عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 07 November 2002 No. 12557 Year 38

الخميس 02 رمضان 1423العدد 12557 السنة 38

  كلاسيكيّون وجدد (الجزءالأول)

محمد علي شمس الدين

الأرجح أن يُربط التطور في الفنون، وبالشعر خاصة، بتطور المدينة. والمدينة هنا هي المشتقة من "المدنية"، أي التطور الاجتماعي بمجمله، من البدائية للعصر الرعوي فالعصر الزراعي فالصناعي فالحديث فما بعد الحداثة. وهذا الانتقال في تاريخ البشرية من طور لآخر، رافقه بالضرورة انتقال الفنون والمعارف والأفكار من طور لآخر. إلا أن العلاقة بين الأزمنة، ليست دائماً علاقة هادئة، بل لعل الذي يسود في الكثير من الأوقات هو عنف الانتقال. ذلك ما حققه الشاعر الفرنسي شارل بودلين في سيرته السياسية والإبداعية  من خلال مواقفه السياسية الضيقة في رموز الثورة الفرنسية ومبادئها ومن خلال عثوره على صيغة نثرية للشعر. وقد اقتربت فكرة الصراع في الفن من الرسامين والشعراء مع مطالع القرن العشرين على أيدي فئة من التيار المستقبلي في الفن، عُرف في البداية في روسيا، على أيدي الثلاثي الشعري الشهير فلاديمير ماياكوفسكي ولرمنتوف وبرليوك، وانتقلت الفكرة من بعد ذلك إلى ايطاليا ففرنسا فسائر أوروبا ثم انتشرت حتى عمّت العالم. ونستطيع أن نلخصها بجواب لماياكوفسكي أجاب به سائله: لماذا لا تستفيد من الرومانسية وتدخل في قصائدك عناصر منها؟ .. قال: ما حاجتي لأن أطعّم جسد ق
صائدي الحي بساق ميتة؟
ودلالة جملة ماياكوفسكي هي أنّ قصائده المستقبلية الحية، ليست بحاجة للرومانسية الميتة... فزمن المستقبلية في الشعر ألغى تماماً زمن الرومانسية السابق عليه، بل قتله.
وكان المستقبليون يميلون إلى الغرائبية في المشاهد واستتعمالات اللغة، ويفجّرون الواقع واللغة معاً بكل ما هو مثير واستفزازي في وقت واحد، يصخبون في المقاهي والأماكن العامة، ويتبعون سلوكاً استفزازياً أو مضحكاً في هيئاتهم وحركاتهم، كأن يطلي أحدهم وجهه بالأصباغ، أو يستعمل مسدساً مائياً يشهره على أحد المارة في الشارع، وحين يرتجف الرجل من خوفه يقول له صاحب المسدس المموه: هل تسمح بأن تشعل لي سيجارة؟
وبالغوا كثيراً في هذه الألاعيب والإثارات البالغة حدود الصبيانية أحياناً.. فاعتبروا ان الشعر محض إثارة.
فكرة الصراع بلا هوادة، الصراع حتى الموت، بين المستقبلية والرومانسية انتقلت من المستقبليين للدادائيين، ومن ثم للسرياليين، الذين دفعوا  بالصراع إلى آخرمدي، بلا مهادنة أو تحفظ. وشمل إلغاء السرياليين لمن سبقهم كل المدارس والأجيال والأفكار. لم يكونوا ليؤمنوا بزمن مدوّر في الفن بل بزمن إلغائي مبرم، والعنف التدميري الذي مارسوه على الأوائل وحتى الأواخر، يتجلى في أكثر من موقف وحادثة وتعبير. فعلى الرغم من أن تريستيان تزارا على  سبيل المثال، كان مؤسساً للدادائية التي مهدت للسريالية، فإن صديقه السريالي أندريه بريتون طرده من حلقته، واعتبره متخلفاً عن السريالية. والحملات الأكثر عنفاً شنها السرياليون علي الكلاسيكية والرومانسية. ومن هو رمز الكلاسيكية في الشعر الفرنسي، على امتداد الأزمنة؟ إنه بل منازع فيكتور هوغو الذي لاتزال فرنسا حتى اليوم تعتبره ملك الشعر الفرنسي. كما يعتبر العرب المتنبي سيد شعرهم. فقد خصصت له الدوائر الرسمية والثقافية والتربوية في فرنسا العام  2000بكامله، وسمي العام الثقافي ذاك سنة فيكتور هوغو. إنّ هوغو كان أكبر ضحية من ضحايا السرياليين الفرنسيين والهجوم الكاسح عليه انصّب  من أكثر من زاوية. لم يعدم من بين
غلاة  السرياليين ذوي السلوك الاستفزازي اللاأخلاقي من يذهب ليبول على قبره. وانبرى أكبر المسرحيين السرياليين في حينه، أوجين يونسكو صاحب "الكراسي" و"المغنية الصلعاء". لشن سلسلة من الهجائيات بحق هوغو، سماها "هوغوليات" كان في اعتقادهم أنه لا في الشعر ولا في المسرح ولا الرواية ولا أي فن من الفنون، تستطيع الأجيال والمدارس أن تتعايش، بل قدرها أن تتناهش، وعقدتها أوديبية بامتياز، فلكي يعيش الابن، كان لا بد له من أن يقتل أباه، ويتزوج أمه. هكذا قال لنا سوفوكل في مسرحيته الخالدة "أوديب ملكاً".
ستنتقل هذه الصراعات، والأفكار، جزئياً أو كلياً إلى الثقافة العربية، منذ أواسط القرن التاسع عشر، من خلال الاحتكاك الاستعماري والثقافي بين الغرب والشرق. وستشتد وطأة تأثر الشعراء والفنانين العرب بإبداع الحداثة الغربية، في أواسط القرن العشرين، حيث بدأت تظهر البوادر الطليعية لشعر الحداثة العربية منذ خمسينات القرن الماضي في العراق ولبنان ومصر وسوريا في وقت واحد أو متقارب، فطلعت فجأة أسماء بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبدالوهاب البياتي (في العراق) وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطي حجازي (في مصر)، وأدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وشوقي أبي شقرا (في بلاد الشام) وتوفيق صايغ وجبرا إبراهيم جبرا، كشاعرين في فلسطين، مقيمين خارج أرضهما: جبرا في العراق وصايغ في لبنان.. لا ننسى خليل حاوي الذي غرد منفرداً.
ثورة الحداثة الشعرية، ابتداءً من خمسينات القرن المنصرم، بدأت بمختلف أساليبها التعبيرية على أيدي هؤلاء. وبرزت بينهم وبين سابقيهم من فحول الكلاسيكية الشعرية، والكلاسيكية الجديدة،  معارك أدبية، بعضها في السرّ وبعضها في العلن. كان أحمد شوقي قد انقضى زمنه، ومات عالياً متربعاً على سدة إمارة الشعر. نافسه شعراء حقيقيون في حينه كالأخطل الصغير وأمين نخلة وخليل مطران وحافظ إبراهيم، لكنهم في آخر المطاف أقرّوا له بالإمارة، ونازعه شعراء آخرون أقل وهجاً إبداعياً منه بكثير، فتنطح لها، على سبيل المثال، عباس محمود العقاد، ولم يعدم أديباً مرموقاً كطه  حسين. يقرّ له بالإمارة، لا حباً به، بل نكاية بشوقي، وتبعاً لمزاج معقد لطه حسين، دفعه ليتخذ موقفاً عدائياً من المتنبي نفسه، كرمى لعيني المعرّي.. نظراً لما بين الرجلين العظيمين من أواصر.. هذا  على ما للمتنبي في نفس المعرّي من تقديس.
قلنا إن المعركة نشبت، بالضرورة وطبيعة الأمور، بين شعراء الحداثة الطالعين في الشعر العربي من أكثر من موقع جغرافي وثقافي، وبين الكلاسيكيين المتجددين، ممثلين بالجواهري وبدوي الجبل وعمر أبي ريشة، ناهيك عن الرمزي البرناسي الكبير سعيد عقل، وشاعر الحياة العذبة واللذة والمرأة نزار قباني. والملاحظ أن المعركة بين شعراء هذين الفريقين في الشعر، لم تكن بحدّة وتأجج وبذاءة معارك الشعر الغربي، التي سلف وأوردنا نقداً منها. كان ثمة في البداية ما يشبه التعايش بينهم، ولعل هذا التعايش مازال سائداً حتى اليوم، فحين مات الجواهري من عامين، انبرى جميع شعراء الحداثة العربية لرثائه (بمن فيهم أدونيس والبياتي)، كما أنه لم تثر في النقد أو الصحافة الأدبية معارك جدية بين الشعراء، ما خلا المعارك الاستفزازية التي خاضها البياتي ضد أدونيس ونزار قباني (على اختلاف اتجاه كل منهما عن الآخر)، وبعض ما صرح به عمر أبوريشة من هجر القول في الشعر الحديث برمته. كان أبوريشة يقول إن الشعر الحديث وليد الصهيونية. هكذا بكل سذاجة، أما الجواهري فلم يعرف عنه قسوة أو تزمّت في الموقف من الحداثة. هو لم يمارسها قيد أنملة، وبقي بعيداً عنها غارقاً في وهم الجماهير والحشود
والهتافات والمنابر، ولست أدري إذا كان يقرأ شيئاً من شعر الحداثة العربية، ام لا ... مذكراته تنمّ عن أنه كان على تماس واه مع الإبداع الحداثي لأولئك القريبين منه سكناً. أبناء بلده العراق كالحيدري والبياتي والسيّاب.. بل هي تنم عن انتقاد بعيد لهم (هو يذكر بسخرية عنوان ديوان قمر شيراز لعبدالوهاب البياتي)، أما أن يكون قرأ أو يقرأ قصائد الحداثة العربية فأمر مستبعد تماما.
ما خفف من حدة المعارك أيضاً بين هاتين المدرستين، كون شعراء الحداثة الأول، في قسم كبير منهم، قد انتقلوا للحداثة التعبيرية والإيقاعية والرؤيوية  من رحم الكلاسيكية.. فالبياتي والسياب وأدونيس بدأوا كلاسيكيين. والأرجح أنهم لم يغادروها في بعض نتاجهم الإبداعي حتى آخر يوم. فالكلاسيكية تضغط على أصابع أدونيس بلا ريب. وآخر دواوين السياب والبياتي تنطوي على صيغ وقصائد ذات بناء كلاسيكي تام. أما نازك الملائكة، فعلى الرغم من ثورتها التجديدية العارمة نظرياً في ديوان "شظايا ورماد"، فإنها ارتدت على ذاتها وتراجعت كلياً عن مغامرة الحداثة، مفضلة الركون لقواعد الكلاسيكية الآمنة (هل هي آمنة حقاً؟) .. فكسرت أسلحتها القديمة بيديها.
نشير إلى أنّ بدوي الجبل لم يؤمن بأساليب الحداثة الشعرية ولم يأخذ بأي سبب من أسبابها. والضوء الكبير الذي سلطه عليه أدونيس من خلال حوار طويل معه في عدد من أعداد مجلة "مواقف"، لا يظهر منه أن البدوي يحاور الحداثة بل يرفضها.. ويعيش في جمال شعره المحدود. سعيد عقل كبدوي الجبل يرفض الحداثة، ليس في الشعر  وحده، بل في الفنون بكاملها. هو يقذع في هجاء بيكاسو (على سبيل المثال)فيشبه أعماله التشكيلية بالبزيمة (والبزيمة هي النجمة المعدنية تثبت في حافر الحصان)، في حين أنّ  الفن الكلاسيكي (تبعاً لسعيد عقل) هو وحده النجمة الحقيقية المؤتلقة. نزار قباني بقي يسبح في بحره التاسع الهادي اللين الهيّن، من المفردات البسيطة والجميلة، ومجسات النساء،  ودخل إلى هذا المخدع ولم يخرج على حد قول لويس عوض فيه. وكان على صلة شخصية طيبة مع معظم شعراء الحداثة (ما خلا البياتي) إلا أنه بقي خارج سحرها .. مكتفياً بسحره.
أما نصوص الحداثة العربية العنيفة، ومواقفها النقدية الضدية، لها مقال آخر... من أنسي الحاج ومجلة شعر لآخر نماذج قصيدة النثر الأخيرة. خ




 

بقية المواضيع

سلمى الخضراء الجيوسي لـ"الرياض": لقد كان للقص العربي تأثير كبير على القص في الغرب
هذه الكتابة... إلى من ننسبها؟
كلاسيكيّون وجدد (الجزءالأول)
قراءة في قصيدة "عروس الوطن"
الحقل اللغوي: تَرِكة وُزِّعت على غير الورثة
من قتل المتنبي؟
460 متخصصاً من  17دولة عربية يشاركون في المؤتمر (أعلم)
الكاتب جمال إسماعيل يرسم وجه الغربة وتجارب البشر .. في "حكايات السَّفر"
صور من حب الإبل في الشعر الشعبي
نحو التفكير في الصداقة
للوسم أربعة طوالع، ومطره جدير بإنبات الكمأة ونباته يختلف عن غيره
البارودي أعلن زواجه من نجوى سالم بعد وفاتها ومصطفى أمين اقترن شادية.. ثم بأم كلثوم!
المستعرب الألماني (بيتر توراو)  يرد الاعتبار للظاهر بيبرس القائد العسكري والسياسي
في الأدب العربي الحديث
سليمان فياض يكشف ملامح أزمة القص الراهنة!!
النزعة الإنسانية في شعر  سيف الرحبي
قصة قصيرة .. أحوال شخصية
ديوان البدراني عمل  ادبي  مميز  يعد اضافة للمكتبة الشعبية
العزا بشيخنا أمير نجد
مرزوق الغامدي: لن أشارك بالقنوات الفضائية لأن مفاهيمهم خاطئة
ثامر التركي ما بين "خليج الكبرياء" والألبوم الأول
24مصوراً يشاركون في المعرض الثاني للتصوير الضوئي
استمرار عرض "فارس بلا جواد" رغم الحملة الصهيونية العالمية
اللقاء التداولي الخليجي يقرر إصدار مجلة تشكيلية
قصة قصيرة.. رجل
 
 

 

 

[ ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض