عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 20 February 2003 No. 12662 Year 38

الخميس 19 ذو الحجة 1423العدد 12662 السنة 38

  مساءلات فكرية .. العلم والانتماء

د. عبدالسلام المسدي

ليس للعلم هوية وليس للعلم جنسية، ولكن العلماء لهم هوياتهم ولهم جنسياتهم، ولم يتضرر تاريخ الإنسانية من شيء بقدر ما تضرر من العلماء الذين أنكروا هوياتهم، ففقدوا أواصر انتمائهم وخلطوا بين العلم وحامله خلطاً قادهم إما إلى التجبر أو إلى البؤس. والعلم في حد ذاته إن هو إلا ضرب من العلاقة يقيمها الإنسان بينه وبين الوجود فيؤسس بها جسراً يحدد به طريقة فهمه للعامل الخارج عنه، وطريقة استيعابه لعالمه الذاتي من داخل نفسه. ولكن العلم لم يكن أبداً - في كل الثقافات الإنسانية - هو الضربَ الوحيد من ضروب تلك العلاقة سواء بين المرء وذاته أو بينه وبين ما هو مفارق لذاته. وبناءً على ما سلف قضت الأعراف بأن العلم يتحرك في فضاء النسبية، والمقصود بذلك في نفس الوقت نسبيّة الحقائق ونسبية المعايير ثم نسبية القيم. وهذا ما دفع بكثير من العلماء الخلّص إلى التأكيد على أن المعرفة العلمية تنبذ الإطلاق وتتجافى عن الاقصاء.
عندما حصلت الصدمة الحضارية الكبرى بين الثقافة العربية والثقافة الغربية في ثوبها الاوروبي تخصيصاً قام الجدل يدور حول سبل الأخذ بمقومات النهضة المدنية، وكان محور الدوران هو الأخذ بأسباب العلم. ثم كانت حقبة الاستعمار تلتها حروب التحرير ثم تلاهما تأسيس الدولة القطرية في تلوُّنها العصري. وكان العدد الأغلب من الأقطار العربية قد عرف هذه المراحل الثلاث، ولكن فارقاً دقيقاً كان يفصل بين خصوصيات التركة الاستعمارية. فالبلاد التي حمل التاريخ إليها الاستعمار البريطاني عرفت أنه استعمار سياسي اقتصادي بالدرجة الأولى، والتي كان من قَدَرها أن خضعت إلى الاستعمار الفرنسي تيقنت أنه استعمار سياسي ثقافي بالدرجة الأغلب.
وانطلقت الأقطار العربية المستقلة تصنع لنفسها أنظمتها التربوية، وأقدم العديد منها على المبادرة بإنشاء الجامعات باستلهام أنموذج الجامعات الغربية ولا سيما الفرنسية منها بالنسبة إلى دول المغرب العربي، وكان هناك جيل من المؤسسين تثقفوا في جامعة السربون، وحاولوا أن يرسوا قواعد تلك النسبية التي تحدثنا عنها آنفاً. فقد تابعوا عن كثب حركة الاستشراق فتبصروا بكل درجات الطيف في لوحة ألوانها، كانوا على بينة من الأصوات التي خدمت الإيديولوجيا الاستعمارية، وكانوا يعرفون الأصوات التي تتستر بالعلم كي تنفث سمومها الفكرية لأنها تضمر العداء لكل ميراث إنساني مخالف.
ولكن جيل المؤسسين كان يعرف الأصوات الأخرى: كان يصغي إلى خطاب المستشرق لويس ماسنيون الذي شاع عنه أنه أكثر المسيحيين تعلقاً بالإسلام، وإلى خطاب جاك بارك الذي كان أكثرَ الفرنسيين التزاماً بالقضايا العربية، وكان هناك صوت جسَّم النسبية الموضوعية كأجمل ما يكون التجسيم، هو صوت المستشرق رجيس بلاشير الذي تخصص في شاعر العروبة أبي الطيب المتنبي وأحبه، وتفرغ طويلاً إلى ترجمة القرآن الكريم فأنجز ترجمة نصيّة اشتهرت بأنها أحكم أنموذج لما يسمى بالترجمات الفيلولوجية في اللغة الفرنسية.
في زمن التأسيس، وفي العقود الأولى التي تلته، لم تكن مسألة الهُويّة تَبسط أي إشكال يتعلق بخلفيات العلم، وهذا لم يكن خاصاً بالجامعات المغاربية لأن الفكر الإنساني عامة قد كان يعيش فترةَ ما بعد العهد "الكُولُونيالي" فكان الغرب يجر عقدة التأثيم الحضاري بموجَب ما فعله في الأمم، وفي الشعوب، وفي الثقافات الإنسانية المغايرة لثقافته. وكانت المجتمعات المستقلة حديثاً لا تعرف تقييداً للحرية الفكرية كلما اتصل الأمر بمسألة الهوية الحضارية، بل كانت الأنظمة السياسية الناشئة هي الضامنة لبراءة التأويل كلما شدا الخطاب المعرفي بأنغام الالتزام التاريخي الأصيل. ومضى زمن، فتبدلت المنظومات السياسية المؤثرة في التوازن الإنساني، واختلطت الأوراق التي بين المعرفة والثقافة، والأوراق التي بين الفكر والسياسة، والتي بين العلم والقناعات الحميمة. وإذا بكل شيء يتأدلج من جديد تحت غطاء موت الايديولوجيا. مضى زمن فظهر بين النخبة الأكاديمية في بعض الجامعات العربية مشرقاً ومغرباً نفر غريب، فيه الجديد وفيه العتيق، هو قليل العدد، بدا له أن يخرج على السرب، وخُيّل له أنه سيصنع المستقبل، وارتأى أن تكون الحجارة الأولى التي سيقيم عليها برجه الجديد هي الإعرا
ض عن فلسفة الهوية باسم فلسفة الكائن الإنساني السابح في فضاء اللاهوية.
اليوم يراجِع المثقف الملتزم نفسه في ضوء المكونات الجديدة للواقع الإنساني قاطبة فيرى من المتعين عليه أن يدق الأجراس، وأن يذكّر بما غدا بديهياً مهماً غَشيت سجوفُ الغفلة الأبصارَ، ومهما غَشِيت بفعل ذلك البصائرُ، وهو أن كل ضرب من أضرب الصراع في هذا الزمن كيفما جاءت نزاعاته - عسكرية أو سياسية أو استثمارية - أصبحت تتخذ من الثقافة جسراً تتوسل به حيناً، وهدفاً تسعى إلى اختراقه حيناً آخر. فصراع القوى العالمية، وإيغال بعضها في التفرد بالسيطرة قد أديا إلى المجاهرة بالعداء الحضاري، وإلى الإعلان المفضوح عن سعيها إلى زعزعة الهويات التي تخشى أن تمثل حاجزاً أمام اكتساحها الكلي للمنظومة العالمية الجديدة. وتأتي الثقافة العربية الإسلامية في أول الأهداف الاستراتيجية المرصودة، ويكتسب هذا الخطر الثقافي حجماً متعاظماً عندما نرى ثقافة الآخر تتسرب إلى القناعات الحميمة لدى بعض المحسوبين على النخبة الفكرية، فتصبح متحكمة في آلياتهم النفسية عبر التحكم في أدوات التفكير عندهم، فيكون عندئذ التسللُ إلى كوامن الذات الفردية المؤدية إلى السيطرة على منافذ الذات الجماعية.
اليوم أصبح متعيناً أن نذكِّر بتعريف الموضوعية العلمية، واليوم أصبح متحتماً أن نصون ذلك المخزون الرائع الذي تأسس عليه المعرفة العلمية الخالصة، وأن نحمي تلك الثروة الغالية، نعني: النسبية في المعرفة والنسبية في القيم، والنسبية في كل حكم معياري.
الويم علينا أن نعلن أن الجامعة مؤسسة لا تنفصم عن الهوية التي اختارتها الأمة لنفسها، وأن الجامعة ليس بوسعها أن تخرج على الجماعة فتكون كالحصان الشارد، وأن الجامعة يجب أن تظل في منأى عن خطاب الاسترضاء، وفي مأمن من دعاة المزايدة الكونية الجديدة.
إن الخطر الجديد الذي يتهدد موضوعية العلم هو التسويق الإيديولوجي الذي يمتطي جوادَ الخطاب الماكر، فهو - فيما يصرِّح به - يُشيد بموت الإيديولوجيا، وهو من حيث يتغنَّى بموتها يصنع إيديولوجيته الجديدة مستترة وراء الأقنعة. إن المَظلمة التي عاشها الفكر الإنساني وتسبّبت له فيها النزعة المذهبيّة الجامحة التي استبدت في أوجها بالثلثين الأوّلين من القرن العشرين لم تكن تكمن فقط في الإرغام الإيديولوجي وإنما كانت تتجسم على وجه الخصوص في الحكم الجاهز الذي كان يسلّطه الواقفون على ضفاف المعسكرات المذهبيّة: كلّ فريق قد رتّب على الآخر أحكامه المعيارية التي أعدّها سلفاً والتي توظّبت في مخابر الإيديولوجيات، وتنمّقت على أيدي صنّاع الخطاب الساهرين إلى غسق الليل في ورشات حياكة اللغة.
إن الذي نحن معنيّون به في هذا السياق المخصوص هو الخطر الجديد الذي ينذر بفساد أمر المعرفة وباهتزاز أكان المؤسسة الفكرية العامة تحت وقع الصدمات التي يُحدثها جموح التشدد العقدي لا سيما وأن توتر الثقافة الإنسانية عموماً ما انفك ينفخ في انغلاق الإنسان داخل قناعاته الحميمة بشكل قطعي، كأنما يتحصن فيه من كل اختراق خارجي ربما يأتيه حتى عبر قنوات المحاورة والمناظسرة مع أي ثقافة أخرى مغايرة لثقافت




 

بقية المواضيع

حول كتاب تاريخ كيمبردج للأدب العربي د. السبيل لـ "الرياض":فكرة إخراج الكتاب نبعت من قيمته في الأوساط الأدبية العربية والغربية
هل تقرأ المرأة بصورة مختلفة عما يقرأ الرجل؟
عز الدين المناصرة : قصيدة النثر.. نص مفتوح بايدلوجيا العولمة
د. قاسم في الفكر المحض : مقاربات نقدية للفلسفة والفكر
حداثة التراث الشعري.. بين التحدي والتعصب
مساءلات فكرية .. العلم والانتماء
مفكرة السرد .. الدون كيخوته كتاب وذكريات
ضوء لقيط.. ضوء اخدج
أحداث المظاهرة الأخيرة
قصائد لم تنشر
البدر  يختتم أمسيات "هلا فبراير" الشعرية
اليوم وبالتوازي مع  قناة "العربية" : mbc تطلق اذاعة اخبارية جديدة بتردد جديد في الرياض وجدة فقط
عرب اختلفت آراؤهم السياسية والتقوا في "الشندقة"
معرض تشكيلي ثنائي للدكتور راشد دياب والدكتور كمال مصطفى
المخرج الليث حجو: قدمت حوارية مفتوحة ونسيجاً متلوناً بين الشكل والمضمون
سبعي: شغفاً للقرية
حكايات لجارات الحي
أوراق اعتماد امرأة
بيت وصدى
حدائق هاملت
قصائد أخيرة
رواية ميمونة لمحمود تراوري .. رحلة عبر قرون تستحضر الموروث
الراوية السليمان لـ "خزامى الصحارى": الراوي مرجع قوي ومستند في المرجعية الشعبية
قراءة في كتاب الغناء البدوي (الهجيني)
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة الخميس

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض