بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 18 September 2003 No. 12872 Year 39

الخميس 21 رجب 1424العدد 12872 السنة 39

  النص كمحل للعنف الاجتماعي

محمد العباس

عندما زارنا أبرو كرومبي منتصف الستينيات من القرن الماضي، كتب عن قوم مرحبين بالقرن العشرين، واستدرك "ولكن ليس بيدين مفتوحتين" فالحداثة التي تلمس صيرورتها في كل مظهر من مظاهر حياتنا اليومية، كانت مهددة بخطر خفي، لم يكن هو ذاته يعلمه، فاكتفى بإعلان توجسه بما يشبه النبوءة، وبالفعل تسارعت خطى التحديث المادي حتى غدت سماته واضحة ومعلنة بشكل استفزازي، فيما مارس النص الأدبي، كمنتج لا مادي، مهمات الحذر والمهادنة والتلفت إلى الوراء، حتى فاضت التناقضات خارجة بشكل تطرف عبثي صادم.
إذاً، قبل أن يتصعد العنف إلى هذا الحد من الدموية، كانت هنالك مجابهة أخطر تدور رحاها داخل النص، بما هو المكان الذي تتولد وتنمو فيه الفكرة، فيما بدى آنذاك عنواناً ثقافياً أيدولوجياً لحرب بين فريقين، ولكن بأيد نظيفة حسب الأدبيات السياسية، وقد نهضت بموجبها المكونات البنيوية لخطاب العنف، والذي يفرض اليوم بمآزقه المتشظية شروط ومتطلبات قراءته من الوجهة الثقافية، ولو بأثر رجعي لتفكيك بناه المتشابكة.
والمقاربة الثقافية لخطاب يحاول جاهداً تعويم نفسه، ليس رثاء لمرحلة لم تزل مهيمنة كطقس، ولا محاكمة متأخرة لفئة آيلة إلى التهاوي، أو النيل من طريقة تفكيرها، ولكن من أجل فهم أفضل لما كان، وما يتوجب أن يكونه القادم، على اعتبار أن العنف نص متولد من بشر يعيشونه ويمارسون انتاجه ضمن ذهنية أو بنية وعي، تجاهر بالقطيعة، وتصوغ مفردات نصها الاقصائي في أفق تصور ثقافي شديد الصلة بالاقتصادي والاجتماعي والنفسي، ولا بد من نبش كل تلك المتوالية بنقدية تحايث الواقع ولا تهابه.
وبتمديد ذلك النص على طاولة التشريع الألسني، بما هو محل للعنف الاجتماعي، يتبين أن التطرف الكامن فيه يتأتى من فريق  لا يقر بالمديونية للآخر، رغم أنه يتعيش على مكتسبات ذلك العدو المصنّع من أوهام القطيعة، والزعم بالانبتات عن كل منتجاته الروحية والمادية، خلافاً لقاعدة حضارية ثابتة مفادها أن "الآخر" ضرورة للتحضر، وحتى لاكتشاف ماهية الموروث، وتحريك الجوهراني منه. ولكن يبدو أن النص المأزوم بأوهام القوة، أراد الإبقاء على البداوة كلقطة حضارية متخثرة، كما تصنفها العلوم الاجتماعية، مهما تزيت دعاواه بعناوين القيمي والثابت والأخلاقي والتأصيلي.
وفق ذلك الادعاء، استصدر الخطاب الاقصائي ذرائعه من ذوات مأزومة تعاني من عقدة الماضي، وسوء حال الراهن، ولا تمتلك إلا مقترح تدمير المستقبل. أما نصه فيشير إلى أن كل شيء يبدو مهترئاً وغير قابل لجوهرته إنسانياً، وعليه تستمر شروط إنتاج الخطاب من الوجهة الثقافية محكومة بالعدمية، وليس ثمة زمن يمكن تصعيده أو التعلق بمتوالياته المفتوحة إلى أفق مغاير، فبنية الخوف المتولدة من وعي مأزوم، لا تنتج إلا ما يشبهها، حيث الترهيب والاستتابة والاغراءات
أجل، هكذا أغلق الوعي المأزوم نص التغيير ليحيل بأدبياته المتراكمة كل الوهم اليوتوبي إلى أساس عملياتي لحياة مرتبكة أصلاً، فهذا الخطاب الماكث في الماضوية لا يستمد عنصريته الإلغائية لكل أطياف وصيغ الآخر، من مثالية تبشيرية وحسب، بل يجابه منظومة "الآخر" بعنصرية مضادة، بما هو - أي ذلك الآخر - أحد ملوثات الهوية والأصالة ونقائية التقاليد وكل موروثات الأمة الثقافية، وعليه لا بد من التعاطي معه كواقع وكمقترح بعفة ثقافية، انتقائية في المقام الأول، قوامها أصولية النص.
ولأنه أقل من أن يجابه ثقافة الغالب بمنتج ثقافي مواز، لم يجد إلا التدمير المبرمج وسيلة للحضور، على اعتبار أن العنف أداة الضعيف، ووسيلة العاجز، التي لا تتوقف عند حد  تأثيم "الآخر" المتنائي مكانياً وزمانياً، بل تطال كل ما يمثل ذلك الوافد، ليكون النص محلاً لذلك الاعتراك والتجابه، بوعي قوامه العطالة الفكرية وعنف المحاججة، وصلف الإلغاء، والتحاكم دائماً إلى دوغما الأخلاقية في تناظر غير متكافئ  بين فريق يريد أن يعيش النص بما هو ممره الحسي في حياة معاشة، وآخر لا يقرأ في ذلك الوجود الانطوقي إلا وثيقة إدانة يمكن بموجبها ليس تنغيص حياة منتج النص، وطرده من المشهد الثقافي، بل تعطيل فعل التنمية تحت مظلة تقصي "الكفريات" فكل نص بموجب هذا التصور للوعي المأزوم بأناه المقدودة من خارج التاريخ وهو فعل عصياني لا أدبي يستدعي الإجهاز عليه.
وبموجب تلك الارتكاسات التي يفتلعها الوعي المأزوم بدى المنتج الأدبي وكأنه وصمة جاهلية ومتغرّبة في آن، أو هكذا أريد له أن يتمثل، وبدل أن يتحرك الفن والأدب تحت مظلة فكرية فلسفية اجتماعية، ظل مرتهناً لوصايا وعظية، أو ما يشبه الرقابة التي لا تكف عن تفتيش الضمائر، وأدلجة النصوص وكل سياقات المعرفة والثقافة خصوصاً في ظل فورة أرادت أن تؤسلم كل مظاهر الحياة من وجهة نظر أحادية ضيقة، فظهر مصطلح "الأدب الإسلامي" كترجمة ثقافية، أو كمعادل موضوعي فارز لفعل الصحوة، وكمشاكلة مدرسية لمنهجيات ومدارس فنية متباينة، إلى درجة أن الدكتور الغذامي اختطف من كل اجتهاداته الألسنية ليتوج ناقداً إسلامياً بعد كتابه "النقد الثقافي" وبعد أن تمت مصالحته أو استدماج حداثته في النادي الأدبي بالرياض.
وبالتأكيد، لا ينمو شرط خطاب العنف بمعزل عن مجموعة متواليات تعضيدية، فهنالك ما يشبه التواطؤ الضمني والصريح مع ماكينة إعلامية تصيغ تحالفاتها مع الأقوى، ومع من يمتلك حق التصرف في المستقبل من الوجهة الواقعية، وعليه تم طمس كل أشكال أو مراودات "الاختلاف" واستطاع الوعي المأزوم أن ينحاز بها كطرف أقوى إلى سمة "الصراع" ليوجد مبررات الإجهاز على "الآخر المحلي" بما هو وكيل "الآخر الغربي".
إذا، تمت مصادرة الرأي بالقوة لا بالحوار، وتم تهميش النص المتجاوز حين اعتبر امتداداً عضوياً لمنظومة قاهرة يصعب المساس بهيبتها ثقافياً إلا بالعنف، كما تمثل ذلك في كتاب "الحداثة في ميزان الإسلام" لعوض القرني، الذي احتل مساحة عريضة إعلامياً ليمارس كقوة استئثارية سلطته بحرية فائقة فيما غيبت القراءات المضادة، واستطاعت أندية أدبية أن تنحاز عن دورها الثقافي إلى مهمة حراسة الأخلاق والأدب، حيث جرّمت قصيدة النثر مثلاً، بما هي نص تدنيسي فاسق على قدسية اللغة، ومنعت من الدخول إلى أروقة مبان لم تعد تمت إلى صالات التنادي الثقافي والأدبي بصلة.
وفيما كانت الطفرة الاقتصادية تتعاظم، ويتحرك فعل التنمية على أكثر من مستوى وبوتيرة متسارعة، كان الصوت الثقافي المضاد يصادر، والنص المهجوس بالتجاوز يتكيف مع متطلبات ذلك الوعي المأزوم فيما يبدو استسلاماً قسرياً، وطوعياً أحياناً لقوة باطشة يصعب التصدي لها، لولا "خطاب الظل" الذي انتبذ مكاناً قصياً عن وصاية المؤسسات، فمارس مراوغاته الرمزية سواء في الشعر أو السرد أو حتى بالنسبة للنص البصري كما تمثل في التشكيل، أو حتى بالنسبة للمسرح، فالنص كمكان عاطفي وذاتي وكمكان للوعي والإرادات، أو "النحن" الجمعية تعرض لتشويه، وظل يعاني من إعاقة نتيجة استذياله أو إلحاقه القسري باشتراطات الوعي المأزوم.
ورغم تفشي مظاهر الليبرالية، وتعدد صيغ التمثل الثقافي، بما في ذلك انوجاد المرأة كمنتج للنص، كانت مقومات الحياة الثقافية فقيرة  بالفعل، وليس أدل على ذلك الإقرار اليائس بالهزيمة من محدودية القضايا المجادلة، وتكرار استظهارها بذهنية أفقية حلقوية تعيد تداولها بشكل تسطيحي، وكأن المكان بما هو حاضن للزمنية والشخوص والوقائع مجرد  محل لموت الفكرة، ووأد أحاريك التغيير، أو تأكيد لفقر ثقافي مزمن، يزداد فقراً مع تصاعد المد الاقتصادي، والتعضيد الإعلامي لوعي مأزوم يزعم احتضانه لمقومات الهوية والأصالة، حيث لم يكن يتوانى عن إبرام تحالفات جديدة وابدالها وفق الحاجة، ليس أخطرها أفق الشعر الشعبي، الذي لم يتمثل كمفهوم أو كتعبير عن ثقافة شعبية بقدر ما كان صيغة ترفيه إلهائية.
تلك هي الدعامة المادية، أو التجربة الحسية بمعنى أدق، التي من خلالها يمكن التداني من مقرؤية نص أراده الوعي المأزوم مكاناً للاعتراك، واستطاع بالفعل تعطيل فعل التنمية، حيث لم يكن هنالك فرصة للتكافؤ الحواري للتخفيف من تنامي الوعي المصنّع في مختبرات الإلغاء والتهميش، فالنص كان مخصباً بالهوى السياسي ودعاوى الأيدلوجي وحتمية القدري، ونتيجة لذلك القهر الساطي غدا النص بكل تشظياته الإبداعية والنقدية حركة ارتدادية إلى الوراء، يستبطن في نخاع أنساقه حس الهزيمة أو التماوت ربما، بانتظار لحظة الانقلاب لينهض من هجعته المزمنة.
هذا ما أراده الوعي المأزوم وحقق بالفعل نجاحات لافتة، فالنقد مثلاً صار أميل إلى "السلفية" بمعنى الانصراف عن تحولات المنجز الكتابي الانثوي في مشهدنا، والانغماس في قراءة واقع المرأة من منطلق وحال الجارية تودد، وشهرزاد، بعيداً عن اشكالات المرأة الإنسانية الحاضرة خوفاً من التجابه والمساءلة الأخلاقية، وحتى الشعر بعد أن كان بوابة لحداثة واعدة، صار يقرأ نقدياً كدلالة شيطانية، ومعلونة دينياً، لدرجة أن بعض النقاد الذين استخدموا الشعر الحداثي كحصان طروادة لتجريب أو تمرير حداثتهم النقدية تنصلوا من مهماتهم ليمارسوا حالة من التصعيد المراوغ للشعر لموجة الشعر الشعبي.
هكذا تغاضى الوعي المأزوم عن تطرفات المظاهر المادية، العمرانية مثلاً، بما هي نص مادي بصري، كشهادة انفصامية على نص فارط في حداثته، فيما استبقى كل مقومات الذهنية القروية في مدينة كوزموبوليتة، فكل شيء يتحرك وفق رؤية أخلاقية انطلاقاً من النص، الذي مدد على سرير بروكست ليبقى على عبوديته، وربما أراد هذا النص المقهور لهزيمته أن تكون شاهداً على وهن تكويني، توهم أثرها ذلك الوعي المتغطرس في حلبة تخلو من أي منافس، أن خلاصه من وكيل الآخر الغربي يعطيه الحق في مصادمة المنظومة الأم مباشرة، وهنا كان مقتل هذا الوعي البائس، أي في أوهام القوة.ي




 

بقية المواضيع

النص كمحل للعنف الاجتماعي
الشعر: الوهم أم الحقيقة؟ الكشف أم اللغز؟
"هديل العشب والمطر" للشاعرة لطيفة قاري وقراءات نقدية متعددة في منتدى عكاظ بالطائف
أنّا ماري شيمل نموذج مشرق للاستشراق
حقيبة الثقافة
اتجاهات نثر حسين سرحان الفنية
اللغة بين الحركة والسكون: المعنى
رواية عالية ممدوح (المحبوبات) دفء العاطفة النسوية وذريعة الاعلان عنها
المثقف العراقي؛ من الإخضاع إلى الاستتباع
حافة محمد شكري؟
أبجدية لشاعر لم يأت بعد
رائحة الموت
في غيابة الجب
أحاديث عن التعليم والأدب والسياسة القرعاوي يتذكر خمـسين عاماً
كتب ودوريات مثلث التخلف العربي
الأعمال الشعرية لسعد الحميدين
التركي في مقاربات في الثقافة والنص
عائشة القصيّر توثق إبداعها العشريني
الثقافة وحتمية الاتصال
العلاقة بين اللغة والتفكير
برامج مبتكرة وأخرى مطورة في ذكرى mbc الثانية عشرة
قراءة في اوراق شاعر الصويلح أحد شعراء الرعيل الاول الذي ساجل كبار شعرائه.
الليلة على الفضائية القطرية عبدالكريم عبدالقادر ضيف برنامج (ليالي)
فنون الفيس بريسلي ومحمد عبده وبوب مارلي  وبرتيني سبيرز.. تختلط في فضاء لندن الديموقراطي!!
اليوم.. الذكرى  12لانطلاقة MBC
بيت وصدى
شماليل
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض