|
|
|
Thursday 22 June 2000 No.11686 Year 37
|
الخميس 20 ربيع الاول 1421 العدد 11686 السنة 37
|
|
|
|
كلمة الرياض العرب.. ومسؤولية قبول القرارات الدولية..
قضية العقوبات المفروضة على بعض البلدان العربية, أثارت جدلا ساخنا وضع الدول العربية في موقف العاجز عن التصرف المستقل بعيدا عن مزايدات مجلس الأمن, والمثل الأهم أن دول المنظمة الأفريقية استطاعت أن تكسر هذه القرارات بالتعامل المباشر مع ليبيا ودون خوف من عقوبات تطالها, لأن إجماعها بهذا التصرف وضع مجلس الأمن أمام عقد مرفوض حتى لو كانت المبررات تعتقد بجواز ذلك الحصار, ومن هنا يأتي الاستحقاق الجيد بمثل هذا التصرف.. الموقف تكرر مع السودان, إذ رفعت منظمة الدول الأفريقية خطابا لمجلس الأمن تنادي بإيقاف العمل بقرارات العقوبات على السودان, وهو أمر يتماشى مع السابقة التي أقرتها مع ليبيا, والمثير في الموضوع أن كلا البلدين عربيان لم تطرح الجامعة العربية حلا مماثلا لرفع هذه القضايا لمستوى التنفيذ من الجانب العربي, حتى نكسب هيبتنا الدولية, ونـشعر الدول الأعضاء في مجلس الأمن أنه ليست كل الأحكام شرعية إذا خالفت قانون المصالح العربية.. يبرز العراق كحلقة ثالثة, ولأنه خارج المحيط الأفريقي فالأسئلة تتوالى عن تدني مستوى الاهتمام بالحصار المفروض على الشعب العراقي من قبل الدول العربية حتى إن البعض يحم ل الدول الخليجية وزر هذا العمل اللا إنساني دون غيرها.. في الحالتين السابقتين بالنسبة لليبيا, والسودان, بلاشك أن الموقف العربي لم يكن جيدا , أو على الأقل متفقا على صيغة عمل تطرح أبعاد مثل هذه القضايا والتصرف معها بحس المصلحة القومية, لأن البلدين لم يخترقا حاجز الحدود ويسيطرا على دولة مستقلة كشأن العراق مثلا مع الكويت, ومع ذلك لا توجد تفسيرات منطقية أدلى بها مسؤول عربي, أو رأي اتفق عليه أعضاء الجامعة العربية.. أما العراق فالحقائق, والرغبات متصادمة, فمثلما تـحم ل بعض الجهات دول الخليج المسؤولية الأدبية والأخلاقية بالنسبة للشعب العراقي, قبل زعامته, نجد أن الدول التي ساندت اجتياح العراق ضد الكويت لم تبادر بمثل هذا العمل حتى تكون قدوة تـحرج بها الدول الأخرى, والمشكلة في ازدواجية السياسات العربية, أننا أمام مواقف متناقضة, تنادي بالفعل وتقوم بضده, ومثل هذه القضايا لابد أن تحسم برؤية بعيدة عن المزايدات, أو تغليب الشعار التقليدي على الواقع القائم.. فالشعب العراقي يتعرض لإبادة شاملة, ومن الواجب الأخلاقي لكل عربي أن يقوم بدور المنقذ, لكن من جانب آخر, هل يمكن فصل الحكم القائم هناك عن المأساة, وهو الذي يحرس الحدود, ويقوم باستلام وتوزيع المعونات, أو المشتريات التي أقرها مجلس الأمن, وهل بقدرة أحد أن يخترق هذا الحاجز, حتى يصل إلى من تعنيه وسائل الإنقاذ؟.. هذه الأسئلة لا تحجب الاتهام بالتقصير للأمة العربية, لكننا أمام موقف كهذا لا ندري من المجرم ومن المخطئ , ومن يحق عليه الواجب المفروض إنسانيا وأخلاقيا , من الآخر الذي يملك فتح الأبواب وإصدار القرارات, وهي التي تخص السلطة العراقية دون غيرها؟..
|
الوظيفة الحكومية الكبيرة في العالم الثالث والعالم المتقدم جديرة بالمقارنة والمقاربة واستخلاص دلالات المواقف والتصورات, ففي كلا المجتمعين هناك اختلافات جوهرية تعكس مفهوم المجتمع للوظيفة ولفلسفتها في النظام السياسي والاجتماعي وبالتالي تؤثر على محتوياتها وتوجهاتها. في العالم المتقدم, الوظيفة الحكومية الكبيرة, وبالذات وزراء الحكومة, تسمى (وظيفة سياسية) وهذه, مع مرور الزمن وتطور مؤسسات المجتمع المدني, اكتسبت, أو بالأحرى تطلب الحصول عليها اشتراطات واسعة من التأهيل والبناء الذهني والسياسي والتطور في حيوية النظام. وهذا جعل الوظيفة في الدول المتقدمة فرصة للانجاز ولبناء السمعة السياسية, ونظرة المجتمع للوظيفة بهذه الصورة هو الذي يجعل السياسي يتعامل بحذر مع الوظيفة, ويصبح تركيزه منصبا على الانجاز الذي تتطلبه الوظيفة العامة الكبيرة, وهنا نقصد تقديم (الأفكار والتصورات) الجديدة التي تنقل العمل إلى مستويات جديدة, وليست القضية هي تسيير عمل قائم على تصورات وأفكار سابقة أي انجاز معاملات على الطاولة! طبعا ضرورات التركيز على الانجاز الوظيفي الذي تدفعه وترفعه الأفكار الجديدة تنعكس على حياة السياسي القيادي فيصبح التركيز على الجوهريات مبعدا عن الانشغال بالشكليات, وهكذا... فالوزراء الذين يدخلون دائرة السلطة التنفيذية غالبا تستمر حياتهم الخاصة بسيطة وبدون تغييرات جذرية تطال العلاقات الاجتماعية ونمط المعيشة ومستوى امكانات الأسرة, فالأغلبية تستمر في بيوتها وتستخدم نفس مواصلاتها, وإذا حدث أن تغيرت هذه فإنها تكون للضرورات الأمنية أو لمتطلبات بروتوكول الوظيفة وهو محدود عادة. هذه البساطة في الحياة التي لا تتغير, لأن الاضافات المادية محدودة وتوجد عادة لتسهيل متطلبات العمل, هذه تؤدي إلى التبادل البسيط للوظيفة العامة, فالوزراء غالبا جاهزون لمغادرة المكتب إذا كانت الظروف أو الأوضاع لا تساعد على استمرار العمل بما يتطلبه من انجاز حقيقي يضاف إلى رصيد الوظيفة, فالوزراء حذرون على سمعتهم الوظيفية لأن لهم تطلعاتهم المستقبلية لوظيفة أخرى.. وهذا يختلف تماما مع أوضاع وتصورات الوظيفة الكبيرة في العالم الثالث الذي لم تنم مؤسساته بما يلغي صفة الفردية عن قرارات العمل الاجتماعي الشامل, ففي العالم الثالث دخول الوظيفة العامة الكبيرة يعني التحول إلى عالم آخر تماما , فامتيازات الوظيفة العامة واسعة والسلطة تكاد تكون مطلقة, وكل هذا يحف بجيوش الموظفين والامكانات الأخرى المتعددة!! وبعضهم يتوهم أن لديه سلطة معنوية وأخلاقية مطلقة لذا تتملكهم نزعة الاصلاح والتقييم وتطوير حساسية خاصة (ضد النقد) وهذا يجرهم إلى الغطرسة وغرور الذات وبعضهم ينزع إلى سلوك متطرف فقد لا يتورعون عن (السب) و(الشتم)وحتى الضرب والبصق!!. هذه النقلة الكبيرة في الامكانات والمفاهيم تجعل الوظيفة فرصة للثراء ولتغيير مسارات الحياة الخاصة والعامة, وكل هذه التغيرات تجعل الخروج من الوظيفة العامة الكبيرة صعبا جدا ومكلفة اقتصاديا واجتماعيا وحتى ـ نفسيا وغالبا الذين يخرجون من الوظائف ينتهون إلى (الظل) لأن السبل التي تربطهم بمحيطهم السابق تقطعت, لذا هم في حالة ...(المـنبت)! فالدوائر التي توسعت لهم مع الوظيفة العامة تبدأ بالانحسار حتى التضييق عليهم, وقليلون هم الذين يـخرجون أنفسهم من هذه الدوائر. مثل هذه الأوضاع التي تأتي مع الوظيفة العامة طوعا وحبا , أوكرها , هي التي تجعل الوظيفة السياسية في العالم الثالث قابلة لأن تكون (رواية) حافلة بالدراما والإثارة والخيال وتقلبات المواقف والمواجع, بينما في العالم المتقدم محصلة تجربة السياسي تدون غالبا لتكون (كتابا ) تعليميا يقدم (رؤية) و(أفكارا ) ومحصلة لتطبيق مناهج علمية وادارية وفلسفة سياسية وفكرية, وهي بهذه الصيغة تعد اضافة علمية تجد فيها القيادات اللاحقة الفرصة للاستفادة والاضافة.. وهكذا تتطور الوظيفة السياسية في المجتمع.
|
حتى يصل مفهوم السعودة لأطفالنا!
بعد خطة السعودة التي تضمنت اغلب الوظائف الأهلية والحكومية, يمكننا القول ان اغلب فئات المجتمع الراشدة شعرت بمعنى السعودة وقيمتها المعنوية والمادية. والتي تهدف بمضمونها الجوهري الاستغناء عن الايدي غير الوطنية والاعتماد على الذات. ولكن السؤال هنا هل وصل مفهوم الاعتماد على الذات لفئة الاطفال في مجتمعنا؟ بمعنى آخر هل يمكن لأطفالنا الاستغناء عن الايدي العاملة المحيطة بهم؟ ـ الطفل منذ ان يفتح عينيه صباحا الى ان يغمضهما نصف الليل وهو مكنوف بظل العاملة المنزلية التي تجيب اغلب طلباته, والسائق الذي يلبي اغلب متطلباته الخارجية. واذ اعتمد الطفل منذ نعومة اظافره على هذه الفئة العاملة, فإنه يكتسب قيمة دونية للاعمال التي تقدمها هذه الفئة مما يصعب على ذاته ان يعتمد على نفسه بتلك الاعمال,وطبيعي ان يكتسب الطفل القيم الاجتماعية سواء كانت دونية أو غيرها من القيم من خلال البيئة التي يعيش بها ونظرة المجتمع. فعلى سبيل المثال, لو طـلب من طفل ان يقوم بتنظيف غرفته او حتى الطبق الذي اكل به, يشمئز وقد يجيب انه ليس "شغالة" من هنا يمكننا ان نقول ان الطفل مازال بحاجة الى ان تصل القيمة المعنوية لديه لبعض الاعمال التي تحجمت على هذه الايدي العاملة كما اننا بحاجة في نفس الوقت الى زيادة قيمة الاعتماد على النفس في نفس الطفل. وهاتان الحاجتان سواء النفسية أو الاجتماعية ان لم تبدأ منذ الطفولة فإنها ستكون ترسبات نفسية في نفسه لمثل هذه الاعمال. لذا فنحن بحاجة الى تثقيف اجتماعي لإعادة النظرة الاجتماعية لمثل هذه الاعمال في نفس الطفل وزيادة ثقة الطفل بنفسه للاعتماد عليها في تحقيق هذه الاعمال. فعلى سبيل المثال لو ان الأسرة تبدأ بزيادة هذا الوعي بفترة العطلة الصيفية كأن يقوم الطفل بتحقيق متطلباته دون الاعتماد على الغير,فيـطلب من الطفل ان يقوم بتنظيف ملابسه واغراضه الشخصية دون تعاون خارجي إلا بما يصعب عليه, وان كان هذا سيـواجه بنوع من الرفض أو الصعوبة في بداية الأمر إلا انه سيحقق مطلب الاعتمادية. وهنا لا ننسى ان الطفل يقلد الآخرين في تحقيق متطلباته فمتى ما كان الاعتماد غير كلي على الغير فإنه سيقتبس من الآخرين هذا الاكتفاء كما ان هذا التثقيف يفترض ان يـطبق في اغلب اماكن تواجد الطفل, فالأسرة التي تصطحب اطفالها لرحلة أو نزهة, فإنه يفترض ان يكون هناك نوع من الوعي الاجتماعي لحق الاماكن العامة اي انه يـفترض ان يقوم الاطفال بتنظيف المكان, هذا التطبيق العملي يزيد من اعتماد الطفل على نفسه, ويـغي ر مفهومه الدوني لبعض الاعمال التي تؤديها الايدي العاملة. واخيرا فإن الحملات الفعلية غير المباشرة التي يمكن ان تساهم بها بعض المؤسسات الحكومية أو الأهلية, كتنظيف المدرسة,أو جمع نفايات مادة ما.. هذا يزيد وعي الطفل بقيمة هذه الاعمال بطريقة غير مباشرة.
|
لست وحدي من راح يتحسس من ظاهرة الصراخ في برامج الحوار العربية وراح يشجبها ويتخذ منها موقفا مثاليا ليدعو للهدوء في الحوار واحترام الطرف الآخر وعدم مصادرة وجهة النظر الأخرى المخالفة واعتبارها تهديدا له وعدم تأسيس صورة للحوار الصارخ أو الزعاق الفكري في أذهان الجيل القادم وخاصة ان الذين كانوا يزاعقون ليسوا إداريي أندية رياضية أو مشجعي كرة قدم بل مفكرون كبار وأكاديميون ولكني في الحقيقة بدأت أتراجع عن موقفي الذي أعتبره مثاليا كما قلت بعد ان بدأت اعتاد على الصراخ واستمع لما يطرح خلف هذا الصراخ واكتشفت ان الصراخ أو الزعاق ظاهرة حوار عربية لا يمكن ان نقفز فوق تاريخها الاجتماعي الطويل المتأصل فينا بين يوم وليلة لمجرد انه أتيح لنا منبر إعلامي عربي وأصبحنا نمتلك هامشا من التعبير الحر لنحاور بهدوء واكتشفت أيضا انك ما ان تعتاد على هذا الصراخ حتى تنطفىء حساسيتك تجاهه ـ ولله الحمد ـ خاصة عندما تجد ان بداخله طرحا جديدا حقيقيا بل ان فائدتها لنا كعرب تتجاوز فائدة طرح تنظيري لطرف واحد يمتلك منبرا كاملا يتحدث فيه مطمئنا بأن لا أحد سيقاطعه ويهدده إلا مذيع يستعرض أفكاره لأن تلك المباريات التي تحدث بين طرفين تخلق نوعا من الصدمة الفكرية لعقلك ولعقل المحاور نفسه حتى أنك قد لا تعود الشخص ذاته, تقودك من أقصى اليمين للشمال, وتقودك لمغامرة فكرية كنت قبلها متآلفا مع ما ترضى ومع ما لا ترضى مع ماهو منطقي ومع ما هو غير منطقي وتتضح قوة الأفكار في مقارعتها ومدى صلابتها في هذا التطارح بل ان العنف في الحوار يكشف عن ان عنف الحوار لو اعتدنا عليه سيمهد لمرحلة انتقالية من العنف البدني إلى عنف الكلام وسيتعلم الإنسان من خلالها المحاور والمستمع انه يستطيع ان يصرخ كيفما يشاء وسيتخلص من العنف الذي بداخله ليكتشف انه ليس مضطرا لعنف اليد وفي إحدى الحلقات التي تابعتها لأحد المفكرين أوحى إلي أنه سيعاني من حالة نوبة قلبية في الحلقة الأولى من حدة الصراخ لكنه في الثانية بدا أكثر هدوءا ,ويبدو ان الصراخ في الحلقة الأولى عالج عنده شيئا ما وتخلص منه. ولقد وجدت ان الصراخ لا يؤذي ويمكن التعايش معه لا كما يفعل العنف البدني وخاصة عندما اصطدمت بظاهرة الصراخ عند الإيطاليين في مطاعمهم وهم أهل حضارة وطبيعة كفيلة بتحويل أبنائها الأوربيين إلى ألواح ثلج يصبح وقع حذائك الصاخب في مطاعمهم اجتراحا سافرا لهدوئهم إلا ان صراخ الإيطاليين وهرجهم في أماكنهم العامة لم يضر حضارتهم ولم يمنعهم من بنائها لذا لا بأس دعونا نعتاد الصراخ في سبيل أن نقضي على العنف ويبدو ان الطريق لحوار هادىء ورشيد لابد ان يمر بكل هذا الزعيق!.
|
لو أنهم تعلموا شيئا غير ذلك
يوجد, الآن, ما يـسمى بالظاهرة الافريقية.. وهي ظاهرة لا علاقة لها بما حباه الله القارة السمراء من ثراء في مواردها الطبيعية من الغابات والأنهار والأراضي الخصبة الشاسعة التي يمكن أن تفي بكل متطلبات العالم من الغذاء. هذه الظاهرة هي ظاهرة النصب والاحتيال المالي التي يقوم بها أفريقيون من دولة نيجيريا وبعض الدول الأخرى.. فيوهمون الشركات والأفراد في الخليج ودول عربية وأجنبية بوجود مشروعات مربحة ثم يسلبونهم أموالهم بأساليب متقنة ويختفون عن الأنظار! وكنت أتصور ان ضحايا هذا النوع من الاحتيال هم الخليجيون فقط وذلك لتوفر "المال السهل" لدى البعض منهم وعدم معرفة هذا البعض بأن العصابات الاجرامية المنظمة تملك من الأساليب اللصوصية ما يمكن أن ينطلي على الكثيرين ممن يحسنون الظن بالآخرين.. لكنني فوجئت أن غرفة التجارة الأردنية تحذر التجار الأردنيين من السقوط في شباك العصابات الافريقية التي تطلب منهم أرقام حساباتهم البنكية وتغريهم بوجود مشاريع مالية مربحة ثم تسرق أموالهم وتختفي.. وهي نفس المشكلة التي يتعرض لها بعض رجال الأعمال السعوديين الذين حذرتهم الغرف التجارية السعودية مرارا وتكرارا من هذه العصابات دون جدوى. ان العصابات الاجرامية المنظمة, ومن أبرزها عصابات المافيا, ليست اختراعا افريقيا .. فقد اشتهرت بها جزيرة صقلية الايطالية وانتقلت بعد ذلك إلى المدن الأمريكية الكبرى مثل نيويورك وشيكاغو ولاس فيغاس على أيدي المهاجرين الايطاليين. وفي الوقت الحاضر توجد آلاف العصابات المنظمة من هذا النوع تمارس عملها الاجرامي في العواصم الكبرى في أوروبا وجنوب شرق آسيا.. كما برزت أيضا العصابات الاجرامية المنظمة في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق وصارت تسيطر على البنوك الروسية وعلى الاقتصاد الروسي لدرجة أن الحكومة الروسية صارت عاجزة عن عمل أي شيء لايقافها.. بل ان البعض يعتقد ان هذه العصابات تتحكم ببعض صناع القرار في موسكو وأنها هي التي تعين وتعزل المسؤولين الكبار بحسب تعاونهم معها أو محاربتهم لها!! يبدو, إذن, أن الظاهرة الافريقية ليست افريقية خالصة.. والأرجح ان بعض الافريقيين الذين تعلموا في الخارج أو احتكوا مع هذه النوعية المتأثرة بما رأته أو تابعته في الغرب هم الذين نقلوا هذه الظاهرة إلى افريقيا فصارت ظاهرة افريقية, وهذا مؤسف لأن في افريقيا من الخير الكثير ما كان بالامكان تسخير كل طاقات التفكير البشري لاستثماره. ألا يكفي ان افريقيا تعاني من الجوع وهي التي تسمى "سلة خبز العالم"؟ وأنها هي القارة التي لازالت تعاني من الحروب الطاحنة بين دول افريقية تسعى إلى التمدد لبضع كيلومترات محدودة بينما تعتبر القارة من الأماكن غير المزدحمة سكانيا ؟ ليت شباب افريقيا الذي تأثر بالغرب تعلم شيئا ينفعه ويساعده على استثمار خيرات افريقيا بدلا من أن يتعلم أساليب عصابات الاجرام المنظمة في شيكاغو ونيويورك.. لكن ذلك كله هو جزء من مأساة افريقيا المزمنة!
|
(فلا أجمل من ان تلتقي بضد ك, فذلك وحده قادر على ان يجعلك تكتشف نفسك). احلام مستغانمي من رواية ذاكرة الجسد لمذا فجر سعدي يوسف الشاعر العراقي المعروف قنبلته عن احلام مستغانمي في هذا التوقيت بالتحديد؟ ولم نشر الحديث في صحيفة جزائرية اولا وتناقلته بعض الصحف العربية بطرح حيادي واسئلة ظلت مفتوحة في كل ما كتب دون ان تبرئ مساحة احلام, أو تتهم سعدي يوسف بعدم مصداقية ما قاله في حق أشهر روائية عربية الآن؟ ولا اعرف هل ردت احلام مستغانمي على سعدي يوسف أم لم ترد؟ ولماذا لم ترد وهي المتحدثة المستمرة في وسائل الاعلام دائما بعد ان لامست نجومية رواياتها وفازت بعدة جوائز؟. هل الصمت احيانا تأكيد لما قيل؟ أم تجاهل وعدم اهتمام لتفاهة ما نسب اليها؟ وقد كان سعدي يوسف الشاعر الكبير ذكيا بما فيه الكفاية عندما جعل القارئ لا يمسك به أو بأحلام في نفس الوقت وجعل القضية عائمة, أو بمعنى ادق مارس نوعا من التمييع الذكي للقضية التي فجرها, وتعامل معها بلامبالاة رغم أهميتها. فهو يقول انه عد ل لأحلام مستغانمي في روايتها ذاكرة الجسد, وكان يقوم بما يشبه عملية التصحيح لكل فصل تكتبه في باريس, والمعروف ان ذاكرة الجسد قد صدرت عام 1993م واعيد طبعها عدة مرات تجاوزت العشر, ومع ذلك لم يتحدث سعدي يوسف إلا بعد مرور اكثر من سبع سنوات على طباعتها, وانتشارها, ونجاحها المذهل الذي اتبعته برواية فوضى الحواس وهي الجزء الثاني من رواية ذاكرة الجسد, وان لم تكن في مستواها. وسعدي يوسف يطرح قضية في غاية الأهمية تختص بالعمل الأدبي والمدى الذي من الممكن ان يتدخل من خلاله زميل كاتب, أو أستاذ كبير, لتعديل أو قراءة ما يـكتب من قبل كاتب غير معروف, أو لا يزال يحتاج الى المشورة, وهل يكتفي بالقراءة مثلا والتعديل اللغوي, والتوجيه على اعتبار ان ذلك يدخل في نطاق الأستاذية والاستشارة التي تساهم على بروز مبدعين حقيقيين بمساندة آخرين اكثر خبرة. وهو ما يتم لكثير من الكت اب الجدد, أو حتى المتميزين الذين يحتاجون الى الرأي المسبق. ولكن هناك نوعية من الكت اب تسند بشكل غير اعتيادي من كت اب كبار لأهداف كثيرة منها خاصة, ومنها عامة من خلال اما إعادة صياغة العمل الادبي كاملا سواء قصة أو قصيدة أو رواية, والتعديل الشامل لأجزائه بحيث ان قـرىء من متابع مرة اخرى يبدو عملا مختلفا عن العمل الحقيقي الذي كتبه الاول ولا يستحق ان يضع اسمه عليه. وهناك نوعية يـكتب لها كاملا دون أي مجهود يذكر من الممكن ان تقوم به أو موهبة تملكها سوى وضع الاسم فقط على العمل الذي لم يكتبه. القضية شائكة وغير واضحة المعالم ويأتي تفجير سعدي يوسف لها في توقيت لايبدو واضحا من اختاره الشاعر أم الصحفي لضرب أحلام مستغانمي. وهي التي برزت في الفترة الاخيرة واشتهرت حتى اصبحت تنافس نجوم التلفزيون, وبدون شكل وبعيدا عن مصداقية ما قيل فإن الروايتين تعتبران ابداعا حقيقيا في الكتابة الروائية وبالذات ذاكرة الجسد من خلال اسلوب خاص امتلكت معه احلام الكثير من الفن الكتابي, ومفردات جميلة ومميزة حاولت من خلالها تفجير اللغة وتجاوز المعتاد والتقليدي, وطـبعت الرواية عدة طبعات بشكل لم تعهده الروايات العربية. ولكن ماذا بعد؟ تضخمت الأنا لدى احلام مستغانمي, واحتلت كل المساحات, واعطت لنفسها بعد ان اعطاها القراء الحق في ان تقول في حوار تلفزيوني في الجزائر, بأن روايتيها اصبحت تهدى للمرضى في المستشفيات في العالم العربي بدلا من بوكيهات الورد, حيث ان كل زائر لمريض يحمل معه كتابا لأحلام ليقرأه المريض في المستشفى, حيث حصل استغناء كامل عن الورود, وان الرواية وزعت في مصر في يوم واحد 5000 نسخة بمجرد ذكرها في التلفزيون. وتجاوزت مرحلة احتلال الأنا الى مرتبة ان تصبح اتت هاجس نفسك فقط وتعتقد انه ليس هناك مثلك, فكتبت تقول انه ينبغي على كل من يكتب عن احلام ان يدفع لها هو ثمن ما كتبه لأن مجرد ذكر اسمها يروج لبيع المجلة أو الصحيفة. واخشى الآن ما اخشاه ان تطالبني احلام بالدفع عن طرح اسمها لتجاوز الجريدة اليوم المبيعات الاعتيادية, ولكن مع الاسف لن امتلك ما ادفعه لها سوى انني جعلت منها اساس هذا المقال رغم استحقاقها, ومع ذلك يظل ما قاله سعدي يوسف يحتاج الى تفسير او تبرير او التعايش مع لحظة انكماش الأنا لتتحدث بهدوء, أو تتجاوز بهدوء.
|
تحديات جامعة الملك فيصل (3).. المستشفى الجامعي
محمد عبدالله الخازم
يتواصل الطرح حول جامعة الملك فيصل بمناسبة احتفالاتها بمرور ربع قرن على انشائها, ويلحظ المتابع انني تجاوزت ما بدأت به هذه المقالات من تعريف بمنجزات هذه الجامعة الحبيبة الى قلبي, الى طرح رؤية حول التحديات التي تواجهها الجامعة حاضرا ومستقبلا , وكان التحدي الأول الذي أشرت إليه هو الاستثمار الذاتي بالجامعة, والتحدي الثاني هو الكوادر البشرية بالجامعة, أما التحدي الثالث الذي أطرحه في مقال اليوم فيتعلق بمستشفى جامعة الملك فيصل, مستشفى الملك فهد الجامعي بالخبر, على اعتبار أهمية ومكانة المستشفى على مستوى الوطن بصفة عامة والمنطقة الشرقية بصفة خاصة, وكونه يمثل عصبا رئيسيا في نجاح التعليم الطبي, وهو المجال الذي يعتبر الأميز والأقوى في جامعة الملك فيصل وبالذات فرعها بالدمام, ان لم يكن الأميز على مستوى التعليم الطبي في المملكة بصفة عامة.. هنا لابد من الإشارة بداية الى مقالين سبق وأن طرحتهما في هذا المجال, في هذا المكان, الأولى كانت بعنوان "المستشفيات الجامعية: الحلول أكثر من المشاكل" بتاريخ 19/9/1419هـ العدد 11153 والثاني بعنوان "مستشفى الملك فهد.. مثال المستشفى الجامعي" بتاريخ 5/2/1420هـ, والمقال الثاني كان جله ملخصا لدراسة علمية حول وضع المستشفى, أعدها عميد كلية الطب بجامعة الملك فيصل الدكتور فهد المهنا, وهي دراسة لا تزال صالحة للاستخدام كمرجع في تقييم وضع المستشفى.. الكوادر البشرية لتأكيد موضوع الكوادر البشرية واعاقته لتحقيق التطور المنشود بجامعة الملك فيصل, نجده يطول في موضوع مستشفى الملك فهد الجامعي بالخبر, حيث أشارت دراسة عميد كلية الطب المشار إليها أعلاه الى أن 20% من الصعوبات التي سجلها المستشفى الجامعي تكمن في الكوادر البشرية, سعودية كانت أو أجنبية, فنجد على سبيل المثال بأن هيئة التمريض بالمستشفى 480 فقط مقابل 420 سريرا , تشكل نسبة السعودة فيها 6.1% فقط والفئات الطبية المساعدة 352 فقط نسبة السعوديين منها 10.5% فقط واجمالي السعودة بمستشفى الملك فهد الجامعي 26% فقط غالبيتهم من فئة الاداريين (أعداد العاملين بالمستشفى مستقاة من تقرير وزارة الصحة السنوي), ليس ذلك فقط بل ان أعداد الكوادر البشرية بالمستشفى الجامعي لا يحقق متطلبات الهيئة السعودية في كثير من التخصصات الصحية في مجال تدريب الأطباء, وتشير الدراسة الى أن مستوى التوظيف بالمستشفى الجامعي ثابت تقريبا منذ ثلاثة عشر عاما, ولا يبدو أنه تحسن كثيرا خلال العام الماضي.. بل انه لا تزال هناك أقسام بكاملها يعمل بها غير سعوديين بالرغم من توفر الكفاءات السعودية فيها, بما فيها الكفاءات التي تخرجها جامعة الملك فيصل ذاتها من كليتي الطب والعلوم الطبية التطبيقية, والعديد منها تحلم بل وربما حاولت العمل بالجامعة بعد تخرجها.. المبنى هناك أزمة حقيقية بمباني مستشفى الملك فهد الجامعي بالخبر, وفي تجهيزات المباني الحالية, وليس أبسط مثال لهذه الأزمة من استخدام بعض ممرات الطوارىء ودورات المياه كمستودعات بالمستشفى, وبتقليص العديد من الأقسام لخدمة أقسام أخرى, وبمضاعفة الطاقة الاستيعابية لغرف المرضى حيث أصبحت الغرفة الواحدة والتي صممت لسريرين أو سرير تستوعب ستة أسرة, من يدخلها يستغرب كيف يتمكن المريض من الارتياح بها وكيف يتمكن المعالج ومعه طلبته من الدوران فيما بين الأسرة وتقديم الخدمة العلاجية, بدون هتك خصوصيات المريض, التي هي حق من حقوقه, فالمبنى لم ينشأ أساسا ليكون مستشفى تعليميا ونتيجة لنقص مباني كلية الطب والعلوم الطبية ولتوجه الكليات الطبية نحو تكثيف البرنامج السريري كخيار نموذجي يستحق التقدير في التعليم الطبي, تحولت كثير من الفعاليات التعليمية الى المستشفى الجامعي, وبالرغم من الاستعانة ببعض مباني اسكان الموظفين بالمستشفى لهذا الغرض, وبالرغم من قيام بعض التوسعات المتواضعة, التي انتهي مؤخرا من بعضها ويتوقع الانتهاء من الآخر قريبا, الى أن ذلك يظل دون الاحتياجات الفعلية والمثالية لمستشفى بحجم مستشفى الملك فهد يعتبر الرائد في المجال الطبي بالمنطقة الشرقية. مستشفى الملك فهد أنشىء أساسا ليكون أحد مستشفيات وزارة الصحة (لست أعلم هل لا يزال ملكا لوزارة الصحة أم نقلت ملكيته الى جامعة الملك فيصل) وقد استهلكت تجهيزاته وشوهت معالمه الأساسية بالاضافات والتعديلات, العشوائية في بعض الأحيان, وقد حذرت دراسة سعادة عميد كلية الطب بالجامعة ذاتها الى انتهاء العمر الافتراضي لكثير من تجهيزات وانشاءات المستشفى, بما فيها السنترال حيث يفتقد هذا المستشفى ـ أكبر مستشفيات المنطقة الشرقية ـ الى سنترال حديث وأرقام تلفونات تسهل عملية الاتصال بالمرضى والعاملين بالمستشفى, وأصبح المطلوب ممن (طلب تفرضه الحاجة) يعمل بالمستشفى شراء جهاز جوال ليتمكن من الاتصال بالعالم الواقع خارج المستشفى, كما هو المطلوب من المريض الذي ستضطره الظروف للبقاء بهذا المستشفى أو العلاج بإحدى عياداته إحضار مخدته وشرشفه وبطانيته من بيته, بل ان الدراسة المشار اليها حذرت من حدوث كارثة لاسمح الله نتيجة لانتهاء العمر الافتراضي لكثير من الأجهزة الحيوية والهامة في العمل الطبي بالمستشفى.. الغريب هنا أن جامعة الملك فيصل تملك الأرض الكافية والمخصصة لبناء المستشفى الجامعي وهو ضمن مخططاتها منذ خمسة وعشرين عاما, ورغم ذلك لم ينفذ شيء في هذا الشأن.. بمعنى أن القضية ليست جديدة, وليست وليدة ظرف اقتصادي مؤقت..!!. 
الإدارة موضوع ادارة المستشفيات الجامعية بصفة عامة بالمملكة يطول, ولن يتم تفصيله في هذا المقال, حيث سبق أن طرحت رؤيتي فيه من خلال المقالين المشار إليهما أعلاه, والغريب أن عمادة كلية الطب بجامعة الملك فيصل قامت بدراسة ووضعت خطة تطويرية في هذا الشأن, كان من أبرز معالمها فصل ادارة المستشفى الجامعي عن إدارة كلية الطب وتشغيله ذاتيا مع ايجاد مجلس ادارة للمستشفى مشكل من إدارة الجامعة وعمداء الكليات الطبية وبعض رجال الأعمال بالمنطقة يتولى الإشراف على ادارة المستشفى, وتلك الدراسة تم الانتهاء منها منذ أكثر من عام, ولكن يبدو أنها أجهضت لأسباب لا نعلمها, وكان أحد مبررات تأخير تطبيقها كما أشاع الاداريون حينها هو عدم توفر الوظائف القيادية لادارة المستشفى حيث كان مخططا تعيين إداري بمرتبة عليا للإشراف على ادارة المستشفى التنفيذية, وبأن ذلك سيتم توفيره خلال السنة المالية الجديدة, وها هي السنوات المالية تتعدى ذلك الوعد ويتحول المشروع الحلم بتطوير المستشفى الى مجرد تغن بالدراسات. وحيث الحديث تطرق الى المستشفى الجامعي فربما تكون ظاهرة معاناة المستشفيات الجامعية عامة في جامعاتنا المختلفة بما فيها المستشفى الجامعي الأول بالمملكة, مستشفى الملك خالد بالرياض, والذي لولا الدعم الاستثنائي الذي قدمه ولاة الأمر في هذا البلد المعطاء, وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين حفظه الله, الذي يواصل تبرعه لهذا المستشفى في السنوات الأخيرة بشكل متميز, لكان وضعه أسوأ مما هو عليه بكثير, وقد أدركت وزارة التعليم العالي هذه المعاناة فشكلت لجنة لهذا الغرض أعضاؤها من الجامعات السعودية والجهات ذات العلاقة مثل الصحة والمالية.. لدراسة سبل تطوير المستشفيات الجامعية, وبالرغم من عمر تلك اللجنة المديد فلم نلمس نتائج جذرية نتيجة لتشكيلها, ولسنا نعلم هل هو تقصير في اللجنة أم الجهات التنفيذية المعنية بتنفيذ مرئياتها.. إذا جامعة الملك فيصل في وضع حرج في توفير الخدمة الصحية وفي توفير التعليم الطبي المناسب وخسارتها في هذا الميدان تعني الكثير لمكانة الجامعة, ومستقبلها, وأول الحلول هو الاعتراف بالمعاناة ورفع الدراسات والاقتراحات والشكوى الى مستوى الفعل ونقلها من الدوائر الداخلية للجامعة, والمجالس الإجتماعية, إلى الدوائر الإدارية الأوسع خارج الجامعة, فليس ذلك يعيب الجامعة بل هو مطلب إداري يجب أن تتخذه الجامعة, ونعتقد بأن الجهات المعنية وخصوصا وزارتي التعليم العالي والمالية لن تقفا حجر عثرة في نماء جامعة الملك فيصل, كما أن ثقتنا كبيرة في مساندة أمير المنطقة الشرقية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن فهد وسمو نائبه الأمير سعود بن نايف, ودعمهما لكل خطوة تسهم في تطور جامعة الملك فيصل لخدماتها التعليمية والصحية, فوقفاتهما مع القطاعات التعليمية المختلفة بما فيها جامعة الملك فيصل مشهودة وتشجعنا على اصدار مثل هذه الثقة.. لابد من المسارعة في إنشاء مشروع مبن ى مستشفى جامعة الملك فيصل, حيث اللزق والرقع في المستشفى الجامعي لا يكفي, بل هو يزيده قبحا في المنظر والوظيفة, ويكفينا مستشفى الدمام المركزي ومستشفى الرياض المركزي (الشميسي) مثالين على مثالب الرقع واللزق في المباني الطبية, ولا أبالغ ان طالبت بالتمهل قليلا في افتتاح والتوسع في الكليات الطبية الجديدة بالجامعة (طب الأسنان, العلوم الطبية والصيدلة) حتى يتم تجهيز البنية الأساسية لذلك بما فيها انجاز مشروع المستشفى الجامعي, فمستشفى الملك فهد الجامعي لم يعد يحتمل موطىء قدم نملة فما بالنا بتدريب طلاب كليات طبية جديدة.. كما أننا نطالب بسرعة اقرار الدراسة التي تمت في شأن تشغيل المستشفى ذاتيا (التي سمعنا بجاهزيتها منذ أكثر من عام) فربما أسهمت في تقليل معاناة المستشفى وايجاد نموذج تستفيد منه بقية المستشفيات الجامعية ببقية الجامعات السعودية.. تعقيب القارىء غ.ع. ذكرت سابقا بأنني لست أحبذ الكتابة عن قضايا فردية أو استثنائية, إن كانت القضية التي بعثت بها تعتبر ظاهرة إدارية أو قضية عامة تعني الكثيرين كما ترى, فأرجو بعث مزيد من التفاصيل التي تؤكد ذلك وتوضح الصورة أو ايضاح وسيلة اتصال (هاتف, بريد الكتروني, فاكس) لأبعث لك ببعض الأسئلة التي هي بحاجة الى ايضاح.. تأكد من حرصي على عدم مجاملة جهات إدارية بعينها (كما تخشى) في طرحي على حساب المصداقية والمصلحة العامة, يؤكد صدق توجهي هذا ما طرحته من مقالات سابقة بما فيها مقال اليوم الذي تطرق الى جهة عزيزة وغالية علي, مع تذكيري لك بأن مهمة التعليم تعتبر رسالة وأمانة يجب الإخلاص فيها وعدم التقاعس في أدائها على الوجه المطلوب, لمجرد إحباط عارض, أو مضايقة عابرة من إداري بذاته.. يجب أن لا يكون مقياس عملنا هو مجرد ارضاء الاداري المسؤول, بل تحقق الاخلاص والصدق في العمل وفق ضمائر حية ترضي خالقها اولا, ثم مجتمعها الذي أعطاها الثقة فيما تقوم به من مهام.. malkhazim@hotmail.com
|
|
بقلم: د. هيا عبدالعزيز المنيع
المرأة.. باتت الورقة.. التي يلعب بها الكل.. الإعلام والمنظمات, الكل يريد أن يتسلق سلم المرأة مؤكدا أنها مسلوبة الحقوق. بالطبع الإنسان في عالمنا إجمالا والعربي على وجه الخصوص تنقصه الكثير من حقوقه, وفي المقابل يضعف في أداء الكثير من واجباته.. لأن المسألة تراكمية ومرتبطة بمستوى الوعي وإيجابية الإدارك. ما يعنيني اليوم هو ـ تداول ـ موضوع المرأة على مستوى الإعلام العربي وبشكل يطرح أكثر من علامة استفهام.. حينا نعتقد أن الموضوع هادف ويخدم المرأة من منطلق أهميتها الإنسانية والاجتماعية والوظيفية ببعديها التربوي والتنموي.. وحينا يأتيك هاجس آخر لا يقل قوة يؤكد أن الموضوع غير حسن النوايا.. بل أن الطرح يدفع المرأة إلى الرصيف كسلعة يتسلى بها مجتمع الرجال ثم يلقيها بعد استهلاكها. الهاجس لا يقف عند هذين الخطين.. بل تتداخل معه خطوط أخرى لعل فيها ما يستحق القبول وفيها ما يستدعي الرفض بدافع فطري جـبل عليه الإنسان السوي. هنا ما يعنيني أكثر وأكثر هي المرأة السعودية التي لم ولن تعود معزولة عما حولها.. بل هي الآن متأثرة وكلي أمل أن تكون مؤثرة وهي كذلك ولكن على نطاق محدود في الداخل أما المد الخارجي فهي مجبرة أن تستقبله ولا ترسله. لنر كيف أن البث الإعلامي يطرح مشاكل المرأة العربية إجمالا والخليجية على وجه الخصوص مع التركيز على المرأة السعودية وما ينقصها.. دون التصريح في الغالب, والطرح لا يأتي وفق أيدولوجية غربية مجاهرة بل أنه يتلبس الإسلام والقيم الإسلامية مؤكدا أن الإسلام منح المرأة هذا الحق وذاك ولكن الرجل سلبها تلك الحقوق تحت مظلة مؤسسات تحمي الرجل وتضطهد المرأة.. وإن كان في ذلك بعض الحقيقة فإن عدم حسن النوايا يجعلنا نرفض هذه الطروحات من منطلق إسلامي بحت. هنا لا أعتقد من العقل ولا المنطق أن نطلب ايقاف هذا المد الإعلامي الموجه للمرأة ولكن العدل والعقل أن نواجهه نحن في الداخل. لعل الوقت حان لفتح ملف المرأة بقوة وبشفافية حقيقية.. نعم المرأة السعودية أثبتت وجودها كأم وكزوجة وكعاملة.. لا جدال حول ذلك ولكن ما زال البعض يتعامل معها.. باعتبار أن حقوقها ليست بالضرورة لها.., مثلا ما زال بعض أولياء الأمر يحرمون المرأة من حقها الشرعي في الميراث إما استغلالا لخجلها.. أو جهلها أو رغبتها القوية في قطع دابر المشاكل داخل أسرتها.. وآخرون يحرمونها حقها في اختيار شريك حياتها.. بحجة أنها قاصر ولا تعرف مصلحتها.. ويتم تطليقها غيابيا دون علمها بل أن البعض يحرمها من رؤية أبنائها بعد طلاقها من زوج ثبت عدم أهليته الشرعية.. بسبب أخلاقي مع أن الرسول ( ) قال للمرأة عند طلبها الخلع ـ ردي إليه حديقته ـ فقط.. ونحن نعلم أن الإسلام يحرم على المرأة أن تعاشر زوجا لا يصلي.. فما بالك أن يمارس المنكر كالسكر مثلا .. بالإضافة إلى كونه لا يصلي ؟ كثيرة هي قضايا المرأة. وكثيرة هي آلامها ومن هنا يأتي الخوف عليها وبالذات على الجيل الصغير اللاتي تشر بن الكثير من القيم والفكر الاجتماعي القادم مما يعني معه حتمية أن نعيد النظر في الكثير من تعاملاتنا مع المرأة بدءا بالمناهج وانتهاء بالمؤسسات بما فيها المحاكم.. وهذا يتطلب التوسع في فتح مجالات عمل للمرأة ولعلنا في هذه المرحلة مطالبون وبجدية من الجميع وخصوصا نظامي التعليم والإعلام بتوعية المرأة ليس بواجباتها بل بحقوقها التي كفلها لها الإسلام فعلا .. وليس الحقوق بمنظور غربي, فمنهجية البحث عن المساواة بين الرجل والمرأة هي في حقيقتها ضد المرأة.. فالله خلق الرجل والمرأة.. وأوجد بينهما خاصية التكامل لا التطابق وفي ذلك إثراء للحياة وللطرفين. فتح ملف المرأة الآن وبإرادتنا أفضل من فتحه غدا لمواجهة مشاكل تحتاج لعلاج, لعل الأيام أثبتت للجميع أن الوقاية أقل كلفة من العلاج. نعم هناك حملة موجهة للمرأة تحت مظلة حمايتها وهذا ليس بصحيح ولكنه مؤثر خصوصا وأنها حملة منظمة وموجهة بقوة نحو المرأة ليس العربية بل المرأة إجمالا وفي كل مكان.. ونحن جزء من عالم متغير بات يتحرك ليس معك في مدينتك بل انه يشاركك غرفة نومك.
|
قرأت في جريدة الشرق الأوسط عدد 7872 بتاريخ السبت 15 ربيع الأول 1421هـ خبرا بعنوان: "آلاف الطلاب السعوديين يستشفعون اليوم بالتفوق والحظ لدخول الجامعات" الذي تحدث عن المائة ألف طالب سعودي الذين يبحثون لهم عن مقعد في احدى الجامعات, ولسان حالهم يقول "الله يكفينا شر المعاهد"; فليس هناك من يريد الدخول للمعاهد إلا إذا كان مضطرا . وكنت أريد في مقالي هذا أن أتحدث للطلبة والطالبات الأعزاء ـ وهذه الجملة منقولة من البرامج التلفزيونية الموجهة للطلبة عبر الفضائيات ـ عن هذا القرار المصيري الذي سيتخذونه والذي سيحدد مسار حياتهم العلمية والعملية, وعن أهمية اختيار التخصص الذي يريدونه ويرغبونه والذي ليس بالضرورة أن يكون ما يريده الآخرون, لكن جمل الخبر والحقيقة المعروفة من أنك كطالب يحكمك المعدل وتوفر الأماكن في القسم الذي تريده وربما الواسطة, ستجعل كلماتي تبدو سمجة لا داعي لها, وسيـخ ر ج لها الطلبة الأعزاء لسانهم وهم يقولون: "ما عندك سالفة" مما جعلني أتراجع عن هذه الفكرة.. فواقع الحال يقول إن فرص الاختيار قد قل ت وأن أولويات الطلبة في هذه الفترة مختلفة عما كان قبل عشر سنوات أو أكثر. ويبدو من كلمات الخبر ومما أسمعه وما أراه على أرض الواقع أن هناك مشكلة في توفر الأماكن في الجامعات بتخصصاتها المختلفة, وفي الكليات المرغوبة, فهل هذا ينطبق على المعاهد أيضا ؟ ربما.. وان كنت أرجح العكس, فالكل ينظر للتعليم العالي على أنه الفرصة الوحيدة المتوفرة ومن حقك كإنسان أن تبحث عن فرصة التعليم الأفضل كما تعرف أنت الأفضل!. السؤال الذي يدور في ذهني هو هل من الممكن تلافي هذه المشكلة؟ هل كان من الممكن أن توضع قبل عدة سنوات خطط لاستيعاب هذه الأعداد المتزايدة من الطلبة الذين يرغبون في التعليم الجامعي العالي؟, وهل من الممكن أن نتلافى تفاقم هذه المشاكل مستقبلا بالتحرك لايجاد حلول وقتية سريعة وحلول على المدى الطويل؟ نحن نعرف من التعداد السكاني النسب السكانية والأعمار, ويمكننا من خلال ذلك أن نخطط وننفذ. كثيرون يتحدثون عن كلية الطب وعن نسب القبول بها, وعن نسبة الأطباء السعوديين من الجنسين العاملين في أنحاء المملكة والتي تعتبر نسبة قليلة جدا . وهي مفارقة تجعلك تفكر. وكثيرون يتحدثون عن التخصصات الفنية المساعدة, وعن النسبة الضئيلة من السعوديين العاملين فيها, وعن ضرورة توجيه الاعداد الكبيرة من الطلبة لدراسة هذه التخصصات, كحل للمشكلة يوفر الأيدي العاملة التي يمكن ان يستوعبها السوق, وهناك حملة إعلامية واضحة لتغيير المفاهيم الاجتماعية والنظرة لمثل هذه الأعمال, وإن أعتقد أن أهم مؤثر على المفاهيم الاجتماعية سلبيا أو ايجابيا هو الحالة الاقتصادية. السؤال; كيف يمكننا أن نقدم هذه التخصصات على أنها فرص ذهبية توفر مستقبلا مرموقا ؟ الحل; لا أعرف..لو كان لدي حل لما انشغلت بكتابة هذا المقال.. سؤال نسيت أن أضمه للأسئلة; هل من الضرورة أن نكون كلنا أطباء ومهندسين؟
|
نحو إعادة تأسيس المشروع النهضوي العربي كيف السبيل إلى استعادة الأمل واستئناف المسيرة؟
تركي علي الربيع
مع مطلع عقد الثمانينات من هذا القرن, دش ن الجابري نوعا من القراءة الجديدة للخطاب العربي الحديث والمعاصر, والتي نقرأ فيها ما لم يـقرأ بعد, سماها الجابري ووسمها بالقراءة التشخيصية وذلك تمييزا لها عن قراءات سائدة, كالقراءة الاستنساخية التي تعيد إنتاج النص وتظل محدودة بكونها ذات بعد واحد, وكذلك القراءة التأويلية والتي تسعى من خلال التأويل الى إعادة بناء النص وجعله أكثر تماسكا وأقوى تعبيرا . كان الجابري وعبر بحثه عن الطريق من وسط الغابة لا خارجها, قد تسل ح بهذه القراءة التشخيصية والتي ترمي الى تشخيص عيوب الخطاب وليس الى إعادة بناء مضمونه, وان تعرض وتبرز ما يهمله هذا الخطاب او يسكت عنه أو يتستر عليه. إنها كشف وتشخيص للتناقضات التي يحملها الخطاب سواء على سطحه أو داخل هيكله العام, وسواء كانت تلك التناقضات مجرد تعارضات أو جملة نقائض. عقد ونيف تقريبا , يفصل بين "الخطاب العربي المعاصر, 1982" وبين "المشروع النهضوي العربي, 1996" والصادر حديثا عن مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت, لنقل بين القراءة التشخيصية التي اعتمدها في الخطاب العربي المعاصر, وبين المراجعة النقدية, التي فرضها الجابري لقراءة المشروع النهضوي العربي, وبخاصة ان هذه المراجعة النقدية تفصح عن كونها استمرارا لتلك القراءة وذلك بالرغم من انها تهدف الى إعادة تأسيس المشروع النهضوي العربي والكشف عن سلبياته ومخاطره والأهم هو تعرية الطابع البرغماتي الذي لازمه, والذي تحولت فيه السياسة الى عقيدة وغابت بالتالي السياسة وكل أشكال الاختلاف المطلوب. اذن, بعد عقد ونيف, يعود الجابري الى مادشنه في الخطاب العربي المعاصر وذلك بعد ان يم م وجهه باتجاه اصدار بيان من أجل العقل العربي وجد تعبيره في ثلاثيته المعروفة (تكوين العقل العربي, 1984) و (بنية العقل العربي, 1986) و (العقل السياسي العربي, 1990) وقد أوضح الجابري هذه الأيام عن جزء رابع يحمل العنوان التالي (العقل الأخلاقي العربي) أقول: يعود الجابري ويعاوده الحنين الى الأصول, الى المشروع النهضوي العربي بوجوهه العديدة السلفية والقومية والحداثوية, لا ليؤرخ له, فالتأريخ الذي يحصر عمل المؤرخ بعرض الأحداث والوقائع لا يستقيم والمرامي التي يطمح اليها الجابري وعبر مراجعته النقدية والتي يعر فها على انها ممارسة معرفية في الماضي من أجل المستقبل, والجابري يضفي عليها قيمة كبيرة فهي ضرورة ملحة لاستعادة الأمل واستئناف المسيرة مع التاريخ في صنعه والتأثير في مجراه. منذ البداية, يقوم الجابري بعملين اثنين: الأول تموضعه في المتن من المشروع النهضوي, فهو يهدف من الكتاب الى أخذ العبرة مما حدث, لا بهدف التطلع الى معرفة ما سيحدث, فهذا اصبح في تقديره, وبحكم التجربة, تجربة قرن بأكمله, بعيد المنال, بل فقط من أجل أن يشيد لنفسه أماني وطموحات واقعية (يشدد الجابري مرارا على النظرة الواقعية للمشروع النهضوي) تأخذ بعين الاعتبار ما يجب ان يقيمه العاقل من الناس وعلى حد تعبيره, من فروق بين الحلم والواقع, بين الممكن الذهني والممكن الواقعي. هذه الموضة من وجهة نظرنا هي شاهد على الفارق الذي يميز القراءة الاستشراقية عن قراءة ابن البلد ان جاز التعبير المشغول بإعادة تأسيس المشروع النهضوي وتعرية الطابع البرغماتي الملازم والمراقب دائما يسعى بكل جهده الى الاستقلال عن القوم الذين يكتب عنهم وقد سبق لـ "مكسيم رودنسون" في كتابه الموسوم بـ "الإسلام والرأسمالية" ان استشهد ببيت شعر للشنفرى ليؤكد انه وبمقدار ما ينصح العرب فإنه الى قوم سواهم ينتمي: أقيمو بني أمي صدور مطي كم فإني الى قوم سواكم لأمي لـ؟ الثاني: ويتمثل في موضعة المشروع النهضوي العربي في الوسط من مشاريع ثلاثة عاصرها هي المشروع النهضوي الأوروبي والمشروع الصهيوني ومشروع الاشتراكية العالمية. فقد قدر للمشروع النهضوي العربي ان يلد يتيما ومـح ار با من كل جهة. فقد قدر له ان يعيش في عصر انحسار الوجه التنويري وطغيان الوجه الآخر في الحداثة الأوروبية, أي الوجه الاستعماري حيث ارتباط السلطة بالمعرفة, وفي عصر المشروع الصهيوني الذي نشأ وتبلور داخل الحداثة الأوروبية كواحد من عناصر وجهها الآخر, والذي برز الى الوجود بوصفه خصما صريحا وعنيدا للمشروع النهضوي العربي, وتبلور نشاط الصهيونية في أوروبا بوصفه نشاطا ضد المشروع النهضوي العربي. وكذلك في عصر المشروع الاشتراكي والذي بقي يضايق ويتجاهل المشروع النهضوي العربي الى منتصف عقد الخمسينات من هذا القرن. وفي رأيي ان هذه الموضعة تخدث ثلاثة أهداف: الأول ويتمثل في تعرية الطابع السلفي في خطاب المثقف العربي الحديث والمعاصر والذي دعا الى تبني القيم الأوروبية واعتبار الغرب هو النموذج والمرجعية, وهذا ما جعل من المثقفين العرب الأوائل والذين سعوا الى تأسيس الخطاب النهضوي بكافة صنوفه, وبالأخص الخطاب القومي, الناطقين الرسميين بثقافة أخرى لكي لا نقول مع برهان غليون بأنهم عملاء للغرب وكما يذهب الى ذلك في نقده لـ "مجتمع النخبة", بصورة أدق فقد أثقلت كاهلهم المرجعية الأوروبية وجعلت منهم الناطقين الرسميين باسم ثقافة عربية مجردة وخالية وكما يرى الجابري في مراجعته النقدية للخطاب القومي في روح التراث والثقافة العربية الإسلامية وسنعود الى ذلك. المهم ان الجابري يرى ان من بين الأخطاء التي ارتكبناها كعرب هو اقتداؤنا بأوروبا عصر الأنوار كنموذج واهمالنا بالتالي للوجه الآخر المتمثل بالاستعمار أو ما سماها السلطة . اما الهدف الثاني فهو الأهم من وجهة نظري اذ ان موضعة المشروع النهضوي في الوسط من ثلاثة مشاريع معادية تجعل من تعثر المشروع النهضوي بمثابة نتيجة. يقول الجابري "ان تعثر النهضة العربية, أعني ما اصاب التحديث والحداثة من انتكاسات في الوطن العربي, يرجع في الأساس, لا الى مقاومة داخلية من القوى المحافظة في المجتمع العربي, بل الى الدور التخريبي الذي قام به الوجه الآخر للحداثة الأوروبية, وهذا ما ادى الى بروز مقاومة مـنحت الشرعية لا لكونها ضد التجديد بل لكونها ضد الامبريالية". وفي رأيي انه وبالرغم من ان الجابري يتجنب عن قصد إصدار حكم قيمة على التيار الذي يدعو الى تبني قيم الغرب وثقافته وتاريخه, إلا أنه يحكم على جهود هذا التيار بالفقر النظري. فعلى طول المسافة التاريخية للخطاب الأيديولوجي العربي المعاصر والتي تمتد من ما قبل هزيمة (1967) وحتى اللحظة المعاصرة, حاول الخطاب الراديكالي العربي ان يقنعنا ان التخلف يرتد الى عوامل داخلية تتمثل في سيادة القيم التقليدية, وهي جهود تمتد من نديم البيطار في "الفعالية الثورية في النكبة" و "الأيديولوجية الانقلابية" الى عبدالله العروي في "الأيديولوجيا العربية المعاصرة" الى صادق جلال العظم في "نقد الفكر الديني" الى ياسين الحافظ في "الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة, 1978" .... الخ وقد أبدى التيار الراديكالي العربي هذا وفي اطار سعيه الى اجتثاث التخلف ضربا من العنف الداعي الى تدمير المجتمع العربي. فقد خر نديم البيطار الذي أنزل فينا كل هذه المصائب والهزائم والذي من شأنه ان يهدينا الى سر التخلف ممثلا بالقيم التقليدية. ودعا إحسان مر اشي في مدخله الى تطبيق الماركسية في الواقع العربي ـ 1975 الى تدمير المجتمع العربي التقليدي وإعادة بنائه على غرار الغرب. وفي رأيي ان الهدف الثالث من هذه الموضعة هو هدف ايديولوجي يهدف الى انتشالنا من هاوية الاحباط السائدة والتي تحكم على المشروع النهضوي العربي باللاجدوى واللااكتراث وتحمل العقل على الاستقالة من التفكير. من هنا نفسر تركيز الجابري على نجاحات المشروع النهضوي العربي, في انتصار الشعوب العربية في معركة الاستقلال ونجاحه في تحجيم المشروع الصهيوني ووضع حد لأحلامه في الامتداد ما بين الفرات والنيل, وكذلك نجاح الفكرة القومية في تحقيق أهدافها, وابراز الهوية العربية والدفاع عنها, والشعور بالانتماء الى أمة عربية, وكذلك الوحدة الثقافية للأمة التي أنجزها هذا المشروع ولا ينسى الجابري ان يلمح الى إنجازات هامة في مجال التنمية. والجابري في بحثه عن هذه الإنجازات يحدوه القول ان ننظر الى ما حققناه وليس فقط الى ما لم نتمكن من تحقيقه. الجابري حريص ومنذ البداية على ان يكون واقعيا في رؤيته لما حدث وان يحافظ وبمقدار ما يستطيع على مسافة قريبة من المشروع النهضوي, تتيح له ان يكون شاهدا عليه وقارئا له على حقيقته. وفي رأيي ان هذه الواقعية سرعان ما تجنح باتجاه الأيديولوجيا فالهدف الذي وضعته لنفسها والذي يتمثل في إعادة تأسيس المشروع النهضوي, هو هدف تلتقي فيه الأيديولوجيا بالحلم, لنقل على طريقة كارل مانهايم الأيديولوجيا باليوتوبيا, وبذلك لا يضمن المراجع النقدي لهذا المشروع حدودا للمسافة بينه وبين المشروع, فكثيرا ما تضيع الحدود, وعندها يلتحم المراجع النقدي بالمشروع, ويصبح منافحا عنه وعن إنجازاته, ليتخذ فيما بعد مكانة في المتن من المشروع النهضوي, وهذا ما يفعله الجابري الذي يعلن في البداية حرصه على المسافة بينه وبين المشروع ثم يلتحم به فيما بعد مدافعا حتى عن تناقضاته وعبر صياغات لغوية جميلة سبق للجابري ان انتقدها في "الخطاب العربي المعاصر". كان يقول نعم للصياغة الجميلة ولكن الأمر يتطلب حلا منطقيا وعلى سبيل المثال لخطاب قومي ظل وباستمرار إشكاليا لأنه يطرح مشاكل لا حل لها, وماورائيا لأنه خطاب في "الممكنات الذهنية" أي في "مابعد" الواقع العربي الراهن. لكي لا أبتعد عن المعنى أقول إنه يقع في التناقض ففي نقده للخطاب القومي العربي عند المؤسسين الأوائل كالحصري وميشيل عفلق يعيب الجابري على هذا الخطاب فقره الثقافي والتراثي وحتى الرومانسي عند ميشيل عفلق والذي يجعل من الفكرة القومية فكرة رومانسية ويسجل عليها لهاثه وراء المفاهيم المجردة كمفهومي اللغة والتاريخ عند ساطع الحصري وعلى سبيل المثال يقول الجابري ان الباحث في خطاب القوميين المؤسسين "لا يكاد يعثر على آية أو حديث أو قول مأثور أو بيت من الشعر أو حدث تاريخي في التراث العربي الإسلامي في خطاب الحصري والقوميين العرب الرواد" ص102. كان الجابري يعيب على خطاب الشيخ السلفي محمد عبده إعجابه بالمستبد العادل واعتبر ذلك بمثابة عائق بنيوي يمنع الخطاب النهضوي من الحديث عن الديمقراطية بشكل صريح وكما شرح ذلك في الخطاب العربي المعاصر وتساءل كيف يمكن الجمع بين الاستبداد والعدل, ولكنه يبيح لنفسه الجمع بين فقر الخطاب القومي ونجاحاته, وبالرغم من انني أشارك الجابري وجهة نظره وتحليله لفقر الخطاب القومي, إلا أنني أرى ان هذا التوفيق الذي يلجأ اليه الجابري لا يجد ما يسنده الا على صعيد الأيديولوجيا وبذلك نبتعد أكثر عن المعايير الواقعية التي دعانا الجابري للالتزام فيها وفي مقدمتها معيار الواقعية والتي لا تجد ما يزكيها على صعيد الخطاب القومي العربي والذي ظل باستمرار خطابا مضاعفا, خطابا ليس من أجل الوحدة فقط, بل من أجل الاشتراكية أيضا: وهذا ما يجعل من لغته لغة مضاعفة ولا تحتكم الى الواقع والواقعية بل تجد نفسها مدفوعة الى أحضان الحلم واليوتوبيا, وهذا ما ينتبه الىه الجابري ولكنه يهمله. يقول "المسألة القومية والخطاب القومي لا يتحكم فيهما المنطق العلمي ولا المنطق السياسي لأنهما من ميدان الحلم واليوتوبيا, بل في ميدان الأيديولوجيا, والخطاب الأيديولوجي, هو كالحلم, يرى المستحيل ممكنا ". ويرى ريجيس دوبريه اننا بحاجة الى بيان من أجل اللامعقول ودوره في تأسيس الاجتماع البشري. من هنا فإن التناقض الذي يحكم تقويمنا للخطاب القومي لا يجد حله إلا في إطار سعي حثيث يهدف الى عقل اللامعقول وإعادة الاعتبارات. بقي ان أقول ان الجابري وكعادته ينجح في إثارة الإشكاليات دون أن يحاصر القارئ بها , وكما يعيب عليه البعض, بل انه وفي هذا النص/الكتاب يقود القارئ وباستمرار الى حل هذه الإشكاليات وتجاوزها, وكيف لا وهو المسكون مؤخرا بشبح الأيديولوجيا وهاجس الحزبية التي تسعى الى بلورة ما سماها الجابري بـ "الكتلة التاريخية" والتي من شأنها ان تنهض ومن جديد بالمشروع النهضوي, يحدوها الحلم وتحركها الإرادة؟
|
كانت القيادات الجديدة في العالم النامي تأتي إلى الحكم وفي يدها ايماءة براقة هي التنمية.. الحريات مجانية التعليم.. محاربة الثالوث الفقر والجوع والمرض.. وربما زادوا فقرات اخرى .. لـ "ضبط الجرعة".. وفي العقد الأخير من هذا القرن جاءت قيادات جديدة.. بشعارات جديدة لم نعهدها ألا وهي "محاربة الفساد" و"الاصلاح الاداري" وحجب المحسوبية.. وإبطال الواسطة.. مما يدل على أن المجتمع كان تحت ظل "فساد" و"خراب اداري" ورشوة وشلل ضمير, ونهب المال العام.. وذاكرة الناس ـ كما يرى المصلحون ـ لا يمكن وأدها بهذه السهولة.. وتكاد الأنباء مؤخرا تقتصر على نداءات الاصلاح. ولتخفيف الأعباء على القارئ ظهر في صحف شرق وجنوب شرق آسيا خبر أو اكثر عن رؤساء جمهوريات سابقين قرروا طوعا ايداع خزائن دولهم مليارات الدولارات بشكل تسوية قضائية لقاء ايقاف الدعاوى. والوعد بالاصلاح ومطاردة الفساد وقطع دابره طرح "جديد".. لكنني ارجو أن لا يكون على النمط الـ "قديم".. حتى لا نقول "قديمة" على طريقة أهل مصر.
|
للمشاركة أو التعليق، اضغط هنا

        
|
| |