عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 07 November 2002 No. 12557 Year 38

الخميس 02 رمضان 1423العدد 12557 السنة 38

  النزعة الإنسانية في شعر  سيف الرحبي

عبداللطيف أرناؤوط

عندما اقرأ الشعر الحديث خلال إصدارات شعراء الحداثة في الوطن العربي، أتهيّب وأتوجس، وتداخلني خشية عدم التواصل بيني وبين الشاعر، وكثيراً ما ألتمس العذر له فأعزو القصور إليّ، وتستفزني هذه القطيعة أحياناً للغموض الذي يكتنف النص، وقد يستفزني أكثر أن كثيراً من الشعراء الذين يريدون أن يلجوا أعماقي باللمح، ولا يملكون الرؤية ولا القدرة على تجسيدها بالكلمة،  فأطرح القصائد جانباً، ويكون الطلاق المؤلم بيني وبين الشاعر بعد "حوار الطرشان" الذي لا بد من حسمه.
إلا أن الشاعر "سيف الرحبي" من سلطنة عمان، لفت انتباهي وأنا أتابع قصائد مجموعته الشعرية "مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور واحد"* فرض عليَّ أن أقرأ قصائده باهتمام وتمثل.. فقد لمست فيها رؤية إنسانية واضحة، يُحسن التعبيرعنها وتسريبها إلى النفس، مهما كانت غامضة.
عندما نقرأ "سيف الرحبي" نحس أننا أمام شاعر مثقف اختزن تجارب الشعر الغربي الحديث، وقرأ نتاج أعلامه، وبنى رؤيته على حقيقة عبّر عنها الشاعر الفرنسي "انتونين آرتو" إذ يقول: "ما أقسى شعور الإنسان بعدم وجوده في مكان ما".
تدورقصائد الشاعر "الرحبي" حول صورة ميتافيزيقية لرؤيته بعد ما فقد معنى وجوده، فقد الإيمان بالتقدم والعقل، وكل معطيات العصر، ووقف وجهاً لوجه أمام وجدانه العاجزعن فهم عبثية الوجود كإنسان، منطلقاً مع الوجوديين، فجاء شعره من طبية ميتافيزيقية  خالصة، ورؤيته صريحة وعميقة لرفضها كل معطيات الوجود.
الشاعر سيف الرحبي لم يتزم رؤيته على صعيد الشعر فحسب، بل التزمها على صعيد التجربة الإنسانية. وقد أمضى حياته متغرباً بين البلدان لا يقر ولا يطمئن. فكانت حياته تعبيراً صادقاً عن قلقه الداخلي واحساسه بأنه ليس من هذا العالم الذي يعيش فيه، فهو أقرب ما يكون إلى المراقب الرافض، يتحدث عن نفسه فيمحي بُعده الإنساني أمام تلك النفس الشعرية التي تقمصها، ويفرض احترامه علينا في صدق تجربته الشعرية، إلا أن ذلك الرفض من الشاعر لكل ما تواضع عليه عصرنا ليس رفضاً لإنسانية الإنسان بل دفاعاً عن مواجهة القهر والامتهان، إنه مثل "سارتر، وكامو" يتقدم بشكوى العالم الماثل، ويلتمس سبباً يسوّغ لنا معنى الحياة. ففي قصيدته "المياه البعيدة" عبّر عن ذلك الغثيان الذي ينتابه في مواجهة العالم والهرب منه:
في المرايا الداكنة لمياه بعيدة
يحلّق طير الرغبة خلف أفق مسدود
كأنما جئت إلى سفر قبل الولادة
ربما ... في مقهى
أرقب العالم من وراء الزجاج
صفرة المغيب
بقايا صداع من سهرة الأمس
سأطفئه بسهرة اليوم
ولا ألوي على شيء
@
وقد تبحث في ثنايا شعره عن سرّ استغراقه في ذلك الرفض والعدمية، فيرّدك إلى طفولته وشبابه، يوم كان مشاركاً في صنع هذا العالم منسجماً معه .. فلم يجد فيه إلا الاضطهاد والبؤس اللذين حفرا ذكريات مرّة في نفسه:
عليك أن تبيع أمتعةبيتك
لتحصل على قهوة الصباح
عدا حذاء ممزق "يفركش" ليل المدن
كيف كنت ملاحقاً بفزاعة الفقر والفرسيين
وبنات آوى
في القاهرة ودمشق، في بيروت
والجزائر وصوفيا وباريس... الخ
@
وترده الذكريات إلى طفولته يوم كان يجد في أدق الوقائع مسوغاً لوجوده:
أيتها الأم النائمة على الإسمنت العاري
بين ركام الخيش والملابس المبعثرة
كشواهد قرية
سحلتها الصواعق
لم تعد تصغي لصياح الديكة
أو نجلب السمك من الساحل
البئر الذي ودعتني منه لأول مرة
منذ سبعة عشر عاماً
"لا تغب عنا كثيراً"
خطوة واحدة فجّرت فلك الأميال
واسترسلت في هذيان المجرّات
@
الهرب من الوجود هو تخل عن رسالة الحياة، لكن الموقف رسالة موجهة إلى العالم، تدين ما فيه من ظلم وترفض أن نقبل بالوجود  ونسلّم بما فيه، وهي دعوة لتحرير الإنسان والارتقاء بحياته ليكون لها ذلك المغزى السامي للوجود. إن "غثيان" الشاعر لا يتجاوز غثيان سارتر في مرحلته الأولى، إظهار الكون كما هو واختباره كواقع معيش. إن وجود العالم والإنسان باطل، ومن المناسب ألا يكون، إلا  أن الشعر لا يعدم أملاً في التغيير، ولو أنه لا يعرف من أين يبدأ:
أيها الأصدقاء الموزعون في الجهات الخمس
في هذا اليوم
عليّ أن أفرغ رأسي من شمسكم اللاهبة
صباح مخطوف منذ البداية
عمر مُصادر
أصواتكم تحرق خرائب المدن
يعبث الدوار اليومي
وتحرث أرخبيل السنين
عليّ  أن أبدأ
أبدأ ماذا
@
وحيرته مسوّغة أمام قسوة عالمنا الذي يموت فيه الأطفال تحت أقدام الهمجية:
ليس أمامك غير هذه النافذة الي يطل منها الأطفال
نحو حرب جديدة
غير هذا الأفق الذي يسقط
بين قدميك
مغمياً عليه
@
وتتمثل له الإنسانية خلال تاريخها الطويل سلسلة من الاضطهادات والمظالم والإرهاب، منذ طفولته وممارسات أبيه التربوية الصارمة:
يبزغ خوفي القديم
من هبوب الخطوة الأولى
من جلال الأمومة وبطش الأبوة
مُلاحقاً بحشود الأقدام والوجوه
والمصائر
منذ عاد وحتى شفق الذَرّة..
سزحمل الأرض ومَنء عليها
كليلة حبّ تهرب من كفي
وأعيش صباح يوم آخر
@
ويراوده الحنين إلى براءة طفولته في بيت أهله القديم، فيصفه برؤية فنان مبدع، وتختلط في وصفه انطباعات الحواس الحارة والمؤثرة:
الجرار ما تزال بمكانها تستنطق الزوايا
والمياه تغلي في المواقد
القطيع عاد من السرح عدا النعجة
التي أكلها الذئب
السروج والبنادق معلقة على الجدران
وكأنها في مأتم
غداً عيد الأضحى
والأطفال نسوا شراء الجوارب
أو غسل أرجلهم قبل النوم
غيوم بيضاء تزئر سماء القرية
وتصحب المسافرين إلى قراهم البعيدة
@
هكذا يبدو منسجماً مع العالم يوم كان طفلاً، فهو يحن إلى ذلك الماضي قبل أن يحدث الشرخ بينه وبين نفسه، فيضرب في دنيا الاغتراب بلا هدف:
ها قد وصلنا إلى آخرالأرض
مبعثرين أوراقنا في الريح
المسافر ينتحب تحت قدم الصحراء
والذكريات طواها النسيان
@
ونلاحظ أن الشاعر سيف الرحبي يلتقي بعض الشعراء العالميين في رؤيته ونهجه الشعري، فهو يقترب من  "آرتو" في رفضه للوضع البشري، وإظهار ذاته في شعره، وسعيه إلي تطويع اللغة للتعبير عن أدق خلجات النفس، والشعور بعدم وجوده في مكان ما، وتطويع اللغة لغنائية حسية تقدم شهادتها عن العالم بصرخات عالية جارحة تهزنا في الأعماق، وتثقلها الصور المبتكرة..
ولعل أجمل ما في قصائده قدرته الفائقة على تصوير إحساسه الداخلي في لمحات شعرية  وخلال رؤية مكثفة لا تتجاوز فيها القصيدة المقطع القصير أو المقطعين، ونادراً ما تطول حين تعبّر عن موقف إنساني عميق يتصل بنظرته إلى الحياة.. كما نلاحظ أن الشاعر استمد عنوان مجموعته من آخر قصيدة فيه وعنوانها "خريف" يقول فيها:
وحيداً بين طيور الغابة
تبعثر ريش الخريف
تحدق إلى برك آسنة
ترى فيها صورتك قبل عشرة قرون
جندياً على نهر الأمازون
أو في معبد بوذي بآسيا
جائعاً
لكنك تفكر:
ان مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور
@
أجل .. مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، فنحن عصافير غابة هذا الكون المفعم بالظلم الإنساني، لكننا لاهون عن الصياد.. والشاعر وحده الذي يتساءل عن معنى لوجوده المستلب لا ليكون فيلسوفاً بل لينبهنا على عمق مأساتنا الإنسانية.

* مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور .. مجموعة شعرية للشاعر سيف الرحبي، منشورات اتحاد كُتّاب وأدباء الإمارات .. في (58) صفحة من القطع المتوسط.




 

بقية المواضيع

سلمى الخضراء الجيوسي لـ"الرياض": لقد كان للقص العربي تأثير كبير على القص في الغرب
هذه الكتابة... إلى من ننسبها؟
كلاسيكيّون وجدد (الجزءالأول)
قراءة في قصيدة "عروس الوطن"
الحقل اللغوي: تَرِكة وُزِّعت على غير الورثة
من قتل المتنبي؟
460 متخصصاً من  17دولة عربية يشاركون في المؤتمر (أعلم)
الكاتب جمال إسماعيل يرسم وجه الغربة وتجارب البشر .. في "حكايات السَّفر"
صور من حب الإبل في الشعر الشعبي
نحو التفكير في الصداقة
للوسم أربعة طوالع، ومطره جدير بإنبات الكمأة ونباته يختلف عن غيره
البارودي أعلن زواجه من نجوى سالم بعد وفاتها ومصطفى أمين اقترن شادية.. ثم بأم كلثوم!
المستعرب الألماني (بيتر توراو)  يرد الاعتبار للظاهر بيبرس القائد العسكري والسياسي
في الأدب العربي الحديث
سليمان فياض يكشف ملامح أزمة القص الراهنة!!
النزعة الإنسانية في شعر  سيف الرحبي
قصة قصيرة .. أحوال شخصية
ديوان البدراني عمل  ادبي  مميز  يعد اضافة للمكتبة الشعبية
العزا بشيخنا أمير نجد
مرزوق الغامدي: لن أشارك بالقنوات الفضائية لأن مفاهيمهم خاطئة
ثامر التركي ما بين "خليج الكبرياء" والألبوم الأول
24مصوراً يشاركون في المعرض الثاني للتصوير الضوئي
استمرار عرض "فارس بلا جواد" رغم الحملة الصهيونية العالمية
اللقاء التداولي الخليجي يقرر إصدار مجلة تشكيلية
قصة قصيرة.. رجل
 
 

 

 

[ ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض