حوار ـ سحر الرملاوي
ماذا تعرف عن المكتبة العامة بشارع الملك فيصل؟
ـ هذا ليس سؤالا في مسابقة ثقافية, ولكنه سؤال فرضته رؤية سريعة وخاطفة من خلال نافذة السيارة لمبنى عتيق في أحد شوارع الرياض تعلوه بحروف داكنة عبارة المكتبة العامة..
رؤية خاطفة ولدت سؤالا هاما واستفهاما حائرا .. فالمعروف أن المكتبة العامة هي ببساطة.. عامة!! فكيف لا يعرفها العامة؟
بقليل من التحريات تم التوصل إلى طريقة للتعرف على هذه المكتبة القابعة في احضان النسيان من خلال مديرها الأستاذ علي العمري, الذي رحب كثيرا بالاجابة عن استفساراتنا وأفاض في تقديم الايضاحات الغائبة..
والأستاذ علي العمري خريج الاقتصاد والإدارة جامعة الملك سعود فرع القصيم, رجل مسرحي تسلم إدارة المكتبة منذ سنوات ثلاث, تسلمها على حال من الاهمال الجسيم والنسيان الغريب, والتنكر لدورها الثقافي الهام في غابر الأيام, وحاول ويحاول من أجل تحسين صورتها واعادتها لمجدها القديم ولكن يد واحدة لا تصفق..
وقبل البدء في تفاصيل الحوار هذه نبذة عن المكتبة:
أنشأتها أمانة مدينة الرياض عام 1378هـ تحت مسمى دار الكتب السعودية, تم افتتاحها على يد المغفور له بإذن الله جلالة الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله, وفي عام 1388هـ تغير مسماها إلى دار الكتب الوطنية ثم نقلت تبعيتها بموجب قرار وزاري إلى وزارة المعارف استمرت على هذا حتى وقت قريب إلى أن الغي مسماها القديم دار الكتب الوطنية إلى المسمى الجديد المكتبة العامة بشارع الملك فيصل ونقلت تبعيتها إلى إدارة التعليم بمنطقة الرياض وما زالت كذلك.
تحتوي المكتبة على 91500 كتاب.
وتحتوي على صور لمخطوطات تعود إلى القرن الثالث عشر الهجري.
تتكون من سبع قاعات هي: قاعة المطالعة, قاعة الكتب الأجنبية, قاعة المراجع, قاعة الدوريات, قاعة الطفل, قاعة الندوات والقاعة الدولية والقاعات الثلاث الأخيرة لم تفتح بعد.
التصنيف المتبع في المكتبة هو تصنيف ديوي العشري ولكل قاعة فهرس خاص بالكتب التي تحتويها ويشتمل الفهرس على بطاقات المؤلفين والعناوين والموضوعات.
إدارة بلا ميزانية!!
في البداية يتحدث الأستاذ العمري عن المكتبة من نقاط الأساس فيقول: المكتبة ليس لها مصادر مادية, ليس لها دخل, هي حكومية وتشرف عليها إدارة التعليم فورا , ولكن ليس لها دخل مادي لإصلاح حالها, صحيح أنه هناك قرار من الوزارة بصرف مبلغ عشرة آلاف ريال كمصروفات نثرية صدر حديثا ولكن إلى الآن لم نأخذ شيئا ..
ولعله من المفارقات أن وصلنا الحاسوب مؤخرا لتحديث المكتبة لأن الآن كل شيء بالحاسوب ونحن الآن بانتظار برنامج معد سلفا من الوزارة لتشغيل الحاسوب ولكنه لم يصل بعد وهو جاهز هناك وبانتظار وصوله, عندي الآن في مكتبي حاسوب مركزي والنهاية الطرفية له موجودة بالقاعات ونتوقع مستقبلا ربطنا بمكتبات مختلفة بالرياض ولكننا الآن نسعى لتوفير خدمة الكمبيوتر لباحث المكتبة بشكل مستقل.
علة الاهمال
ويفسر الأستاذ العمري السبب في الإهمال الذي تعاني منه المكتبة قائلا : "كان لهذه المكتبة تاريخ حافل, وتعد هي أول مكتبة عامة وطنية رسمية في المملكة, ولكن بعد انشاء مكتبة الملك فهد الوطنية تبوأت تلك المكتبة العملاقة مركز العمل التوثيقي الرسمي, وتم نقل المخطوطات إليها واحتفظت مكتبتنا بصور عن المخطوطات, وبطبيعة الحال فقدت هذه المكتبة الاهتمام السابق, رغم أنها بالمقابل لم تفقد تاريخها واقدميتها وريادتها, وإلى الآن تصلنا مكاتبات من الخارج باسم المكتبة الوطنية بشارع الملك فيصل وكل رسائل الأمم المتحدة لا زالت تأتي إلينا بعنوان المكتبة الوطنية".
لماذا عامة؟
[ المكتبة العامة لماذا بقي مسماها عامة وهي الآن تابعة لجهة إدارة التعليم؟
ـ إدارة التعليم أساسا هي جهة تربوية تعليمية ومن ضمن نشاطاتها واهتماماتها تربية الجيل وعندما يكون هناك طلاب لابد أن يكون هناك مكتبة, صحيح أنه هناك في كل مدرسة مكتبة وفي إدارة التعليم مكتبة, ولكن المكتبة العامة تقدم خدمات للجمهور وتشرف عليها الوزارة فهي إداريا تابعة لإدارة التعليم وإشرافيا تشرف عليها وزارة المعارف التي تزودنا بالكتب أىضا وصحيح أن كتب مكتباتنا قديمة ولكنها تعتبر مرجعا لكثير من الأساتذة والباحثين, وأكثر روادنا هم من أساتذة الجامعات, ويبلغ عدد مرتادي المكتبة يوميا 50 زائرا في المتوسط خلال فترتي الدوام من سبعة ونصف صباحا إلى اثنين ونصف ظهرا ومن الساعة الرابعة للساعة التاسعة مساء.
محطات هامة
من المحطات الهامة في تاريخ المكتبة تلك التي أهديت فيها مكتبة الشيخ عبدالعزيز آل الشيخ إليها والتي نحاول حاليا وضعها في مكان بارز يليق بها لاحتوائها على عدد كبير من الكتب القيمة.
أيضا فإن رواد المكتبة كانوا سابقا يمثلون أعلى شرائح المجتمع ولقد فوجئت أثناء تقليبي للملفات بأن أسماء لامعة من الأمراء والباحثين والعلماء والمفكرين من الرياض وبقية مناطق المملكة ومن خارجها عربيا وعالميا كانوا من رواد المكتبة, كانت المكتبة حية لدرجة كبيرة جدا .. ورواد المكتبة حاليا هم أساتذة الجامعة وهم امتداد لجيل من الكبار كان يستفيد من خدمات المملكة.
ويضيف الأستاذ علي لقد قرأت تحقيقا صحفيا في إحدى المجلات وكان فيها لقاء مع أحد الأدباء المصريين القدامى قال ان أندر الكتب يمكن أن يجدها الباحث في المملكة العربية السعودية في مكتبة في شارع الملك فيصل بالرياض في مكتبة اسمها دار الكتب الوطنية.
ورغم أننا لا يأتينا زوار أجانب للمكتبة لكن يأتينا أشخاص مرسلون بمعنى أنهم يأتون خصيصا للمملكة من أجل المكتبة العامة بشارع الملك فيصل بالرياض لسمعتها السابقة وهناك العلامة الهندي الكبير الشيخ الندوي أرسل لي أحد طلاب العلم الهنود ويعمل بالسفارة هنا ويحضر عن الأدب السعودي فاحضر لي خطابا من الشيخ ندوي يوصيه بارتياد هذه المكتبة تحديدا .. ولأن التغطية الإعلامية ضعيفة فالقدامى الذين عاصروا مجد المكتبة القديم هم فقط من سيوصون بزيارتها, ولكنني أتمنى أن تتوارث الأجيال قيمة هذه المكتبة أيضا .
كتب نادرة
ويفخر الأستاذ العمري بأن: "لدينا كتب قديمة عن الملك عبدالعزيز لها حوالي مائة عام ولدينا كتب قديمة أخرى منها كتاب له أكثر من 116 سنة والمكتبة تعاني من عدم ترتيبها وأثناء الترتيب وقع هذا الكتاب في يدي صدفة ووجدت كتبا قيمة جدا ونادرة جدا وهي غير موجودة في أي مكتبة أخرى بالمملكة, وكل الطبعات لدينا قديمة والسواد الأعظم من الكتب مر عليه خمسون عاما على الأقل, وكلها طبعات قديمة ربما هناك طبعات جديدة منها في مكتبات أخرى لكن لدينا القديم التاريخي".
معاناة مكتبة!!
بشيء من التوضيح يحاول الأستاذ علي وضع النقاط على الحروف فيما يتعلق بمعاناة المكتبة فيقول: "عندما قدمت للمكتبة كان التراب يعلو كل شيء, ولم يكن من الممكن السير في اروقة المكتبة بدون مشاكل, كان كل شيء متدنيا وبحاجة إلى صيانة عاجلة, وبفضل من الله ثم بجهود ذاتية من منسوبي المكتبة بدأت تستعيد رونقها شيئا فشيئا حتى ان طلاب الفنون بجامعة الملك سعود قاموا مشكورين برسم اللوحات الجدارية مجانا في مدخل المكتبة لتجميل مدخلها بعد أن وفرنا لهم بجهود ذاتية المواد الخام التي يحتاجونها, كما كانت المكتبة تعاني من عدم وجود مواقف سيارات, وبعد عدة مراسلات وجهود ذاتية تم عمل سياج من الكانات حول المواقف الخلفية للمكتبة, وللحقيقة فإن أمانة مدينة الرياض لم تقصر, ولكن المادة وقفت عائقا فلم نستطع وضع سلاسل أو بوابة فعاد الوضع كما هو".
ويضيف الأستاذ علي: نعاني أيضا في المكتبة من نقص في عدد الموظفين المتخصصين, وان كان لدينا ما يكفي من الموظفين عددا .
قاعات المكتبة
حول قاعات المكتبة وما تم فيها وما يطمح إليه مدير المكتبة بشأنها يقول الأستاذ العمري: كان عندنا ثلاث قاعات رسمية أساسية قبل أن آتي هنا هي قاعة المطالعة وقاعة المعاجم وقاعة الصحف ونحن زودناها عدة قاعات اضفنا قاعة الكتب الأجنبية ومكانها قاعة الصحف سابقا وتحتوي داخلها قرارات الأمم المتحدة منذ انشائها بعد أن اكتشفتها في المستودع, أما قاعة الصحف فتم وضعها في الممر أمام القاعات للاستفادة منه بعد تجهيزه وفرشه بالجهود الذاتية, كما أضفنا قاعة للطفل في الأسفل وأىضا أضفنا قاعة للندوات هي الآن في طور الاعداد, إذ لدينا توجه مستقبلي بمشيئة الله لعمل ندوات خاصة من باب تقديم خدمات أخرى لجمهور المستفيدين من المكتبة تكريسا لدورها التنويري في خدمة المجتمع, ونحن نريد تقديم ندوات ولدينا أساتذة كبار ويمكن أن يغطوا كافة مجالات العلوم الانسانية, ونحن ننوي ان شاء الله تطبيق ندوة (كتاب وكاتب), ويرتكز على فكرة قيام أدبائنا ومفكرينا بالحديث عن انتاجهم وهذا النشاط قطعنا فيه شوطا بعيدا حوالي 80% وأوشكنا على الانتهاء من إعداده".
بين الغياب والحضور
يقول الأستاذ العمري ان المكتبة لم تشارك في أي نشاط في الذكرى المئوية لتأسيس المملكة, كما أنها لم تشارك في الجنادرية بصفتها ومجهودها, ولكن يأمل الأستاذ العمري ألا يأتي موسم الجنادرية القادم بدون نشاط كبير للمكتبة وهو يقول: "مكتبتنا تنقصها الدعاية الإعلامية والمادة فنحن في أغلب الأحيان ندعم المكتبة من جيوبنا سعيا وراء مرضاة الله.. ولقد بدأنا في تجهيز قاعة الندوات وهي قاعة قديمة نسبيا إلا أنها تؤدي الغرض وهي قاعة قديمة شتوية لا يمكن عمل ندوات بها في فصل الصيف لأنها بلا منافذ أو مكيفات ونهيب برجال الأعمال أن يمدوا أيديهم بالدعم لنحولها إلى قاعة على مدار السنة".
[ وهل ستساهم المكتبة في الاحتفاء بالرياض عاصمة للثقافة هذا العام؟
ـ نحن مركز ثقافي أساسا ونحن أقرب للثقافة من غيرنا ولكن جهودنا لا نستطيع إبرازها لأننا ليس لدينا مادة فالمادة هي المعوق الأول والأساسي.
ولكننا ومن خلال أنشطتنا مع المدارس كونا فرقة مسرحية هي فرقة المكتبة العامة, وبالمناسبة فإننا ننتهزها فرصة لدعوة كل متطوع يريد المساهمة في النشاط المسرحي من خلال الموهبة في التمثيل أو الاخراج أو الديكور أو التأليف صغيرا أو كبيرا, طالبا أو موظفا هاويا أو محترفا نحن نرحب به في أي مجال.
فهناك قرار وزاري بتشكيل لجنة ثقافية إعلامية بالمكتبة العامة وطبعا هذا يحتاج جهودا فهي بحاجة إلى خبرة في المسرح فنحن مسرح تعليمي يختلف في أهدافه عن المسرح التجاري وهدفنا تكريس القيم التعليمية لدى الطالب وفرقتنا موجهة أساسا للطفل ولا مانع من وجود مسرح للكبار فيما بعد وسنعرض مسرحيتنا بمشيئة الله في إدارة التعليم أو في الحي الدبلوماسي ونحن نخاطب هذه الجهات ولكن لابد من تكامل الفرقة لأن المسرح لابد أن يكون عملا متكاملا .
يوم للمرأة
[ كيف تستفيد المرأة من خدمات المكتبة؟
ـ يقول الأستاذ العمري: "كثير من الباحثات يتصلن علينا للسؤال عن امكانية زيارة المكتبة والاستفادة من خدماتها لكن ليس في نظام المكتبة يوم مخصص للنساء والتي تريد شيئا ترسل رجلا من أقربائها في طلبه من المكتبة, وفي الحقيقة فإنه ينبغي أن يكون هناك يوم للمرأة, وأتوقع لو وجه هذا الطلب إلى مدير التعليم فلن يرفض ولو حصل تنسيق لن يكون هناك أي أشكال ومن الممكن أن يخصص للنساء يوم الخميس, فإنه مع الجمعة إجازة.
[ وماذا عن نظام الإعارة؟
ـ نحن فتحنا مؤخرا نظام الاعارة ولكن بشروط مختلفة, وكان هذا النظام موقوفا لأسباب تنظيمية وحاليا قمنا بعمل نموذج استعارة ونشترط على الراغب في الاستعارة احضار ورقة من مكان عمله بعدم اخلاء طرفه, لأننا عانينا كثيرا في السابق من السرقة من قبل بعض ضعاف النفوس, ومن الطريف ان احدهم صحا ضميره بعد أربع أو خمس سنوات وأحضر الكتب التي كان قد سرقها..!!!
الطموحات المستقبلية
نقوم حاليا بخطة تعريفية عن المكتبة للطلاب نعرفهم خلالها بنشاطاتها, لأن الطلاب فئة مستهدفة محدد مكانها وفيما بعد يتم التوسع في التعريف بالمكتبة إن شاء الله.
وخلال الأيام القليلة القادمة سيكون للمكتبة العامة بشارع الملك فيصل موقع على الانترنت.. كما اننا نعد حاليا لإصدار نشرة أو مطوية بعنوان ورد حديثا للمكتبة نضع فيها كل ما ورد للمكتبة حديثا والهدف منها أن يكون في المطوية مسابقة ترفيهية ولكي تصبح فيما بعد نواة لمجلة تصدر عن المكتبة يحررها مثقفوها وروادها لأن روادها أساتذة تختلف مجالات اختصاصهم وأتوقع أن تكون أفضل مجلة مكتبية لأن من سيكتب فيها هم من الصفوة المثقفة من رواد المكتبة.
رسائل
وفي النهاية يوجه الأستاذ العمري بعض الرسائل إلى:
رجال الأعمال: لدعم المكتبة ماديا فهي تقدم لأبنائهم ولأبناء المملكة ككل.
والمبنى تاريخي لم تغادره المكتبة منذ افتتاحها, ومن غير المعقول أن يبقى مبنى تاريخي كهذا على حاله دون رعاية أو دعم واهتمام.
المتطوعون: الذين لديهم خبرة في عمل المكتبات ولديهم أفكار ومقترحات ورغبة حقيقية في خدمة المكتبة بمجهودهم وأفكارهم هؤلاء نرحب بهم جدا .
الإعلاميون ورواد المكتبة القدامى: نريد منهم لمسة وفاء وأن يدعموها ماديا وثقافيا ومعنويا .
القطاعات الحكومية: التي تصدر مطبوعات ثقافية نحن من باب أولى لابد أن نستقبل تلك المطبوعات ونهيب بهم أن يمدوننا بها, ولدينا قاعات وأوعية فارغة يمكن أن تستوعب أي عدد من الكتب والمطبوعات.