|
شعراء أم كلثوم ( 4- 10): أم كلثوم وسعت تعاوناتها لتشمل شعراء من الكويت وحضرموت وباكستان
ما نريد أن نقدمه من خلال هذه الحلقات، ينبع أساساً من الدور الريادي وغير المسبوق والذي لعبته سيـدة الغنـاء العربي أم كلثوم في خدمة الأدب العربي، خاصة في مجال الشعر، إذ تبين لنا وللآخرين ومن بعد طول صحبـة لهـذه الفنانـة المعجـزة، أنها قد أخذت بيد أكثر من أربعين شاعراً مصرياً وعربياً ومن الدول الإسلامية، نحو الشهرة والمجد، وذلـك خلال رحلتها الفنية الطويلة التي امتدت لأكثر من نصف قرن.
وتقول ذلك على الرغم من وجود العشرات من هؤلاء الشعراء من المشاهير في حياتنا الأدبية، من الذين كتبوا قصائد وأشعار لأم كلثوم لأجل أن تشدو بها وبصوتها الجميل، أو من الذين اختارت لهم أم كلثوم كلمات وقصائد بعينها لنفس الغرض.. هؤلاء الشعراء المشاهير، قد ازدادت شهرتهم حين تغنت بكلماتهم سيدة الغناء العربي مصحوبة بالموسيقى والألحان. ذلك من منطلق أن الشعر إذا ما خرج من الأوراق إلى الحناجر والأفواه يدوم أكثر.. ويستمر في الوجدان والأفئدة، حتى ولو كان مكتوباً بماء الذهب ومصحوباً بالرسوم الملونة! فما بالنا لو انطلق هذا الشعر المكتوب من حنجرة وفم معجزة الغناء خلال القرن العشرين ؟! ومصحوباً أيضاً بأرق وأروع الألحان التي وضعها كبار الملحنين، خلال فترات متباعدة من رحلة أم كلثوم الفنية ؟!
والحديث عن الشعر وعن الشعراء له مذاق وطعم خاص، باعتباره كان ولايزال المصدر الرئيسي للمتعة الفكرية والذهنية والروحية والعاطفية، ليس في أدبنا العربي فقط بل وفي كل آداب لعالم.. هذا الحديث عن الشعر بنوعيه الفصيح والعامي، لاشك سوف يزداد مذاقه حلاوة حين نربطه بصوت أم كلثوم وبرحلتها الفنية الطويلة التي اقتربت من نصف قرن من الزمان.. ذلك لأنه يرجع إليها الفضل الأكبر في ترديد الناس لأشعار كبـار الشعراء سواء من القدامى أو من المحدثين، الأمر الذي ساهم في إنعاش حركة الشعر العربي، وجعل العامة حتى في الشوارع والطرقات وعلى المقاهي يحبونه ويحبو سماعه وترديده، بل وجعل فريق آخر من هؤلاء يقبل على إقتناء دواوين هؤلاء الشعراء وقراءة أشعارهم سواء العاطفية أو الوطنية، والشاعر الكبير إبراهيم ناجي وأمير الشعراء شوقي وعلي الجارم ليسوا ببعيدين عن هذا المثال.
بـل وأكثـر مـن ذلك فقد ساهمت أم كلثوم في إنعاش ذاكرة الناس فيما يتعلق بهؤلاء الشعراء وسير حياتهم.. حتى من الشعـراء القدامى من الذين تزخر بهم وبكلماتهم كتب التراث، ودواوين الشعر القديمة.
4- علي أحمد باكثير:
لأول وهلة كنت أتصور أن شاعرنا الراحل الكبير علي أحمد باكثير، والذي تغنت بكلماته سيدة القصيدة العربية أم كلثوم، ليس عربي الأصل..، وذلك لكثرة ما تردد بشأن هذا الأصل، نظراً لارتباطه بمولده خارج الوطن العربي، حيث ولد في إحدى مدن إندونيسيا!
ولكن وبإجماع المصادر قديمها وجديدها اتضح لنا أن علي أحمد باكثير الذي عرفناه كاتباً مسرحياً وروائياً، إنما هو شاعر عربي كبير من اليمن!، حيث رحلت أسرته من مدينة حضرموت من أجل التجارة، واستقرت لسنوات بعينها.. والتي ولد خلالها.. في إحدى مدن إندونيسيا!
ورغم أن علي أحمد باكثير قد ولد فعلاً بمدينة "سورا بايا" الإندونيسية إلا أن ولاءه وثقافته وفكره وإنتاجه ظل مرتبطاً بالعالم العربي وببلاد اليمن السعيد، بل ان هناك من المصادر التي تؤكد أن علي باكثير قد ولد في مدينة حضرموت.. ثم رحل مع أسرته إلى موطنه الجديد بإندونيسيا!.
ولقد شاء حظ هذا الأديب العربي البارع أن ينضم إلى قافلة الشعراء العرب الذين تغنت بكلماتهم سيدة الغناء العربي أم كلثوم، بل وكانت قصته المشهورة "سلامة".. هي أحد أفلام سيدة الغناء العربي الذي مثلته في عام 1944!، وهو الفيلم الذي غنت فيه سبع قصائد عربية بالإضافة إلى كلمات على أحمد باكثير نفسه..
وعلى الرغم من قلة ما غنته أم كلثوم للشاعر والأديب اليمني علي أحمد باكثير إلا أنها مازالت تحظى باهتمام قطاع عريض من المستمعين من عشاق صوت وفن أم كلثوم، وربما يرجع السبب في ذلك الى أنها ارتبطت بأحد أدوارها السينمائية المشهورة.
ولذلك كان لزاماً علينا ضرورة البحث في شأن هذه الأبيات وبيان موقعها من إنتاج علي أحمد باكثير سواء ما نشر له في بعض الدواوين أو في أعماله الأدبية الأخرى..
ولقد كانت مفاجأة على الأقل لي شخصياً.. أن أعثر على هذه الأبيات ليس في ديوان شعر.. ولكن في إحدى أعماله الروائية التي صدرت في عام 1944تحت عنوان: سلامة القس.. هذه الرواية التي نشرتها لجنة النشر للجامعيين بعد فوزها بإحدى الجوائز الأدبية وهي جائزة "قوت القلوب".
وكما جاء على غلاف هذه الرواية، بل والأكثر مفاجأة أن هذه الأبيات كتبها الشاعر علي أحمد باكثير على لسان بطل الرواية عبدالرحمن بن عمار وأخذت ترددها سلامة بعدما وضعت لها الألحان!، حتى خيل إلينا أن الشاعر باكثير قد نقلها عن آخرين، لكي توافق أحداث روايته الدرامية التاريخية. ولكن اتضح لنا عكس ذلك أيضاً. إذ عثرنا على بعض الأدلة التي تثبت أن هذه الأبيات هي من تأليف علي أحمد باكثير نفسه!
ولعلنا هنا ننقل جزءاً من الحوار الذي دار بشأن هذه الأبيات.. في الرواية التي كتبها علي أحمد باكثير ونقلها إلى السينما بنفس أحداثها تقريباً.
طفق عبدالرحمن يبكي وهو يمسح دموعه.. حسبك يا سلامة حسبك. لكأني والله لم أقل هذه الأبيات.. لقد كسوتها بتلحينك روحاً لم تكن.. فقالت سلامة: إما أعجبني شعرك فألمني هذا التلحين.
وبطبيعة الحال فإن هذا اللحن لم تأخذ به أم كلثوم. بل عهدت به الى موسيقارها المفضل آنذاك رياض السنباطي. وقد أبدع في تلحينها إبداعه في غيرها من القصائد!
وفيما يتعلق بتأليف علي أحمد باكثير لهذه الأبيات.. وسبب استعانته بالشعر في سياق أحداث أعماله الروائية. يقول الدكتور عبده بدوي محللاً هذه الظاهرة: إن إنتاجه الغزير يؤكد أن شكل القصيدة الغنائية بصفة خاصة كان أثيراً عنده، وأنه كان من خلاله يقول الكثير، بل إنه في أعماله النثرية كان ينتهز الفرصة ليضع الشعر على لسان أبطاله..
وما أكثر ما تظهر شخصية الشاعر في العديد من أعماله، وهو يضعها في الغالب في دائرة الحق والنور، وقليلاً ما يضعها في دائرة التآمر والإدانة.
هذا عن القصيدة.. فما لنا بالمؤلف نفسه، وقد تعودنا أن نعيش لو للحظات مع بعض لمسات من سيرته الذاتية التي يمكن أن نستكمل بها هذا المشوار القصير..
ولقد لاحظنا أن سيرة حياة علي أحمد باكثير قد حفلت بها العديد من الكتب وكذلك الكثير من الأبحاث والدراسات. لكننا هنا سوف نـورد فقط بعضاً منها.. خاصة فيما يتعلق بحياته ونشأته وأعماله الأدبية.
ولد علي أحمد باكثير في عام 1910بمدينة "سورا بايا" بإندونيسيا.. ولكن سرعان ما عاد إلى بلدته حضرموت باليمن وذلك كعادة أهل حضرموت في إرسال أبنائهم إلى موطنهم الأصلي وهم صغار ليعايشوا في بلادهم لغة وعادات هذا الوطن.
وفي حضرموت موطن والديه عاش في مناخ إسلامي ساهم في إقباله على حفظ القرآن الكريم، والاطلاع على العديد من كتب التراث.
وفي هذا الجو وجد نفسه يدندن بالشعر مبكراً، فحاول دخول عالمه الساحر العجيب، وكانت مشكلات مجتمعه آنذاك هي المجال الخصب لأشعاره المبكرة هذه. وكذلك تأثر في هذه الفترة من حياته بالشاعرين العربيين الكبيرين المتنبي وشوقي..
وهناك من المصادر التي روت بعض لمحات من حياته ما تؤكد أن على أحمد باكثير قد عاد من جديد إلى موطن والديه الجديد في إندونيسيا حيث راح ينمي مواهبه فأتم حفظ القرآن الكريم وأتقن اللغة الإنجليزية حتى تفوق فيها، كما تزوج أيضا هناك، وعاش حياة أسرية سعيدة مع شريكة حياته، ولكن القدر فجعه فيها فلم يعد يطيق العيش بدونها حيث هو.. فرحل إلى الحجاز في عام 1932، وطاف في طريقه إليها باليمن والحبشة والصومال.
وفي الطائف أقام فترة هناك مارس فيها هوايته الأدبية فكان من نتاجها الأول مسرحياته "همام في بلاد الأحقاف".
وفي عام 1934رحل إلى القاهرة والتحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية..
وفي مدينة القاهرة توهجت مواهبه الأدبية حتى صارت له مكانته المرموقة في أوساطها الأدبية، خاصة عندما ترجم مسرحية شكسبير "روميو وجوليت"، وكانت تلك أولى خطواته في الشعر المرسل.
ومما يروى في سيرة حياته أنه عمل بالتدريس في مدرسة الرشاد الثانوية بالمنصورة عام , 1940.وفي عام 1955ترك التدريس وعمل بوزارة الثقافة، وكانت آخر مناصبه الوظيفية مدير المكتب الفني للرقابة على المصنفات الفنية حتى توفاه الله في العاشر من شهر نوفمبر عام
1969.ولقد أطلق عليه النقاد لقب أديب العروبة والإسلام، ولعل أشهر أعماله الأدبية في هذا السياق روايته و"إسلاماه". ومن أشهر سمات أعماله الأدبية أنه كان يستهلها جميعاً بآيات الذكر الحكيم.
5- أحمد العدواني
شاعر من الكويت
لو أننا استعرضنا سوياً وأمامنا خريطة ملونة للعالم العربي - وذلك لتحديد موقع كل دولة عربية من الدول التي اختارت أم كلثوم منها شعراءها، لاكتشفنا حقيقة في غاية الأهمية - مؤداها أن سيدة القصيدة العربية حققت ما نسميه بالوحدة الفنية والأدبية بين شعوب هذه الدول!
إضافة لما حققته على مدى مشوارها الفني الطويل من وحدة من نوع خاص بين أبناء هذه الدول الذين كانوا يجتمعون أمام صوتها ليلة كل خميس من أول كل شهر!
مما يعني أن هذه الفنانة العظيمة كانت بالفعل غير مسبوقة لا في عصرها ولا في العصور التالية !، إذ كان هدفها الأول هو خلق نوع من التوافق في الذوق والمشاعر والأحاسيس بين أبناء الوطن الواحد مستخدمة في ذلك أدوات لم يفطن إليها غيرها!
وإذا ما نظرنا في هذا السياق لاختيارها لكلمات شاعر الكويت الكبير أحمد العدواني، سوف نضع أيدينا على بعض هذه الأدوات، والتي كان في مقدمتها المشاركة في المشاعر الوطنية للبلاد العربية ليس فقط برسائل التهاني وباقات الورود.. بل بترديد كلمات تعبر عن نبض هذا الشعب أو ذاك!
وتجربتها الحيوية مع كلمات الشاعر أحمد العدواني.. تثبت ذلك وأكثر.. إذ بادرت أم كلثوم من تلقاء نفسها بطلب كلمات لأحد شعراء دولة الكويت لكي تتغنى بها لمشاركة هذا البلد العربي الشقيق في الاحتفال بعيد استقلاله الأول، وهكذا خلقت تجربتها مع كلمات الشاعر أحمد العدواني في عام 1960وقصيدته الأولى "يا دارنا يا دار" والتي تقول كلماتها:
يا دارنا يا دار
يا منية الأحرار
يا نجمة للسنا على
جبين المنى
السحر لما دنا
غنى لنا الأشعار
التبر في برها
والدر في بحرها
والحب في صدرها
نبع من الأيثار
يا نفحة من أريج
مست عروس الخليج
فجر وروض بهيج
ما أسعد الأطيار
نعم عشقنا ثراه
نعم وعشنا فداه
وكلنا في هواه
سامي والحمى والجار
قالوا الكويت استقل
وبدره قد كمل
اليوم نلنا الأمل
ودانت الأقدار
في ظل شمس الصباح
زعيمنا للكفاح
إلى مراقي النجاح
أميرنا المغوار
ولقد نشر الشاعر الكويتي أحمد العدواني هذه القصيدة في أحد دواوينه والتي صدرت مؤخراً ضمن أعماله الأدبية الكاملة من بعد رحيله. ولاحظنا فيها كذلك وجود بعض التعديلات التي أدخلتها أم كلثوم حتى تتوافق مع الألحان..
وانصبت تلك التعديلات على إغفال بعض الأبيات بغرض الاختصار..
كما أتضح لنا أن أم كلثوم والملحن رياض السنباطي في هذه التعديلات قد أغفلوا تكرار البيت الذي يقول فيه الشاعر:
يا دارنا يا دار
يا منية الأحرار
وذلك وفق ما جاء بالقصيدة المنشورة بالديوان وبخلاف ذلك اختارت أم كلثوم أربعة عشر بيتاً فقط.. وبالتالي أغفلت حوالي ثلاثة عشر بيتاً، كما جاء اختيارها لهذه الأبيات بشكل عشوائي دون مراعاة ترتيب القصيدة.
وجاء في مطلع الأبيات التي أغفلتها أم كلثوم:
فيها تراث الجدود
مواكب للخلود!
وفي ختامها قال الشاعر أحمد العدواني:
فجر وروض بهيج
ما أسعد الأطيار
أما أشهر الأبيات التي غنتها أم كلثوم والتي شملها تعديل في بعض كلماتها.. فهي الأبيات التي تقول فيها:
نعم عشقنا ثراه
نعم وعشنا فداه
وكلنا في هواه
سامي الحمى والجار
وقد استبدلت أم كلثوم بذلك كلمات الشاعر.. حيث كتب يقول:
نعم عشقنا ثراك
نعم وعشنا فداك!
وكذلك البيتين التي تقول فيها أم كلثوم:
قالوا الكويت استقل
وبدره قد كمل
نلنا الأمل
ودانت الأقدار
إذ استبدلت قول الشاعر خاصة في الشطر الثاني في البيت الأول. "فقلت بدر كمل".. أما في البيت الثاني فكان التعديل أكثر.. حيث كتب الشاعر يقول:
اليوم طاب العمل
وطابت الأخطار
وفي عام 1966كررت أم كلثوم تجربة غناء إحدى قصائد الشاعر الكويتي العدواني.. وهي أيضا أغنية وطنية سجلتها لإذاعة الكويت في العام نفسه، وهي بعنوان: أرض الجدود.
وتقول فيها:
شدا لك المجد وغنى الظفر
فاختال بدو وتباهى حضر
أرض الجدود والليالي سير
ما أشرقت إلا عليك الدير
قالوا الكويت قلت هذا كوكب
تهفو له النجوم حين تنظر
العز في ساحاته منابت
طابت مجانيها وطاب الشجر
أرض الجدود لا برحت للهوى
منازلاً يخطر فيها القمر
عشنا على ثراك يدعونا له
هوى على نفوسنا مقدر
وذكريات كلما طافت بنا
تنفس الورد وفاح العنبر
قل للكويت تلك أعراس المنى
يزفها إليك عهد ناضر
صحائف التاريخ رفت حوله
تكتب للخلود ما يقرر
ما أعظم الدستور في ظلاله
شعب على أقداره يسيطر
قائده إلى العلا أميره
أكرم بمن يقوده ويأمر
شيخ الأمور ما غدت مظلمة
إلا جلاها منه رأى نير
العزم والقوة في ردائه
تزينها الحكمة والتبصر
شاد على الحب أساس حكمه
والحب للحكم الكريم مصدر
وبالرجوع إلى الديوان الذي نشرت به هذه القصيدة لاحظنا أن ما شهدته من تعديلات يعد طفيفاً جداً بالقياس لما شهدته القصيدة السابقة !. ولا نعرف السبب وراء ذلك!
وقد يكون لتدخل الشاعر هذه المرة رأي في عدم الإكثار من التعديلات.. حتى أن عدد أبيات هذه القصيدة تم الالتزام به من جانب أم كلثوم وجانب ملحنها رياض السنباطي، ما عدا بيت واحد فقط.. وهو البيت الذي نشره المؤلف في ديوانه وجاء ترتيبه قبل الأخير.. والذي قال فيه:
يمر بالخطب العبوس باسماً
كالبدر في غيب الدياجي يسفر
وقد أهملته أم كلثوم.. ربما لكلماته غير المتفائلة والتي تشير إليها بخلاف ما جاء في كل أبيات هذه القصيدة!
ومن التغييرات الطفيفة التي شهدتها أبيات هذه القصيدة.. اختيار أم كلثوم لكلمة "ما أشرقت".. بدلاً من "هل أشرقت"!، وذلك في البيت الثاني، وكذلك اختيارها لكلمة "هذا كوكب" بدلاً من "ذاك كوكب"! في البيت الثالث. أما في البيت الثامن فقد غيرت أم كلثوم كلمة "ناضر" بدلاً من "نضر"!.
وتستطيع أن تقول في السياق نفسه أن قصيدة الشاعر الكويتي أحمد العدواني تعتبر بحق من أوائل القصائد العربية لشعراء العصر الحديث التي لم يشملها تغيير كبير. هذا عن القصيدتين وما جرى لهما من تعديل.. فماذا عن الشاعر أحمد العدواني؟. إننا سوف نحاول الاقتراب من حياته ومن عالمه الشعري من واقع ما سطره عنه المؤرخون والنقاد.
ولد الشاعر الكويتي بمدينة الكويت، وفيها تلقى تعليمه الأول، ثم انتقل إلى مصر والتحق بالأزهر الشريف في عام 1939، ثم عاد مرة أخرى إلى الكويت بعد إتمام دراسته بالأزهر في عام ,
1949.وهناك اشتغل بالتدريس في المدرسة القبلية ثم مدرسة ثانوية الشويخ، والتي ظل يعمل بها حتى عام , 1956.إذ نُقل إلى وظيفة السكرتير العام لإدارة المعارف بالكويت.
وعندما استقلت دولة الكويت صدر مرسوم أميري بترقية الشاعر أحمد العدواني إلى وكيل مساعد إدارة التربية، وقد ظل بهذا المنصب حتى عام , 1965.حيث نقل بعدها إلى وزارة الإعلام.
شارك الشاعر الكويتي طوال مشوار حياته في تدريس اللغة العربية لسنوات عديدة.. كما شارك في تأليف عدة كتب مدرسية. وبانتقال الشاعر أحمد العدواني إلى وزارة المعارف ثم إلى وزارة الإرشاد بدأت مرحلة جديدة في حياته خاصة الثقافية والأدبية. أما عن دوره في حركة الشعر العربي.. فيقول عنه صدقي خطاب الذي أعد دراسة هامة عن مسيرة الشاعر الكويتي الأدبية.. ان أهم أعماله الأدبية هي ديوان شعر "أجنحة عاصفة" والذي صدر في عام 1980ونشر به كل أشعاره التي ألفها ما بين عامي 1946و 1960وتوفي الشاعر أحمد العدواني في عام
6.1990- جورج جرداق
شاعر من لبنان
بعد طول بحث استغرق أياماً وأسابيع وشهوراً، عن أصل قصيدة "هذه ليلتي" والتي شدت بها أم كلثوم في عام , 1968.للشاعر اللبناني جورج جرداق، لم نوفق في العثور على هذا الأصل في كل ما كتبه ونشره هذا الشاعر على مدى حياته كلها سواء الأدبية أو الصحفية!
مما جعلني أعيد البحث بكل ما أوتيت من قوة وصبر، لأجل الوصول إلى الشاعر نفسه والذي يعيش بيننا، ولكن على بعد آلاف الأميال!
ولم يكن أمامي من وسيلة مضمونة للوصول إلى ما أبغيه سوى السفر إلى لبنان للقاء جورج جرداق، أو الاتصال بمنزله تليفونياً.
لقد لعب الحظ دوره الكبير في العثور فعلاً على رقم هاتفه الشخصي في مدينة بيروت!، وبالفعل جربت هذه الوسيلة حيث جاء صوته عبر الهاتف، وبعد كلمات قصيرة شملها التعارف بيننا سألته مباشرة عن الديوان الذي نشر به قصيدته "هذه ليلتي"!، وكانت المفاجأة حين أخبرني أنه لم ينشرها في ديوانه، أو في أي مكان آخر إلا عندما شدت بها أم كلثوم عام ,1968.!
عندئذ سألته عن التعديلات التي طلبتها أم كلثوم آنذاك.. فأخبرني بها.. وقال إنها فقط في البيت الأول الذي تم تغييره بناء على رغبة كوكب الشرق أم كلثوم..
وانتهت المكالمة التليفونية.. وعرفت بالفعل الكلمات التي أجريت عليها التعديلات، ولسوف أسوقها.. بعدما نعرف.. كيف تم اللقاء بين هذا الشاعر وبين أم كلثوم؟!
في عام 1968وفي شهر ديسمبر بالتحديد، وفي الحفل الذي أقامته سيدة القصيدة العربية يوم 6ديسمبر.. طلعت علينا أم كلثوم برائعة جورج جرداق "هذه ليلتي" التي وضع لها الألحان الموسيقار محمد عبدالوهاب..
وقيل آنذاك إن هذه القصيدة عرضها محمد عبد الوهاب على أم كلثوم في صيف عام ,
1967.ولكن نظراً لوقوع نكسة يوليو في العام نفسه ظلت حبيسة الأدراج حتى نهاية عام 1968، وفي الفترة التي سبقت الإعداد لهذه الأغنية، طلعت علينا صحف هذه الأيام بتفاصيل كثيرة عن القصيدة ومؤلفها والظروف التي تمت خلالها لقاءات الشاعر بأم كلثوم.. فقد كتب الناقد الفني آنذاك "محمد وجدي قنديل" في مجلة آخر ساعة رداً على سؤال طرحه هو نفسه عن كيفية اختيار أم كلثوم لهذه القصيدة: "والقصة لها جذور أخرى تمتد إلى صيف عام 1967عندما كان عبدالوهاب.. في لبنان، وكان يبحث عن شيء جديد يغنيه بصوته والتقطت اذنه المرهفة كلمات ناعمة ورقيقة يرددها صديقه الشاعر اللبناني جورج جرداق.. وكعادته حينما يستوقف حاسته الموسيقية كلمة أو نغم، فقد طلب من صديقه أن يكرر تلك الكلمات وهو يهز رأسه في إعجاب وشجن".
وقد أكد جورج جرداق ذلك في أكثر من حديث صحفي أجري معه في الفترة نفسها.. حيث قال رداً على سؤال: كيف أعجب عبدالوهاب بقصيدتك ؟! فقال.. طلب عبد الوهاب قصيدة يلحنها لكوكب الشرق، وكنا نجلس في لبنان على شرفة "إمبا سادور".. أمام وادي لامارهتين الشاعر الفرنسي المشهور، وأخذت أدندن بأبيات "هذه ليلتي" فقال لي: كمان يا حبيبي كمان.. ثم حدث بعدها أكثر من اجتماع ثلاثي بيني وبين أم كلثوم وعبد الوهاب..
هذا عن ظروف اللقاء الذي تم فعلاً بين الشاعر و أم كلثوم بواسطة محمد عبد الوهاب.. فماذا عن القصيدة نفسها بعد إجراء التعديلات المطلوبة عليها..؟!
إن كتاب سجل أغنيات أم كلثوم قد نشر لنا هذه القصيدة كما شدت بها كوكب الشرق ونحن هنا ننقلها من ذلك السجل المطبوع. حيث تقول كلماتها:
هذه ليلتي وحلم حياتي
بين ماض من الزمان وآت
الهوى أنت كله والأماني
فاملأ الكأس بالغرام وهات
بعد حين يبدل الحب داراً
والعصافير تهجر الأوكارا
وديار كانت قديما ديارا
سترانا كما نراها قفارا
سوف تلهو بنا الحياة وتسخر
فتعالي أحبك الآن أكثر
والمساء الذي تهادى إلينا
ثم أصغي والحب في مقلتينا
لسؤال عن الهوى وجواب
وحديث يذوب في شفتينا
قد أطال الوقوف حين دعاني
ليلم الأشواق عن أجفاني
فادن مني وخذ إليك حناني
ثم اغمض عينيك حتى تراني
وليكن ليلنا طويلا طويلا
فكثير اللقاء كان قليلا
يا حبيبي طال الهوى ما علينا
لو حملنا الأيام في راحتينا
صدفة أهدت الوجود إلينا
وأتاحت لقاءنا فالتقينا
في بحار تئن فيها الرياح
ضاع فيها المجداف والملاح
كم أذل الفراق منا لقاء
كل ليل إذا التقينا صباح
يا حبيباً قد طال فيها سهادي
وغريبا مسافرا بفؤادي
سهر الشوق في العيون الجميلة
حلم آثر الهوى أم يطيله
وحديث في الحب إن لم نقله
أوشك الصمت حولنا أن يقوله
فيك صمتي وفيك نطقي وهمسي
وغد في هواك يسبق أمسي
هلّ في ليلتي خيال الندامى
والنواسي عانق الخيام
وتساقوا من خاطري الأحلام
وأحبوا واسكروا الأيام
رب من أين للزمان صباه
إن غدونا وصبحه ومساه
إن يرى الحب بعدنا من حداه
نحن ليل الهوى ونحن ضحاه
ملء قلبي شوق وملء كياني
هذه ليلتي فقف يا زمان
******************
ومن أهم ما أجراه الشاعر جورج جرداق على كلمات هذه القصيدة كما أخرنا في الاتصال الهاتفي. وكما اسلفنا من قبل قوله في البيت الأول.
هذه ليلتي.. وهذا العود
بُث فيه سحر ذاود
وقد أصبح بعد التعديل الذي طلبته أم كلثوم:
هذه ليلتي.. وحلم حياتي
بين ماض من الزمان وآت
وكانت صحف هذه الأيام قد أشارت أيضاً إلى قيام جورج جرداق بإجراء هذا التعديل دون أن تشير إليه.. نظراً لحرص الشاعر عن عدم الإفصاح عنه. ومما ذكرته هذه الصحف.. أن أم كلثوم قد أبدت بعض ملاحظاتها من وجهة نظرها على بعض كلمات القصيدة بعد أن عرضها عليها محمد عبدالوهاب..
مما جعله يتصل بالشاعر جورج جرداق في بيروت لكي يحضر إلى القاهرة، لإجراء التعديلات المطلوبة..
كما نشرت صحف هذه الأيام الأبيات التي قام بتعديلها جورج جرداق.. وليس من قبل التعديل.. وجاءت هذه التعديلات مطابقة لما أبلغنا به الشاعر اللبناني في الاتصال التليفوني السابق الإشارة إليه.
وكان علينا وحتى تكتمل الفائدة.. ضرورة الوقوف على بعض الذي نشر عن شاعرنا.. صاحب كلمات قصيدة هذه ليلتي.. ولقد اكتشفنا أن جورج جرداق قد أملاه بنفسه.. لتنشر في موسوعة شعراء العرب الحديثة..
ومما جاء في هذه الموسوعة عن الشاعر اللبناني: أن اسمه بالكامل جورج سمعان جرداق.. من مواليد عام 1931في مرجعيون.. التي درس بها اللغتين العربية والفرنسية ثم انتقل إلى بيروت ليكمل دراسته في الكلية البطريركية.
وقد عمل بعد تخرجه في سلك التعليم ثم في الصحافة، كما كتب ألواناً عديدة من الأدب.. منها المسرح والقصة. كما كتب أكثر من 50قصيدة تغنى بها كبار المطربين والمطربات.
ومن أهم أعماله الشعرية: ديوان أنا شرقية - بوهيمية - آلهة الأولمبا وقصائد حب.. كما نشرت له عدة أعمال أدبية وفكرية أخرى من أهمها: كتابه عليّ وحقوق الإنسان والعرب والإسلام في الشعر الأوروبي، كما أن له عدة دراسات كتبت بالفارسية والعربية.
7- محمد إقبال
شاعر من باكستان
رغم أن إقدام سيدة القصيدة العربية أم كلثوم على غناء كلمات من قصيدتين كبيرتين للشاعر الباكستاني محمد إقبال، قد تم تكريماً له في الاحتفال الذي أقامته بلاده في ذكراه عام , 1967.إلا أن قيام أم كلثوم بتلك الخطوة يعد في حد ذاته إتماما للخطوات التالية التي خطتها بفهم عميق.. خاصة في مجال القصائد العربية.
هذه الخطوة المهمة التي تمثلت في واقع الأمر في فتح باب التعامل بالنسبة لصوتها شعراء من خارج البلدان العربية، وكان الفيلسوف الباكستاني محمد اقبال على رأس هؤلاء الشعراء الذين تعاملت مع كلماتهم أم كلثوم في هذا السياق في العصر الحديث. حيث لم تكن هذه هي التجربة الأولى لكوكب الشرق بل سبقتها تجربة أخرى في مجال شعر التراث.
إذ تغنت بكلمات إحدى قصائد الشاعر الفارسي المشهور عمر الخيام.. من بعد ترجمتها إلى العربية.
لكن من أهم ما لاحظناه هنا خاصة بالنسبة للفروق هو أن أم كلثوم قد احتفظت باسم الشاعر الفارسي عمر الخيام مقروناً باسم المترجم وهو الشاعر أحمد رامي.
أما في حالة محمد إقبال احتفظت أم كلثوم فقط باسم المؤلف الأصلي لما تغنت به وأهملت اسم المترجم!! وقد كتبت الأولى بالفارسية و الثانية بالأوربية.
وجاء هذا الاكتشاف مواكباً لرجوعنا إلى كل كتب محمد إقبال سواء أعماله الكاملة أو المنقول من مختارات مترجمة إلى اللغة العربية!..
ففي كتاب "إيوان إقبال".. والذي صدر بمناسبة الاحتفال بذكرى رحيله.. عثرنا على القصيدتين اللتين اختارت منهما أم كلثوم كلمات اغنيتها "حديث الروح" وقد أعد هذا الكتاب مترجماً إلى العربية الأديب "الصاوي شعلان".
ولقد رأينا من قبل الإفصاح عن المزيد من هذه المفارقات ضرورة اتباع نفس منهجنا السابق والذي يلزمنا أولاً بالحديث عن اغنية أم كلثوم.. ثم مضاهاة كلمات هذه الأغنية بما كتبه ونشره الشاعر في ديوانه.
ففي أول حفل غنائي تقيمه أم كلثوم من بعد وفاة الملحن الكبير محمد القصبجي وفي 7أبريل من عام 1967، غنت كوكب الشرق قصيدة "حديث الروح" للشاعر الباكستاني الفيلسوف الدكتور محمد إقبال.. وهي مكونة من سبعة مقاطع كبيرة، وكل مقطع منهم تتراوح أبياته عدداً ما بين أربعة وخمسة أبيات.. وتقول كلمات هذه القصيدة:
حديث الروح للأرواح يسري
وتدركه القلوب بلا عناد
هتفت به فطار بلا جناح
وشق أنينه صدر الفضاء
ومعدنه ترابي ولكن
جرت في لفظه لغة السماء
لقد فاضت دموع العشق مني
حديثاً كان علوي النداء
فحلق في ربا الأفلاك حتى
أهاج العالم الأعلى بكائي
*************
تحاورت النجوم وقلن صوت
بقرب العرش موصول الدعاء
وجاوبت المجرة علّ طيفاً
سري بين الكواكب في خفاء
وقال البدر هذا قلب شاك
يواصل شدوه عند المساء
ولم يعرف سوى رضوان صوتي
وما احراه عندي بالوفاء
**************
شكواي أم نجواي في هذا الدجى
ونجوم ليلى حُسدي أم عودي
أمسيت في الماضي أعيش كأنما
قطع الزمان طريق أمسي عن غدي
والطير صادحة على آفاقها
تبكي الربى بأنينها المتجدد
قد طال تسهيدي وطال نشيدها
ومدامعي كالطل في الغصن الندى
فإلى متى صمتي كأني زهرة
خرساء لم ترزق براعة منشد
**************
قيثارتي ملأى بأنات الجوى
لابد للمكبوت من فيضان
صعدت إلى شفتي خواطر مهجتي
ليبين عنها منطقي ولساني
أنا ما تعديت القناعة والرضا
لكنها هي قصة الأشجان
يشكو لك اللهم قلب لم يعش
إلا لحمد علاك في الأكوان
*************
من كان يهتف باسم ذاتك قبلنا
من كان يدعو الواحد القهارا
عبدوا الكواكب والنجوم جهالة
لم يبلغوا من هديها أنوارا
هل أعلن التوحيد راع قبلنا
وهدى القلوب إليك والأنظارا
ندعو جهاراً لا إله سوى الذي
صنع الوجود وقدر الأقدارا
*************
إذا الإيمان ضاع فلا أمان
ولا دنيا لمن لم يحيي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين
فقد جعل الفناء لها قرينا
وفي التوحيد للهمم اتحاد
ولن تبنوا العلا متفرقينا
*************
ألم يبعث لأمتكـم نـبي
يوحدكم على نهج الوئام
ومصحفكم وقبلتكم جميعاً
منـار للأخوة والسلام
وفوق كل رحمن رحيم
إله واحـد رب الأنـام
وفي الكتاب المشار إليه آنفاً والذي ترجمه الأديب الشيخ الصاوي شعلان عثرنا على هذه الكلمات وقد اختارتها أم كلثوم من قصيدتين نشرهما الشاعر محمد إقبال في ديوانه "صلصلة الجرس".. نشرت تحت عنوان "شكوت إلى الله"..
ثم توالت بعد ذلك التعديلات الكبيرة في هذا الجزء من القصيدة.. على خلاف ما كتبه الشاعر إقبال.. إذ أهملت أم كلثوم خمسة مقاطع منها..
ومن المقطع السادس اختارت ثلاثة أبيات فقط وهي التي تقول في بدايتها:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان..
ولا دنيا لمن لم يحيي دينا
وقد وضعت أبيات هذا المقطع وفق الترتيب العام لما غنته في المقطع قبل الأخير.. كما أنها أهملت بيتين كتبهما المؤلف في المقطع نفسه.. وهما اللذان يقول فيهما محمد إقبال:
لقد ذهب الوفاء فلا وفاء
وكيف ينال عهدي الظالمينا
تساندت الكواكب فاستقرت
ولولا الجاذبية ما بقينا
ثم أهملت كوكب الشرق ثلاثة مقاطع أخرى.. ومن المقطع العاشر.. اختارت ثلاثة أبيات اختتمت بهم ما غنته من كلمات..
هذا بالنسبة لما حدث للقصيدة الأولى.. أما القصيدة الثانية التي نشرت بالديوان تحت عنوان "الشكوى إلى الله"، فقد اختارت منها أم كلثوم عدة أبيات ضمنتها عدة مقاطع. لكن الملاحظ في هذا الجزء أنها حافظت على الترتيب العام الذي ارتضاه الشاعر، مع إضافة بعض التعديلات التي أدخلتها على الكلمات حتى تتوافق مع الألحان. أما كلمات هذا الجزء من القصيدة الثانية فهو الذي يبدأ بقول الشاعر:
شكواي أم نجواي في هذا الدجى
ونجوم ليل حسدي أم عودي
وفى المقطع الثاني من القصيدة والذي احتل المقطع الرابع فيما غنته أم كلثوم والذي تقول في مطلعه:
قيثارتي ملئت بأنات الجوى
فقد أهملت منه البيت الثاني والذي يقول فيه محمد إقبال:
أشكو وفي فمي التراب وإنما
أشكو مصاب الدين للديان
كما احتل المقطع الثالث من الأغنية المقطع الرابع من القصيدة.. وهو الذي تقول في مطلعه أم كلثوم:
من كان يهتف باسم ذاتك قبلنا
وقد غيرت فيه بعض الكلمات فاختارت كلمة "من كان" بدلا من كلمة "من قام".. كما أهملت البيت الذي يقول فيه الشاعر:
عبدوا تماثيل الصخور وقدسوا
من دونك الأحجار والأشجارا
والشاعر محمد إقبال كما هو معروف لنا.. يعد من شعراء الإسلام المعاصرين وقد تحدث عن مشوار حياته العديد من المؤرخين والنقاد وأساتذة الجامعات سواء في مصر أو في غيرها، وقد أفردوا له ولحياته الصفحات الكثيرة.. حتى أن أستاذاً جامعياً متخصصا في الفلسفة الحديثة كتب عنه فصلاً كاملاً باعتباره أحد رواد العقل والتنوير في الفكر العربي والإسلامي الحديث، حيث قال عنه الدكتور عاطف العراقي: لقد بحث محمد إقبال في العديد من القضايا الفكرية والأدبية والفنية، ويمكننا القول بأن فكر محمد إقبال يعد من نوع الفكر المفتوح وليس من طراز الفكر المغلق الجامد.. لقد وضع لنفسه وللمسلمين فلسفة أخذها من صميم عقيدته، ولكن على أساس النظر إلى القصيدة من خلال العمل والسلوك.
ولد الشاعر والفيلسوف الدكتور محمد إقبال في عام 1873في "سيالكوت" بالبنجاب.. من أسرة برهمية الأصل اعتنقت الإسلام منذ ثلاثة قرون وهاجرت من موطنها كشمير واتخذت من إقليم البنجاب وطناً جديداً استقرت فيه. ولقد بدأ إقبال مراحل تعليمه الأولى فبدت عليه آفاق النبوغ وسمات الذكاء فكان يتفوق على زملائه آنذاك، ويفوز بالجوائز العلمية في كلية الحكومة "لاهور" حيث تلقى هناك تعليمه مبادئ الفلسفة، وما أن أتم تعليمه في هذه الكلية حتى اختير لتدريس الفلسفة بها.
وأما الشعر فقد بدأ إقبال ينشده في سن مبكرة. وله عدة مؤلفات في العديد من مجالات الفكر والأدب.
(ينشر بترتيب مع وكالة الأهرام للصحافة)
|
|
|