بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Friday 17 October 2003 No. 12901 Year 39

الجمعة 21 شعبان 1424العدد 12901 السنة 39

  قصة قصيرة : جوع!!

سحر بنت خالد المطيري

الليل ألقى بظلاله الكئيبة على أجواء المدينة التمعت نجمة في السماء، وضعت ليلى رأسها على أريكة تفوح منها رائحة الغبار انداحت شجونها تترى كجيش آنس ثغراً فتكالبت عليه وقد انهالت عليه سياط الذكريات بكل أنواع الكمد والشقاء بعد ما فقد مقدرته على منح الابتسام لصاحبته، فهي تعلم جيداً ان ابناءها لن يصدقوا لو قالت لهم: لا طعام اليوم، فوالدكم دخل في دوامة الضياع، وبدأ العد التنازلي لسعادتنا في هذه الحياة، لذا قامت ليلى متكدرة عابسة، منقبضة الأسارير كزهرة ذابلة ولم لا وهي تريد أن تعيش حياتها بسلام، لتبلغ بأبنائها بر الأمان، ولم لا وهي لتوها قد رزقت بمولود جديد.. دخلت غرفتها وعلى سريرها الوقت يمر ببطء شديد وكل ما في الغرفة يوحي بالكآبة والخوف، ستارة قد جرح وجنتيها صفق الريح لها، أوراق تتوسل باكية عند أقدام المكتب عله يرفعها، يقبل لكن بشروط، وإلى جوار المكتب في جهة اليسار أزهار عقدت هدنة مع الشوك لمدة عشر سنوات، أحلام وذكريات ثكلى تجوب سماء الغرفة تارة تلتقي وأخرى تفترق.
ماذا أفعل؟ لمن أشكو؟! ماذا ستفعل في الأيام القادمة؟!
- سأبحث عن عمل، سأتغير.. لن تجوعوا!!
كانت هذه الكلمات تخرج ملء فيه كهدير أمواج البحر مودعاً فيها ضعفه، حبه للسهر، عودته وقت الأسحار، التجارة التي كانت مصدر رزقه، مهنته الوحيدة ها هي قد ابتلعتها الحياة اللاهية، إذاً لا أمان من الفقر!
- الجوع، الموت!
هز رأسه، انقبضت عضلات وجهه المتراخية كأنما لدغته أفعى، الموت شيء جديد لم يسمع به من قبل، دنيا أخرى، هل العودة منها ممكنة؟!!
قال في سره: هذا الرجل - يعني نفسه - كان عدواً لدوداً للفقر والضعف وسيظل!
هبت ريح خفيفة تلسع الوجه لسعاً تحمل معها عبق الماضي السعيد.. رفع رأسه من بين يديه، امتدت خيوط الشمس لتتمدد فوق وجهه الأسمر، تنهد:  الشمس، الشمس لن تبخل علينا بوجبة الدفء اللذيذة، والسماء ستبقى تقدم لنا شيئاً من الشراب.. ذهب ببصره بعيداً، هناك على البعد سيارة حمراء قديمة تتقيأ دخانها في وجه الطريق الطويل، وعلى جانب الطريق رجل ينفث الدخان من فمه، يرمي وجه السماء النظر بدفقات من الدخان الحالك، وفي المقابل شجرة تضحي لتمتص من السماء سماً وتمنح الحياة للجميع!!
أراد الخروج، السيارة جاهزة للانطلاق وقف خلفها، دنت منه كطفلة تتهادى وقد سبقتها ابتسامتها، جثت عند قدميه موجة من الدخان الأسود، تبعتها أخرى وأخرى كأنها لم يعجبها لون ثوبه الأبيض الذي يذكرها بقبح لونها، فأرادت ان تغير البياض إلى السواد تماماً كقرين السوء، تململ محاولاً أن يمسك بزمام سكونه، فمداعبة موجة الدخان اليوم تستثيره، كما تستثير الطريق والجو الخارجي، مداعبتها اليوم لم تكن كالأيام السابقة، بل بدا فيها نوع من السخرية اللاذعة وكأنها تقول له: قد أصبحت مثل هذه السيارة القديمة التي تمنح السم لمن حولها مع كل شهيق وزفير تخرجه، وابتعدت الموجة مفتخرة بسوادها، لأنها لم تطق النظر إلى ذلك البياض المزيف.
- إلى أين أيتها الموجة، إلى أين؟!
الموجة السوداء تعلم كما يعلم أبوأحمد أنه لا يليق بوقاره الجلوس على مكتب ينتظر، فهناك على ضفاف شاطئ الحياة كل مجد يبتغى!
في الأمس ودع أبوأحمد عمله ومكتبه بهذا التساؤل!
- كيف أمنع الجوع من  الفتك بأبنائي؟ كيف أخرج من دوامة الهلاك؟!
ومضى يتردد على رنين وقع خطواته المثقلة المتباطئة ذلك السؤال.. الذي ارتسم قبلاً على ملامح محيا ليلى فكان جوابه الصمت القاتل.
نظرت ليلى إلى زوجها وهي تمد يدها لتأخذ الريالات الأخيرة نظرة طويلة وعميقة ومستفهمة.. ليس في تلك العيون وذلك الوجه الأصفر المترهل سوى هروب من الواقع، واحتجاج ضعيف، وكلام غامض حل مكان كل ما يمكن أن يروق لها تأمله في هذا الوجه.
أبحر إلى أعماق أعماق القرار، أو إلى قبره، ذلك القبر المغطى بطبقة من التساؤلات صعبة الاجابة التي خلفتها أيام الضياع، ورفقة السوء في وجه زوجته وأبنائه لتعلن عدم قدرتهم على رؤيته على هذه الحال التي تثير في كل منعطف من منعطفاتها سؤال قاتل!!
عاد، ارتمى جالساً على الكرسي، رأسه بين يديه يعتصره كأنما يعتصر هواجسه ليصنع شراباً سحرياً يعيده إلى ما كان عليه، أطلق بصره بعيداً.. بعيداً حتى تعانق السماء زرقة البحر، وجب قلبه وجيباً.
- طريق العودة محظور.
وأخرج زفرة لو اندثرت وأنا أقود السيارة.. لو أن عين السرعة حطمت سيارتي وصرت طعاماً للسيارات، سيارتي قديمة تسعل سعالاً يمنح المرض للجميع.. أثار كل هذا حمامة بيضاء ميتة على غصن شجرة بجوار بيته.
- الجوع أدركها أم يد صياد أم دخان سيارتي؟! سبحانه الله الدخان يسلب الحياة ويمنحها.. سبحان  الله.
شطح بخياله إلى ما قبل مجيء السيارة.. في حضن الصحراء.. ليلها، نهارها، حيواناتها، خيامها، أهلها، طفل الأمس، وشيخ الصحراء.. فيما مضى مارس ركوب الخيل مع والده في طفولته، وتسلق النخيل لتغمره أشعة الشمس يملأ السلال.. وقتها لم تكن المباني الحجرية قد غزت وجه الصحراء كالتجاعيد، وقتها كان صوت الصهيل ينبعث من بطن الفيافي فتتهادى راقصة على صداه، حنين الناقة ينفث روحه ليسكننا غناء يلتقي مع صدى غابات النخيل الشامخة على الساحل.. يهرول في التلال يحكي قصص الأوائل وكيف عاشوا ورأسه مازال بين يديه معتصراً، وعيناه تغرقان في الدموع: الصحراء التي تشتعل بيت لم يعرف الجوع، ولا أذاقه لأبنائه.. فأي عين أصابتها وأصابتني؟!
خرج حيث سيارته أقبلت موجة سوداء لتعانقه إلا انها اخترقته مهاجرة وأخذت معها بياض ثوبه وهي تغلق لوحة الماضي.. حرك السيارة لا حركة ولا صوت.. منحته السيارة موجة أخيرة من السواد كنوع من الاعتراف بالجميل على صبره عليها.. للمرة الثالثة لا تريد أن تتحرك.. سحب مفتاحه كما أدخله.. اليأس، القهر يعصفان بقلبه من كل حدب وصوب، الطعام للأولاد أمله الوحيد يتهادى أمامه على صفحة الاندثار والتلاشي، يقترب منه، يقبض على عنقه، يعتصر قلبه ويغوص في أعماق القرار، أدخل يده في جيبه وأخرج المفتاح للمرة العاشرة وقبل أن يهم بإخراج المفتاح عادت وتحركت السيارة وقبل أن تأخذ نفسها أعطاها دفقة من الوقود وقادها بسرعة جنونية، سيارة خلفه أخذت تلحقه كحصان شارد، تابعت عينا أبي أحمد السيارة في المرآة وهي تقترب منه فسرت في جسمه المنهك رعشة غريبة: إنها سيارة الشرطة.. لست خائفاً، لم أعرف الخوف قبلاً، أخاف ألا يصدقني أولادي هذه المرة إن قلت لهم: إني عدت اليوم - أيضاً - بلا طعام لأهبكم الجوع من جديد!!!



 

بقية المواضيع

الكهوف الصحراوية بيئات قديمة عرفها الإنسان في عصور مبكرة
عقل إدوارد سعيد لا سيف الحجاج ..!
اقدم مسجد في الامارات بني من الطين المحروق ولازالت تقام فيه الصلاة
نوال تطلب واسطة...!!
انـتـصار الـحب
تحالف فني بين وائل كفوري ومايا نصري!
أماكن في عيون الشعر
اول دخول الاصمعي على الرشيد
مرئيات حول ندوة التراث العمراني
هشام يانس.. تمثال شمع الصحاف!!
ديمة الجندي ترفض التنازل عن مبادئها
سينمائيون مصريون وفرنسيون يدعون  إلى مواجهة هيمنة السينما الأمريكية
المصريون القدماء أول من اكتشف الأعشاب العطرية.. والعرب طوروا هذه المادة وتفننوا فيها
تغيير اسم مسلسل كويتي لتشابهه مع مسلسل آخر!!
السجاد الفارسي بين الفن والعراقة
"معسكرات حبقوق" الاسرائيلية للكرة تغزو افريقيا
نجـوم السـينما المصـريـة في ملعب الكاريكاتير!!
من ذكرياتي عن أهل نجد في الشام وعلاقة  الشيخ فوزان السابق بالميدان والسلفيين
قصة قصيرة : جوع!!
قلب ينبض.. لجنونها
تـضحية
سـجن بلا قضـبان
آهات... من قلب حنون
خـلـف قضبان خفية
الحرف الذي ارتكب جرماً!
تزامناً مع ذكرى البيعة : السامر يهدي المكتبة السعودية ديوان صفوة ملوك المسلمين
نجـدد عهـود الولاء
عشرين عام مع اثنين تمامي
فهـد رجـل السلام
عزيتنا فكل الاثنين وعشرين
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

الرياض "جايتكس"

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض