عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 20 March 2003 No. 12690 Year 38

الخميس 17 محرم 1424العدد 12690 السنة 38

  مساءلات فكرية .. الفكر والهوية

د. عبدالسلام المسدّي

عندما تسمع حولك من يعلن من بني جلدتك فيما يخط من أبحاث أو فيما يلقي من محاضرات ان الوحي "إن هو إلا التنزل الموضوعي للنص في التاريخ" تعرف أن شيئاً ما في بنية العقل الأكاديمي قد دب إليه السوس الثقافي الناخر. وسيأخذك الذهول والعجب وربما يعتريك القلق أو يتداول عليك التوتر ثم الحسرة حين ترى ان الكلام يساق مساق الحقيقة الجازمة، وان أصحابه يوردونه متزيناً بحلية الموضوعية كما لو انه من صميم اقتضاءات العلم. وتمسك نفسك برهة تتفحص إن كان الإفضاء بالكلام قد جاء بوحا بالقناعات الحميمة - مما يندرج ضمن شؤون الذات مطلقاً - أو جاء تعبيراً عن اقتناع فكري يتجاوز الفردي إلى الجماعي.
وإذا بك تشهد ان القائل يشحن خطابه بالطاقة الإيعازية التي تدفع القارىء على عمومه إلى الجزم بأن ذلك التأكيد يستلزمه الموقف العلمي وتمليه أشراط المعرفة الحيادية. وهكذا يغيب عن الوعي العام اننا إذا اتكأنا على العلم كي نقول: "إن الوحي ليس إلا التنزل الموضوعي للنص في التاريخ" فإننا نكون قد ظلمنا العلم إذا نحمله أكثر مما يطيق. فقد يكون لبعضهم ان يعتنق ضمن قناعاته الخاصة تلك الفكرة ولكن إذا توهمنا اننا نتوسل بعقلانية المعرفة كي نجر الآخرين إلى التسليم بها فإننا نكون قد انحرفنا مرتين: مرة بالخلط بين القناعات الفكرية والمسلمات الحميمة، ومرة بادعاء اننا نفعل ذلك باسم الموضوعية العلمية، فنكون نحن أدلجنا العلم من حيث توسلنا به لإلغاء الإيمان. فكيف السبيل إلى رسم مقاسم العلم، ومقاسم الأمانة، ومقاسم الهوية، ومقاسم الحياد، ومقاسم الانتماء إلى الأمة وحضارتها؟.
ثم كيف السبيل إلى تحديد الموضوعية والالتزام، وإلى تسييج محاصن الفرد ضمن ملكية الجماعة، وإلى ضبط حرية الفكر فيما بين خطاب العلم وخطاب الدفاع عن الهوية؟.
لقد كان جمع من الأكاديميين ينبهون على مدى العقدين الماضيين إلى خطر الاختراق الثقافي، وكانوا يمارسون بما يقولونه نوعا من الحدس وضربا من الاستشعار، وكثيرا ما كان اخوان لهم بين حصون الجامعات يتهمونهم بأن فيهم تشككا وريبة، وبأنهم يرجمون الآخر بالظن ويحاكمونه بالمقاصد. وجاءت الأحداث الكونية بنوازلها فاسقطت القناع، وعرّت الخطاب، فأفصحت الوقائع بما كانت الأحداث فيما مضى تتلطف في اخفائه أو دسه بين السطور.
غير ان المكاشفة بجوهر الأدواء، والأمانة في تحليل الأعراض، والدقة القصوى التي هي من لوازم التشخيص الموضوعي، تستوجب منا تفكيك ظاهرة الاتهام في القناعات الحميمة إلى ضربين كل واحد منهما يستنفر الآخر بالاجتلاب والمطاردة في نفس الوقت. فالرجم الثقافي الذي يسوغ للإنسان ان ينصب نفسه قيّماً على أخيه الإنسان في كل ما يتصل بسلوكه وبأفكاره ثم بظنونه وبقناعاته الحميمة يقابله اليوم إجحاف اخر يقترفه كثير من القائمين على أمر المؤسسة المعرفية وذلك في مختلف الثقافات الإنسانية المعاصرة، ذلك ان حشودا من المثقفين المعاصرين في مجتمعات شتى وبين مراكن القوميات المتعددة لا ينظرون إلى المسألة إلا بمنظار ثنائي فاصم، فهم في أنفسهم متحررو ن من كل قيد يربطهم بمعتقد روحي، وهم بأنفسهم لا يرون الصواب إلا فيما هم عليه، وبناء على ذلك تراهم يصنفون الكون الإنساني إلى معسكرين يقفون هم على ضفته اليمنى ويحكمون على سائر من يتبقى بأنهم خصوم على الحرية التي هي حريتهم، واعداء على الموضوعية التي هي موضوعيتهم، ولذلك يحكمون عليهم بصيغة جاهزة انهم متعصبون على العلم، متشددون على المعرفة، متعسفون على رقاب الناس، متطرفون في كل ما يأتون.إن هذه النظرة التي يحكمه
ا منطق المتقابلات الثنائية الضدية نظرة مجحفة لأنها تختزل الواقع اختزالا ظالما. ولن يغير من الأمور انها متأنية من الجهل الذي يصاحبه حسن النية، أو انها متأنية من التجاهل الذي يحركه الكيد وتنفث فيه أنفاس المكر.
إن الطارىء الجديد على الثقافة الإنسانية ما انفك يتسلل إلى البنى الذهنية في بعض صفوف النخبة الأكاديمية تحت عباءة النسقية الكونية، وهناك أطراف يتحمسون له ويبشرون بخيراته واهمين وموهمين بأن النهضة العلمية المرجوة لا تأتي إلا متى امتطينا جسر العقلانية التي هي - في مخيالهم" نقض كل لعالم ما وراء العقل.
إن هذا الغزو الجديد - أياً كان المصطلح الذي به نتوسل للتدليل عليه ومهما يكن موقفنا من وظائفه المنجزة والمنتظرة وحيثما حلت ارتداداته المأمولة أو الموعود بها - لهو الصورة الأخرى للعنف الجديد المتسلط على الفكر الإنساني بقاطبة. اما سطوته المتسامقة فتكمن في انه - في حد ذاته - ضرب من الإيديولوجيا الجديدة التي تنطق باسم القضاء النهائي على الإيديولوجيا بعد تحقيق الانتصار الساحق عليها. وليس أكثر عتواً من الخطاب الذي يتستر بالأقنعة ليثبت البدائل من حيث يعلن بنفسه عن نقض الأصل ورفض البدائل.
إن هذا الخطر المكتسح - ما لم يتصد له أولو العزم في بعض جامعاتنا العربية - سيفسد على المؤسسة المعرفية حريتها وسيفقد الفكر استقلاله ما لم يعمل الشرفاء على كشفه. فالانغلاق على الذات من جهة، والاستسلام إلى الآخر من جهة موازية، هما الداءان المؤديان إلى إرباك قواعد الإجراء العقلي، إذ يهزان أركان الموضوعية العلمية من جذورها ويسلبان قلعة الحياد المعرفي حصانتها فتنتكس المؤسسة الفكرية على أعقابها انتكاسة قاتلة، لا سيما وان أحد الاحتمالات الراجحة ان يركن الطارئان إلى تحالف فيما بينهما عاجل الأمد أو آجل الآماد، ولكل واحد منهما حوافزه المختلفة عن حوافز الآخر، ولكل واحد منهما غاياته التي تتباين مع غايات الآخر سواء في المعلن منها أو في المبيت.لكل ما أسلفناه - وربما لغير ما أسلفناه كذلك - يتعين على أولي العزم المنتصرين إلى المعرفة الإنسانية المطلقة عن كل قيد تعسفي أن يتيقظوا وان يلتفوا فيكونوا جبهة يتصدون فيها إلى السيفين المسلولين على رأس الفكر مسلمين بأن عنف التنميط النسقي هو الوجه الآخر المتأتي من التعصب الحضاري والتطرف التاريخي والتشدد الثقافي والاستقطاب المنهجي، وان المثقف الملتزم هو الذي في خضم الأحداث الزلازل يناضل في
سبيل الحرية الفكرية المسؤولة، ويناضل في سبيل صيانة العلم من تطاول الأعراض الطارئة عليه، ولكنه في نفس الوقت لا يستنكف عن إعلان انتمائه إلى هوية حضارية، ولا يتأفف من الإصلاح بتوازنه الذاتي وتواؤمه النفسي بين صرامة العقل وحرارة الإيمان.




 

بقية المواضيع

مساءلات فكرية .. الفكر والهوية
روايتنا الجديدة وأفق السردية المضادة ( 2- 2)
المثقف العربي والأزمة العراقية .. كلنا في الهمّ عرب
د. عبدالله بن علي بن ثقفان بمناسبة صدور كتابه "بحوث ودراسات أندلسية " المشارقة نظروا لحضارتها باستخفاف يصل للتحقير
روائي نعم.. قاص لا!
مع نورة الغامدي في رواية وجهة البوصلة
الكتاب النادر  (2/2)
ابداعات
خالد عويس..يواجه القمع روائياً
عندما يبكي القمر
جماليات الصمت في أصل المخفي والمكبوت
محمد خليفة يبحث في القهر
"القافلة " تعبر جسراً جديداً باتجاه القارىء
نصوص جديدة
صور من عهد الورد
قصة (وهم)
مفكرة السرد حينما تكون السيرة صدى عميقاً  لتجارب العقل نجيب محفوظ وحكمة الشيوخ
خمسة.. ستة.. سبعة..
ثقافة الكويت
الغائبون
الأمير عبدالعزيز بن فهد يتكفل بعلاج بكر الشدي
صالح القلاب: يمكننا الآن نقل نشرة أخبار من الحدود الكويتية العراقية.. ولا نتمنى الحرب لنرسخ "العربية"!
احتمالات استخدام أسلحة الدمار الشامل من قبل العراق وأمريكا
رؤية ..خطاب لا يقدم.. ويؤخر..!
ليلى مراد اعتزلت الغناء والتمثيل لفساد المناخ الفني!!
جومانة مراد تهرب إلى القمة
ولع بن حصيص بالشعر افقده النبوغ في العلوم الأخرى
شماليل
الشعر بين الذائقة والإبداع
"دنياي"
المؤرخ حسني العباسي يقدم الأعلام العباسية
دراسات د. باقازي يرصد المعلقات نفسياً
نبيلة عبيد: عملي أنساني حياتي الخاصة ولكني لست نادمة
بيت وصدى
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة الخميس | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة الخميس

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض