بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 18 September 2003 No. 12872 Year 39

الخميس 21 رجب 1424العدد 12872 السنة 39

  الشعر: الوهم أم الحقيقة؟ الكشف أم اللغز؟

محمد علي شمس الدين

الكلام في الشعر بمقدار ما هو كلام قديم، هو أيضاً ابن اللحظة الراهنة، وكلام جميع العصور، منذ ما جلس آدم أمام حوّاء في الغابة، على صخرة أو فسحة مضاءة، في ليلة قمرية، وضع يده على شعرها، ثم نظر إلى القمر، ونظر إلى وجهها، وكان الحب.. حتى هذه الأيام، التي ألغزت فيها المعاني وتراكم فوق الأشياء والموجودات، غبار الأزمنة، فوقع الكائن البشري في التباساته الكثيرة، وكاد يغرق في ألغازه، فكتب الشعر أيضاً ليكشف  عن قلقه، فاذا به يزداد قلقاً، وإذا الشعر خلاص ومعضلة.. سرّ وكشف، وهم وحقيقة.. وهذه هي الحياة على كل حال.
الكائن البشري، على ما ظهر لي، هو كائن متحفز دائماً للشعر ألمس ذلك لمس الرؤية وأسمعه وأراه، في كل يوم، والشواهد لاتني تتوارد..
سيكون من الملفت للانتباه، مثلاً، أنّ الأشعار المحفورة بأظافر الإنسان أو بالحجارة، على النصب القديمة الباقية، أو على جدران الكهوف، تحتشد بالعواطف والأحاسيس، وبالألغاز والرموز، التي تكاد تكون إياها، أو شبيهة بها، عواطف وألغاز العشق الراهن في الفضاء، أو ناطحات السحاب أو شوارع المدن، أو زوايا المقاهي ومحطات المترو... وهكذا، فإنني ألمس نسباً خفياً يجمع بين كلكامش وأنكيدو في الأسطورة السومرية، في بحثهما عن عشبة الخلود، وعلماء الجينات والوراثة في مختبراتهم المعاصرة، وبحثهم الخطير عن أسرار الخلية البشرية، وتأجيل الموت..
والعرق اللطيف يمتد أيضاً، تحت تراب المعمورة، في قلب الصحراء وأعماق البحر، وامتداد اليابسة، من امرىء القيس حين كان يركب راحلته في الصحراء، في واحدة من مغامراته المثيرة، وقد أردف صاحبته خلفه أو أمامه، وأحسّت منه أمراً ما، فقالت له كلاماً سجله في معلقته الشهيرة: قال:
"... فقالت وقد مال الغبيط بنا
عقرتَ بعيري يا امرأ القيس فانزل"..
... هذا العرق اللطيف في العشق والمغامرة، يمتد منه إلينا نحن المولجين بمغامرات اليوم، وإن تغيّرت الأمكنة والأزمنة... والعطور والأزياء... أكاد أشم عطور عمر بن أبي ربيعة في نزار قباني، وأكاد ألحظ معاتبات النساء اللائي كُنّ هنالك يسرحن في الجزيرة أو يتبخترن ساحبات ذيول الصبا والدلال في بيوتات العز في مكة والمدينة... أكاد ألمح ما يشبههن اليوم، هنا، وهناك، في الشرق الغافي تحت سحره وأمراضه، وفي الغرب أيضاً المستيقظ في ثروته الغارق فيها وفي مسارحه ومرابعه..
ألم يتغير شيء يا ترى على هذه البسيطة؟ هذه البسيطة المعقدة؟ هذه الأرض الدّوارة، التي تغيّرت قشرتها وأهلها وتخلع لباسها في كل يوم، لتلبس لباساً آخر، وتودّع سكانها لتستقبل سكاناً آخرين... ألم يتغير سوى القشرة، أما القلب فواحد، وأما الوجدان فواحد، وأما الشعر فواحد؟!
وغالباً ما أسأل نفسي، ويسألني الناس أيضاً: لماذا الشعر؟ وهل مازال كما كان...؟ وهل له من ضرورة....؟ وهل حاضر هو أم غائب... بل ميت؟
وانظر حولي فأرى ما يثير العجب.
سأقول وأروي بداية، أنني أحس بأن كل إنسان على وجه التقريب، أتصل به أو يتصل بي، يبادئني بالشعر.. لا حصر لهؤلاء ولا فئة لهم ولا نوع لأشخاصهم... إنهم من أهل السياسة كما هم من العوام، ومن أهل الثقافة كما هم من الفلاحين والعمال وممن لم يتوفروا على المعرفة والعلم إلا قليلاً.
يكون حديثك مع رجل السياسة في ما يشغل البلاد والعباد من هموم، وفي ما له من رؤية أو خطة أو تدبير، فيدور بالحديث نحو الشعر، ويدور بك إليه، يقول لك بيتاً من هنا أو شطراً من هناك، ثم يُخرج من جيبه كتابة يقول: هي قصيدة... ويلقيها على مسمعك. ليس الكثير من رجال السياسة ممن أعرف، هم هكذا وحدهم،، بل كثير من رجال الحرب والجيش هم أيضاً في مثل هذا المقام... كم وكم أعرف من قواد وضباط جيوش، محتفلين بالشعر، قارئين له وكاتبين محاولين أو متمرسين.. هذا في العربية، ومن أهلنا وقومنا.. نضيف إليهم الأطباء والمحاسبين والعلماء... ناهيك عن عامّة الناس.
ذهبت إلى الطبيب أشكو له علّتي في الجسد.. فأصغى إلي وفحصني ملياً... ولكنني، وأنا ممدد أمامه على الطاولة، وفي اللحظة التي كان ينقل فيها سماعته بين عنقي وصدري وظهري، كان يروي لي بأنه يكتب شعراً، وأنّ  والده كان أيضاً شاعراً... وأنه يعرف أيضاً أشعاري.
والسائق العمومي الذي ركبت في سيارته ذات يوم، بسبب خلل لحق بسيارتي وأوقفها، ركّز نظره في نظري وأسمعني، والركاب يصغون ويطيّبون وكأننا في حفلة مصغرة للزجل أو للشعر... أبياتاً في الحب... وأبياتاً في الحكمة.. وقال لي أيضاً بشيء من الخجل، أنه يكتب القصائد.
وهذا الخجل عينه، في العامة أو الخاصة، في مقام الحديث عن الشعر يكشف عن الرغبة في الشعر بمقدار ما يكشف عن تهيّبه والمعرفة بأسراره. لا أعتقد أن فتاة أو فتى، مراهقاً أو في أوّل الشباب، لم يحاول الشعر في صباه أو شبابه.
الكتابة حافظة أسرار الأزمنة والمراحل، والشعر بوح الكائن في تفتح حياته، كما هو بوحه في أسراره وغموضه، وفي الخوف والرجاء،الحب والشقاء... وعاديات الأشياء.
تتقدم منك الفتاة ذات الأعوام الغضة، بخجل، طاوية في يدها أو في جيبها ورقة تقول لك: لا أسميها شعراً، هي مذكرات وتأملات.. كتبتها ذات مساء، وتعني أنها قصيدة، وتفرشها أمامك، أو تقرأها هي بتلعثم.. وتنتظر جواباً.
- حسناً يا آنستي. إنها بوح على الورق، إنها الأحلام الغضّة، الحب الأول، الدهشة، الهم والخوف والأمل .. كلها مجتمعة في صدرك، ومكتوبة على الورقة.
- هل هذه قصيدة يا أستاذ؟
لا أجيب بدقّة، أقول هي كتابة الشعور وكتابة الذات. أما القصيدة فلها حساب آخر. وربما قلت إنني اقرأ محاولة في الشعر. فكلّ طفل تهيئه أمه للإقامة في أرض الشعر وفي أرض الحب، إنها الفطرة البشرية على ما أعتقد. الفطرة الأولية للإنسان، وهو أيضاً، على الأرجح، جزءاً مما أثر في قول شريف: كل إنسان يولد على الفطرة... فالفطرة هي أشياء وملامح واستعدادات: هي فطرة الحب وفطرة الخير وفطرة السلام وفطرة المعرفة. وأضيف: فطرة الشعر.
ويقول إرنست فيشر في كتابه عن الشعر: إن كل إنسان مهيأ بفطرته ليكون شاعراً. هو يعني أن الحاسة الفنية، ولطف التلقي للمعاني، والقدرة على تذوق جمال اللغة والصورة، كل ذلك جزء فطري تكويني للكائن البشري... ومن دونه  تكون الخلقة البشرية، والجبلة الأولى للإنسان ناقصة.. أو على الأقل تميل إلى الشر.
يقول شكسبير، في مسرحياته، ما يشبه ذلك تجاه الموسيقى. في هملت يقول القيصر لقواده: احذروا من بروتس، فإنه لا يحب الموسيقى. ولعلّ ذلك ينسحب على الشعر أيضاً... فإنني، والحق يقال، أجد في نفسي حذراً، بل حرجاً، ممن تقدم له القصيدة، أو اللوحة الفنية، أو الموسيقى والأغنية، وتنظر إلى عينيه، فتجد فيهما تجويفاً وفراغاً... لا ينبض له عرق، ولا يقشعر بدن، ولا يرفّ جفن. أقول: هذا الكائن قاسٍ وربما اعتراني منه الخوف وربما اعترتني الريبة.
- لماذا؟
إنهم يقولون اليوم، في عصر الكمبيوتر والإنترنت والعصر الاستهلاكي وعصر الاتصالات العالمية.. يقولون: مات الشعر.. يقولون اضمحل واستهلك.. فعلى من تقرأ مزاميرك يا داوود؟
وأقول: لا، كلا. فكلما ضغط العصر بأثقاله على الإنسان، وجرّته العولمة المفترسة إلى زاوية الانسحاق والاستهلاك والتبعية، كصرصار كافكا،،،، فإنه سينتفض انتفاضة الوجود في مواجهة العدم، وانتفاضة الحياة في مواجهة الموت. إن أكثر الصبوات للحرية يحملها الأكثر سجناً وظلاماً. إن أكثر المتعلقين بالخيال هم الأكثر المتكسرين في الواقع...
- ولكنك تعرف، علم اليقين، أن الشعر موسيقى وكلمات.. هو أيضاً أحلام وجنون.. هو شعر.. وهم.. فلماذا التمسك به؟
- أقول: الشعر هو الوهم الذي يمسك بالحقيقة.
- كيف؟
- .. وإنّ ذلك لا يفسّر .. بل يُحسّ.. بل يحدس.
- وهل الحدس الشعري أهم من الواقع؟
- نعم.
- وهل هو أهمّ من العقل؟
- نعم.
- ولماذا؟
- لأنه أصل كل شيء.. الفطرة والتكوين الأول.. بل سابق على الفلسفة والعلوم._




 

بقية المواضيع

النص كمحل للعنف الاجتماعي
الشعر: الوهم أم الحقيقة؟ الكشف أم اللغز؟
"هديل العشب والمطر" للشاعرة لطيفة قاري وقراءات نقدية متعددة في منتدى عكاظ بالطائف
أنّا ماري شيمل نموذج مشرق للاستشراق
حقيبة الثقافة
اتجاهات نثر حسين سرحان الفنية
اللغة بين الحركة والسكون: المعنى
رواية عالية ممدوح (المحبوبات) دفء العاطفة النسوية وذريعة الاعلان عنها
المثقف العراقي؛ من الإخضاع إلى الاستتباع
حافة محمد شكري؟
أبجدية لشاعر لم يأت بعد
رائحة الموت
في غيابة الجب
أحاديث عن التعليم والأدب والسياسة القرعاوي يتذكر خمـسين عاماً
كتب ودوريات مثلث التخلف العربي
الأعمال الشعرية لسعد الحميدين
التركي في مقاربات في الثقافة والنص
عائشة القصيّر توثق إبداعها العشريني
الثقافة وحتمية الاتصال
العلاقة بين اللغة والتفكير
برامج مبتكرة وأخرى مطورة في ذكرى mbc الثانية عشرة
قراءة في اوراق شاعر الصويلح أحد شعراء الرعيل الاول الذي ساجل كبار شعرائه.
الليلة على الفضائية القطرية عبدالكريم عبدالقادر ضيف برنامج (ليالي)
فنون الفيس بريسلي ومحمد عبده وبوب مارلي  وبرتيني سبيرز.. تختلط في فضاء لندن الديموقراطي!!
اليوم.. الذكرى  12لانطلاقة MBC
بيت وصدى
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض