المرشد الإيراني خامنئي دخل المعركة مؤازرا للجناح المتشدد حملة المحافظين على الصحافة "الاصلاحية" تشتد والرئيس خاتمي يعبر عن استيائه.. بالصمت
طهران مهدي بازركان
استسلم البرلمان الإيراني الذي يسيطر عليه الاصلاحيون الأحد الماضي لإرادة المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي وعلق مشروعا يطالب بمراجعة قانون حول الصحافة من بين المواضيع المدرجة على جدول أعماله وهو مطلب رئيسي للاصلاحيين خلال حملتهم الانتخابية التي أوصلتهم إلى البرلمان فبراير/شباط الماضي. وكان البرلمان يستعد للاقتراع على قانون يرفع القيود على الصحافة ويعطي حرية أكبر للصحافيين الذين يواجهون حاليا ضغوطا متزايدة من قبل السلطة القضائية التي يسطر عليها المحافظون ولكن مع تدخل خامنئي في اللحظة الأخيرة اضطر البرلمان إلى تعليق القضية حتى اشعار آخر ما تسبب بتشويش الجلسة فيما غادرت مجموعة من النواب الاصلاحيين القاعة تعبيرا عن احتجاجها. وشدد القانون الإيراني الحالي للمطبوعات والذي أقره البرلمان السابق الذي كان يسيطر عليه المحافظون القيود والعقوبات على الصحف والصحافيين إذ يحظر انتقاد الدستور ويسمح للقضاء بالتدخل عمليا بدون سابق إنذار لتعليق أو معاقبة مطبوعات ومسؤوليها وكذلك الصحافيين. وأصبحت الصحافة الإيرانية بعد وصول الرئيس محمد خامنئي إلى الحكم إلى ساحة معارك بين الاصلاحيين المساندين للرئيس خاتمي والمحافظين الذين يسيطرون على مؤسسات مهمة في الجمهورية الإسلامية كالسلطة القضائية ومجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام وحرس الثورة الإسلامية (الباسداران) وقوات التعبئة (البسيج). فبعد انتخاب الرئيس خاتمي عام 1997م انتشرت الصحف الاصلاحية التي أخضعت كل جوانب المجتمع الإيراني للنقد والتعليق, لكن المحافظين نجحوا في رد الهجوم واجهاض الصحف الاصلاحية من خلال قانون سنوه في البرلمان السابق الذي انتهت ولايته قبل حوالي ثلاثة أشهر يفرض قيودا كبيرة على الصحف والمطبوعات واستطاعوا حتى الآن إغلاق 20 صحيفة ومجلة. وأوضحت الحملة التي شنها المحافظون ضد الصحف. ضعف موقف الاصلاحيين رغم المكاسب البرلمانية التي حققوها في الانتخابات التي جرت فبراير/ شباط الماضي والتي أسفرت عن فوز كاسح للتيار الاصلاحي ولكن التيار المحافظ المعارض للاصلاحات التي يدعو إليها الرئيس خاتمي ما زال يسيطر على السلطة القضائية ومؤسسات مهمة أخرى. واحتدمت المواجهة بين الاصلاحيين من أنصار الرئيس محمد خاتمي الذين يسيطرون على أغلبية مقاعد البرلمان والسلطة القضائية التي تتحداهم وتقف في مواجهتهم دون الاكتراث بالحملة الإعلامية التي يوجهونها ضدها منذ ابريل/نيسان حيث يتهم الاصلاحيون خصومهم المحافظين بأنهم شنوا هجومهم ضد الصحافة الاصلاحية بعد المكاسب التي حققها التيار الاصلاحي في الانتخابات البرلمانية التي جرت في فبراير/شباط. هذه المواجهة دخلت مرحلة جديدة من الحرب الكلامية عندما منعت محكمة في طهران لجنة شكلها النواب الاصلاحيون في البرلمان للتحقيق وحضور مرافعات محكمة تحاكم أشخاصا اصلاحيين اتهموا بفبركة شريط فيديو ضد المحافظين واتهم اثنان من المحامين الاصلاحيين باعداده وتم القاء القبض عليهما قبل ان يتم اطلاق سراحهما بكفالة. الاصلاحيون اعتبروا قرار السلطة القضائية منعهم من الحضور في جلسات المحكمة عملا مخالفا للدستور إذ أنهم يعتقدون ان البرلمان هو الطرف الوحيد الذي يمكنه البت في كل القضايا التي تجرى في البلاد ولكن المتحدث باسم السلطة القضائية رد على نواب البرلمان الذي يسيطر عليه الاصلاحيون بالقول بأن اللجنة لا يمكنها التدخل في قضية خاصة تخص السلطة القضائية وان القضايا العامة لا يمكن التدخل فيها ولا يحق لأي شخص النظر فيها حتى رئيس السلطة القضائية. وبعد التصريحات والتصريحات المضادة من قبل الجناحين الرئيسيين في النظام الإسلامي في إيران أي الاصلاحيين والمحافظين, سمحت السلطة القضائية أخيرا لأعضاء اللجنة البرلمانية بالتحدث مع المتهمين في فبركة شريط الفيديو واللقاء مع المتهم الرئيسي فرشاد إبراهيمي ما دعا أعضاء اللجنة البرلمانية إلى الترحيب بالموقف الجديد للسلطة القضائية املين ان يستمر التعاون بين الجانبين. موقف الاصلاحيين من السلطة القضائية لم يتغير منذ ثلاث سنوات أي منذ وصول الرئيس محمد خاتمي عام 1997م إلى السلطة إذ أنهم يعتبرون هذه السلطة تقف في وجههم وتضع العصي في دواليب الاصلاح. وكان الاصلاحيون يأملون أن يسفر تعيين آية الله هاشمي شاهرودي بدلا من آية الله يزدي عن اصلاحات وتغييرات أساسية في السلطة القضائية بحيث تكون التغييرات في صالحهم وتساعد على تسريع حركة الاصلاحات التي يدعو إليها الرئيس محمد خاتمي. ويقول محللون سياسيون ايرانيون حول موقف السلطة القضائية من الاصلاحيين, ان هذه السلطة اتخذت منذ فوز الاصلاحيين في الانتخابات الرئاسية عام 1997 ومن ثم البلدية عام 1999 وأخيرا البرلمانية شباط الماضي موقفا اعتبره الاصلاحيون عدائيا لهم. السلطة القضائية التي يعتبرها الاصلاحيون في صف المحافظين أصدرت أحكاما باغلاق عدد كبير من الصحف الاصلاحية خلال السنوات الثلاث الماضية لأنها كما أعلنت هاجمت الأحكام الإسلامية ورموز الجمهورية الإسلامية كما اعتقلت العديد من السياسيين والصحافيين الاصلاحيين ولايزال بعضهم نزلاء سجن ايفين الشهير في العاصمة الايرانية طهران. وكان آخر من ألقي القبض عليه من الشخصيات الاصلاحية حجة الإسلام حسن يوسفي اشكوري رجل الدين الذي شارك في مؤتمر برلين الذي عقد مؤخرا واعتبر ملتقى لاعداء الجمهورية الإسلامية وانه انعقد للنيل من النظام الإسلامي. اشكوري كان منذ ثلاثة أشهر خارج ايران وقد اعتقل بعد وصوله إلى طهران الأسبوع الحالي وذلك بقرار من المحكمة الخاصة برجال الدين ووضع رهن الاعتقال المؤقت حيث أكد محمد ابراهيم نكونام مدعي عام محكمة رجال الدين في ايران ان محاكمته ستبدأ قريبا وذلك بعد اكتمال التحقيقات الأولية. ووجهت إلى اشكوري وهو رجل دين تهم ومنها المشاركة في مؤتمر برلين الذي اعتبر مؤتمرا عقد ضد نظام الجمهورية الإسلامية وكذلك العمل ضد أمن الدولة والافتراء وتوجيه الاهانة للمسؤولين عن طريق نشر مقالات في الصحف المحلية والأجنبية وممارسة الدعاية ضد الدولة والاساءة إلى المقدسات الإسلامية والتشكيك في بعض الأحكام المسلم بها للدين الإسلامي وكذلك التصرف بما لا يليق وشؤون علماء الدين وكانت السلطة القضائية اعتقلت عددا من الاصلاحيين الذين شاركوا في مؤتمر برلين وألقوا كلمات فيها هاجموا خلالها المحافظين ووصفوهم بالجهات المستبدة. ولايزال الاصلاحيون يهاجمون السلطة القضائية ويوجهون إليها النقد اللاذع لأنهم يرونها حجر عثرة في طريق الاصلاحات حيث بدأوا يتبعون سياسة جديدة تجاه المراكز التي تقع تحت سيطرة المحافظين مهددين بأنهم سيكشفون للشعب كل الحقائق عن الأشخاص والجهات التي تقف في وجه الاصلاحات التي أيدها الشعب. وأدلى رئيس السلطة القضائية آية الله شاهرودي الأسبوع الماضي بتصريح حول ضرورة ان يكون المشرعون في مجلس الشورى الإسلامي ممن درسوا الفقه الإسلامي ولهم صلاحية سن القوانين ويدركون المصالح الإسلامية وان التشريع يجب ان يكون نابعا من الفقه الإسلامي ما أدى بالاصلاحيين إلى اعتبار تصريحاته تدخلا في شؤون البرلمان حيث اعتبر رئيس لجنة القضاء بمجلس الشورى الإسلامي ان توجيه النقد للمجلس السادس الذي لم يمض على بدء عمله سوى شهرين أمر لا مبرر له. وأضاف رئيس هذه اللجنة ان أهلية نواب المجلس يؤيدها مجلس صيانة الدستور اضافة إلى ان الشعب الايراني يختار الأشخاص الذين يتمتعون بالأهلية بينما اعتبر محمد عباني خراساني عضو لجنة القضاء في البرلمان الايراني ان عددا من الفقهاء وعددا كبيرا من أصحاب الرأي من علماء الدين هم الآن أعضاء في المجلس ولهم المام تام بالمسائل الإسلامية. بدوره انتقد رئيس مجلس الشورى الإسلامي (البرلمان) حجة الإسلام مهدي كروبي بصورة غير مباشرة السلطة القضائية لأنها كما قال تتعامل مع الصحافة بصورة عشوائية وطبقا لأهواء الأشخاص وبصورة غير قانونية معربا عن قلقه لاغلاق العديد من الصحف. وقال كروبي ان بعض الصحف لديها نواقص ولكن من الحكمة ان لا نواجه النواقص بإغلاق الصحف قبل البت فيها مؤكدا , اننا لا نرى هذا الأسلوب مناسبا ولا هو في صالح المجتمع والنظام لأن اغلاق الصحف خطوات عجولة لا تتوافق والدستور ويجب ان تكون خطواتنا متطابقة مع الدستور. ودعا رئيس مجلس الشورى الإسلامي كذلك الصحافيين إلى توخي الدقة في كتابة مقالاتهم في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وان يمتنعوا عن نشر مقالات تثير التوتر داخل المجتمع. من جهتها أصدرت جمعية الصحافيين الايرانيين بداية الأسبوع الحالي بيانا اعتبرت فيه استمرار السلطة القضائية في اغلاق الصحف والمجلات والتحقيق مع الصحافيين اسلوبا خاطئا تتبعه السلطة القضائية للتعامل مع الصحافة داعية أعضاء البرلمان إلى الحيلولة دون استمرار اغلاق الصحف والتحقيق مع الصحافيين كما دعت إلى اطلاق سراح الصحافيين المسجونين والبت في الشكاوى الموجهة للصحافيين طبقا لقواعد قانونية. ويؤكد المحللون ان الخلاف بين الاصلاحيين والمحافظين سيستمر طالما ان الصحف الإصلاحية تكتب عن مختلف الموضوعات وتهاجم المحافظين ورموزهم دون خوف أو وجل وطالما يرى الاصلاحيون ضرورة نقد كل الخطوات التي لا تروق لهم والتي تتخذ من قبل المؤسسات التي يسيطر عليها المحافظون دون مراعاة ما يعتبره التيار المحافظ بالخطوط الحمراء في الوقت الذي ترى السلطة القضائية ضرورة محاسبة من ينتقد الشريعة الإسلامية ورموز النظام. وأصدرت السلطة القضائية تموز الماضي حكما بحق عماد الدين باقي وهو أحد الصحافيين الاصلاحيين حيث أمرت بسجنه بعد محاكمة استمرت عدة أسابيع وقد حكمت المحكمة عليه بالسجن لمدة خمس سنوات ونصف السنة لأنه كما ذكرت انتقد حكم القصاص في الشريعة الإسلامية وقارن بين أحكام الشريعة وقرارات منظمة العفو الدولية زاعما ان حكم القصاص لا يتلاءم وروح العصر. وانتقد الاصلاحيون هذا الحكم وبدوره نفى عماد الدين باقي ما نسب إليه واعتبر حكم المحكمة لا يتلاءم والتهم المنسوبة إليه. الصحف الإصلاحية نشرت تصريحات الصحافي عماد الدين باقي الذي شكى من ظروف السجن وأعرب عن استيائه من وضعه في السجن في حين نفى ناطق باسم السلطة القضائية تصريحات باقي واعتبرها أكذوبة مؤكدا على تساوي الرعاية التي يلقاها السجناء في السجون. وقد زار وفد من أعضاء مجلس الشورى الإسلامي مختلف أقسام سجن ايفين المعروف في طهران والتقى الوفد الذي يضم مجموعة من الاصلاحيين عددا من السجناء لاسيما الصحافيين المسجونين وأعلن متحدث باسم الوفد بعد تفقده سجن ايفين بأن السجناء اعربوا عن رضاهم من ظروف السجن والامكانيات المناسبة التي توضع تحت تصرف السجناء. وجاءت زيارة أعضاء مجلس الشورى الإسلامي لسجن اوين اثر شائعات مفادها ان السجناء يواجهون ظروفا صعبة. من جهته لا يرى وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي عطاء الله مهاجراني وهو أحد أبرز الاصلاحيين المقربين من الرئيس محمد خاتمي أي مبرر لاعتقال الصحافيين وإغلاق الصحف حيث أعلن في تموز (يوليو) الماضي بأنه لاذ بالصمت احتجاجا على اغلاق عدد كبير من الصحف الاصلاحية من جانب السلطة القضائية. آيه الله يزدي رئيس السلطة القضائية السابق المعروف بتصريحاته المعادية للاصلاحيين أعلن في التاسع والعشرين من تموز (يوليو) الماضي في خطبة صلاة الجمعة في طهران ان الاصلاحات يجب أن تعتمد على القوانين الإسلامية وكل شيء لا يستند إلى الإسلام يعتبر افسادا مؤكدا بأن اطلاق الشعارات لا يمكن ان يحل مشاكل المواطنين وان المواطنين ملتزمون بالإسلام والدستور. وأضاف آية الله يزدي والذي هو حاليا عضو في مجلس صيانة الدستور ان الاصلاحات يجب ان تنفذها الحكومة لأن الحكومة قادرة على تنفيذ الاصلاحات وحل مشاكل المواطنين ومواجهة الفقر وغلاء المعيشة والفساد. وانتقد آية الله يزدي رضا خاتمي أمين عام حزب جبهة المشاركة الإسلامية الاصلاحية وهو شقيق الرئيس محمد خاتمي ويشغل حاليا النائب الأول لرئيس مجلس الشورى الإسلامي بسبب تصريحاته التي اعتبر فيها الاصلاحات أمرا لا تخص الحكومة قائلا : إذا لم تتول الحكومة أمر الاصلاحات فمن سيكون قادرا على محاربة الفساد الاداري والرشوة. وهكذا تستمر المواجهة بين السلطة القضائية والاصلاحيين من أنصار الرئيس محمد خاتمي. ويعتقد مراقبون محايدون ان الخلافات التي طرأت بين السلطة القضائية والاصلاحيين الذين يشكلون الأغلبية في البرلمان لا يمكن حلها إلا عن طريق عقد اجتماعات بين الأطراف المعنية وطرح المواضيع على بساط البحث معتبرين ان الاجتماع الأخير الذي عقد الأسبوع المنصرم بين رؤساء السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية بحضور المرشد خامنئي أفضل السبل لحل مثل هذه الخلافات.
|