أبناؤنا.. وحساسية القضايا العلمية الهامة
عبدالعزيز بن عبدالله العمرو- الرياض
تصاب امة بقدر جلالة امتنا العظيمة اليوم بالمزيد من المصائب من اعداء في وضوح الشمس, وغالبا ما يكون وجه "الآخر" الذي لا "نشبهه" أشد وضوحا في نظر "المؤامراتيين" التقليديين الذين يقصونه ويقذفون به في الدرك الاسفل من سلم بني البشر, هذا من جهة.. اما جهة البلاء الأخرى فهي كثير من ابناء هذه الأمة التي ابتلاها الله بهم لحكمة بالغة منه فله الحمد والثناء على كل حال. ولعله من غير الانصاف اعتبار ذلك من قبيل العمد والقصد بل عن اسباب شتى يأتي في طليعتها الاندفاع والحماس.. الذي يستتبع تغييب المقاصد والأهداف القيمة. دفعني للتذكير بذلك ما طالعناه قبل ايام في العدد "11728" حول ما كتبه الأخ ناصر الحريص تعليقا على مقالات الأستاذ سلامة الهمش في اللغة والنحو والتعليم,.. ومع ان جملة واحدة منه لم تكن جديدة, ولم نطالع إلا "معارا ومعادا من قولنا مكرورا" ويتناسب تماما مع ما يمكن ان يدرج في باب الإنشاء الطلابي تحت عنوان "لغتنا الحبيبة".. إلا ان اللافت لنظر الناظرين في الأمر أولا الجرأة على أستاذ قدير في تخصصه من تلميذ لما يشب عن الطوق وبجرأة الشباب التي خالطها كثير من الهذيان وذلك ألطف ما يسعنا وصفه, فهو قد أجاز "الرجعية, وعدم مواكبة العصر, والهدم من حيث لا يدري" ليس إلا اعلانا.... ولفتا للأنظار, كونه قد نبغ في علوم الأوائل واحاط بها علما و"رأى" بثاقب بصيرته انها في وضعها الحالي ملائمة تمام الملاءمة لأبناء هذا العصر!. ولينظر القارئ العزيز في "الرجعية و... و.." من مفردات استطابها الأخ الحريص, وانظر في ما يجعلها دحضا بكونها اتهامات من "دعاة التطوير والتجديد"؟!! لا شيء البتة, ونعوذ بالله من بهرجة الظهور والشهرة الزائفة, واذا عدت فلم تجد إلا خطبة وعظ لغوي تقليدي, وجملة اغلاط في جهات شتى, فلا يمكن إلا ان تأسى على الوضع الذي يعيشه تعليم اللغة في مؤسساته ومنابره المختلفة, وعد إلى طلاب الجامعات الدارسين "..." في حقل اللغة العربية وانظر كيف تخرجوا وكيف عهد إليهم تعليم النشء الواعد. الأمر في جلاء الشمس رابعة نهارها, والحال لا يعوزها مزيد شواهد, فقد ترى صنفين من الطلاب: فمنهم الخارج كما دخل, ولم يزد على منهج الثانوية إلا تغليف الكلمات وتزويقها ببعض تعابير قدماء النحويين, هذا إذ نطقها صحيحة, وهذا ان كان ممن يصح في حقه اطلاق اسم "معلم". اما التدريس فهو مسرح وورشة للتجارب واكتشاف النظام اللغوي العتيد. والنوع الثاني: فئة المتفوقين في حسابات الدراسة الاكاديمية وطرائق تقييمها, وهم "الحفظة" أو "الحفيظة" بتشديد الفاء ـ كما ينطقها بعض العامة, وجل هؤلاء ـ وليس جميعهم ـ ممن نالوا رضا "المعلم" الجامعي اخذوا على عاتقهم الرسالة اللغوية إلى الأمة, وحملوا لواء فتوحاتها العلمية بسواعد لا تلين ولا تكل!!!. ان الوهم الذي تقع فيه هذه الفئة كبير, ويزيده وهما على وهم كون الأوضاع الحالية في حقل التعليم مهيأة لمثل ذلك.. فالمعلم ما إن يباشر التدريس حتى يشفى بقدرة الله تعالى من جميع العلل والمشاكل التي تراكمت وصاحب مسيرته التعليمية وربما الحياتية ـ ولم لا, فقد تزول عقد الماضي الذي انسبك بحكم العقل المقموع والأمر المسموع واعتيد عليه حتى بات أصلا ونهجا أمثلا.. وإذن فهو الأجدر والأعلم هنا وهو الذي يملي ولا يملى عليه بعد الآن!!. وله ثانيا : وضع معيشي بعدئذ في السلم الوظيفي بما يسعد المفجوع ويطرب الثكلى. وثالثة الأثافي وهي "الوهم الأكبر": الاعتقاد بأن المعرفة المكتسبة من هذه المناهج الدراسية وحدها سبب كاف.. للزهو والفخر باعتبار عجز الآخرين وشكايتهم الدائمة من صعوبة في دراستها, فاحراز علامات جيدة في النحو على سبيل المثال دال على نبوغ يفوق العادة وعلى عبقرية ربما تخجل "اينشتاين" نفسه.. وذلك سبب وجيه للظهور محاميا للغة, ومتحدثا رسميا باسمها!. حتى انه يخاطب استاذا خبر علم اللغة فيقول : "ولا يفهم الأستاذ اننا نرفض.." هكذا بصيغة الجمع التي تناطح وتفوق منزلة الأستاذ الأكبر قدرا وسنا.. وهذا ـ لعمري ـ من افجع الفواجع واشد الأعراض ألما, إذ لا يدمنها في طريق تقديم "المدرس" لساحة عمله, فهي مرحلة البلوغ والرشد العلمي ـ أو هكذا يفترض.. والله المستعان. نعود فنقول ان جزاء وتكريم الطلاب المتفوقين "واجب", وينبغي الاحتفال بهم, وان لزم الأمر منحهم خمس نجمات باللون الأحمر على كراسة الاجابة "!!" فلربما أرضى ذلك كبرياءهم, وحتى يبتعدوا عن المعارك العلمية الجادة التي تتطلب عقلا خلاقا ومبدعا, ومنهجية في البحث والدراسة المنظمة. وليس اجترار الخطب المكرورة في اللغة والادب وجعلها قولا قدسيا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, مع امكانية القول بأفضل منها ولكنه الخوف والاسقاط المعتاد في مثل هذه الخطب على "الغير" الذي انزل منزلة ليست له, ليس إلا فرارا من هم المساءلة في زعمه. اختم بالقول مذكرا ان ما سبق ليس دفاعا عن أحد فالأستاذ سلامة الهمش أقدر مني بمنازل, وربما ترك الأمر تلافيا لاضاعة الوقت والجهد في تحصيل حاصل.. واذكر ثانيا بأنه ليس نيلا من أحد بقدر ما هو نيل من خطاب معتل ومثقل بالمغالطات.. وينبغي عدم اخذه باعتباره الأجود لكثرته ولا باعتباره الأصوب لاستشهاده بالقدماء اعتسافا واجترارا, ولا باعتباره الأنسب لاعتيادنا عليه وذلك أهم في الأمر جميعا. بل يجدر بنا الوقوف والتمحيص والغربلة واعمال الفكر حتى وان كنا من "الشطار" كما نقول في عاميتنا أو المتفوقين دراسيا وحسبنا الله وبالله التوفيق.
|