بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 18 September 2003 No. 12872 Year 39

الخميس 21 رجب 1424العدد 12872 السنة 39

  رواية عالية ممدوح (المحبوبات) دفء العاطفة النسوية وذريعة الاعلان عنها

فاطمة المحسن

كل ما بدأته عالية ممدوح حين كتبت رواياتها الثلاث "حبات النفتالين" "الولع" "الغلامة" تستكمله في روايتها الجديدة الصادرة عن دار الساقي "المحبوبات". الخليط المتواشج للتعبير عن الذات وكبحها،التبادل الجمالي بين فن الاعتراف وملاحظة الحياة الباطنية للشخصيات، مراوغة الشكل الروائي وتجاوزه،تمجيد المحبة النسائية من حيث قدرتها على الابقاء على الصورة المثلى للشخصيات، وقبل هذا،العناية باللغة التي تغوي بحرارة جملتها وتوهجها.
ليس هناك من سطح متطامن لكتابة عالية ممدوح، فهي تزرع الارتباك عند القارىء بإشغاله بزحام الحالات والمشاعر وتداخلها، مع انها لا تخرج عن دائرة الذات والاهل والاصدقاء الذين يشكلون عالم يومها وخيالها معا، وهم مثل بطلتها قلقون يفسرون ذواتهم بأفعال تدور حول المرأة التي تجعل منهم شهودا على ماتريد تأكيده في شخصها.
هذه المرة تخطو الرواية نحو زمن الأفول والموت، الشيخوخة التي تدخل الذات المتكلمة في غواية الصراع معها،كي تختبر عالم المحبة والصداقات. الكل ينجح في هذا الامتحان، لأن عربون الحب هو ثمن تلك الشراكة غير المنقوصة لوجع العاطفة كما يحلو لعالية ممدوح ان تستخدم من لغة، على هذا يبقي للاعتراف والبوح الحميمي مساحة تفوق كل ماعداها.
تقول "سهيلة" بطلة الرواية في مفكرتها: (( الساعة الثانية عشرة ظهرا وضعي سيء ومزعج.ليس للأمر علاقة بأعوامي الطويلة والكثيرة فحسب، ولكن بشيء آخر يتسلل بشراهة ما بين صدغي وفكي، وتحت أجفاني، ولا يتباطأ أبدا ولم يدعني أتلافاه قط. كل يوم ينزع مني طبقة، ولا يدعني بالمقابل قادرة على ان أنبح كالكلب الأمين على ما بقي من اللحم والعظم وهما يتفسخان بشجاعة منقطعة النظير. لقد فعلتها الكهولة وانتهى الامر. )). الطريقة المثلى لأمرأة من عيار "سهيلة" هي أن تستبدل وعد الموت بموعد الصداقة. فعندما تدخل المستشفى إثر اصابتها بالغيبوبة تكون قد نجحت في مقايسة الوحدة التي تعانيها أمرأة مهجورة،بثراء مشاعرها التي تجعل جميع صديقاتها يرابطن عند سريرها. الابن الذي يقطع القارات من كندا الى باريس لحضور محنة الأم، يتحول من ولد يبدو على غير دراية بالتعبير عن عاطفته الى واسطة للتحقق من قدرة الحب على قهر الموت. الحب هو ما تلهث الرواية في سباق كل المسافات للوصول اليه. تتجه في كل مرة من النهاية حتى البداية كي لا تركن الى زمن تاريخي محدد يبتعد عن زمن المشاعر. صويحبات سهيلة او محبوباتها من أجناس شتى فبينهن السويدية والفرنسية واللبنانية والعراقية والمصر
ية. وعلى عكس العلاقة بين النساء من كل الاعراق وهي في منطق الرواية تضامن ومحبة، تطرح المؤلفة اشكالية الصلة مع الآخر الذي هو الرجل، فالبطلة مرت بالاختبار الصعب في علاقتها مع الزوج الذي كان يضربها دون هوادة، وهو عسكري يشغل وقته بتوجيه الأوامر وحمل نياشين النصر. هنا تتسع دائرة الدلالة في العلاقة مع جنس الرجال، فالابن هو أقرب الى عاطفة المرأة في علاقته مع بيته وولده وأمه، والأخ الذي كاد ان يتحول الى ضحية في بلده وبتحريض من زوج البطلة العسكري، يهرب من العراق خوفا على حياته ويصبح سندا لأخته. علينا والحالة هذه ان نفرق بين صورة الزوج الفظ الذي تشير الرواية في أكثر من موقع الى تماهيه مع صورة السلطة،وصورته الاخرى الغامضة التي تحملها الزوجة كي تستدل على مكان أسره، فهو أسير حرب في النهاية وعليها انقاذه. تلك هي الحدود المموهة لتداخل المواقف، فالرواية تتحدد بمكان واحد ولكنها تفلت منه الى الاماكن الاخرى: ((أمك تخاف الكسر فترتد الى هناك، الى البلد، حتى لو كان الارتجاج مصيرها أو الشلل والهدم.تسمي باريس: وقت النقاهة من اليرقان العراقي. ترى،هل كانت بغداد قريبة وفي متناول يدها الى هذا الحد؟)).
تعيد المؤلفة ترتيب العرض في روايتها، لتمضي في نهج بعثرة الزمن ودحض سببية التراتب في وحدات الرواية، عند هذا لابد ان تكون لها حكاية حتى لو لم تقم على حبكة معينة، ولكنها تشكل العمود الفقري للحكايات الاخرى التي تحف بها. والحكاية هذه المرة مرض سهيلة البطلة الذي يشكل ذريعة لتعارف الاصدقاء.الاكثر أهمية من تلك التعارفات هو طريقة التقديم، أو العروض الجانبية للشخصيات، وكل شخصية توليها الذات المتكلمة أهمية خاصة، تمنحها عربون محبة تحدد على ضوئه صيغة العلاقة بها. من الصعب أن نفصل في هذا النوع من القص الذات المتكلمة عن الضمائر الاخرى التي تقدم عروضها، فصوت الابن "نادر" يكاد يتداخل مع صوت أمه في الكثير من المواقع، فهو لا يحمل نبرة تدلنا على هوية ذاته المتكلمة حتى حين يصف أفعاله الخاصة،منلوغ الأم يتسرب الى ثنايا منلوغه حتى يحوله الى طبيعة مطواعة تقف بين العاطفتين الأمومة والبنوة. لا يغدو الامر هنا نقيصة روائية قدر ما يؤكد الصيغة المقترحة لبنية رواية تجريبية، فهي تتولى تقديم الافكار الرئيسية باعتبارها ناظم القصة، لا الحبكة التي تقوم على الحدث. هكذا بمقدورنا التخلي في النهاية عن أهمية ان نعرف مصير سهيلة، هل استيقظت من غيبوبة ا
لموت أو بقيت كما هي. فهذه العقدة التي جذبت القاريء الى بؤرتها في البداية، أهملت بمرور الوقت حتى في جانبها التشويقي، لأن الزمن في تداخل عروض شخصياته يمحو سببية الاقحام، إقحام الشخصيات والاماكن، وتغيير اتجاهات التعاطف معها . بمقدورنا إكتشاف السهولة التي يستطيع فيها صوت السرد ان يؤجج الشعور بوحدة النساء من أديان وقوميات مختلفة، وهو في النهاية أدلوجة ملفقة، ولكنها عندما تتخذ صيغة النشيد العاطفي، تحيلنا الى فيلم تموت فيه دايان كيتون بين صويحباتها من السرطان والحب.
الكثير من الأطر التي تحشر الكاتبة فيه شخصياتها تبدو ممكنة القبول ضمن جرعة المشاهد المتولدة عن ازاحة الازمنة وإحلال زمن الوعي بديلا للزمن التاريخي. ما يهم هنا هو حدوس الشخصيات وأحاسيسها وقدرة التراسل بينها، وكلها تنتظم حول شبق العواطف حتى الامومية منها. لغة عالية ممدوح المتحدية النافرة تجد في الطبخ والاكل والرقص رافعات لتقدم بها تلك الشخصية المقموعة، بطلتها التي تبقى غير متثبتة من مساحة الحرية التي وهبت لها وهي تعيش في أوروبا شيخوختها ووحدتها: جسد سهيلة المكبوح والممنوع من ممارسة هواية  والتمثيل بأمر الزوج في العراق، يجد في مسرح الشمس الباريسي تعويضا يبدو وكأنه خيال يتولد عن خيال، فالبطلة تصف لحظة تألق هذا الجسد على الخشبة كما تدل على الشريك في العرض ضمن لغة توحي بأفعال بفقدة . انها هنا تستدرك ما فاتها عبر أقنعة تحتمي بها مثل متاريس الأمان المتعددة. وتبقى الشخصية الاخرى الفرنسية تيسا هايدن "تلك التي تسير كأنها تمشي على شعاع من الضوء" الكاتبة واستاذة الجامعة المختصة في موضوع الانوثة، تغري سهيلة بحضورها  الباهر،مثلما أغرتها كتابتها عن سر اضطهاد المرأة.انها امام سطوة حب من نوع مختلف،صاعق ويتوافق مع ميول العاطفة ا
لفامنستية، فلا عزاء للنساء سوى هذا العالم الذي يستعضن به عن محبة الرجال.
تلعب اللغة لعبة الربط بين كل فراغات الانتقال من حالة الى أخرى، وفي كل مرة تقوم بترتيب الافكار وإعادة هندستها،على هيئة رسائل او يوميات او منلوغات مطولة. انها تكتب القصة ذاتها بطرق مختلفة،كل ما اهملته عالية ممدوح في رواياتها السابقة يظل يرافقها ويغويها، كي تستكمل به قولها الجديد. الرجل ذاته يظهر في كل الروايات ولكن بأوجه مختلفة. وعلى عكس صورته في رواية "الولع" القبضاي النبيل الذي تتغزل البطلة بقوته وسطوته وتحتمي به، يبدو هنا في ترجيعة ذاكرة البطلة الصورة النافرة لمذلتها: (( هذا هو الواقع، حركني على هواه، صرخ في وجهي، قرض عمري، رفس جسدي، ضرب حماستي، وضبط غدد مواهبي، انتقم مني الواقع بالقانون، بالمبادىء، بالحكومة، بالضباط، بالمدنيين، بصفوف الميداليات والجنرالات فصرت موضع ثقته.)).  يستغرق القص في استبطان اللحظات الشاردة من النفس، يقتنصها ليحركها باتجاه المعنى، وتلك التقلبات التي تتجمع فيها كل صيغ الاعتراف والنكران، تفلت من قوالب المعاني الجاهزة . سعي الرواية نحو تعريف جمعي للعاطفة يدفعها الى تخوم التماس مع التاريخ الذي تسجل صورته المتشظية،وقدر ما تخشى البطلة مواجهة هذا التاريخ ومواجهة أسئلته السياسية، تعرف ان كل ع
اطفتها الحميمة تؤدي الى مصباته. ومثلما فعلت في كل روايتها، تشير عالية ممدوح هنا الى ماعلق من حاضر العراق في ذهنها من بقايا أوشال: حرب ودكتاتورية وتشرد وحصار. لعبة الانتقال بسهولة من زمن الى آخر ومن موقع الى موقع يحقق للغة الرواية السبق في ان تعيد على هواها كل ما تريد ان تقوله، حتى تلك التي تخشى تسميتها.




 

بقية المواضيع

النص كمحل للعنف الاجتماعي
الشعر: الوهم أم الحقيقة؟ الكشف أم اللغز؟
"هديل العشب والمطر" للشاعرة لطيفة قاري وقراءات نقدية متعددة في منتدى عكاظ بالطائف
أنّا ماري شيمل نموذج مشرق للاستشراق
حقيبة الثقافة
اتجاهات نثر حسين سرحان الفنية
اللغة بين الحركة والسكون: المعنى
رواية عالية ممدوح (المحبوبات) دفء العاطفة النسوية وذريعة الاعلان عنها
المثقف العراقي؛ من الإخضاع إلى الاستتباع
حافة محمد شكري؟
أبجدية لشاعر لم يأت بعد
رائحة الموت
في غيابة الجب
أحاديث عن التعليم والأدب والسياسة القرعاوي يتذكر خمـسين عاماً
كتب ودوريات مثلث التخلف العربي
الأعمال الشعرية لسعد الحميدين
التركي في مقاربات في الثقافة والنص
عائشة القصيّر توثق إبداعها العشريني
الثقافة وحتمية الاتصال
العلاقة بين اللغة والتفكير
برامج مبتكرة وأخرى مطورة في ذكرى mbc الثانية عشرة
قراءة في اوراق شاعر الصويلح أحد شعراء الرعيل الاول الذي ساجل كبار شعرائه.
الليلة على الفضائية القطرية عبدالكريم عبدالقادر ضيف برنامج (ليالي)
فنون الفيس بريسلي ومحمد عبده وبوب مارلي  وبرتيني سبيرز.. تختلط في فضاء لندن الديموقراطي!!
اليوم.. الذكرى  12لانطلاقة MBC
بيت وصدى
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض