بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 18 September 2003 No. 12872 Year 39

الخميس 21 رجب 1424العدد 12872 السنة 39

  رائحة الموت

قصة - إبراهيم النملة

حروب ودمار وقتل وتشرد ونهب وسرقة...
ذلك هو عالمي!!!في بلاد الرافدين لم أهرب منه ولم يهرب مني، رضيت فيه مجبراً، أبحث فيه عن من يمسح دمعة أطفالي ويسد تضوع جوعهم، لقد انتصبت هنا على هذه الأرض منذ خلقت، أحمل صباحي إلى مسائي وأعود إلى داري الصغير أتفحص ملامح عائلتي!!..
أخفي توجعي عن نظراتهم، وأبكي وحيداً حينما يحضنني الظلام عن لمسات نظراتهم، ولا أشتكي فالغد سيحمل نفس شكواي!!! ولا أحكي فحزن عائلتي يفوق وجع امتداد يد الظالم إلى وجهي!!
لم يمر الموت من قريتي مرور الكرام، لقد حمل معه أجساداً كثيرة أعرفها وأجساداً كثيرة لا أعرفها، قربها الموت من قريتنا، فإنهال علينا الموت كالمطر...
وأطفأ سحنات الخوف والهلع من وجه صغيرتي التي ماتت.. كانت معي في مساء لا يعرف النور تخاف دوي الصواريخ على الأرض وتهتف لي "بابا أخاف أن أموت" فأسحبها من رأسها وأدسها بحضني وأغسلها بخوفي وقلقي عليها، رفعت نظرها إلى وجهي وقالت لي:
= بابا أريد أن أذهب إلى الحمام...
اطلقت جسدها من حضني ولكنها لم ترحل إلى الحمام فالظلام يقربها من مجلسي ودوي الانفجارات يصعد بها الخوف إلى منتهاه، وجع رجلي من عمل النهار وتلاهث أنفاسي خلف شجيرات أرتجي منها لقمة لعائلتي منعني أن أرافقها، حاذت بأناملها الصغيرة الجدار وخطت خطوات قليلة نحو الحمام ولم تعد...
قتلتها رصاصة لم تعرف لون دارنا الصغير، قتلتها حينما حسرت فستانها عن جسدها في الحمام صرختها أفزعتنا وركضنا كالمجانين إليها ووجدتها غارقة بدمائها ويدها ممسكة بقوة على طرف فستانها... ماتت ابنتي.. ماتت دون أن تعرف الفرق بين الحرب والسلام... ماتت ولا تعرف من الأسماء سوى اسمها واسمي واسم أمها واخواتها وجدتها.. ماتت كضحية لشيء لا تفقهه!!!.. وعرف الموت باب دارنا الصغير.. لم يفارق عتبته بعدما أخذ إلهام!!!..
وماتت بعدها جدتي!!!...
لم يكن حزن إلهام من أماتها.. لم يكن الخوف.. ولا جفاف ريقها بالدعاء.. ماتت جدتي.. كانت بدارها بيدها مصحفها، تقرأه من خلف زجاج نظراتها السميكة، ترفع صوتها الواهن لتضفي على رائحة الموت بدارنا رائحة الإيمان، كنا سوياً نجلس نستمع لصوتها الواهن وفجأة انكسر باب دارنا الخشبي المهترىء، دخلوا علينا مدججين بالسلاح، أمرونا أن نخرج من الدار ليفتشوه وكأن وجود رائحة إلهام جريمة!!!.. خرجنا بذل عدا جدتي التي أبت أن تخرج من دارها دون أن تدثر وجهها بقماشها الأسود، صوبوا نحوها بنادقهم ولم تبال، أحدهم استخسر الموت في جدتي وسحبها من مرفقها بقوة ليخرجها أمام تضارب يديها، دفعها بقوة لترطتم بالجدار، وتسقط مضرجة بدمائها لتلفظ أنفاسها الأخيرة ويديها على وجهها حتى لا يروا وجهها.. ماتت جدتي لينادوا علينا أن نحمل جثمانها بعيداً عن تفتيشهم لدارنا الصغير لتعبق الدار بامتزاج رائحة الموت بين رائحة جدتي ورائحة إلهام!!!...
إنه صراع قاتل حولنا ليس لنا فيه متاع...
ولكن دائماً وجوه الضعفاء هي الضحية...
ودائماً موت الحرب لا يعرف سوى وجوهنا...
نكتم أنفاس دموعنا، ونتألم بخفية ونلتزم الصمت.. فالموت لمن يقول حرفاً واحداً مهما كان مدلول هذا الحرف!!!..
يسقط كل منا خوفه وحزنه في جلستنا في المساء، ونعلق أعيننا على شاشة التلفاز لنرى الوجوه الأخرى للموت!!!..
ويأتي لنا ذلك الوجه المتشبع بالشبع...
يقول لنا كلمات كثيرة، ويحثنا على الموت بهدوء ليبقى حياً...
نستمع له بصمت، نغسل وجوهنا ترحماً على وجوه أكلها الموت ونتمنى بخوف وخفية أن يسمع ذلك الوجه المتشبع بالشبع كلماته ويحث نفسه على ما حثنا فيه!!!...
يرينا أجسادا خلقت لتصد عنه الأذى...
أجسادا تتحمل عنه الوجع والألم...
أجسادا تتقبل الموت وتختلف كثيراً عن جسده...
يقول عن من رحل جسده انه شهيد... يرشف قهوته الساخنة ويكرر أنه شهيد...
يحصي أجساد الأموات ويتباهى بموتها...
وذنبهم الوحيد.. إنهم كانوا من شعبه!!!...
أمس مات جاري.. بكيت عليه كثيراً.. كان يتمنى قبل أن يموت أن يحفظ القرآن كاملاً.. سبعة وعشرون جزءا تشع بداخله، وقتل ولسانه عبق بآيات الله، قتلوه.. كان عائداً من حلقه لترصده رصاصة في رأسه وترديه قتيلاً، قالوا انه قتل بالخطأ.. وقالوا أهل قريتي لقد خافوا من نور الإيمان بصدره!!!..
دخلت دار جاري وشممت فيه رائحة الموت...
لقد انتشرت رائحة الموت في قريتنا فلا دار من دور القرية لا يحمل هواؤه رائحة الموت...
لم تبك جارتنا على جارنا...
تسلحت بالإيمان، ولم يغادر لسانها ذكرى الله، وقتلوها!!!..
لم تحمل بندقية زوجها وتخرج بالشارع...
لم تصرخ باسم زوجها وتهدد بالانتقام...
لقد لجأت لمن بيده الحياة والموت، رفعت يديها إلى خالقها محتسبة ومتوكلة عليه... خافوا من صمتها ومن سجودها ليقتلوها وهي لم تركع الركعة الثانية... كانت تتوقع موتها... لقد قال لنا ذلك كثيراً... لم يكن لديها أولاد أو بنات، فرشت سجادتها وكبرت لخالقها ليحرقوا دارها...
لم تترك صلاتها وخنقها الدخان لتسقط فوق سجادتها ولسانها عبق بذكر الله...
كثيرة هي الوجوه التي ماتت في قريتنا، حارت الدمعة بعيني وتمزق الحزن بصدري...
لقد كنا نعيش في دورنا الصغيرة، نلقي على بعضنا السلام كل صباح ونسأل عن حال بعضنا كنا بعيداً عن قصوره وبساتينه، لم نكن نعترض على امتلاكه لقوتنا، نفسح له المجال ليأكل من تعبنا ويشرب من عرقنا ما يحلو له، لم نعترض ولم نمزق صورته في ذاكرتنا... فمن يستطيع أن يمزق القدر في واقعنا؟!!!...
يظهر لنا كل مساء على شاشة التلفاز... نعرف ما يقوله وما يخطب به... نستمع إليه بملل وفي صباح الغد ننفذ كل ما قاله وما خطب به!!!..
لقد تعايش الخوف والموت مع كل أيامنا... انه قدرنا أن يصدر بطاقات شخصية لنا تحمل صورتنا!!!...
ولم نهرب من وطننا.. لقد زرع أجدادنا أقدامنا هنا.. لقد تجذر الزمن بمكاننا ولم نهرب لن نرضى أن ننعت بالمهاجرين أو باللاجئين!!!..
عشنا على ضرب الوجع بقلوبنا، وعلى تشرد أنفسنا بأجسادنا..
وأبداً لم نترك أرضنا رغم اننا نراها تصغر وتصغر!!!...
لقد عشنا الهجرة التي سكنوها أهل المدن.. وشعرنا بإحساس اللاجئ البعيد عن أرضه...
وتعلمنا من هجرة الراحة والأمان ولجوئنا إلى الخوف والمهانة أن لا نرفع رؤوسنا أبداً في وطننا!!!
IBR-NAMLAH@hotmail.com ًظ
######ےے(s
###Arabic Style copyx##ے~`###

#




 

بقية المواضيع

النص كمحل للعنف الاجتماعي
الشعر: الوهم أم الحقيقة؟ الكشف أم اللغز؟
"هديل العشب والمطر" للشاعرة لطيفة قاري وقراءات نقدية متعددة في منتدى عكاظ بالطائف
أنّا ماري شيمل نموذج مشرق للاستشراق
حقيبة الثقافة
اتجاهات نثر حسين سرحان الفنية
اللغة بين الحركة والسكون: المعنى
رواية عالية ممدوح (المحبوبات) دفء العاطفة النسوية وذريعة الاعلان عنها
المثقف العراقي؛ من الإخضاع إلى الاستتباع
حافة محمد شكري؟
أبجدية لشاعر لم يأت بعد
رائحة الموت
في غيابة الجب
أحاديث عن التعليم والأدب والسياسة القرعاوي يتذكر خمـسين عاماً
كتب ودوريات مثلث التخلف العربي
الأعمال الشعرية لسعد الحميدين
التركي في مقاربات في الثقافة والنص
عائشة القصيّر توثق إبداعها العشريني
الثقافة وحتمية الاتصال
العلاقة بين اللغة والتفكير
برامج مبتكرة وأخرى مطورة في ذكرى mbc الثانية عشرة
قراءة في اوراق شاعر الصويلح أحد شعراء الرعيل الاول الذي ساجل كبار شعرائه.
الليلة على الفضائية القطرية عبدالكريم عبدالقادر ضيف برنامج (ليالي)
فنون الفيس بريسلي ومحمد عبده وبوب مارلي  وبرتيني سبيرز.. تختلط في فضاء لندن الديموقراطي!!
اليوم.. الذكرى  12لانطلاقة MBC
بيت وصدى
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض