ان الاجتماع الانساني في بيئة ما ضروري لتعمير واقامة مجتمع متكامل فيه وسائل الحياة. وهذا مصداق قول الحكماء "الانسان مدني بالطبع" أي لابد له من الاجتماع مع بني جنسه ليحصل به ما يكفل له بناء مجتمع تتهيأ فيه فرص العيش والحياة.
فالله عز وجل عندما خلق الانسان وكونه, جعل خلقته على كيفية معينة, بحيث لا يمكن لها الاستمرار إلا عن طريق الاستفادة من عناصر المجتمع المختلفة, من زارع, وصانع, وتاجر, وغيره.
وفق هذه النظرة المستقيمة, التي تتمشى مع سلوك الانسان, لابد للشعوب من ان تختلط ببعضها البعض, من اجل مصالح مشتركة بينها.
لأن المجتمعات بعضها يكمل بعض, ولا يستطيع اي مجتمع في وقتنا الحاضر ـ مهما أوتي من مقومات الحياة ـ أن يستقل بذاته, ويدير شؤون حياته بنفسه, دون تبادل المصالح مع المجتمعات الاخرى.
من هذا المنطلق كان لزاما على دولتنا الاسلامية ـ وبالاخص دول الخليج ـ ان تحتك بشعوب الدول المجاورة من الأعاجم وغيرهم, الذي فرض الواقع علينا مخالطتهم, بحكم حاجتنا الى الايدي العاملة. ولكن مع الأسف الشديد, ان هذا الاختلاط جر على الدول الخليجية مخاطر كثيرة, هي بمنأى عنها.
من هذه المخاطر ما أصاب لغتنا الاصيلة من تبديل وتكسير, وتغير, افقدها هويتها. والمتأمل في حياة شعوبنا, يرى ذلك واضحا في لغتهم, عندما ذابوا في بوتقة الاختلاط, ونسوا في زحمة ذلك الاختلاط, النتائج المدمرة التي منيت بها اللغة العربية.
فمن جراء ذلك الاختلاط الذي تمخض عن اشياء غريبة, ما نراه في بعض طبقات مجتمعنا, عندما طوعوا لغتنا, وأقحموها في طرائق لفظية, ابعدتها عن مدارها الذي تطرد فيه من ذلك ما يفعله بعض افراد مجتمعنا, عندما يستقطبون احدى الأيدي العاملة, في أي مهنة كانت لتقوم بانجاز عمل ما, نجدهم يغيرون ويبدلون في لغتهم من أجل ان يفهم ذلك العامل ما يريدونه منه, والأمثلة على ذلك كثيرة منها على سبيل المثال: كلمة (صديق) نجد الواحد منهم عندما يريد ان ينطق بهذه الكلمة لا ينطقها كما نطق بها العرب الخـلص , وإنما تجده, يحل بعض الحروف مكان بعض كإحلاله السين محل الصاد, أو يخرج بعض الحروف العربية من غير مخارجها الأصلية.
ايضا من ذلك اختيار بعض الألفاظ لمعان لا تتلاءم معها. مثال ذلك كلمة (ركب) فهذه الكلمة في بعض الاستعمالات توظف في معنى لا تخدمه ألبته وفي استعمالات اخرى تغايره بالكلية. اضف الى ذلك ما اصاب لغة اطفالنا الذين تربوا في احضان الخدم والشغالات والأمثلة على ذلك كثيرة لا داعي لذكرها.
والغريب في الأمر, ان تلك المجازر الرهيبة التي منيت بها اللغة العربية, قاد زمامها ابناؤها الذين شربوا من معين اللغة العذب.
أمن أجل انقضاء المصلحة تهدم اللغة؟!. أمن أجل ان يفهم ذلك العامل أو تلك الخادمة يخدش وجه اللغة العربية؟!.
من باب التعاظم والاستكبار عليهم, ولكن من مبدأ تعارف عليه الجميع ان صاحب الحاجة مطالب بأن يفعل كل شيء يكفل له تحقيق شيئه, وهذا أمر تعارف عليه ذوو العقل والمنطق.
شبابنا الواعد, انتم على درجة من الثقافة, تؤهلكم لادراك المخاطر التي تحدق بكم من كل مكان, ولا يخفى على احد منكم ان ديننا الاسلامي واقع تحت وطأة حرب فكرية مع أمم كافرة تدين بمعتقدات باطلة.
كما لا يخفى على كثير منكم ان هذه الأمم الكافرة, قد حشدت جيوشها الفكرية من أجل ان تقضي على اسلامكم في اسرع وقت ممكن.
وخير شاهد على ذلك ما يسمى بالاستشراق الذي حل بدلا من الاستعمار عندما فشل في تحقيق اهدافهم.
ان الاسلام على مرأى من أعين اعدائنا دائما , فهم يخططون بين الحين والآخر من اجل ان يشككوا المسلمين في امر دينهم, مرة عندما نادوا بأن الاسلام غير صالح لكل زمان, ومرة عندما زعموا أن الفقه الاسلامي مستمد من الفقه الروماني, ومرة عندما قذفوا الشعر الجاهلي بتهمة الانتحال.
كل تلك الترهات تبنتها أيد غربية كافرة ولكن بالمقابل يجب على كل مسلم أن يدافع عن اسلامه ولغته العربية وألا يقف مكتوف اليدين أمام هذه النوايا الباطلة, التي قصدت الاسـلام وجعلت من اللغة طريقا لها.
وأخيرا , دعوة لكل فرد مسلم, استظل تحت مظلة اللغة العربية. لا تجعلوا من فعلكم هذا ثغرة يتسلل منها من يريد ان ينال من دينكم, لأن طعن المسلمين في لغتهم, هو في حد ذاته رمح غرز في صدر الإسلام.
فهد سليمان الواصل
عفيف