلم س الصلة بين رواج الوهم في هذه المسألة وبين ما يشيع ـ موهوما فيه أيضا ـ من مواقف سيبويه من النصوص المستشهد بها, ولا سيما القراءات القرآنية وتلحين بعض القراءات, وموقفه من اللغات المشهورة المستشهد بها والقبيحة التي لا تـقبل,.. إلخ. وينطبق هذا الأمر أيضا على أستاذه الخليل بوصف سيبويه ناقل علم الخليل والمبلغ عنه من خلال كتابه. لقد أسهمت هذه الأوهام في حجب الصورة الحقيقية لعلم سيبويه وأستاذه الخليل, كما أسهم عدم الإلمام بالمعرفة الصحيحة لعلميهما من جهته هو أيضا في نشوء هذه الأوهام والاعتقاد الجازم بها. ولهذا يكفي ـ في تقديري ـ أن نتبي ن ملامح ما جاء به عن التطويل في دفع الأوهام السابق ذكرها; لأن في هذا البيان ما يكشف عن نقاط الالتباس التي أوصلت إلى مثل ذلك الاعتقاد, وبانتفاء سبب الإلباس ينتفي اللبس بلا أدنى شك. وبه أيضا يتحقق ما وعدنا به آنفا من تبيان نقاط التقاء نحو سيبويه ونحو تشومسكي, التقاء في الغاية والموضوع لا التقاء تأثر وتأثير. يختلف نحو سيبويه ـ ومن ثم نحو الخليل ـ عن نحو المتأخرين اختلافا جذريا , لا شبهة في ذلك عندي. وأحسب أن البـعد بين النحو ين هو بالقدر الذي يبعد به نحو (العلماء) عن نحو (المعلمين). والفرق بينهما أن الأخير ينتهي عند القاعدة لا يجاوزها, أما الأول فانه يبدأ منها منتهيا إلى تحليل النظام الذهني الذي تـع د ـ القاعدة وصفا له, بحيث يصف هذا النوع من النحو موقع (الكلام) بالنسبة إلى ذلك النظام الذهني (أي: اللغة) بحسب تعبير دي سوسير. فسيبويه وإن ذ ك ر القاعدة ع ر ضا فإنه ينطلق منها إلى ما دار في ذهن المتكلم. ولذلك تراه دائما يردد في تحليله اللغوي لتراكيب النصوص الشعرية التي يستشهد بها عبارات من مثل: (كأنه قال كذا, توه م أنه قال قبلـ كذا, أراد كذا,... إلخ) إن هو رأى القائل نصب شيئا أو رفعه أو خفضه مما اعتادت أذهان الجماعة اللغوية في تركيب مستوى الخطاب على وجه مغاير للوجه الذي ورد في النص الشعري, مما يعني الاجتهاد في التحليل للتوصل إلى نسبة نماذج القول المستشهد بها إلى نظامها الذي استقر في ذهن القائل, وكذلك السامع الذي يختزن في ذهنه نفس نظام المتكلم. ولا يورد سيبويه ذكر سؤاله لأستاذه الخليل وإجابة الأستاذ على سؤاله إلا في مواضع التحليل لما استقر في ذهن قائل الشاهد الشعري أو النثري مما يحتاج إلى تدقيق في تأمله والولوج إليه. وفي المقابل لا تجد لدى سيبويه مثلا تفصيلا للقواعد المدرسية, مكتفيا بها عن تحليل آخر أعمق منه, اكتفاء ينبئ عن نوع ما من القصد إلى تأليف كتاب تعليمي للغة كما يتصور بعض الناس. ولو أن سيبويه جعل هم ه تأليف كتاب تعليمي من هذا النوع ما استحق ـ في نظري ـ مهما أجاد أن يكون بمنزلة كتابه العظيم هذا, مثلما أن تشومسكي في المقابل لن يشرـف بأن يـنسب إليه أنه ألف كتابا لتعليم الطلبة اللغة الإنجليزية في أحد معاهد التعليم, ولا غيره من علماء اللسانيات. والدراسات الحديثة لعلم اللغة (العام) لا ينصب اهتمامها على مجرد وضع القواعد المدرسية التي تساعد المتعلمين على دراسة اللغة, ولا ينبغي لها ذلك. بل موضوعها الاو لي وغايتها الأساسية الدراسة العلمية التحليلية لـ (ظاهرة) اللغة. ثم يمكن الاستعانة بمعطيات علم اللغة (التطبيقي), وهو فرع من فروع علوم اللغة نشأ حديثا لهذا الغرض. وبالنظرة السريعة إلى قضيتين من كبرى قضايا البحث البارزة في الدراسات النحوية يمكن تلم ـس بعض أوجه الاستدلال على ما سلف ذكره, هما قضيتا (التقدير) و(العوامل والعلل). أما مسألة (التقدير النحوي) التي يتناولها بعض الدارسين على أنها من عيوب النحو كله أوله وآخره, وأن المسؤول عنها الذي بدأها واختطها هو سيبويه, ويفيضون في الحديث عنها في سياق الدعوة إلى نبذ التقدير لعدم الحاجة إليه كما سبق, وقد يذهبون إلى القول بأن التقدير مما يلجأ له النحوي ـ حين يصطدم بنماذج الاستعمال التي لا تطابق قاعدته المقررة سلفا , إلخ, فإنه يلزم التأكيد مع المؤكدين صحة دعوى أن سيبويه هو الذي اختط التقدير ورسمه لمن بعده بدون أدنى شك. لكن ذلك من أظهر الأمارات وأوضحها على أنه إنما أراد به إظهار ما في ذهن المتكلم; إذ إثبات اخراج المتكلم كلامه على وجه والتقدير فيه على وجه آخر (أي: تقدير اللفظ مؤخرا عن تقديم أو مقدما عن تأخير أو محذوفا مع إرادته والقصد إلى معناه.. الخ) معناه أن المقد ر هو ما سبق إلى ذهنه ومعناه مما لم يقله, ومع ذلك لم يحتج السامع إلى التصريح به, بل استغنى عنه عند المتكلم وعند السامع على السواء. فالنحوي كأنه يظهر للناس بواسطة بيان (المقدر) ما دار في أذهان الجماعة اللغوية وأضمر في النفوس مع نيته والقصد إليه. وأما مصطلحا (العامل) و(العلة) فإنهما تسميتان وضعتا بعناية لتصوير العمل العقلي بدقة عجيبة. فاسم (العامل) أريد له أن يحمل وصفا وتوصيفا لتصور عقلي لنوع من الألفاظ أدى تصوره في ذهن المتكلم إلى نصب كلمة بعده أو رفعها أو جرها أو نحو ذلك, لا على أن العامل هو الكلمة في ذاتها بشكل منقطع عن التصور العقلي. أما (العل ة) فظاهر جدا أن بيان علة مجيء اللفظ والتركيب على حال معينة إنما هو بيان للسبب المتصور في العقل الذي أظهر بموجبه المتكلم كلامه على وجه ما, وبموجبه تقبل السامع ذلك ولم ينكره. وهما ـ أعني: العامل والعلة ـ من أظهر ما يكشف عن عناية سيبويه بالتحليل العقلي اللغوي لا بالتدريس. وإن من يطالب بحذفهما في الدراسة النحوية من الإصلاحيين مصيب في جانب, مخطئ أشد الخطأ في جانب آخر. مصيب إن إراد استخلاص الجزء المدرسي الذي يـقدم لطلاب المدارس كما يـقدم لمن أراد تعلم اللغة العربية من الأجانب. مخطئ إن أراد الاستبعاد الكامل لأهم أجزاء الدرس النحوي هو جزء التحليل العميق الذي يلتقي مع صلب اهتمامات الدراسات اللسانية, ويـعد ـ اليوم قمة الدراسات اللغوية. إنه الجزء الذي تفخر اللسانيات الحديثة بما أنجزته فيه. وهو الجزء المهم الذي تلقفت كل مدرسة لاحقة ما أنجزته منه سابقتها. وهو الركام المعرفي الذي لم يكن ليبلغ مداه الذي بلغه اليوم لو انقطع اتصال جهود المدارس ببعضها. إن النظام الذهني المفسر لكثير من مظاهر (ظاهرة) اللغة, هو مركز اهتمام المدارس اللغوية الحديثة. وأزعم أن سيبويه واضع لبناته الأولى, ثم حر ف جهوده بعد ذلك نحاة المعلمين إلى وجهة أخرى. ولعل مسألة افتراض (الأصل) في توجيه العبارات و(تقدير) وجه العبارة المؤدي إلى فهمها ومن ثم تحليلها, وهي مسألة ملازمة للدراسة النحوية منذ ابتدائها على أيدي روادها الأوائل, ولحظها كل من تصد ى لقراءة سيرورة دراسة العربية, وتقضي بتصور أصل افتراضي للفظ مفردا أو مركبا يقول النحاة بموجبه: إن أصل العبارة أن تكون على وجه مع ين, لعل ها تعين هنا على الكشف عن الصورة التي تتكون ملامحها المميزة لها من مجموع القضايا المتعلقة بهذا الافتراض لـ (الأصل) والمتعلقة بالعامل, والعلة, والتقدير, وما يتبع ذلك. وهذه القضايا ليست الواحدة منها بمعزل عن الأخرى, وإن توه م أهل العقول المؤمنة بمجرد القواعد المدرسية أنها قضايا منفصل بعضها عن بعض. وإن تلك الصورة التي تتكون من مجموع ما سبق لهي الصورة الممثلة للدراسة التحليلية للغة كما عني بها النحو العربي في عصوره المبكرة. والأصل المفترض الذي بـني على التفكير فيه والقول به التصو ـر النحوي عند الأوائل ليس ضربا من ضروب الخيال, وليس كما يزعم كثيرون أنه مما أـلجئ إليه النحاة إلجاء بوصفه بابا للتخريج الاضطراري. بل هو في حقيقة الأمر ترجمة وتبيان لـ (الصورة الذهنية) التي استقرت في عقول الجماعة اللغوية, وبمقتضاها أتى المتكلم بكلامه, إما موافقا لها فلا تقدير حينئذ ولا افتراض لأصل ما, وإما مخالفا لها منزاحا عنها فيلزم إذ ذاك بيان الأصل الذي انزاحت العبارة المتكلمة عنه وقدر (الانزياح). وهذا اللزوم لبيان الأصل لا يفرضه إلا إرادة الفهم العميق لـ (النظام) اللغوي والقصد إلى تفهم وجوه العبارات وتحليلها في ضوء معرفة النظام, أو القصد إلى معرفة النظام في ضوء تحليل العبارات, لا إن الباعث على ذلك وضع القواعد التي يحكم بموجبها بالصحة والخطأ. والصورة الذهنية المذكورة آنفا هي التي عبر عنها (دي سوسير (Ferdinand De Saussure بمصطلح (اللغة) في مقابل (الكلام) الذي يعني النماذج المتحققة على ألسنة المتكلمين, فربما وافقت اللغة نماذج الكلام وربما خالفتها. واللغة على هذا هي الموجود بالقوة في حين أن الكلام موجود بالفعل. ومن هنا ارتبطت محاولة فهم النظام بمحاولة الإجابة على (لماذا؟) و(كيف؟) فجـــاء البحث عن العلل والعوامل والتقدير, وهي أمور ذهنية بلاشك.. وللحديث بقية
|
الدور العربي في التاريخ الأدبي للقرون الوسطى تأليف ماريا روزا مونيكال وترجمة الدكتور صالح الغامدي
د. نذير العظمة
حول اطروحة الكتاب المركزية والترجمة: صدر مؤخرا عن قسم النشر العلمي في جامعة الملك سعود كتاب الدور العربي في التاريخ الادبي للقرون الوسطى (تراث منسي) تأليف ماريا روزا مونيكال وترجمة الدكتور صالح بن معيض الغامدي. ويتألف من مئتين وثلاث وسبعين صفحة من القطع العريض. ولابد لي من ان ألاحظ هنا دقة الطباعة ونظافتها بالقياس الى ما ينشر عن مؤسسات الترجمة في بلدان عربية عديدة, فالاغلاط المطبعية فاحشة الاخطاء اللغوية اكثر فحشا ونادرا ما نقع على مترجم يقبض على أزمة البيان والسلامة في اللغتين المعنيتين بالترجمة واذا ضمنا مترجمين من هذا الطراز لابد من ان يتعاون معهم مصحح لغوي ومصحح مطبيعي لسلامة الانتاج. وكتاب "التراث المنسي" للسيدة ماريا روز مونيكال هو العنوان المقترح لأطروحتها المقدمة للدكتوراه في جامعة بنسلفانيا (1987م) والعنوان المعدل في الترجمة العربية) هو الدور العربي في التاريخ الأدبي القروسطي تراث منسي (1999م) وقد احسن المترجم بهذا القلب لحسن وقعه عن المتلقي العربي. والكتاب جيد في موضوعه ومنهجه وطروحه فهو يضيف الى العلاقات العربية الاوروبية في حقل الأدب مساحة جديدة من المعرفة والوعي بشكل موثق لاسيما صلة مدرسة صقلية وشعراء الترد بادور, وكوميديا دانتي مما له صلة واضحة بنشأة الأداب الأوروبية في اسبانيا وايطاليا وفرنسا, في عصر النهضة بدءا من القرن الثانيعشر للميلاد. يتألف الكتاب من ستة فصول, ومقدمة ينوه فيها المترجم بأهمية الكتاب والصعوبات التي واجهته في انجاز الترجمة, كما يضيف الى الكتاب الاصل تقديما بعثت به المؤلفة خصيصا للترجمة العربية, تؤكد فيه المؤلفة ايمانها بانجازها والبحث العلمي ودوره في تثبيت الحقائق التاريخية, ويضيف المترجم ملحقا فيما يعرف فيه المترجم بأهم الأعمال الأدبية التي ورد ذكرها في نص الكتاب. أما فصول الكتاب المترجم فتجري كما يلي: الفصل الأول: اسطورة الغربية في علم التاريخ الادبي القروسطي. الفصل الثاني: اعادة النظر في الخلفية (التاريخية). الفصل الثالث: اقدم قضية: الحب الرفيع, وهو يذكرنا بالحب العمري والعذري في تقاليدنا الادبية وبمؤثراتنا المبكرة للغزل في شعر الحب الادبي في اوائل النهضة. الفصل الرابع: احدث اكتشاف الموشحات. الفصل الخامس: ايطاليا ودانتي وقلق التأثير. الفصل السادس: قراء آخرون وقراءات اخرى. لقد بذل الدكتور صالح معيض الغامدي عناية الجهد فأحسن في نقل الموضوع من الانجليزية الى العربية بأمانة ودقة دون ان يضحي باشراق البيان العربي وبنسقه وتميزه, لاسيما اذا ذكرنا صعوبة النص الأصل فأسلوب المؤلفة رغم وضوح دلالاته وبيان تعبيره, إلا انه من حيث التركيب فقرات وجملا , تجريدي اشبه بمعادلات لغوية صارمة لا فضول فيها ولا حشو. اضف انها منخرطة في نقد النقد لدراسات ونصوص عربية متغربة اثرت في تقاليد وابداعات ادبية اوروبية. ورغم ان المؤلفة خدمت الدور العربي ومؤثراته على الساحة الأوروبية في القرون الوسطى, إلا انها لا تدخر وسعا في التنويه بطريق المجادرة والمشاركة بنصيب اليهود الاسبان بهذا الدور. وهو امر يحتاج عند القارىء العربي وفي دوائر البحث العلمي الى مزيد من التحري والبحث. لقد عاشت الابداعات العبرانية دون ان تحرم من هويتنا وحيويتها المميزة في كنف وظل النهضة العربية الاسلامية التي كانت لها الريادة والانتاج وهذه الابداعات العبرانية المصاحبة لا يمكن ان تفهم الا في إلا في هذا الاطار والموضوع الاصل للدراسة, هو الدور العربي الذي لعب دورا مركزيا وقدم النموذج والمسار اما التراجمة العبران وحتى مفكريهم الذين عاشوا في كنف الحضارة الاسلامية العربية, كابن ميمون وغيره, فقد تناغم دورهم مع هذا الاصل ولم يتقدموا عليه بجديد. اما الترجمة من حيث الادوات والصياغة فقد اكتشفت فيها مترجما متميزا مشرق البيان والديباجة انطلاقا من فهم النص الانجليزي ومحبته والإخلاص له, ولا اغالي اذا نوهت بقدرة الدكتور الغامدي على الصياغة العربية المشرقة للمعنى الأصل, ونجاحه في نقل النص من صورته الانجليزية الى شكله العربي ولا اخفي متعتي في قراءة نصه المترجم وتعاطفي معه لما في النص الاصل من صعوبات. انا على يقين من ان القارىء العربي سيوسع مساحة وعيه بمؤثرات التراث العربي والاسلامي في التراث الأوروبي ونشأة اداب نهضته كما أني على يقين بأن القارىء سوف يحصل على المتعة التي حصلت عليها من قراءة النص العربي والاستفادة منه, فبالاضافة الى القضايا التي يثيرها الكتاب والتي خصصنا بعضها بالاهتمام فإنه يقدم خدمة جليلة لحركة البحث الحديث في دراسة العلاقات الثقافية للتراثين العربي والأوروبي في عصر النهضة. ولما كنت قد حكمت في هذا العمل العلمي وحكمت له واجزته من قبل مركز الترجمة والنشر في جامعة الملك سعود وتقدمت بمقترحات في هذا الخصوص ارى ان المجال الآن مفتوح بعد نشر العمل لمناقشة القضايا التي طرحها, فأبدي رأيي فيها بعد ان ابديت رأيي في الترجمة. ولن اضيف شيئا هنا عليها الى ما قلته في المقدمات, وأنوه ان الكتاب مهم في الدراسات المقارنة الحديثة حتى اني سارعت في سيمنار للأدب المقارن في الجامعة لطرحه على المناقشة والدراسة من قبل طلاب الماجستير المعنيين والكتاب لا يعني المختصين فحسب بل انه مفيد وممتع للمثقف والمتنور بشكل عام. ان الاطروحة المركزية التي تتقدم بها المؤلفة ماريا روزا مونيكال اطروحة تنطوي على جرأة علمية واضحة يدعمها منهج وتوثيق علمي دقيق. وليس بخاف ان النهضة الأوروبية او ما يسميه مؤرخو الحضارة الغربية بعصر الـ"رينسانس" (RENAISSANCE) او الولادة مرة ثانية, اي النهضة من جهل العصور الوسطى قد دشنتها الاتصالات العلمية والحضارية مع العرب عن طريق الترجمة لمعاهد اسستها الدولة الأوروبية المعنية ورعتها ومولتها وأشرفت على برامجها وطواقمها في كل من اشبيلية وقرطبة وبالرمو صقلية بدءا من احتلال النورمانديين لصقلية. واحتلال الاسبان المدن الاندلسية توليدو "طليطلة" وقرطبة واشبيلية بدءا من القرن الثاني عشر. وان التأثير العربي الاسلامي في هذه النهضة كان بارزا وان حاول كثير من الدارسين في الغرب ان يحجبه بالعودة الى الاغريق وفضلهم على الفلسفة والعلوم في نهضة المسلمين وانتقال هذا الفضل الاغريقي الى اوروبا على ايدي العرب, فللعرب في زعم هؤلاء فضل الترجمة والنقل اما الابتكار والتوليد والاختراع فللاغريق, او لورثتهم الاوروبيين. لكن اطروحة مونيكال في كتابها هذا لا تعنى بهذه المسألة الخلافية من هذه الجوانب وتعتبر ان النهضة الأوروبية بدأت في الاندلس بأكثر من قرنين قبل حركة الاسترداد الاسباني والغزو النورماندي لصقلية لكنها نهضة اوروبية بلغة عربية وعلى يد الاندلسيين العرب, فأوروبا النهضة كانت تحجب الدور العربي والاسلامي الذي وسمته المؤلفة بالمنسي باسدال الستار اليوناني الاغريقي عليه وبتجاهل ثمانمائة سنة من الوجود العربي في اسبانيا وجنوب ايطاليا. هذا الدور تطرحه مونيكال لا كدور وسيط, ناقل او مترجم او شارح بقدر ما تطرحه كدور اصيل لعرب ومسلمين اوروبيين لم ينقلوا النهضة من الاغريق الى اوروبا فحسب بل شرعوا كأوروبيين عرب بعملية النهوض في اوروبا بعلومهم وفلسفاتهم وفنونهم وصناعاتهم وعمارتهم التي تبناها الأوروبيون الغربيون فيما بعد. وبأطروحة كهذه تريد مونيكال ان تنقل مسألة تأثير الدور العربي على النهضة الأوروبية من مسألة خلافية بين خضارتين اوروبية مسيحية وعربية مسلمة الى اعادة كتابة تاريخ الحضارة الغربية والعودة بينابيع النهضة وجذورها الى فترة تاريخية مبكرة من حياة الاندلس وجنوب ايطاليا. كان بعض الأوروبيين يتكلمون بالعربية ويفكرون بها ويغنون بألحانها وانغامها, فبنية النهضة لم تنتقل من قوم الى قوم ومن لغة الى لغة بل انها قامت على ايدي الاوروبيين الذين صدف ان كانت اصول بعضهم يعود الى الاصل السامي او العربي. واطروحة مونيكال لا تتسم بالجرأة فحسب بل انها ايضا تتصف بالطرافة والجدة, قد يكون من غير العلمي وغير الموضوعي ان يتجاهل الأوروبيون اسهام العرب في نشوء النهضة الأوروبية لكننا لا يمكن ان نتجاهل ان الحضارات كالاقوام تهاجر من وطن الى وطن آخر وان ما قام في الاندلس وجنوب ايطاليا في صقلية كان حضارة عربية اسلامية لا باعتبار اللغة فحسب بل بالاعتبارات الحضارية ومعطياتها الواضحة من لغة وعقيدة وحركات فكرية وعلمية, صحيح انه ساهمت فيها اجناس متعددة تنتمي الى ولاءات دينية عديدة لكنها اي النهضة انجزت في ظل التوحيد واللغة العربية وتفاعل الوحي كسلطة علينا في الحضارة الاسلامية تتعهد المعرفة والعلم وترعاهما, فالانسان والعقل اللذان منح الفكر الاغريقي من بئرهما لم ينفصلا في التعدد الوثني الماورائي وكذلك الفكر والوحي في الحضارة الاسلامية كانا في حوار دائم في عصورنا الذهبية. وهي السمة المميزة للفلسفة العربية الاسلامية عن سالفتها الاغريقية. ويحضرني هنا ما ذهب اليه السير هاملتون جب المستشرق المشهور من ان النهضة الأوروبية او ما يسمى بالرينسانس سبقتها كما مهدت لها نهضة عربية اسلامية من القرن التاسع الى القرن الثاني عشر للميلاد في المشرق والنهضة في الاندلس على تميزها ان هي الا فرع من النهضة المشرقية والاتصال بينهما بنيوي وعضوي. (كالحال بين اوروبا وامريكا). اذن هناك رينسانس اوروبي غربي ورينساس اسلامي عربي والتفاعل والحوار بينهما كان على اشده في صقلية واسبانيا, ولولا الاسهامات الغربية في معظم شؤؤن العلم والمعرفة والفلسفةوالثقافة والأدب والعمارة والفن وانجازاتها لتأخر الرينسانس الأوروبي على رأي الغربيين انفسهم بما لا يقل عن قرنين. اما اجتهاد مونيكال من ان النهضة الاوروبية ساهم في نشأتها اوروبيون من اجناس واديان ولغات مختلفة ومتعددة هو اجتهاد عليه ان يصمد ويقارع اجتهادات اخرى لا تقل عنه اهمية وصوابا .
|
بدأ تياره بالكساروالريحاني ثم علاء وهنيدي أسباب سيطرة "الفيلم الكوميدي" على أذواق الجمهور وتحقيق الإيرادات!!
القاهرة ـ ناجي ابراهيم:
تعود اسباب نجاح الفيلم الكوميدي عن كثيرة من الافلام بسبب تلك التركيبة المزاجية لكافة شعوب العالم التي تميل للضحك والفرفشة حتى في أكثر الأوقات نكدا وتأزما !!. كان الفنان علي الكسار هو أول من قدم فيلما روائيا قصيرا بعنوان "الخالة الأمريكانية" بعدها قدم أمين عطا الله أول فيلم روائي طويل بعنوان "البحر بيضحك ليه" من اخراج استيفان روست, بعدها انطلق قطار الكوميديا ليلحق به العديد من المؤلفين والمخرجين ومع كل ضحكة وابتسامة كان فن الكوميديا الراقي يضع نجومه البارزين ويقتحم بهم التاريخ خاصة علي الكسار وحسن فايق ونجيب الريحاني واسماعيل ياسين وعبدالمنعم مدبولي وفؤاد المهندس وعادل امام وأخيرا اشرف عبدالباقي وهاني رمزي وعلاء ولي الدين ومحمد هنيدي. طوال مشوار السينما المصرية "حوالي 3000 فيلم" كان الفيلم الكوميدي هو الأكثر سيطرة على اذواق الجمهور والأكثر قدرة على تحقيق الايرادات وتجاوز كافة المحن التي اصابت صناعة السينما, حيث كانت الفترة الواقعة ما بين عامي 1945 ـ 1967 هي أغزر سنوات الكوميديا وهي بذاتها التي شهدت أهم التجارب الباقية الى اليوم والتي تجعلنا نترحم على زمن الكوميديا الجميل, فضلا عن انها الفترة التي برزت فيها كتيبة الكوميديانات ذوي الوزن الثقيل الذين اعطوا للسينما مذاقا خاصا جعلها طازجة حتى الآن وصالحة للهضم سنوات قادمة وقد ساهم المناخ الاجتماعي والثقافي والاقتصادي الرحب بالكوميديا ان تنمو طاقات كوميدية هائلة وجدت متنفسا لها في هذا المناخ, ولولا توافر هذا العدد الكبير من الكوميديانات الموهوبين والنادر ان يجتمعوا في فترة زمنية واحدة ما كان حدث هذا الانتعاش الهائل للفيلم الكوميدي عبر التاريخ. حيث ظهر في عصر الثلاثينات والاربعينات حشد هائل من نوع الوزن الثقيل دفعة واحدة نذكر منهم نجيب الريحاني وعلي الكسار وعبدالسلام النابلسي وماري منيب ومحمود شكوكو وبشارة واكيم وعزيز عثمان وزينات صدقي وأمين الهنيدي, وسليمان نجيب وفؤاد شفيق ولم يتوافر لعالم الكوميديا هذا العدد الهائل من الممثلين الموهوبين فحسب , وانما برع ايضا مجموعة من كتاب القصة والسيناريو والحوار الذين تخصصوا في الكتابة الكوميدية مثل علي الزرقاني والسيد بدير وأبو السعود الابياري وبديع خيري. والواضح في هذه المجموعة المتألقة ان احدهم لم يستأثر بكتابة فيلم واحد, بل ان بعضهم كثيرا ما اجتمعوا على كتابة فيلم واحد, مثل فيلم المليونير الذي كتب قصته مأمون الشناوي والسيناريو أنور وجدي والحوار أبو السعود الأبياري والاخراج لحلمي رفلة. وكان طبيعيا ان تكتمل دائرة الابداع بمجموعة من المخرجين الذين اقتنعوا بالكوميديا وتخصصوا فيها ويأتي في مقدمة هؤلاء المخرجين فطين عبدالوهاب وعباس كامل وحسين فوزي وحسن الصيفي. وقد تنوعت الكوميديا التي قدمها هؤلاء العمالقة ما بين الكوميديا الشعبية التي جرت احداثها في الحارة وسط اجواء شعبية والكوميديا الموسيقية التي جرى فيها تقديم الكوميديا في قوالب موسيقية وهي الكوميديا التي ظهرت في افلام محمد فوزي وكارم محمد ومحمد عبدالمطلب ومحمد الكحلاوي. ثم الكوميديا العائلية التي أشرف على اخراجها المخرج فطين عبدالوهاب. هرج الكوميديا يعتبر عادل امام هو النجم الكوميدي الوحيد الذي تحمل عبء تقديم العديد من التجارب السينمائية التي تحمل عبق الكوميدي لمدة طويلة من الزمن , حيث كادت أزمة السنين ان تفرض وجودها على صناعة السينما في مصر. ثم ساهمت هرج الافلام الكوميدية الاخيرة التي بدأت باسماعيلية رايح جاي وصعيدي في الجامعة الأمريكية وهمام في امستردام, وكمين على الحدود في حدوث انفراج في ازمة السينما, حيث ساهمت هذه الافلام الأخيرة في ملء الفراغ الذي كانت السينما تعاني منه , كما انها ساهمت في انهاء حالة التعالي الفكري "الفذلكة" للسينمائيين لأن السينما في الاساس هي الجمهور عاوز كدة!!. وليس صحيحا ان هرج الافلام الكوميدية مجدد ظاهرة ستزول مع الوقت بالعكس ستتأصل لأن جمهور السينما "مش غاوي نكد" وهو الذي ساهم في تعاظم ايرادات الفيلم الكوميدي عن غيره من الافلام السينمائية الأخرى وأكبر دليل فيلم صعيدي في الجامعة الامريكية الذي حقق ايرادات تجاوزت 25 مليون جنيه وهو رقم غير متوقع في ضوء تحديات أزمة السينما. إن السينما المصرية تمر حاليا بمرحلة غاية في الخطورة مثل ظهور نجوم شابة بشكل غير متوقع ونجاح افلام وسقوط افلام, وهذا يستدعي بالضرورة البعد عن النظرة التشاؤمية للسينما والبحث عن كتاب سيناريو متخصصين قادرين على الارتقاء بذوق الجمهور بحيث لا تصبح الافلام الكوميدية مجرد هرج للفرفشة فقط!!
|
|
شريفة الشملان
كان جميلا, كنت أراه أروع الرجال, لم يكن ينشغل بغيري, عندما اسمع دندنات جرس رقبة حماره الحساوي الجميل, أطير أسابق الريح له, اتعلق برقبته يرفعني الى فوق وكأنني اصل الى أعلى نقطة يفكر بها خيالي الصغير.. تنهرني أمي كثيرا عن ذلك تقول إن البنات لا يجوز أن يتعلقن بغير آبائهن وأعمامهن وأخوالهن, لكنه عندي كان كل هؤلاء.. لذا كنت أتحمل نهرها ولا أناقشها به كعادتي اذ يدعونني "طويلة اللسان". طفلة السادسة أنا, كنت بموعدي التموزي الصباحي, اهب مبكرة صباحا كي أكون في استقبال ابراهيم بعد ساعة.. ما أن اسمع دقات حوافر حماره إلا واركض له بكل ما أملك من فرح طفولي وحبور, ثم استلم القفص الصغير الذي يحضره مخصوصا لي, لأرى تشكيلة جميلة من رطب البصرة بألوانه الزاهية, أصفر كالذهب ووردي وأحمر فاتح وغامق, كذا احجامه المختلفة كاختلاف الألوان, ولا ينسى ان يخصني بالرمان أو التفاح الأخضر الصغير ذي الطعم الحامض حلو. أركض به لمنزلنا وأحضر طاسة اللبن وعلى وجهه تسبح قطع الثلج وقطعة من الزبد كنت قد غافلت جدتي وأخذتها.. كنت أدعوه عمي وكانت البنات يضحكن مني, كيف أدعو حم ارا بسيطا بلقب عمي؟!, لا يهمني أمرهن, اذ كان عطوفا حنونا.. الأمر كأنه البارحة, طفلة السادسة بالزقاق تركض من رأس الزقاق المترب, لرأس, علها تسمع دقات الجرس يعلن القدوم لكن الساعة السابعة تمضي والثامنة, تعلو الشمس ولا يحضر ابراهيم, وأحضر طاسة اللبن والثلج يطوف فوقها خوفا ان يأتي جائعا عطشا, لكنه لا يأتي أجرر اذيالي نحو البيت, تزجرني أمي من الدوس على السجادة بأقدامي المتربة, وكان التراب الأسود يغشى قلبي الغض, أين ابراهيم؟ قالت جدتي: الغايب عذره معاه. قالت أمي لعل الحر لم يعط فرصة للفلاحين لجني الرطب. وأنا في داخلي غصة لازلت اذكرها, كأنها البارحة., في الغد أدارت امي وجدتي نظريهما عني, عندما سمعتاني أقول: سأذهب ربما يعود ابراهيم! بلعت كلاهما غصة ثم قالتا لا تذهبي ابراهيم ذهب الى السماء.. نظرت للسماء لعلي أراه لم أر إلا شمس تموز تحرق عيني, في الليل رأيت القمر قلت لعله ينام الآن فوقه وسيراني, بل كنت أحيانا انشد أناشيد المدرسة فوق السطح عله يسمعني.. مضى زمن وجاءت ازمان, لكن كلما عاد موسم الرطب تذكرت ابراهيم, قرأت الفاتحة وجعلت ثواب مأكله له.. قد ننسى أحداثا كثيرة لكن أحداث الطفولة دائما تبقى الأمتع نغرف منها لنستزيد بذكرى من أحبونا وأحببناهم.
|
|
قصة قصيرة : مختار محمود عبدالوهاب
"يحدث كل يوم" "في ستين داهية يا سبع البرمبة". قالها وهو لا يعلم ما سيحدث بالضبط, واستدار بكرسيه الفاره ناحية الغرب, ليودع بناظريه عبر النافذة الزجاجية الشمس وخطوات السيد "س" الجادة المنفعلة, الشمس في غروبها تبدو مختنقة صفراء, وهي تسقط خلف سلاسل جبال البحر الأحمر ـ الكائنة خلف مياه خليج السويس, واسوار قصر الثقافة التي لا تحجب الرؤية. خطوات السيد "س" مازالت جادة ومنفعلة, طويلة وسريعة, وهو يجرجر شبشبه ليجتاز بوابة الثقافة متجها الى شارع المنشية. "الجوة" (1) قالها حارس البوابة: مبلط القيشاني في غير أوقات العمل منتظرا "الله يجويك".. لم يرد السيد "س" بينما تحسس قصاصات الصحف الخاصة بمؤتمر ادباء الاقاليم في جيب القميص. على شرفه وفنجال قهوة ـ بصوت عال: دعاه صاحب الكشك المقابل لمديرية الثقافة.. عليه ان يترك الادب تماما ويتفرغ لطفلته الصغيرة, سوف يفكر جيدا في الانتقال الى كفر الشيخ ـ مسقط رأسه من اجلها في الشهر القادم ـ سيأخذ مرتبه ومرتب زوجته ويسافر الى القاهرة لاجراء فحوصات على مخ الصغيرة التي ما تحرك لسانها بأبجدية, في المؤتمر من سيقبل التطبيع ومن سيعلو صراخه بالرفض؟. "الطريق مقفول" صرح بذلك عسكري الأمن الذي يؤمن مرور السيد المحافظ وأمره بالمرور من الشارع الآخر.. مهما قدمنا للساحة الادبية لن نصير عظماء, ملايين يكتبون القصة القصيرة, علاج البنت أولى, لا شيء يأتيه من الثقافة سوى الاهانات والانفعالات, لمح بعينه من بعيد ممثلة المسرح الممتلئة ذات الوجه المستدير والعيون الرمادية والبيت الطيني, تجلس واخواتها البنات في عرض الشارع. "صحيح يا باشا" صرخ فيه عربجي الكارو وهو يقطع شارع المنشية في الاتجاه المعاكس, كيف تكون الشوارع في اتجاه واحد في مثل هذا البلد؟؟ ألم وجع بصدره, وضع راحة يده اليمنى فوق صدره من الجهة اليسرى وما زال يستجمع شيئا من قوته لتمر الازمة التي يؤكد الأطباء انها ليست قلبية, وسوف يقف أمام وزير الثقافة ويفند ممارسات مستخدميه, وسيرفع صوته لأنه ليس موظفا لديه.. "المسا.. الأهرام المسائي" قالها موظف حكومي مرتزق يزيد دخله بعد الظهر ببيع الجرائد, كم ارسل من خطابات للمجلات المتخصصة ولم يردوا, سوف ننشر لك العدد القادم, تفقد كتاب جمال حمدان في واجهة المكتبة التي تتصدر شارع المنشية وحرص متعمدا ألا يسأل عن سعره حتى لا يسقط من طوله. يعرف كثيرا من الصحفيين والرد على رسائله كل مرة: برجاء ارسال اعمال أخرى, انتظر النشر قريبا, الدراسة غير صالحة للنشر وهو لا يعلم ما هو الصالح للنشر, للاديب الكبير "..." قصة بهذا الاسم ـ هل هو توارد خواطر؟ اجتاز الاسفلت الممتد وصعد السلم المعكوس, وما ان وضع المفتاح في الباب حتى جرت "بطة صغيرة" تقف خلف الباب الذي انفرج قليلا فتبدت زوجته وطفله الصغير وبرواز لا يظهر التراب المتراكم فوقه محتواه وفاطمة التي ما ان وقعت عيناها في عينه حتى شعرت بالانتصار. لم يحدث من قبل ستخرج من بوابة الزراعة يا سيد "س" في غير مواعيد الانصراف اليومية حاملا همومك ومتجها الى بوابة السنترال للاتصال بالدكتور المعالج, وانت المهموم بحال الأدباء, وبيان نادي الادب لا تغادر صيغته مخيلتك, وستؤكد انه سيكون آخر مسمار في نعش الثقافة, "26, 18, 5, 18 مصر".... "واحد زميل" لا عيادة دكتور "ستترك الثقافة تماما وتتفرغ للحركة بالصغيرة التي افقدتك كل لذيد في هذه الدنيا, تستطيع لاحقا ان تكتب للاذاعة المحلية, ولعلها ذات بريق الآن, وهل ستقبل كاتب دراما ام معد برامج, سيخسرون كثيرا اذا تجاهلوك, جرس وبس ي استاذ" "42, 22, صفر, 7, بنها"... سيؤرقك كثيرا ان اهلك في كفر الشيخ وبينك وبينهم مسافة عشر ساعات سفر, وستزعم ان مرض ابنتك بسبب انقطاعها عن حياة الاسرة الكبيرة, طفلة صغيرة لا تعرف إلا الجدران الاربعة في البيت والحديقة في الحضانة والشارع الذي يصل بينهما, لا وجوه, ولا فضاءات, ولا حوار, لا ريف قديم ومباني طينية تصنع علما في ذهن الصغار. "كلم.. في واحد يا أستاذ"... وددت كثيرا ان تحادث الدكتور بعيدا عن زحام العيادة وتفهم منه لماذا طلب اشعة مقطعية على المخ! وهو يعلم ان الحالة المادية لا تسمح؟ هل مشكلة البنت في التخاطب؟. آلو يا دكتور.... أنا أبو الطفلة فاطمة.... حضرتك متذكر الطفلة... عندها بؤرة صرعية في مخها "سيرتفع صوتك شيئا فشيئا وتغلق الباب الخاص بالكابينة بعنف, تخرج محمرا, ومنتفخ الأوداج, ساخطا على الدنيا ومن فيها, وتظل تسب لاغلاق الخط في وجهك, ويتناول عامل التليفون من يدك الجنيه دونما تعليق, وستتجه خارجا الى الثقافة تفكر في بؤرة صرعية لا يمكن علاجها, ستقف امام بوابة الثقافة تحادث احدى الموظفات, وسيخرج مديرها يبصق في وجهك ويسبك وعيناك المفتوحتان ازدادتا اتساعا وانكسرتا الى الأرض!!! وستبتعد الصورة... تبتعد, وتتوه يا سيد "س" في رهط من الرجال في شارع السنترال الموجود بوسط مدينة طور سيناء القابعة شرق خليج السويس, التائهة بين بحرين وقارتين وعالم كبير, وكون لا نعلم له حدود. لن يحدث مرة أخرى الكل لم ير ما حدث رأي العين, والكل هنا لا يستطيع تفسيره, غير ان واحدا من الطورة (2) أكد ان هذا مس من الجن, واجتمعنا وانقضى جمعنا ولم نصل لشيء, هل هناك سبب مباشر لما حدث؟ وتعددت الاسباب والنتيجة هي النتيجة لا نقدر على علاجها أو احتوائها... من الطبيعي ان يكون للشخص رأس وأنف وفم... له رأسان وأنفان وفمان" اطلقها وفغر فاه ليستحثنا على الاستغراب ونحن لا نصدق, لعله لم يرد جيدا, وبالبحث في تاريخه الاخلاقي تبين انه لم يتناول مسكرا ولا خمرا قط, وأكد بعض المبالغين انه لا يعرف المياه الغازية فهو صادق: رأسان وأنفان وفمان؟. وعينان؟؟؟ سألناه نستدرجه للسقوط ونقيم حجة الكذب والتدليس "اربع عيون!!!" أكد وأشار بالسبابة اليسرى واشهد الله على قوله انه رآه يبص امامه بعينين وخلفه بعينين أخريين, والعينان الخلفيتان لونهما اخضر لم نمهل أنفسنا سماع بقية مبالغات الذي لا يعرف المياه الغازية, ولعله لم ينم جيدا فأثر ذلك على رؤيته... الطريق لملاقاته استلزم مناقشة عدم التصديق وتنفيد آراء المشككين وحجب وجهات نظر ذوي المصلحة من ضياعه. ... عدوات السيد "س" كثيرة والغرض تشويهه "قالها مدع أدب اندس في طابور الأدباء وقت قيام المناوشات بين مدير الثقافة وراغبي الزعامة من أنصاف الموهوبين. صدامي ولكن... ليس الى هذه الدرجة "رد عليه شاعر عامية لا يريد ان يطلق لخياله العنان" هل اقدامه الاربع في اتجاه واحد؟ سأل واحد حسن النية وهو لا يعرف ان هذا يؤكد الاشاعات. يا أخي: هل صدقت ما يقال؟ دي بلد اشاعات "قالها صاحبنا كاتب القصة التقليدي, لا يمكن تخيل ما حدث رجل بأربع عيون, كذلك لا يمكن السكوت عليه, سوف نرفع شكوى للمسؤولين وأولي الأمر, كل الأدباء يتم علاجهم على نفقة الدولة, وهذا أقل القليل الذي يمكن تقديمه للسيد "س", ولكن هل مسألة العلاج بسيطة الى هذا الحد؟ هل سيتم استئطال "س" الناتئ. رجل له رأسان ورقبتان ومتصل في منطقة البطن؟ سأل ساذج يريد دس أنفه في الموضوع دون داع. ليس الأمر مقطوعا بصحته الى هذه الدرجة, ربما الاتصال في منطقة الرأس, آخرون أكدوا ان الاتصال في منطقة البطن والارداف. هذا الرجل الفارع الطول, الضامر الجسم, النحيل الرقبة ذو اللحية, الفالج الاسنان, انقسم واصبح بجسمين ورقبتين ولحيتين سألت على الفور القصير الذي يرافقني ويكتب الشعر الغنائي ويتحدث بملامحه: "هل له لحيتان" "لا اظن" أجاب بلهجة الفليسوف وصيغة رجال السياسة التي تحتمل الوجود والعدم في آن واحد. ..................... خرج حاملا همومه في الصباح, وابنته الصغيرة بطة التي بلغت سنواتها الست, لم تنطق بكلمة حتى الآن غير وأوآت, وسأسآت, وأكد طبيب المخ المعالج ان برأسها بؤرة صرعية ربما ولدت بها وربما لازمتها ما دامت حية. راتبه الصغبر الذي لا يكاد يسد الأفواه المفتوحة والأيدي الممتدة, جيرانه الذين يؤجرون شقتهم مفروشة لمجموعة من سائقي النقل الثقيل يقلقونه ليل نهار, ولا ينامون إلا على أيدي بوليس النجدة, أنصاف الموهوبين من الادباء الذين يقفون بأحذيتهم على رؤوس سامعيهم ومنصات التتويج, والقائمين على الثقافة الذين يحملون بجيل من ماضغي العلك. حرصي على رؤية المهتم المنقسم جعلني أهرول في مشيتي وبقية الرهط يتناثرون في طول شارع المنشية متجهين الى مساكن الدبش. يستطيع الشيخ المفوه الذي سبه سابقا ان يقف وسط الجموع ويقول: وحدوا الله وسيظل يهتف ورعاة الماعز وزارعي البانجو سيتوافدون من الجبل الشرقي ومن اتجاه شرم الشيخ لرؤية المنقسم, بينما يفكر شيوعي سابق كيف يصوغ مشكلة السيد "س"وسيتوقف كثيرا امامه, لقد كان رجلا واحدا فكيف انقسم؟؟ وكيف سيتغوط؟ وسيظل يسأل, بينما يفكر الشاعر الممتلئ كيف يستغل انقسامه في الحصول على طعام أكثر؟ حين يصحبه للمؤتمرات يأخذ بونات تغذيته. السؤال المطروح الآن ونحن لم نسلم بعد بانقسامه: هل يفكر فكرا واحدا أم فكرين وكيف سيحيى بأكثر من وجهة نظر؟. .. وسوف نعترض جميعا منقادين الى متحدث يهتم كثيرا بالاخلاق... لحظات وينجلي الأمر وتخرس الألسنة ويبيت في كل ما قيل... وقفنا ننظر الى الاسفلت الممتد حتى نهاية مساكن بدر, والسيد "س" قادم من بعيد.... هوامش: الجوة: تحية عرب سيناء, وتعني القوة وردها: الله يقويك. الطورة: بتشديد الطاء: مجموعة من العرب الذين سكنوا مدينة الطور وتركوا الجبل.
|
للمشاركة أو التعليق، اضغط هنا
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2000
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@alriyadh-np.com
|
|
فن وثقافة
|
|
| صفحات العدد |
| محليات | | الرياضة | | اقتصاد | | الرأي للجميع | | تحقيقات | | حروف وافكار | | فن وثقافة | | كاريكاتير | | محطات متحركة | | شئون دولية | | لقاء | | هموم عربية | | القبول والاختبارات | | الاسهم | | اخبار الشركات | | مهرجانات المملكة | | حوادث |
|
|
| | | |