بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 15 April 2004 No. 13082 Year 39

الخميس 25 صفر 1425العدد 13082 السنة 39

  حين تحضر المعلومة وتغيب الرؤية

د. محمد ربيع الغامدي

 حضرت خلال الفترة القليلة الماضية في أقل من شهرين ملتقيين ثقافيين متتاليين لم يفصل بينهما سوى أسابيع ألقي فيهما أكثر من سبعين بحثاً. واستمعت خلال هذه الفترة نفسها وقبلها وبعدها بقليل في منتديات وفعاليات ثقافية دورية محلية إلى ما لايقل عن عشرة بحوث أخرى. دارت الحوارات والمناقشات بعد كل من هذه الدراسات التي زادت عن ثمانين بين عدد من الباحثين يصل إلى أضعاف عدد الدارسين الذين ألقوا بحوثهم. وحين تستعاد هذه التجربة الثقافية الحية يجد المرء- نظرياً- أنها فرصة نادرة قلما يتاح مثلها في منطقة واحدة وفي فترة زمنية قصيرة، ويفترض فيها أن تكون تجربة معرفية ثرية مثيرة ومميزة حافلة برؤى الباحثين وخلاصة جهودهم المعرفية في حقول تتوازى وتتقاطع، متقاربة حيناً ومتباعده حيناً آخر. تجربة يمكن أن تقفز بمن يشهدها مسافات واسعة على طريق المعرفة. وهي أيضاً تجربة لاتتاح إلا من خلال الفعاليات الثقافية الحوارية التي تشكل فيها جلسات المناقشة والجدل والحوار أهمية تزيد أضعافاً مضاعفة عن أهمية محتوى أوراق العمل العلمية المقدمة فيها.
غير أن من المؤسف حقاً أن من يسمون أنفسهم غالباً ب(الباحثين) لا يدرك كثير منهم معنى أن يكون صاحب الجهد المقدم في ملتقى ما باحثاً أو غير باحث. ويبدو أن الغائب في الثقافة العربية الذي لم يحضر إلى  الآن هو الفصل الواضح بين تقديم المعلومة من حيث هي معلومة يمكن أن توجد في كتاب، أو حتى شريط مدمج ممغنط، وتقديم الرؤى التي إما أن تسهم في الإجابة عن اسئلة تدور حول المعلومة وإما أن تسهم في إثارة مزيد من هذه الأسئلة. وهذا الغياب يبدو لي أنه هو الذي جعل كثيراً من المشاركين في الملتقيات لايعون بالدرجة الكافية الدور الذي ينتظر من مشاركتهم فيها. فيظنون أن دورهم نقل المعلومات إلى الحاضرين، وكأنهم يفترضون في الحاضرين عامة الجهل والكسل، وأن مهمتهم معهم في المقام الأول هي مهمة المعلم والمرشد والواعظ، أو أنها النيابة عنهم في القيام بدور القراءة والاطلاع على المعلومة في مظانها.
نخطئ كثيراً في تصور ماهية (الباحث) الحقيقي وسماته الحقيقية. ذلك الكائن الذي ربما ظننا- خطأ- أن جامعاتنا ومؤسسانا الثقافية والعلمية تضم منه العدد الوافر، وربما نظن- خطأ أيضاً- أن سماته تتطابق مع جميع من فيها من هؤلاء. وهذا الخطأ الذي شاع ربما كان من أقوى استمراء أن يعد المرء نفسه باحثاً وهو ليس  كذلك، وربما شجع الكثيرين على صناعة الكذبة ثم تصديقها بعد ذلك. هذا الخطأ في تصور ماهية الباحث ا لحقيقي هو الذي جعل كثيراً من الباحثين (بالتسمية المجازية) ينتجون ما يسمى (مجازاً أيضاً) بالبحوث أو الأطروحات العلمية التي لاتتعدى جمع المعلومات من مظانها وضم أشتات بعضها إلى بعض لاغير. ثم لايعدم ذلك الباحث الهلامي أن يجد باحثاً هلامياً آخر يقدر ذلك الجهد ويرفعه إلى أعلى الدرجات، ثم تستمر الحلقة المفرغة، بعضها يفضي إلى بعض. ولهذا ضمت أقسامنا الأكاديمية عدداً هائلاً من الأطروحات التي لاتعدو- مع الأسف- كونها جهوداً تجميعية لمادة  علمية خام، تحتاج إلى عدد مماثل من الباحثين الحقيقيين القادرين على الوصول إلى رؤى نافعة مثمرة من خلال تلك الكميات الكبيرة من المعلومات المجمعة. وهذه أزمة خطيرة لابد للمؤسسات الأكاديمية من الوعي بها، ومن
ثم مراجعتها. ويزيد من تفاقم الأزمة وتوسيعها أن هؤلاء الذين انتجوا هذا النوع من الرسائل العلمية هم أنفسهم من سيقوم على تأهيل الأجيال التالية من الباحثين، وهم من سيشق لباحثي المستقبل طريق البحث العلمي.
غاب عن المؤسسات الثقافية والأكاديمية العلمية والمؤسسات التعليمية والجهات الأخرى التي ينتظر منها أن تكون مصادر العلم والمعرفة، غياباً شبه تام، الوعي بأن المعرفة ليست بالمعلومة، بل بالرؤية المصاحبة للمعلومة. بل إن (المعلومة) كما هو معلوم تكون في ذاتها في حين أقرب إلى عدم الأهمية، وفي حين آخر ضارة بأكثر من معنى. ولعل من بين أهم اضرارها البالغة على المدى البعيد تكريسها في الثقافة بوصفها منتهى طموح طالب المعرفة وغاية مبلغه.
رأيت في الفعاليات الثقافية التي كنت أحد شهودها مؤخراً عدداً من هؤلاء الأكاديميين الذين خرجوا من جامعاتهم وكلياتهم إلى الناس يتأبطون ملخصاتهم المدرسية التي لابد أنهم كانوا يحشونها في أذهان طلابهم على مقاعد الدراسة ربما على مدى سنوات، يريدون أيضاً أن يحشوها من جديد في أذهان الحاضرين من المنتدين ممن يفترض ابتداء أنهم لايحتاجون إلا إلى سماع وجهات نظر أصحاب السعادة الأكاديميين فيها، ليتبادلوا بعد ذلك الرؤى ووجهات النظر حول الرؤى ووجهات النظر. ولولا غياب البعد الذي يفصل بوضوح بين (المعلومة) و(الرؤية) ما اجترأ صاحب المعلومة على حملها إلى الآخرين بهذه الصورة من جهة، ولعبر الطرف الآخر بصراحة عن ذلك من جهة أخري. فإذاً غاب هذا البعد عن الملقي والمتلقي معاً. وهذا مؤشر معرفي خطير يدل على أزمة حقيقية في المشهد الثقافي، يوحي بعدم انحسار ظاهرة الرداءة، في الأقل في المدى المنظور. ويبدو أننا سنستمر في هذا العصر لعقود قادمة نعيش على اجترار الفخر بحيازة (المعلومة) والإشادة بالموسوعيين من العلماء، والتنافس في مجال الأخذ من كل علم بطرف. وستستمر المؤسسات الثقافية أيضاً في خطأ الاعتقاد بأن كل متخصص في النقد ناقد بالضرورة، وكل من يدر
س اللغة هو لغوي، وكل من له صلة بالدراسات الأدبية هو أديب.
المتأمل في شيوع هذه الظاهرة بشكل لافت في المشهد الثقافي المحلي والعربي يدرك بصورة جلية أن الحقيقة المرة التي لا بد لنا جميعاً من الاعتراف بها ومواجهتها بشجاعة أن الأمية متفشية بين المتعلمين لابين الأميين. والأمية التي أعنيها هنا- ونحتاج حقاً إلى محوها- هي (أمية التفكير) لا (أمية القراءة والكتابة). ويمكن أن نسميها أيضاً (أمية الرؤية) في مقابل (أمية المعلومة). فأزمة الرؤية هي في الحقيقة أزمة في التفكير ومنهج التفكير. وإن عدم الوعي بهذه المشكلة فيما أرى هو جزء من المشكلة، إن لم يكن هو المشكلة برمتها. أما مواجهتها وحلها فأمر في غاية التعقيد والتشابك، غير أن الوعي بالمشكلة قد يكون الخطوة الأولى على طريق الألف ميل.

mrabeea@hotmail.com





 

بقية المواضيع

في مترو مصر الجديدة كتب نزار قباني قصائد"طفولة نهد" (3-3) نزار قباني: الشيخ علي الطنطاوي لم يقتلني ولكن النار اشتعلت في ثيابه!
التعليم التعاوني:برامج التعليم التعاوني تختلف عن مناهج التعليم الجامعي في: درجة مستوى التعليم ومدى التطبيق  واختيار المكان الملائم للطلاب
الشاعر الشهري بعد إصداره "أسمر كرغيف": كتاباتي عصية على التجنيس ومزقت كثيراً من شعري
صورة من الذاكرة الضريب وعزق الأرض
"قراءة في أوراق شاعر" الهزاني شاعر العاطفة العذرية تلميذ الشعر الجاهلي
100قطعة أثرية إسلامية نادرة في معرض ناجي أصغر
خواطر وتأملات
شماليل
بيت وصدى
معرض للتشكيلية السعودية حميدة السينان في البحرين
(حياكم) وعودة موفقة مع المنصور
خالد العبدان.. اللوحة الأخيرة
المؤتمر السنوي الرابع لوحدة الدراسات
خرافة.. أنا!!!
باريسيات
أكبر المهرجانات تقام في الشتاء هل فقدت حفلات الصيف زخمها الساخن؟!
الناقد د. كمال أبو ديب لـ"ثقافة اليوم":قضية الشك أساسية في مقولات الفكر الحداثي بأشكاله
العلم اللغوي والنقلة المعرفية
إلى أين تمضي الثقافة العراقية؟
حين تحضر المعلومة وتغيب الرؤية
تأثير المؤرخ برنارد لويس في السياسة الدولية المعاصرة
في الأمد القريب
الكتابة والحكاية دم الجسد العربي المسفوح
فيروز
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | السعودية اليوم | احداث العالم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض | وظائف شاغرة ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2004
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

السعودية اليوم

احداث العالم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

وظائف شاغرة

دنيا الرياضة

الرياض الإقتصادي

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض