رضا هلال
"المسيحية السياسية والأصولية في أمريكا", كتاب جديد للكاتب الصحافي ونائب مدير تحرير جريدة الأهرام المصرية رضا هلال, ويصدر قريبا عن "دار الشرق" بالقاهرة.
ويتناول الكتاب حركة الإحياء الديني المسيحي في أمريكا منذ خمسينيات القرن العشرين, والتي استندت على اعتقاد لاهوتي مسيحي يقوم على فكرة "الألفية" أي عودة يسوع المسيح ليحكم العالم في "الألف عام سعيدة". ثم يتطرق للحركة الأصولية المسيحية, والكنائس التلفزيونية وارتباطاتها الصهيونية, وجماعات العنف المسيحية.
الإحياء الديني
في الخمسينات والستينات
يمكن وصف الحركة المسيحية السياسية والأصولية الأمريكية, في النصف الأول من القرن العشرين, بأنها كانت "حركة ما قبل سياسية", بالرغم من أنها اجتذبت قطاعا واسعا داخل البروتستانتية الأمريكية, إذا لم تسع إلى السلطة تشريعية أو تنفيذية قبل السبعينيات.
لقد عرفت أمريكا الأصولية منذ نشأتها, كما عاشت الإحياء الأصولي مع الصحوة الدينية الكبرى في أربعينيات القرن التاسع عشر. ونعني هنا بالأصولية التيار الذي يعتقد في "عصمة الكتاب المقدس" أي الأخذ بالمعنى الحرفي للانجيل والعهد القديم, وهي أصولية صهيونية باعتقادها في حرفية الكتاب المقدس والنبوءات التوراتية عن بعث اليهود في فلسطين, وقد أطلق على هذا التيار في سبعينيات القرن التاسع عشر تيار التدبيرية.. وشاع تعبير "الأصولية" في الإعلام الأمريكي في عشرينيات القرن الحالي بمناسبة انقسام الكنائس حول نظرية دارون. إذ استطاع الأصوليون الايفانجيليون أن يشغلوا الرأي العام بقضية جون سكوبز أحد مدرسي ولاية تينسي الذي اخترق الحظر الحكومي على تدريس نظرية دارون حول نشوء الإنسان, باعتبارها تعارض الاعتقاد بالخلق الإلهي للإنسان.
وقـد م سكوبز للمحاكمة بتهمة انتهاك قوانين الولاية, ولم تكن النتيجة لصالح الأصوليين وجرى وصفهم بالتعصب واللاثقافة ومعادة الحداثة, إلا أن ذلك لم يعن أن التيار الأصولي كان هامشيا في المجتمع الأمريكي, والدليل على ذلك قانون "تحريم الخمر" الذي استمر في الولايات المتحدة من عام 1919 حتى عام 1933, وكان تعبيرا عن أخلاقية بروتستانتية أصولية في النظام الاجتماعي الأمريكي.
واستفادت الأصولية من ظروف الكساد العظيم (1929). فأسس الأصوليون مدارس وجامعات لاهوتية مثل مدرسة اللاهوت في دالاس وجامعة بوب جونز, وعادوا البروتستانت المناصرين للحداثة.
وفي عام 1933, انشقت مجموعة أصولية عن الكنيسة المشيخية للولايات المتحدة, وأسست الكنيسة المشيخية للكتاب المقدس, بزعامة كارل ماكانتاير.
وللمفارقة, فإن ماكانتاير ربط نفسه في البداية بجماعات في اليمين المسيحي عنصرية, ونازية, ومعادية للسامية, ومن ثم تركز نشاطهم على معاداة اليهود, ومعاداة الشيوعية.
وجرى تفسير الإحياء الأصولي في المجتمع الأمريكي وقتئذ, بأنه التأثير السلبي لانتقال المجتمع من نظام قديم إلى نظام حديث, وأنه ظاهرة ستزول مع اكتمال الانتقال ثقافيا وزوال الأسباب الاجتماعية له.
واعتبر المؤرخ أرنست آر. ساندين أن الإحياء الأصولي تعبير عن صراع بين مجتمع حديث ونظام اعتقادي أساسه "التدبيرية" و"الميللينية" بمعنى أن الرب يسير التاريخ بما لا يدري البشر باتجاه المجيء الثاني للمسيح, ليحكم العالم في الألف عام السعيدة.
ويشير ساندين إلى أن "التدبيرية" أصبحت تيارا في نهاية القرن التاسع عشر مع اللاهوتي الايرلندي جون نيلسون داربي, وأصبح تيار "اللا إرادية" يقسم التاريخ إلى مراحل, المرحلة الأخيرة منها مجيء المسيح لتخليص المسيحيين إلى الجنة قبل نهاية التاريخ (القيامة) بمعركة هرمجدون بين قوى الخير والشيطان, ليحكم المسيح مع اتباعه في الألف عام السعيدة ـ حسب اعتقادهم ـ أما المرحلة قبل الأخيرة, فهي المرحلة التي يعيشها العالم الآن, قبل المجيء الثاني للمسيح. ولأن نبوءات الكتاب المقدس تشير إلى عودة اليهود إلى فلسطين وإقامة الهيكل, اعتبر الأصوليون الأمريكيون أن انشاء دولة إسرائىل مقدمة لمجيء المسيح.
ويقول عالم الاجتماع جيمس ديفسون هنتر إن ظروف الكساد, انعشت لدى الأصوليين الأمريكيين التوقعات بقرب مجيء المسيح, والاعتقاد بأن الكساد بحد ذاته عقاب إلهي لأمريكا المرتدة.
ولذلك نشطت الكنائس الأصولية المشيخية والخمسينية في مواجهة كنائس التيار العام البروتستانتي الحداثي.
وفي حركة كنسية مستقلة, تعكس الأخلاقية التقليدية والخلاص الشخصي والانسحاب من الحياة الحداثية, أسس كارل كارل ماكنتاير عام 1941, منظمة "المجلس الأمريكي للكنائس المسيحية" American Council of Christion Churchs ACC في مقابل "المجلس الفيدرالي للكنائس", ووصف المجلس الأمريكي للكنائس نفسه بأنه بشارة متشددة ومعاد للحداثة.
وضغط المجلس الأمريكي للكنائس المسيحية على لجنة الاتصالات الفيدرالية لاقتسام وقت البث الاذاعي المسموح به للبروتستانت بين الأصوليين والمجلس الفيدرالي للكنائس.
وبعد عام, تأسس "الاتحاد الوطني للانجيليين" (National Association of Evangelicals) والذي شارك المجلس الأمريكي للكنائس في الاعتقاد بحرفية الكتاب المقدس, وفي عام 1943, وبعد عام من تأسيس مقره في شيكاغو, افتتح الاتحاد الوطني للايفانجيليين مكتبا له في واشنطن العاصمة مهمته ارسال الارساليات إلى الخارج وتمثيل الايفانجليين بين قسس القوات المسلحة.
وبحلول منتصف الاربعينيات, كان الاتحاد الوطني للايفانجيليين يضم عضوية 43 تجمعا كنسيا بالاضافة إلى 100 كنيسة. وزاد تأثير المجلس الأمريكي للكنائس في نمو اليمين المسيحي. وعند تأسيس المجلس الأمريكي العالمي للكنائس, وفرعه في أمريكا: المجلس الوطني للكنائس, اعتبرهما الاتحاد الوطني صنيعة الشيوعية العالمية.
لقد استفادت الأصولية من ظروف الكساد, إلا أنها وجدت فرصتها التاريخية خلال الأربعينيات, وهاجم الأصوليون السياسات الاجتماعية التي اعتمدها الرئيس روزفلت لمواجهة الكساد تحت مسمى "الصفقة الجديدة" إلا أن معاداة الشيوعية كانت البيئة التي جعلت من الحركة الأصولية الايفانجيلية حركة شعبية.
وبعد الحرب العالمية الثانية, اهتم الاتحاد الوطني للايفانجيليين بثلاث قضايا شملها برنامج الاتحاد.
كانت القضية الأولى معارضة العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة والفاتيكان. وكان الهجوم على مبدأ الفصل بين الكنيسة والدولة "العلمانية" القضية الثانية, أما القضية الثالثة, فكانت الضغط لمنع موافقة مجلس الشيوخ على منح المدارس العامة ثلاثة ملايين دولار, على أساس أن ذلك سيؤدي إلى سيطرة واشنطن على العملية التعليمية وتعليم الأجيال الصاعدة على أسس ليبرالية وعلمانية.
واتخذ الاتحاد الوطني للايفانجيليين, خطا أيديولوجيا يتفق مع الاجماع القومي على معاداة الشيوعية, كما سعى الاتحاد للحصول على تأييد الحكومة في الحصول على موجات بث اذاعي ديني مستقل. وكو ن الاتحاد ما سمى "اتحاد المذيعين الدينيين" الذي ضم 150 من الوعاظ الاذاعيين, وأصبح يعقد مؤتمرا سنويا منذ عام 1956, ثم أصبح يعقد صلوات إفطار مع الكونجرس, وأحيانا ما كان الرئيس الأمريكي بنفسه يحضر المؤتمر السنوي.
ونجح الايفانجيليون في الضغط على لجنة الاتصالات الفيدرالية والتي أعلنت عن تغيير في سياستها عام 1960, فأصبح بموجب ذلك التغيير للاذاعات الدينية حق شراء أي وقت من البث الاذاعي بدلا من نظام الحصة السابق. وبذلك تمكن اتحاد المذيعين الدينيين (الايفانجيلي) من شراء أوقات البث على الشبكات المحلية, ثم اتجه المذيعون الايفانجيليون إلى برامج استعراض الكلام (Talk Show) التي بدأتها شبكة القس بات بروبرتسون مع بداية الستينيات. وبقدر ما أصبحت تلك البرامج عالمية, أصبحت الشبكات الدينية المصدر المهم في حركة اليمين المسيحي. ثم كان تأسيس ارساليات التنصير ليعطي زخما للحركة. إذ ركزت الارساليات على من هم مسيحيون أصلا وداخل الولايات المتحدة, وكان من أهم تلك الارساليات منظمة "شبان المسيح" للعمل بين شباب أمريكا الشمالية, ولتدريب جيل تال من الاذاعيين للعمل على الموجات القصيرة وراء البحار. وذاعت شهرة بيلي غراهام من بين "شبان المسيح" الذي بدأ بعثته التنصيرية في أواخر الأربعينيات, وجذب انتباه اثنين من أباطرة الإعلام الأمريكي, أولهما ويليام راندولف هيرست الذي أبرق لمحرري مجلاته وصحفه: "لمعوا غراهام" وكان الثاني هنري لوس الذي اجتذبته معاداة غراهام للشيوعية, فخصص له غلاف مجلة "تايم" لعددها في 25 أكتوبر 1954, باعتباره "الايفانجيلي الجديد", وأصبحت لغراهام شعبية كبيرة, اجتذبت الآلاف لسماع مواعظه في المدن الكبرى من لوس انجلوس إلى نيويورك, وبشعبية غراهام تبدت فرص عظيمة أمام الحركة الايفانجيلية لتطوير موارد جديدة. وفي هذا المجال كان للمطبوعات دور مهم, في وقت لم يكن فيه التلفزيون مسيطرا . ففي عام 1950 تأسست مجلة "الاقتصادات المسيحية ـ كريستيان ايكونومكس" للدعوة للحرية الاقتصادية, والرأسمالية, ومعاداة الشيوعية. وفي عام 1956 أسس بيلي غراهام مجلة "المسيحية اليوم.. كريستيانتي توداي". وكانت رسالة المسيحية اليوم, كما في أول افتتاحية لها, هي تطبيق وحي الكتاب المقدس في كل المسائل الاجتماعية المعاصرة واستحضار معاني الرسالة الايفانجيلية في كل جوانب الحياة. وتضمن العدد الثاني للمجلة هجوما على قبول عضوية "الصين الحمراء" في الأمم المتحدة, وبما يعني أن ضمن رسالتها معاداة الشيوعية. ونشرت "المسيحية اليوم" مقالات لبيلي غراهام وادغر هوفر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالية, في معاداة الشيوعية, بعناوين مثل "الدعاية الشيوعية وجوهر المسيحية", وتضمنت أن الدعاية الشيوعية التي يقوم بها نفر من ملاحدة ماركسيين لينينيين عديمي الأخلاق, تستهدف ضرب جوهر المسيحية, والتشويش على المثالية والأخلاقية والفضيلة المدنية في أمريكا. وهكذا, فإن أكثر ما شغل اليمين المسيحي خلال الخمسينيات والستينيات, كان قضية معاداة الشيوعية, وهي القضية التي مثلت له مصدر الشرعية وأساس تطوره فيما بعد.
لقد بدأ عقد الستينيات بحملة صليبية معادية للشيوعية, قادها الاتحاد الوطني للإيفانجيلين, بتنظيم برامج لتجمعاته الكنسية التي وصلت 41 تجمعا وضمت عشر ملايين من البروتستانت. وفي عام 1961 نشر "العمل الإيفانجيلي الموحد" سلسلة دراسات تحت عنوان "الجواب المسيحي على الشيوعية" جـمعت بعد ذلك في كتاب, ثم انتج فيلم "الشيوعية على الخريطة", ونظمت منظمة "شبان المسيح" مؤتمرا ضد الشيوعية.
وفي الحق أن اليمين المسيحي من خلال حملته الصليبية ضد الشيوعية, أصبح رصيدا مهما للدولة, وذلك ما مهد الطريق للإيفانجيليين نحو السلطة والممارسة السياسية وأمام احتمالات فوز مرشح الرئاسة الكاثوليكي جون كيندي ثارت ثائرة الايفانجيليين عام 1960, ووجه بيلي غراهام خطابا الى ريتشارد نيكسون نائب الرئيس محذرا من أن المرشح الديمقراطي كيندي واثق من الحصول على أصوات الكاثوليك, واقترح غراهام أن يسمى الحزب الجمهوري وجها شعبيا بروتستانيا للترشيح للرئاسة, هو والتر غود عضو الكونغرس الذي عمل منصرا في الصين قبل دخول الكونغرس. وكان يجمع بين نيكسون وجود العداء الصليبي للشيوعية.
ومن جهة, كان المرشح الديمقراطي الكاثوليكي كيندي قد أعلن التزامه بفصل الكنيسة عن الدولة, ومعارضته لأي تمويل حكومي للمدارس الدينية, وبأنه لن يرسل بعثة دبلوماسية أمريكية لدى الفاتيكان وبذلك اجتذب البروتستانت واليهود الليبراليين إلى جانب الكاثوليكي ـ وشن الاتحاد الوطني للإيفانجيليين حملة ضد المرشح الرئاسي الكاثوليكي في مؤتمر عقد في واشنطن 1960, باعتبار أن ترشيح كيندي يمثل تدخلا خطيرا من الفاتيكان في السياسة الأمريكية, وأن كيندي كرئيس سيصبح "دمية" للكنيسة الكاثوليكية.
وبمجرد أن انتخب كيندي حاول تهدئة مخاوف الإيفانجيليين, فحضر وعدد من معاونيه في البيت الأبيض (بأكثر من العدد الذي كان يحضر به أيزنهاور) صلاة الإفطار السنوي مع الايفانجيليين. وقبل رحلته الى أمريكا اللاتينية عام 1962, دعا كيندي القس بيلي غراهام الى البيت الأبيض, وقال له مازحا : "سأكون لك يوحنا المقدس".
ولكن الإيفانجيليين في العام نفسه, 1962, بدأوا أول مشروع تصويتي لصالح اليمين المسيحي تحت اسم "الموطن المسيحي" بهدف تدريب الإيفانجيليين على الحملات الانتخابية والمنافسة الانتخابية, واستطاعوا تجنيد ألفي عضو في تنظيم لدراسة اللجان الانتخابية في 17 ولاية.
وفي عام 1964, دخل اليمين المسيحي المعترك السياسي, بترشيح باري غولد ووتر, الذي تضمن برنامجه الانتخابي السعي لتعديل دستوري لاسقاط حكم المحكمة العليا بحظر الصلاة في المدارس. ولكن فشل حملة ووتر, سيشكل انعطافا في حركة اليمين المسيحي خلال النصف الثاني من الستينيات ليعود التركيز على معادة الشيوعية خصوصا مع التورط الأمريكي في مستنقع فيتنام في عهد جونسون, وظهور اليمين الجديد داخل الحزب الجمهوري في عهد نيكسون ـ المعادي الصليبي للشيوعية.
لقد أدت التطورات الاجتماعية والسياسية في الستينيات الى انعطافة في تطور اليمين المسيحي. فقد أدت حركة الحقوق المدنية ودخول أمريكا الحرب في فيتنام الى انقسام حاد في المجتمع الأمريكي بما أدى الى انقسام أشد داخل المسيحية الأمريكية. فالليبراليون دافعوا عن فكرة العمل المباشر مثل الاعتصام والمظاهرات والمحافظون ركزوا على تأثير الدين على الضمير الفردي. بيد أن التغيرات الاجتماعية في أمريكا قادت الى صحوة ايفانجيلية للرد على تحديات اجتماعية داهمة مثل المساواة بين المرأة والرجل, والحرية الجنسية, وحق الاجهاض, والمثلية الجنسية.
وكان طبيعيا أن يتوجه اليمين المسيحي نحو اليمين السياسي في مواجهة التغيرات السياسية والاجتماعية, وبما أدى الى صعود اليمين المسيحي الى الحلبة السياسية في السبعينيات.