بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 11 March 2004 No. 13047 Year 39

الخميس 20 محرم 1425العدد 13047 السنة 39

  الشيخ ابن سعدي وميتافيزيقيا اللغة  (2/1)

د. محمد ربيع الغامدي

لدى أهل الجنوب عالم اسمه عبدالله بن سعدي، كان معاصراً للشيخ ابن سعدي صاحب عنيزة الشهير، رحمهما الله. وكان من أوائل من جاب المنطقة المسماة آنذاك ب"قضاء الظفير"، على عادة العرب في تسمية القطاع الإداري بالحد الذي تقف سلطة القضاء - بوصفها السلطة الإدارية المعتبرة - عنده، ناشراً العقيدة السلفية، ومحذراً من البدع. وكان من أهل المنطقة، غامدي عبدلي (من بني عبدالله). وشهرته في المنطقة تفوق شهرة سميه النجدي، حتى إن كثيراً من أهل الجنوب يظن عند سماع شيء من أخبار النجدي أنه صاحبهم الغامدي.
عثرت قبل مدة وجيزة على نسخة من كتاب ألفه الشيخ ابن سعدي العبدلي الغامدي، عنوانه: "الإيضاحات السلفية لبعض المنكرات والخرافات الوثنية المنتشرة في قضاء الظفير"، نشرته مطبعة السنّة المحمدية بمصر سنة 1371ه/1952م. جمع الشيخ في كتابه هذا ما رأى أنه من المظاهر الشركية في القول والعمل، والبدع والمنكرات التي لا يصح السكوت عنها.
استهل الشيخ ابن سعدي كتابه بذكر ما حصل بينه هو والهيئة المتطوعة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبين بعض كبراء المنطقة من شيوخ القبائل وعرفائها من مصادمات. ووصف الشيخ تهييج هؤلاء الكبراء بعض الجهال على الهيئة المذكورة، وذكرهم بأسمائهم، ثم بين أنه "على إثر ذلك الجهال الذين ليس لهم علم ولا معرفة بالدين، ولا حرمة في نفوسهم لمن يأمر به، فآذوا الداعين إلى الله تعالى. وكانت الثورة بتعميد الرؤساء المذكورين، أصلحهم الله"(ص3).
كان الشيخ مع الناس هناك، وكان يسمعهم يلفظون أقوالاً لم يكن يعلم أنها شركية خطيرة، قد تؤدي بقائلها إلى وبال وعاقبة وخيمة. لكنه بعد أن فارقهم جاهلاً مثلهم، ثم عاد إليهم عالماً مختلفاً عنهم، استنكر أن تتحول في لغتهم مثلاً دلالة ضمير الغائب الجمع إلى دعاء للجن، في حين أنه للمفرد خطاب للإنس فقط؛ "ومن العوائد المستمرة عندهم دعاء الجن والاستغاثة بهم وطلب النصرة منهم؛ ليبطشوا بمن يريدون ضره. فيرفع الداعي المستغيث المستعين المستنصر بالجن صوته قائلاً: ... ادخلوه، انفروا به، اعرجوا به، اهمسوا به، امتصوا دمه، افقعوا عيونه، عدوا في بطنه، ادخلوا في فمه، ادخلوا في صدره.. وخصمه يسمي على نفسه قائلاً: اسم الله عليّ؛ خوفاً من بطش الجن به. ويعيد الكلام المذكور أو أكثر منه على القائل المبتدئ، والقائل المبتدئ يقول: بسم الله علي، بعجلة قبل بطش الجن به بزعمه. وهذا شأن الصغير منهم والكبير، والأنثى والذكر، والعبد والحر، والخاص والعام". (ص 4- 5).
لقد أدرك الشيخ بأخرة أن اللغة التي كانت تفيض على ألسنة هؤلاء الجهال السذج بعفوية، لم يكونوا يحسبون لها حساباً بميزان الشرك والتوحيد والكفر والإيمان، خطر كبير وبلاء عظيم. ولا ينفعهم الاعتذار بحسن النية وسلامة الطوية، ولا بالجهل، ولا بأن هذا ربما دل على إيمانهم بوجود الجن كما أثبتته الشريعة، وخوفهم الفطري من الكائنات الغيبية حى إنه ليرانا الشيطان وقبيله من حيث لا نراهم. تعامل الشيخ مع دلالات اللغة، لا كما كان يتعامل معها قبل سفره لطلب العلم، ولا كما فهمها وتعامل معها مستعملوها القرويون الجهال، بل بدلالة جديدة لا يشترط فيها علاقة ما معينة بين العلامة اللغوية والصورة الذهنية لها عند متكلمها، ولكن بمقاييس أخرى تتضح في ضوئها صحة الدلالة أو خطئها لا بد أن تُكتسب وتُتَعَلَّم. ولهذا عد الشيخ من المنكرات العظيمة قول المرأة القروية الجاهلة التي ترقص صغيرها بقولها: "يا هلال يا سعيد، ادع ابي ما المسيد" (يعني: من المسجد) وأعشِّيك وأغدِّيك، واقطع لك راس الديك"، لأن في ذلك تلقيناً للولد دعوة القمر حين يبدأ تعلم الكلام. (ص 49- 50). ثم قال: "وإذا قلع الغلام إحدى أسنانه رماها أحد أبويه إلى السماء للشمس قائلاً: خذي يا عين الشمس
سن الحمار الشين، وبدليها بسن الغزال الزين. ويعتقدون أن من لم يفعل ذلك تكون أسنان ابنه أو بنته مشوهة. فانظر إلى هذه العقول الفاسدة، والفطر المنكوسة، والعوائد الجاهلية الملعونة، التي شب عليها الصغير، وهرم عليها الكبير". (ص25).
أحكم الشيخ قبضته على لغة الناس وحصائد ألسنتهم؛ لينبههم على خطر لم يدركوه ولم يعوا عظمه، وليقيهم من هلاك يحيق بهم بسبب ما يلفظون من القول. أظهر لهم أن الدال ليس بينه وبين المدلول صلة لازمة لكي يُحكم على سلامة الدال ونقائه وقبوله في ضوئها. إذا كان القروي ليس له من سلاح يواجه به مشكلاته إلا اللغة، ولم يكن بينه وبين السماء والأرض والأحوال الطبيعية التي تهدد منتجاته ومزروعاته، والحيوانات التي يفترس بعضها أغنامه، وأحوال الصحة والمرض التي تنتاب حياته وحياة أسرته، من وسيلة اتصال غير اللغة، فليس ذلك بكاف في أن يناجي الطبيعة كيفما شاء ووفق أي اختيار، بل عليه أن يصغي إلى من يعلِّمه ما يختار من دوال؛ لأن لبعضها مدلولات لا يعلمها إلا الراسخون في العلم.
كان على الشيخ في ضوء معارفه المكتسبة أن ينبه العوام الذين "إذا رأوا قوس قزح قالوا: يا قوس قزح هب لي ماء أشرب، أنا تحتك مثل العقرب. وإذا جاء المطر أخرجوا أولادهم يعرضون ويلعبون، ويقول ذكورهم: يا مطرة كبِّريني ولا تصغِّريني، والبنات يقلن: جنبحيلي جنبحت لك، والصبي لي والقحم لك. والصبي هو الشاب القوي الذي دون الأربعين، والقحم هو الشائب الفند الذي فوق الستين. وإذا كان الطفل دون الانقلاب تضع أمه ناراً في المجمر، وتضع بالمجمر لُباناً، وتحمل الطفل على يديها، ثم تجعل المجمر تحته وتهزه ونادي اللبان الذي في المجمر قائلة: يا لبانة بنت بانة، علمي الطفل الذهانة، والصقارة والفطانة". (ص49).
ويورد الشيخ من عوائد هؤلاء: "أن من عضَّ لسانه، أو حدث بلسانه قروح، قال: إنسان أراد أن يُطعمني وشحَّ. ومن أكَلَهُ باطنُ قدم رجله اليمنى قال: صديق يذكرني. وإن كان الأكل في صفحة الرِّجءل المذكورة قال: صديق لي يذكرني وهو جيعان. فإن كان في مؤخرة الرِّجءل، أو بالرجل اليسرى قال: هذا عدو يغتابني ويقطع بعرضي. وإذا أكلته بواطن كفيه قال: أُمسك بها لحماً أو دراهم، أو يقع علي أمر مكروه، فصفَّق بهما بعضهما على بعض. وإذا أكله خدُّه قال: سوف يحصل عليّ أمر تدمع منه عيناي أو مطر يضرب على وجهي. وإذا رفَّت عيناه قال: هذا نذير المطر. وإذا اختبط شيء من لحم جسده قال: سوف يحدث عليّ أمر عظيم يهمني. وإذا أكلته شفتاه قال: غائب يقدم وأقبِّله. وإذا هرت النار أجابها قائلاً: ذاكر خير، هذا واحد يتكلم فيّ. وإذا طار شرر النار قال: ضيوف يقدمون علينا بعدد الشرر، أو غائب يصل إلينا قريباً". (ص54).
لم يكن يسيراً على الشيخ رحمه الله والهيئة التي معه أن يطوعوا ألسنة القوم لتقول الحق وتنأى عن قول المنكر الذي تعودوه، بل بدلاً من ذلك نعتَ الناسُ الواحد من هؤلاء ب"المطوِّع" أي: الذي يحاول تطويعهم ليتركوا من القول ما اعتادته ألسنتهم (ويجمعون اللفظ في لغتهم هناك على "المطاوعة"). وحدث بين الشيخ ورفاقه من جهة وهؤلاء من جهة أخرى من المصادمات والمشاحنات ما اشتكى منه الشيخ في أكثر من موضع من كتابه هذا بحرقة شديدة، وعبَّر عنه القوم في أشعارهم التي نقل الشيخ أطرافاً منها يهجون فيها المطاوعة هجاء مقذعاً. إذ يبدو أن الطرفين لم يكونا ليلتقيا عند نقطة معينة تزيل اللبس وتجمع الكلمة. فالشيخ وسائر المطاوعة معه يستندون في تفسير لغة القوم إلى مرجعية أخرى غير تلك المرجعية التي يصدر عنها أصحابها المتكلمون بها، ولكل طريقته في الفهم والتفسير، فحصلت الفجوة التي أدت إلى نفق مسدود بينهما.
رأى الشيخ في عناد هؤلاء وصدامهم مصداقاً لكثير من آي القرآن الكريم التي تصف حال المؤمنين مع الكافرين. ورأى أن ما يتعرض له هو ورفاقه من أذى من هؤلاء إنما هو من قبيل ما يحصل للمؤمنين من قبل الكافرين الجاحدين، حتى مع الرسل والأنبياء عليهم السلام، فأنزل معاني الآيات على حالهم هذه، فقال في خاتمة كتابه: "ولما عن هذا وما شاكله نهينا، وإلى العمل بكتاب الله وسنّة رسوله دعونا، تسلطوا علينا بالأذى وآذونا، وبالزور والكذب والبهت رمونا؛ سنّة الله في عباده {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة}،{حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله}،{حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا}،{ألم @أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون} {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا وأن الله على نصرهم لقدير"، {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون}، {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا}، {وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد@ الذي له ملك السموات والأرض@ والله على كل شيء شهيد}). (ص56). هذا وللحديث بقية.
mrabee




 

بقية المواضيع

الأمير فهد بن سلطان دشن معرض تاريخ التعليم في تبوك
الشيخ ابن سعدي وميتافيزيقيا اللغة  (2/1)
شاكر حسن آل سعيد وغواية الثلج- ذكريات -
أبو حيان..عناء الفكر!
مع الشاعر سليمان العيسى (1)الأداء الضعيف لا يصنع شعراً
الحزام... تصميم شعري للحقيقة  ( 1- 2)
أكثر من  450طالباً يشاركون في معرض محاربة الإرهاب
موقف السعوديين من الإرشاد النفسي
قصص حبة الهال لبدرية البشر
الحداثة على كرسي الاعتراف
الرّواية... وسؤال القراءة...
مراجعات ثقافيّة .. معرض جديد للفنّان التشكيلي أسادور
مفردات من كتاب المطر
في أول أيام جلساته:انتقادات حادة لأوراق المشاركين في ملتقى النص
أحوال .. أحلام قديمة
شذرات العذاب
أحبك حتى انفجار العدد
التشكيلي ضياء عزيز ضياء لـ "ثقافة اليوم":أعمالي واقعية الموضوع متحررة الأسلوب
سعد العبيد: هذا المعرض إنطلاقة جديدة لي!
مصممة الديكور التي أصبحت فنانة لامعة سُلاف فواخرجي: التمثيل مثل الهواء لي وبدونه لا أعيش!!
مساء اليوم(الديك حبوب) في مواجهة ضاحكة بالفوطة
إلهام شاهين مريضة عقلياً
كبرياء النجوم تدفعهم إلى المغالاة في أجورهم
المصعد
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | السعودية اليوم | احداث العالم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض | وظائف شاغرة ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2004
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

السعودية اليوم

احداث العالم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

وظائف شاغرة

دنيا الرياضة

الرياض الإقتصادي

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض