بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 09 December 2004 No. 13320 Year 40

الخميس 27 شوال 1425العدد 13320 السنة 40

  حواريّة التّويجري مع المتنبي

د. عبد الملك مرتاض

الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري وجهٌ مشرقٌ من وجوه المملكة الثقافيّة والفكريّة، وأحد الدّعائم المتينة التي تقوم عليها الثقافة السعوديّة المعاصرة، وأحد أسبق المثقفين السعوديّين إلى اصطناع التّأمّل من أجل إدراك حقيقة الأشياء، واستخدام الحوار لبلوغ كُنه الحقيقة الغائبة في ثنايا الشّكّ والعدم والعجز، فيستخرجها من كلّ تلك الأدران لتنصقل في النفوس، وتتمثّل في الأذهان، وتتّضح في الأفهام.
ومن أجل أن يبلغ بعضَ غايته تلك من الحوار المعرفيّ القائم على التّأمّل العميق، والتفكير الرصين، وقدءح الرأي بالرّأي الآخر، وتلقيح الحكمة بمثلها، عمد الشيخ التويجري إلى مُصاحبة أحدِ أكبر شعراء العربيّة إطلاقاً وهو أبو الطّيب المتنبي. كما لم يفُتءه، أثناء ذلك، أن يَعُوجَ على أبي العلاء المعرّيّ فيصاحبه محاوراً مناقشاً، ومجادلاً معارضاً. وليس لنا اليوم من سبيل إلاّ على حواريّته مع أبي الطّيب نقرأ بعض عباراتها، ونستخلص أطرافاً من نسوجها.
وليس الشيخ التويجري غريباً على الثقافة ولا الثقافة غريبة عليه، فكلّ من شهِد الجنادريّة من المثقفين والمفكّرين والأدباء العرب يُقرّون بذلك، فهو يفتح لهم داره، وهو يحاورهم واحداً واحداً في منزله باهتمام مدهش. غير أنّ مِن مُحبّي الثقافة مَن لا يكون مثقّفاً أصلاً، فهو يرعى المثقفين لأنّه يُعجَب بهم، ويرى في فعلهم الخير والمحبّة والنماء في الحياة؛ ومنهم مَن يكون مثقّفاً ويرعى المثقفين، ولا يكتب لأنّ مهامّه السياسيّة أو القياديّة لا تتيح له من الوقت ما يسمح له بأن يخلو إلى نفسه، ويقبع في مكتبته، من أجل أن يكتب شيئاً يعبّر به عن فلسفته في الحياة، ونظرته إلى الكون، وطريقة فهمه لواقع الأشياء؛ في حين أنّ منهم مَن يكون مثقّفاً، وتسمح له مهامُّه، في الوقت نفسه، بأن يجرّب في الكتابة، ويُدءلِيَ بدلءوه في قضاياها.
والحقّ أنّ الذي حملني على أن ألتفت إلى بعض هذه الكتابات التي أتحف بها الشيخ التويجري قرّاءه في حواريّاته مع المتنبي والمعري إنّما هو الصديق الأديب الأستاذ عبد اللّطيف الأرناؤوط الذي أهداني كتابه الجميل في آخر جنادريّة لي بالرياض وهو بعنوان: "أدب الحوار الفكريّ عند الشيخ عبد العزيز التويجري" راجياً منّي أن أقرأه، وأن أعلّق عليه لقرّاء جريدة (الرياض) الغراء في أوّل مناسبة...
وإنّي بإقدامي اليوم على الكتابة عمّا كتب عبد اللّطيف الأرناؤوط عن الشيخ التويجري ربما أكون وقعءت في باب ما يمكن أن نطلق عليه: "قراءةُ قراءةِ القراءةِ"؛ إذ ينصرف الشأن إلى ثلاثِ قراءاتٍ معاً: قراءةِ الشيخ التويجري للمتنبي (وقد قلنا: إنّنا نستغني اليوم عن قراءة التويجري لشيخ المعرّة لضيق مساحة هذه المقالة، إلى حين...) من وجهة، وقراءةِ الأرناؤوط للتويجري من وجهة ثانية، ثمّ قراءتنا نحن لقراءة الأرناؤوط والتويجري جميعاً من وجهة أخرى.
وأوّل ما ينبغي ملاحظتُه أنّ تلاقِيَ كتّابٍ عربٍ ثلاثةٍ، متعاصرِين، من حول الشاعر أبي الطّيب المتنبي: من المملكة، ومن سوريا، ومن الجزائر لا يعني إلاّ تلاقي المغرب مع الشام والجزيرة على صعيد واحد لرصءد وجه متألّق من الثقافة العربيّة الكبيرة.
يضاف إلى كلّ ذلك أنّ منبر التلاقي يعود الفضل فيه، في الحقيقة، إلى جريدة (الرياض) التي لم تزل تستقبل كتابات الكتّاب العرب من أقصى بلاد المغرب، إلى أدنى بلاد المشرق، في سَعَةٍ من الصّدر، وفي رحابة في الأفق، وفي تقدير لنا قد لا نكون له أهلاً، دائماً، نحن الكتّاب. فليأذنء لي، بهذه المناسبة، القائمون على هذه الجريدة الكبيرة - ولم أقل ذلك قطّ على الرغم من أنّني أصبحت أحدَ كتّابها منذ قريب من ثمانية أعوام - أن أهنّئهم على هذه الروح السمحة، وعلى هذا السموّ في تقبّل الأفكار المطروحة للمعالجة على أعمدتها، على تباعدها في الطرح، وعلى اختلافها في التوجّه. وقد لا يدلّ ذلك إلاّ على أنّ المملكة تظل راعية للثقافة العربيّة من وجهة، وأنّ حريّة التعبير والتفكير بلغت فيها حدّاً مُرءضِياً من وجهة أخرى.

<><><><><><>

ويقارب عبد اللطيف الأرناؤوط لكتاب التويجري - وهو: "في أثر المتنبي" - (بتقديم الدكتور محمد مصطفى هدارة) مقارَبة منهجيّة لأهمّ الآراء التي تحاور فيها عبد العزيز التويجري مع أبي الطيب المتنبي حوارَ اتّفاقٍ طوراً، وحوار اختلافٍ طوراً آخر، كما في موقفه منه في قوله مثلاً:
إنّ القتيلَ مضرَّجاً بدموعِه مِثلُ القتيلِ مضرَّجاً بدمائِه
فقد خالف الشيخ التويجري أبا الطّيّب المتنبي في فكرته العجيبة التي لم يُسبق إليها فيما نعلم، فخاطبه: "لا يا سيّدي أبا الطّيّب! إنّ من تقتله أنينه دموعه (كذا)، وإنّ من يقتله بكاؤه، وإنّ مَن تمزّقه معاناته: تَفُوق مَيءتتُهُ مَيءتَةَ الإنسان المضرّج بدمائه؛ فهذا يموت في اللحظة والتَّوّ، وذاك غارق في أعماق البئر السحيقة تتفجّر داخل نفسه أنهارٌ من الدموع والحسرات. هنا تبطل المقارنة، وتتراجع الصورة إلى حيث تمّحي بدموع قيس وليلاه". (التويجري، في الأرناؤوط، م.س. ص74).
وإنّ التفاتة الشيخ التويجري لَطريفة حقّاً، وإنّ تحليله للموقف لسديد فعلاً، فالهالك بالقتل يموت في توّه فينتهي أمره، وقد يكون ذلك إراحةً له من معاناة الحياة إن كان فيها شقيّاً. أمّا الذي يصاب بتباريح الحبّ، ورسيس الغرام، فإنّ الدّموع لا تقتله، بل قد لا تزيده إلاّ حزناً وشقاء، ومعاناةً وعذاباً؛ إذ بكاؤه لا يضع حدّاً لحياته فيستريح مما هو منه مُكابِدٌ مُعانٍ؛ ولكنّه يزيد من تأجيج الهوى، ويضاعف من تشديد المعاناة: فكيف إذن يتّفقان في الحال، وهما مختلفان في النتائج؟ كلاّ! فلا سواءٌ فارسٌ يُقتل في ساحة الوغى وهو أقوى ما يكون رجُلاً، وأشدّ ما يكون قلباً، وعاشق هائمٌ في درب الحياة يكابد من عشقه فهو أضعف ما يكون نفساً، وأحزن ما يكون جَناناً. العاشق في موقف ضعفٍ فدموعُه تضرّج ثيابه. في حين أنّ الفارس في موقف قوّة تضرّج دماؤه لأءمَتَه. ثمّ لا سواءٌ مَن يحبّ لتزدانَ به الحياة، وليستمرّ به عمران الكون، ولتتبختر بعشقه الطبيعة، ومَن يكرَهُ فلاَ يأتيَ شيئاً غير القتل، ولا يفكّر في شيء غير إحالة الأجسام إلى جُثث مركومة، وأشلاء مطروحة. الأوّل رمزٌ لاستمرار الحياة والبقاء، والآخر رمزٌ للأحقاد والشقاء، فهل يستويانِ مَثَلاً؟
إنّ "قتيل الحبّ -كما يعلق الأرناؤوط على تحليل التويجري- في نظر التويجري إنسان يدلّ على أنبل المشاعر الإنسانيّة، وقتيل الحرب ضحيّة جريمة إنسانيّة مصدرها الشّرّ. فالحبّ قَدَر إنسانيّ في رأي التويجريّ". (م.س).
ويُسائِل التويجري المتنبي من خلال بيتيه:
اَهُمُّ بشيءٍ واللّيالي كأنّها
تُطارِدُني عن كَونِه وأُطَارِدُ
وحيدٌ من الءخُلاّنِ في كلّ بَلءدةٍ
أذا عظُم المطلوبُ قلَّ المساعدُ
فيخاطبه قائلاً:"ومطلبك العظيم الذي لم تجِدء من يساعدك عليه؟ أهذه آفَتُك وحدك، وشكايتك وحدك، وتحسّرك وحدك؟ أمّ أنّ للحياة طرُقاً وسبُلاً؟ الزحام والضجيج يمشيانِ بها في طريق هنا أو هناك، والوحدة في الواحد تمشي هناك لا رفيقَ معها، ولا أنيس". (م.س.، ص77).
فالتويجري حين يسائل المتنبي كأنّه يأتي ذلك اعتراضاً؛ ذلك بأنّه على الرغم من صحّة رأي المتنبي في هذه التجربة الحياتيّة لكنّها ليست مقصورة عليه وحده؛ فلا أحد استطاع أن يحقّق كلّ أحلامه ولاسيّما إذا كانت جِساماً، فهو يريد ولكنّه لا يستطيع؛ لأنّ المثبّطات والمعرقلات لم تزل بالمرء في طريقه حتّى تسدّه عليه فيعود من تحقيق مأربه خائباً حسيراً. والناس، من بعد ذلك، غالباً ما يكونون سواسيَةً في الغدر والتهرّب من القيام بواجب الصديق، وربما الإخلال بواجب الأخ الشقيق. فسواء عليك أكنت وحدك في بلدة، أم كنت في جمهور من الناس فالأمران سيّانِ؛ وخصوصاً إذا انصرف الشأن إلى أمرٍ مَروم من العظائم، فإنّه لا أحدَ يظاهرك على بلوغه، أو يساعدك على إنجازه، إذا خانك السّعي أو الجيب، غيرُ نفسِك...
ونلاحظ أنّ التويجري تستهويه الصحراء، وتخلبه البادية، فهو لا يرى العفّة والشرف وكلّ القيم النبيلة إلاّ في أهلها؛ ولذلك يعلّق على بيتي أبي الطيب المتنبي:
وفي الناس من يرضَى بميسور عيشِه
ومركُوبُهُ رجلاهُ والثوبُ جِلءدُهُ
ولكنّ قلباً بين جنبيَّ ماله
مدىً ينتهي بي في مُرادٍ أحُدُّه
فيقول: "الإنسان اليوم يُفرغ من ذاته أخلاقياتٍ وقيماً وتقاليدَ وميراثاً طويلاً ليلحق بالمال، وفلسفة المال؛ وظنّي أنّه لا يلحق بشيء، بل ربما خسر نفسه! (...) وظنّي أنّ الإنسان إذا لم يعُد إلى ثياب القرية والصحراء والخيمة ولباسها النقيّ، فلن يسعد ولن ينجو من الدمار؛ فالحضارة المادّيّة التي نعيشها اليوم قمقم ضخم مُلئ بالآفات والوحوش، ولا ندري متى تفترس هذه الحياة... ونحن عرب الصحراء، أو عرب دمشق أو بغداد أو القاهرة أو سواهم، طوينا خيامنا ثمّ أحرقناها. فالخيمة التي حملها معه الرجل الأوّل من يثرب وبناها في ثلاث قارّات الأرض، كانت الرمز الحضاريّ الأخلاقيّ، يوم حلّتء محلّها ناطحات السحاب جلسنا القرفصاء، نجترّ آلامنا: فلا خيمةَ، ولا ناطحات سحاب! ومن كان هذا شأنه يظلّ مكانه في العراء". (م.س.، ص 83- 84).
فالقيم لا تتمثّل في التجمّع في المدن، ولا في الاستمتاع باللّذّات العارضة؛ كما أنها ليست، بالضرورة هي تلك الماثلة في ناطحات السحاب، ولا تلك القائمة في الأبراج العالية، ولكنّها قد تكون أجمل وأهدأ، وأنبل وأسعد، في خيمة بسيطة أو منزل أهله ينشرون القيم النبيلة بين الناس...
غير أنّ الحضارة المعاصرة ليست نقمةً كلّها على البشر، ولا نحسب الشيخ غاب عنه هذا، وكلّ ما في الأمر كما يعلّق على ذلك عبد اللطيف الأرناؤوط: "العودة إلى الماضي والتمسك بالجذور والانتماء الروحي والقومي لا تعني التخلي عن معطيات المدنيّة المعاصرة من علم وتقنية، والرجوع إلى البداوة؛ بل تعني النقاء مع الاستفادة من معطيات هذه الحضارة". (م.س.، ص84).
والحقّ أنّ تجربة الشيخ التويجري تجربةٌ لافِتَة، لأنّ شعر المتنبّي عرَضَ له خلءق كثير من المؤلفين بالشرح؛ ولكن بغاية تقريب قراءته بمباشَرةٍ وتعليميّة، وذلك بتخريج قضاياه النحويّة، وشرح مفردات لغته المستعصية على القارئ العاديّ، دون أن يقع العمءد إلى قراءة المتنبي وتحليل نفسيّته من خلال مقاربة أفكاره، بالتأييد أو الاعتراض، وإسقاطِها على الزمن المعاصر. ولذلك فإنّ جهد التويجري يأتي ضمن محاولة جريئة، لقراءة جديدة تقوم على إبداع آخر يُسَاوِقُ المتنبي في نسج شعره، وفي مضمون حكمته، فهل من فاعل بعده لتأسيس هذا الضرب من القراءة المتناصّة؟...
يبقى أن نهمس أخيراً في أذن الصديق عبد اللطيف أنّ عنوان الكتاب الذي كتبه عن الشيخ التويجري طويل جدّاً، ولا يمكن أن يجريَه الناس على ألسنتهم كما هو، وبالسهولة التي يعتقد؛ فقد كان في حلّ من أن يجتزئ باللّقب -التويجري- في العنوان مقتصراً على العبارات المركزيّة في فكرته كأن يكون "أدب الحوار الفكريّ عند التويجري"، ويذكر الاسم الثلاثيّ والألقاب التقديريّة داخل المتن رفءقاً بالقرّاء حتّى لا يأتوا على زهاء عشر كلمات.



 

بقية المواضيع

الشباب يشتكون البطالة ويطالبون بإغلاق الكليات التي تضخ خريجين لا يحتاجهم سوق العمل
المطربة الجزائرية "فلة" لأهل المغنى: "فيه مغنى ما لوه معنى.. ولا فيه أدباً"
ترف في النقوش، بذخ في الأثاث، وتناسق مدهش بين العمارة والمناخ
معالي الدكتور الراجح لـ "الرياض": التوصيات الناتجة عن اللقاء محل الاهتمام وهي تسلم مباشرة لسمو ولي العهد
مشاركات يطالبن بفتح آفاق أوسع للفتيات وإيجاد بيئات مناسبة للعمل
الدكتور العمران لـ "الرياض": من المفرح أن يكون هؤلاء الشباب والشابات من مخرجات تعليمنا في المملكة
"الرياض" تستضيف أصغر محاور من الشباب
الشباب يتفوقون على الشابات في أطروحات اليوم الثاني للقاء حول العمل
1000 نون
اجتماعات مكثفة للقصبي والسدحان للتحضير لسباعية عن الإرهاب
شماليل
الغريبي شاعر ابتعد عن التدوين فضاع شعره
حواريّة التّويجري مع المتنبي
هل وصل المسرح الكويتي إلى مرحلة الصفر بالانحطاط؟!
"أبواب القصيدة" لسعد البازعي: استقبال للآخر من نوع آخر
قصص قصيرة جداً
(حروف مهشمة)
صورة شاعرية
سجل ورشح وانتخب وأنت مسؤول
بريد الخزامى
المرقاب الرجم صديق الشعراء
أوليفر ليمان يتجاهل ما بعد الفلسفة ويراهن على ما بعد الحداثة
لن يتأنق الذل.. ولن نغفر!
المدفع والمنقاح في مسرحية (الأمل والحياة)
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | السعودية اليوم | احداث العالم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2004
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

السعودية اليوم

احداث العالم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

دنيا الرياضة

الرياض الإقتصادي

الرياض @ نت

مقالات اليوم



إنضم إلى قوائم
الرياض