عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 07 November 2002 No. 12557 Year 38

الخميس 02 رمضان 1423العدد 12557 السنة 38

  قصة قصيرة .. أحوال شخصية

محمد الأحمد

-  1-
* بعدما لفظت لها كلمة حريتها، نظرت إلى عيني بقسوة غليلة.. لم تكشفها لي، طيلة السنوات السبع التي عاشتها في كنفي، كالغارز خنجره المسموم، غيلة في ظهرها، رغم أني عانيت صعوبة بالنطق، من بعد تأخر دام دقائق. زلزلت الأرض من تحت قدمي، وراحت ركبتاي ترتجفان، وكأنهما غير قادرتين على حملي، وثمة غشاوة بلون بنفسجي، حجبت الميزان الذهبي المبروز بإطار خشبي فاره، وعينين واثقتين من خلف مكتب أنيق، صار يدور كصحن طائر من حول نفسه، ومن ثم أخذت الأشياء تدور معه، فأوشك أن يبتلع كل ما في محوره كما سورة ماء، تداخلت أجساد الآخرين بالأشياء من حولي، وباتت كأطياف مغشوشة، وثقل لساني في إخراج تلك اللفظة، التي كنت أهابها كرجل، أكثر من أي رجل آخر، كأنها أثقل كلمة، ألفظها. بقيتُ انظر الى تلك الحروف، الدامية، وكأنها شريط طويل استخرج من داخلي، ومعه كل أحشائي، لو لم تكن الكلمة الفاصلة التي كانت تطلبها مني، لما نطقت  بها، نظر القاضي إلي، بعطف، أوشك أن يؤجل النظر في هذه القضية.. أخذني منه ومن الآخرين الحرج إلى درجة التضاؤل.. إلى الحد الذي وصل بي أن لا أنظر الى أحد من الذين أمامي، كأني كنت موشكاً على التقيؤ:
- انتهى الأمر!
قال القاضي رادماً للهوة السحيقة التي كادت أن تبتلعني..
- صارت محرمة عليك بعد الآن!.
تداخلت دوائر الدخان في الغرفة المغلقة، وصارت أعتم الغرف، على الإطلاق، مثل قبو عميق لم تطله الشمس. صعبت علي الرؤية، لم أكن مقيداً، ولكني كنت كالمشلول مقيد بألف قيد، كأن سورة عاصفة تلفني، وجعلتني أثق بأن قدميّ لن تصمدا في إكمال المشوار، قبل أن يمضي القاضي الأوراق التي بين يديه، ثم قال:
- لا حول ولا قوة إلا بالله.
وحول رأسه الكبيرة إلى المحامي الأصلع الذي همس في أذنه بضع كلمات، مشيراً برأسه إلى المرأة التي أخذت تجهش بكاء مرّا، وكأن الأمر قد حدث عليها قسراً، قال لها بتوبيخ شديد:
- ألم تكن رغبتك؟
أومأت بالإيجاب، فأردف مبدياً عدم تسامحه معها.
- عليك التزام عدتك.
هزت رأسها مغالية، بعنادها، وراح بكاؤها يجلجل بشهقات أنثى تودّ تفتيت صخرة جثمت على صدرها، ومنعتها من مواصلة تنفسها.. أخذت الهمهمة الاحتجاجية في من حولي تسكن، وكان الغبار الذي تصاعد من الاحتدام المغبر، قد اخذ النزول الى استقراره. احد الشهود اوشك ان يعصف بي، قبل الدقائق الاخيرة، وكاد ان يغير الجهات جميعها، لكن المحامي الذي اوكلته للدفاع عني، تدارك أمره بفطنته، ودفعه جانبا كأنه ألجمه، وهو يتناول نسخة ورقة القرار الأخير، من يد القاضي..
ثم وجّه كلامه إليّ:
- من كان يراها وهي تطاردك لأجل الطلاق.. لن يصدق بكاءها الآن ندماً.
أضاف بتنهده غيمه: - سبحان مغير الأحوال!.
استقرت أنفاسي تدريجياً، ورحت أخاف النظر إليها، إذ صار عندي شعور عميق بأني آخر مرة أراها فيها، دفعني ذلك بأن اخرج من غرفة القاضي، دون إذنه، متمنيا ان اصحو من كابوس قاهر، وكان مثل لج عات، اضطرم في داخلي، جعلني متعثر الخطى.. هارباً نحو بيتي، وان افرغ ما احتدم على رأسي من أهوال متتالية.
بقيت انظر الى الموجودين، ثلاثة شهود بدلاً من شاهدين، ولا تربطني بأي منهم اي صلة. محام اصلع عنها، وآخر بدينا ظهر من بين تلافيف الحائط، تفوح منه رائحة الثوم. بواب نصف أعمى، له صوت سمسار، يملأ الفراغ الذي بين القاضي، والباب المواجه، المغلقة، التي تعالت من ورائها اصوات متداخلة بالشتائم، وتبادل التهم بين الزوجات، وأزواجهن. البواب الآخر تعودت يداه على اختطاف (البقشيش) من الكاسبين قضاياهم، بقي هو الآخر ملجماً، ولم يبهره من القضية إلا خريطة الأسى التي كست ملامحي عجالة.

2صباح أمس استقدمت الزوجة، المختار، ومعه ثلاثة رجال من الشرطة، بصحبة مأمورين من المحكمة، لكي يكسروا باب البيت، الذي كانت تعيش فيه، ويدخلوه لجرد أثاثه، وكان محاميها محتاطا لأمره، فطلب من القاضي أن يوجه إشعارا إلي، بواسطة مركز الشرطة، وتم لهم ذلك بعد أن اخذوا مني تعهداً خطياً بالحضور رغماً من أي ظرف طارئ.. لكن القفل الذي انكرت توفر مفتاحه، استعصي عليهم، وتأجل العمل الى اليوم التالي، ولما تحق كل ذلك، قررت أن ابدأ خطوتي، عند أول المساء.

3مشيت خارجاً مع المحامي الى موظفة التسجيل لغرض ختم الورقة، وتصديقها، وبقي المحامي، لا يود الافتراق عني، ومتوالياً بالكلمات:
- لي نسبة 10% من ثمن محتويات الأثاث.. إضافة على بقية مبلغ الأتعاب؟
أوشكت ان ابصق في وجهه، ولكني أجلتها الى وقت آخر..

4ففي المساء البارح كنت اعرف تماما ما يكون علي فعله، ومضيت اطلبها بالهاتف، ودون ان انطق بحرف واحد، شغلت لها شريطا، كنت احتفظ به، وبقي صوتها يهدر، باعتراف يفيض بالإثم.

5لم تحتمل عيني قسوة الأشعة. صارت تحفر في عيني حفراً عميقا، وأنا بين اللحظة والأخرى استخرج الورقة، وأعيد قراءتها مرات، ومرات؛ أسائل نفسي ان كان المكان الذي شهد قصة حبنا، ذاته، يشهد نزاع فراقنا.. امشي متكدراً غير عابئ بالسيارات التي تمرق بالقرب مني، وكادت إحداهن أن تدهسني، تنبهت إلى صوت الكابح الحاد الذي أيقظني بروع كاد أن يساوي الروع الذي في داخلي.

6وبعد ذلك قلت بصوت واضح:-
- اتلف الشريط مقابل التنازل؟.

7لم أشأ أن أذهب الى بيتي منكسراً ساعة خروجي من المحكمة، كأني أرفض تصديق ما حدث، والصور الماضية تترى، وتتدفق .. كان بكاؤها المفتعل مراً، وشيطانياً، كاد أن يطيح بي في اللحظة التي احتاج فيها إلى ايضاح ما، إذ بدت لي تلك الأغوار الغميمة، عصية. فمن يفسرها؟ كأنها مشحونة بالتعارض، والتوافق.. بعمقها، وإحساسها، وإلا كيف نزل كل ذلك البكاء الحارق، وظل عالقاً في ذهني يهزني هزاً عنيفاً من الداخل، وأنا غير مصدق، كأني ما فهمت شيئاً من كل الذي يحدث، وما جرى عليّ لم يكن إلا كابوساً، قاهراً، يحتاج إلى تفسير، ولو لم أكن قد كسبت الجولة الأخيرة، لما بقي عندي مكان يلمني، ولضاع مني كل ما بنيت به طوال تلك السنوات.. كادت الريح أن تطيح بي، وان تدفع بي الى المهلكة، وما علي الآن إلا ان ابدأ من جديد، وأفرغ من كل تلك الكثبان التي صبتها الريح أمام خطواتي.

8في الصباح الباكر، وقبل أن اترك البيت إلى المحكمة، وصلني جوابها المرغم:
- لك ما تريد!
وأضافت:
- ارجو أن تلتزم بوعدك!؟

9رحت أمسح دموعي، التي كانت تفيض كلما اقتربت من البيت.. وبقيت أمشي حوله، دون توقف، لا أجد جرأة في الدخول فيه، وحدي. والأسى يمزق بيّ إرباً إرباً.

al-ahmed@uruklink.net




 

بقية المواضيع

سلمى الخضراء الجيوسي لـ"الرياض": لقد كان للقص العربي تأثير كبير على القص في الغرب
هذه الكتابة... إلى من ننسبها؟
كلاسيكيّون وجدد (الجزءالأول)
قراءة في قصيدة "عروس الوطن"
الحقل اللغوي: تَرِكة وُزِّعت على غير الورثة
من قتل المتنبي؟
460 متخصصاً من  17دولة عربية يشاركون في المؤتمر (أعلم)
الكاتب جمال إسماعيل يرسم وجه الغربة وتجارب البشر .. في "حكايات السَّفر"
صور من حب الإبل في الشعر الشعبي
نحو التفكير في الصداقة
للوسم أربعة طوالع، ومطره جدير بإنبات الكمأة ونباته يختلف عن غيره
البارودي أعلن زواجه من نجوى سالم بعد وفاتها ومصطفى أمين اقترن شادية.. ثم بأم كلثوم!
المستعرب الألماني (بيتر توراو)  يرد الاعتبار للظاهر بيبرس القائد العسكري والسياسي
في الأدب العربي الحديث
سليمان فياض يكشف ملامح أزمة القص الراهنة!!
النزعة الإنسانية في شعر  سيف الرحبي
قصة قصيرة .. أحوال شخصية
ديوان البدراني عمل  ادبي  مميز  يعد اضافة للمكتبة الشعبية
العزا بشيخنا أمير نجد
مرزوق الغامدي: لن أشارك بالقنوات الفضائية لأن مفاهيمهم خاطئة
ثامر التركي ما بين "خليج الكبرياء" والألبوم الأول
24مصوراً يشاركون في المعرض الثاني للتصوير الضوئي
استمرار عرض "فارس بلا جواد" رغم الحملة الصهيونية العالمية
اللقاء التداولي الخليجي يقرر إصدار مجلة تشكيلية
قصة قصيرة.. رجل
 
 

 

 

[ ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض