عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 20 February 2003 No. 12662 Year 38

الخميس 19 ذو الحجة 1423العدد 12662 السنة 38

  حداثة التراث الشعري.. بين التحدي والتعصب

د. عبدالملك مرتاض

(.. يكون الشعر العظيم هو الحياة الخالدة للغة، تتجدد به، وتكسب من خلاله قوتها وروعتها).
(سعيد السريحي)
* سعيد السريحي وجه مشرق في الثقافة السعودية المعاصرة، وركيزة صلبة من ركائز الحركة النقدية بالمملكة، لم يزل يثري المكتبة العربية بكتابات رصينة تحاول أن تؤسس لما لم يؤسس، وتعيد للتراث الشعري، خصوصا، نصاعته في التمثل، ومكانته في النفوس، فقد تجانف كثير من الشعراء المعاصرين عن جادة الشعر العمودي وعدوه مجرد منظومات باردة تطبعها قعقعة القافية، وتميزها جعجعة اللغة، دون أن يكون فيها ما ينبغي ان يكون من التصوير الشعري العبقري الي لا يكاد الظافر يظفر به إلا في شعر المعاصرين من الحداثيين.
وفي احدى رحلاتي الأخيرة للرياض، ولدى تعريجي على جدة اهدي الي كتاب للدكتور سعيد السريحي بعنوان: "حركة اللغة الشعرية" و"الكتاب من منشورات النادي الادبي الثقافي بجدة، صدر عام  1999ويقع في  257صفحة من القطع المتوسط) وقد كنت لا ازال اتصفح هذا الكتاب القيم كلما دفعت الى البحث عن كتاب استخرجه من بين أكوام الكتب الأخرى القابعة على رفوف مكتبتي الشخصية، وفي كل مرة كنت احدث النفس، او تحدثني هي، بضرورة قراءة هذا الكتاب قراءة متأنية، وذلك لمعرفتي المسبقة بصرامة الطرح، وجدية البحث، في كل عمل يصدر عن سعيد السريحي الذي تعرفت عليه شخصيا، لأول مرة في جدة، منذ خمسة عشر عاما.. الى أن اتيح لي شيء من الفراغ هذه الايام.. فجئت على الكتاب قراءة.. ثم رأيت ان اكتب انطباعي عن قراءتي هذه لقراء "الرياض" الغراء.
ويقع الكتاب في بابين اثنين، فكان عنوان الأول: "مضايق اللغة الجديدة" وعنوان الثاني: "معالم اللغة الشعرية" ويشتمل الأول منهما على أربعة فصول، في حين يحتوي الآخر على خمسة، ويبحث هذا الكتاب الهام في النظرية الشعرية في القرون الأولى من عهد ازدهار الثقافة العربية بعامة،  وفي شعر أبي تمام الطائي بخاصة وما قيل في حداثته التي نعدها نحن اليوم تراثا، فقد كابد هذا الشاعر من فعل اصراره على التجديد في بنية القصيدة العربية، وقل: اصراره على تكسير التقاليد الشعرية التي كانت سائدة في الشعر العربي، فكان الرجل يعذب اللغة الشعرية بتحميلها ما لم تألف احتماله قبله، كما كان يزعج النقاد الذين ألفوا لونا معينا من الشعر لا يكادون يصادفون غيره يتناولونه بأحكامهم الجاهزة بين ان تكون "جيدة" و"رديئة" دون تبرير جمالي أو فني مقنع، فالصور الشعرية كانت تقليدية، والتشبيهات كانت مكررة بحيث لا تشبه عيون المرأة الا بعيون المهاة، وجيدها لا يشبه الا بجيد الريم منذ ان ابتكر ذلك امرؤ القيس، في حين أن الشجاع لم يكن يشبه إلا بالأسد، والكريم الا بالبحر، فكان الناس متآلفين مع ما يقرأون من تلك الاشعار التي لا تصدم اذواقهم، ولا تجهد عقولهم، ولذلك انزعج النق
اد من شعره انزعاجا شديدا حين رماهم بصور شعرية لم يألفوها، ومعان جديدة لم يتعودوها، حتى قال له بعضهم في حيرة وسمود "لم لا تقول ما يفهم" فأجابه ابوتمام حبيب ابن أوس الطائي ببديهته المعروفة، وفي شيء من السخرية والتحدي معا: "ولم لا تفهم ما يقال؟" فقلب تركيب المعادلة النقدية، والى هذا الطريق المسدود انتهى نقد الشعر العربي على عهد ابي تمام، فلم يستقبل حداثته الا بالرفض، ولم يتحمس لطريقته الجديدة في كتابة الشعر، فلم ينعم ابوتمام بالثناء الكريم على شعره الا في مثل قصيدته وفي وقعة عمورية حين استنجدت المرأة المسلمة بالمعتصم لينصفها ممن ظلمها ولطمها..
وإنما رفض النقاد ورواة الشعر طريقة ابي تمام لسببين اثنين لا لسبب واحد: اولهما انه واجههم بما لم يألفوا، كما سبقت الايماءة الى ذلك، وآخرهما انهم كانوا يجترون عقدة القديم من الشعر، وخصوصا الجاهلي، فكانوا لا يسلمون لشاعر من المولدين والمحدثين ان يكون شاعرا كبيرا، ولو خرق السماء طولا ولولا تفطن بعض النقاد الكبار الى هذا التمثل الخاطئ  للأمور مثل ابن قتيبة الذي كتب في مقدمة كتابه "الشعر والشعراء" ما كتب عن رفض هذه النظرية المجحفة التي تقف الشعر على القدماء وحدهم دون المحدثين، كما كان لكتاب الصولي المعروف تحت عنوان: "اخبار ابي تمام" ولكتاب ابن سنان في كتابه "سر الفصاحة" ولكتاب "الموازنة بين شعر ابي تمام والبحتري" للحسن بن ابشر الآمدي اثر طيب في التأسيس لنظرية نقدية جديدة لا تقف باعجابها لدى القديم، ولا تقدم هذا القديم على الجديد إلا إذا كان أهلاً لهذا التقديم ، إذ كان س كل قديم ، كما يلاحظ ذلك ابن قتيبة ، في عهده جديداً ، كما أن كل جديد سيصبح بعد عهده قديما.
اننا حاولنا ان نركز في هذا الانطباع على مسألة القديم والجديد، لانها مشكلة ازلية في الكتابة والفن، فلا يزال الشعر العربي يكابدها، ولا  يزال النقاد العرب منقسمين على أنفسهم  الى يومنا هذا، فمنهم من يتعصب للقصيدة العمودية ويراها الشعر كله، في حين ان كثيرا من النقاد الجدد، ومعهم الشعراء الجدد ايضا، يرون أن الشعر العمودي انتهى عهده، بانقراض اصحابه، ولكل زمان رجاله، ولكل عهد شعراؤه، فلا مدعاة للتمسك بهذا القديم الذي حاول أن يصور عهده فكان ما له، وكان ما عليه..
تلكم بعض القضايا التي يطرحها كتاب سعيد السريحي ويناقشها بعمق وحصافة..
وأريد أن اختم هذه المقالة القصيرة عن استنتاج سعيد السريحي عن التشبيه لدى النقاد والبلاغيين القدماء الذين لم يجاوزوا الوقوف لدى المشبه والمشبه به ووجه الشبه، فيلاحظ السريحي ان مصطلح "التشبيه" اوقع النقاد والبلاغيين معا في سوء فهم لطبيعة العمل الشعري، وذلك ما اغراهم بتمثل "المسأة على أنها مقارنة بين شيئين يتشابهان في شيء من الاشياء. وذلك هو ما  استدعى من النقاد الاجتهاد في البحث عن وجه الشبه ثم محاكمة الشعر بناء على ظهوره او خفائه، قدمه أو حداثته، في الوقت الذي لو استطعنا ان نبرأ من وهم التشبيه، لاستطعنا ان نستكنه في الشعر عوالم عديدة من خلال العلاقات التي تنتج عن التقاء الكلمات فيه، إن قول امرئ القيس:
وليل كموج البحر..
من شأنه أن  يتلاشى اذا ما أخذنا المسألة في اطار انه شبه الليل بالموج مهما حاولنا ان نجتهد في اكتشاف وجه الشبه، غير انه  يصبح للشعر نبض آخر اذا ما نظرنا إلى أن الليل يستبطن في داخله معاني عدة تنبض بها اللغة، والسياق يريد من الليل غموضه ورهبته، ولا يريد منه استقراره وسكينته" (السريحي، حركة اللغة الشعرية، ص  164- 165).
لقد استطاع السريحي ان يجمع العالم في واحد، ونظريات كثيرة متضاربة ومتقاربة في هذا الكتاب بفضل جودة طرحه لاشكالية اللغة الشعرية لدى القدماء، وبفضل قدرته على دقة الاستنتاج وحسن الاستنباط، كما لاحظنا ذلك من خلال كتابته عن مسألة التشبيه كما يجب ان تكون، لا كما كان ينظر ليها النقاد ورواة اللغة القدماء..
وبعد، فاني استمتعت بقراءة سعيد السريحي في هذا الكتاب، فهل سيشاركني الذين سيقرؤونه هذا الاستمتاع، ارجو ان يكون ذلك..




 

بقية المواضيع

حول كتاب تاريخ كيمبردج للأدب العربي د. السبيل لـ "الرياض":فكرة إخراج الكتاب نبعت من قيمته في الأوساط الأدبية العربية والغربية
هل تقرأ المرأة بصورة مختلفة عما يقرأ الرجل؟
عز الدين المناصرة : قصيدة النثر.. نص مفتوح بايدلوجيا العولمة
د. قاسم في الفكر المحض : مقاربات نقدية للفلسفة والفكر
حداثة التراث الشعري.. بين التحدي والتعصب
مساءلات فكرية .. العلم والانتماء
مفكرة السرد .. الدون كيخوته كتاب وذكريات
ضوء لقيط.. ضوء اخدج
أحداث المظاهرة الأخيرة
قصائد لم تنشر
البدر  يختتم أمسيات "هلا فبراير" الشعرية
اليوم وبالتوازي مع  قناة "العربية" : mbc تطلق اذاعة اخبارية جديدة بتردد جديد في الرياض وجدة فقط
عرب اختلفت آراؤهم السياسية والتقوا في "الشندقة"
معرض تشكيلي ثنائي للدكتور راشد دياب والدكتور كمال مصطفى
المخرج الليث حجو: قدمت حوارية مفتوحة ونسيجاً متلوناً بين الشكل والمضمون
سبعي: شغفاً للقرية
حكايات لجارات الحي
أوراق اعتماد امرأة
بيت وصدى
حدائق هاملت
قصائد أخيرة
رواية ميمونة لمحمود تراوري .. رحلة عبر قرون تستحضر الموروث
الراوية السليمان لـ "خزامى الصحارى": الراوي مرجع قوي ومستند في المرجعية الشعبية
قراءة في كتاب الغناء البدوي (الهجيني)
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة الخميس

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض