عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 14 November 2002 No. 12564 Year 38

الخميس 09 رمضان 1423العدد 12564 السنة 38

  إدوارد سعيد والغذامي .. اختلاف الخطابات وتشاكل الرؤى والغايات



حينما أعلن فوز إ. سعيد والغذامي بجائزة مؤسسة الفكر العربي في دورتها الاولى تبادر إلى الذهن سؤال عن المعنى المشترك بينهما في الخبر، فالأمر يتعلق بناقدين قد لا تنطبق عليهما مواصفات "المفكر" مثلما تنطبق على العروي أو الجابري أو أركون أو فهمي جدعان تمثيلاً لا حصراً، هكذا ينطوي الخبر على مفارقة ربما تتعزز عند الالحاح على اسم المؤسسة من حيث ان "الفكر" حاضر في صلب التسمية ومن حيث ان إ. سعيد ينتمي إلى "الفكر العربي" بقدرما ينتمي إلى الفكر الامريكي أو "الغربي" كما ألح عليه هو ذاته في بعض كتاباته وبالاخص في سيرته المتميزة "خارج المكان" لكن المعاني السلبية للمفارقة تتراجع تدريجياً متى ما قرئ الخبر من زوايا متنوعة وأكثر عمقاً. فالاشتغال على النظريات النقدية الحديثة اصبح امتداداً خلاقاً للفكر الفلسفي وذلك تحديداً بفضل الثورة المعرفية التي احدثتها اللسانيات على مناهج البحث في مختلف العلوم الإنسانية، ومنذ العقود الاولى من القرن المنصرم، ثم ان المسيرة الغنية لنقاد متميزين أمثال باحثين ورولان بارت وتودوروف.. شهدت تحولات قوية وجهت جهودهم في مراحل معينة من المسيرة إلى الخوض المباشر في مجال "الفكر" وان انطلاقا من، وعوداً إلى ال
خطاب الأدبي إذ ينطوي عند ممثليه البارزين على أطروحات فلسفية عن الكائن والزمن والمكان واللغة كما نعلم (دستويفسكي، امبرتو ايكو، بورخيس، نجيب محفوظ).
أما حينما يتعلق الأمر بشخصيات مثل فوكو ودريدا وجيل ديلوز فإن المختصين أنفسهم يجدون صعوبة كبيرة في تصنيف اعمالهم من المنظور المعرفي الضيق الذي يرضي المؤسسات الاكاديمية المحافظة، وكانت هي ذاتها موضوع نقد عميق من قبل هؤلاء المفكرين الاشكاليين وأمثالهم، وفيما يتعلق بإدوارد سعيد شخصياً لانزعم ان أحداً ممن يقرأ اعماله بعمق سيجد مبرراً لالحاقه بهوية واحدة محددة فيما هو يعلن بانتظام تجاوزه للانتماءات الضيقة أو للهويات القاتلة كما يسميها امين معلوف بحق، هكذا اذن فإن البعد العربي في ذاته وانجازاته يكفي مسوغاً لاستعادته الرمزية من "المنفى" الذي طالما اشتكى من وطأته من دون تجاهل مكتسباته الخلاقة بفضل هذا المنفى تحديداً.
هذا في اعتقادي هو المدخل الأنسب لقراءة ذلك المعنى المشترك في الخبر والحوار مع أطيافه الدلالية الفنية واقعياً ورمزياً، فالمؤسسة اعلنت في لوائحها التنظيمية تكريس جوائزها للانجازات الثقافية الخلاقة التي تمثل اضافات نوعية إلى المنجزات الفكرية أو العلمية أو الجمالية السائدة وادوارد سعيد شق له مساراً متميزاً في النظرية النقدية الحديثة إذ ظل منذ قرابة ثلاثة عقود يوسع ويعمق النظر في السرديات الحديثة ملحاً بانتظام على ضرورة الوصل بين الخطاب الأدبي والخطابات الاخرى بعد ان حاولت البنيويات المختلفة اختزال اسئلة النقد في شعرية النص أو أدبيته لتحقيق تلك الطموحات العلمية التي بشر بها الشكلانيون الروس قبل غيرهم ولعل انشغال إ. سعيد على جوزيف كونراد من جهة وانتماءه إلى بلدان ولغات وثقافات مختلفة حدالتوتر من جهة ثانية هو الذي جعله يبحث عن أفق نقدي متفتح على ما يقع في هوامش "المركزيات الغربية" أي في "بقية العالم"! وإذا كان كتاباه "الاستشراق" و"الثقافة والامبريالية" قد مثلا ذروة هذا التوجه الدال على قدرة الناقد الخلاق على استصحاب اطروحات لوكاش وغرامشي وفوكو لاقحام اصوات البشر في آسيا وافريقيا في صلب الخطاب النقدي، وهذا ما دشن توج
هاً جديداً امتدت اصداؤه من اليابان والهند إلى غرب افريقيا، ومروراً بالعالم العربي بالطبع، كذلك لاشك ان كتاباته عن القضية الفسطينية - قضيته - وعن التصورات النمطية للإسلام والمسلمين في المخيال الجماعي الغربي أكسبت خطابه العام بعداً نضالياً طالما تبناه كبار المفكرين والنقاد والأدباء الغربيين ولا أحد يجهل تشومسكي التوأم الفكري لإدوار سعيد.
وبخصوص الاستاذ الغذامي فقد بدأ مسيرته النقدية مسكوناً بهاجس استثمار آخر منجزات النظرية النقدية الحديثة ذاتها من خلال التعامل مع أجهزتها المفاهيمية كأدوات بحث وعمل تتحدد قيمتها بمدى انجازيتها. هكذا افاد الناقد من الشكلانية والبنيوية والتفكيك (التشريحية كما عربها) في قراءة جديدة لحمزة شحاتة الذي تحولت نصوصه الشعرية إلى "نموذج اختباري" تكشف عن مدى قدرة الذات العارفة على توظيف عدة نقدية لم يألفها الوسط النقدي كثيراً حينها لا "هنا" ولا في البلدان العربية الاخرى، ونظراً لكون الغذامي كان ولايزال شديد الولع بالنظرية والتنظير فقد نجح في تمثل تلك المرجعيات حتى لم يعد يكتب في أية قضية أدبية أو معرفية أو اجتماعية إلا وتبرز آثارها في لغته من دون تكلف أو أرتباك.
ثم  ان تمكنه من منجزات تراثه الثقافي الخاص ساهم بفعالية لافتة للنظر في التخفيف من صرامة اللغة المعرفية الخاصةبه وحررها من تلك "العجمة" التي طالما اشتكى منها المتلقي العربي للخطاب النقدي الحديث وهذا مكسب كبير له ولنا بكل تأكيد.
نعم قد لا يلاحظ الآخرون ان كتابات الغذامي تعاني من ثغرات كبيرة مثل النزعة التأويلية الجامحة للنصوص والوثوقية المفرطة في الرأي الشخصي وتحويله إلى اطروحة صلبة أو "مطلقة" وغياب الاسئلة المفتوحة على اشكاليات اخرى ينبغي تركها لباحثين آخرين في مجالات مختلفة، لكن القارئ المنصف للانجاز الغذامي في مجمله لا يسعه إلا ان يثمن عالياً هذا الجهد المعرفي المنتظم للذات الباحثة وتلك النزعة القوية للتجديد والتجاوز وذلك القلق الخلاق الذي يغذي الكتابة وبالأخص حينما تندفع بجرأة حميدة إلى القضايا المصيرية للذات الحضارية، كما نجده في (المرأة واللغة) وفي (النقد الثقافي) تحديداً.. فهذه السمات هي التي نوعت انجازات الغذامي موضوعاً ومنهجاً وهي التي فرضتها اليوم كواحدة من ألمع انجازات النقاد العرب المعاصرين من المغرب إلى الخليج.
فاذا كانت كتابات إ. سعيد تقف في طليعة الخطاب النقدي العالمي الراهن فالمؤكد ان كتابات الغذامي تقف في طليعة خطاب ثقافي عربي تحاول رموزه الحديثة ان تلحقه بركب زمن معرفي سريع الخطى متوالي التحولات متجدد الأفق. انه خطاب يعاني أزمات التحول الذي يراد له ان يأتي فلا يأتي كما نرى ونريد ولهذا تزداد فعالية حكاياتنا التقليدية إذ تقف حاجزاً كثيفاً بيننا وبين استحقاقات الراهن الكوني وتحديات المستقبل،
ولعل هذا هو القاسم الأهم للمعنى المشترك بين الأفراد والمؤسسات ممن يدفعهم القلق إلى المزيد من الجهد لعل وعسى!.




 

بقية المواضيع

السريحي وحركة اللغة الشعرية
عبد الوهاب البياتي: سيرة ذاتية لسارق النار
ما لم يذكره الراوي حول: سقف الكفاية  ( 1- 2)
لمحات .. شعراء نجد  المعاصرون.. ثانياً
ريادة الدراسات السردية العربية
إدوارد سعيد والغذامي .. اختلاف الخطابات وتشاكل الرؤى والغايات
مساءلات فكرية .. السياسة وامتحان البراجماتية
المواقع العشائرية على "الانترنت".. ظاهرة جديدة
"اقرأ بالفرنسية والموسيقى" شعار معرض الكتاب الفرنسي في بيروت
مؤسسة الفكر العربي: الطموح والأهداف..
اخبار ثقافية
(قوة المعنى والصيغة) ..انبعاث الكلاسيكية الشعرية
وقفة مع شاعر
كنوز رمضانية بين الفصيح والمليح  2-3
الانتفاضة وإسرائيل
الطعنة
نصوص
القلم إصبع سادسة في يدي اليمنى!
أغنية النخيل
نصوص قصيرة
نايبول: نصف حياة
أمل حسين من التمثيل للغناء!!
عاصي الحلاني.. الغناء بالفصحى ليس حكراً على  أحد
مساء اليوم .. وزير المعارف يفتتح معرض الصور الفوتوغرافية الأول للسعوديات
الغائب هذا العام.. راشد الشمراني: خلك معي (7) متميز جداً وأعجبتني شخصية خالد سامي في طاش
شاعر وقصيدة
المدى: محمود البريكان
المستقبل العربي: أحداث أيلول (11)
وسائل الإعلام الإسرائيلية: رمضان أصبح شهر الهجوم على إسرائيل
بعد رحيل خيوله
محمد فوزي مات بمرض غامض أصاب خمسة أشخاص فقط في العالم
أ. إيكو: باودولينو
سميرة المانع: شوفوني
رجاء عالم: رواية جديدة
يفرح بها العاقل
المرأة وحقوقها
نداء الأقصى
راغب علامة من دبي: هناك مشروع دويتو مع عمرو دياب
الآداب: سحر الكرامة
 
 

 

 

[ ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة الخميس

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض