عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 07 November 2002 No. 12557 Year 38

الخميس 02 رمضان 1423العدد 12557 السنة 38

  هذه الكتابة... إلى من ننسبها؟

معجب العدواني

لما اختلف أبناء نزار في ميراثه توجهوا إلى الأفعى الجرهمي. وفي طريقهم إليه رأي مضر أثر كلأ قد رعى ، فقال :  إن البعير الذي رعى هذا لأعور! قال ربيعة : إنه لأزور ! قال إياد: إنه لأبتر! قال أنمار: إنه لشرود . فلما ساروا قليلاً فإذا هم برجل ينشد جمله، فسألهم عن البعير فأخبروه بأوصافه، قال : نعم هذه صفات بعيري فدلوني عليه. قالوا: والله ما رأيناه، قال : هذا والله الكذب! وتعلق بهم، وقال : كيف أصدقكم وأنتم تصفون بعيري بصفته! فساروا حتى وصلوا الأفعى الجرهمي في نجران، وحكم لهم بصحة حجتهم.
لم تنته الحكاية إلى هذا الحد لكنها اختارت منعرجا جديداً يتصل بالجرهمي نفسه إذ قال ربيعة فيه بينما كان القاضي يلتقط السمع : لم أر كاليوم لحماً أطيب منه لولا أن شاته غذيت بلبن كلبة، وقال مضر: لم أر كاليوم شراباً أطيب منه لولا أن حبلتها نبتت على قبر، ثم قال إياد: لم أر كاليوم رجلاً أسرى منه لولا أنه ليس لأبيه الذي يدعى له ، وقال أنمار : لم أر كاليوم كلاماً أنفع في حاجتنا من كلامنا هذا.
وتأكد الأفعى الجرهمي من صحة كلامهم عبر مراجعته لراعيه وساقيه وأمه.
نلحظ هنا أن الحكاية قد عبرت منعطفاً مختلفاً تباعد عن التعليل المقترح في أولها، ذلك التعليل الذي وجد مع صاحب البعير، فقد آثر السرد هنا اختيار الأحداث التي تتلاءم مع طبيعة التعليل نفسه، ولن يكون هناك أفضل من مجلس الحكم والمحاكمة لإظهار الحجج والبراهين، ومن ثم انتصار أحد الطرفين. لقد علل الأربعة أسباب اختيارهم لتلك الأوصاف، لكن ذلك لم يكن أمام الأعرابي وحده، وكان من المملكن أن يعللوا ذلك للأعرابي في الصحراء ومن ثم تنفصل حلقات الحكاية المتداخلة، إلا أن الحلقة الأولى لا تكتمل سرديا بدون أن تبدأ حركة السرد الثانية.
كان هناك القاضي بوصفه المحور الثاني في الشخوص التي تستند عليها الحكاية، كان القاضي في  مجلس المحاكمة مع الأعرابي صاحب البعير ينصت إلى ما وصفوا به البعير من صفات، ويحكم لهم لكنه أصبح هو الضحية الجديدة لتلك الفراسة البالغة مع ظهور المستوى الأخير في الحكي الذي جاء بلا تعليل أو تحليل، ذلك أن الجرهمي لم يحتج إلى مساءلتهم التعليل بعد معرفته تفاصيل الوقائع الرئيسة من مصادرها، ومن ثم كان الملتقى ليس بحاجة إلى إيراد مزيد من التعليل أو التحليل للموضوعات التي تحدثوا فيها.
إذاً هناك مستويان في الحكاية السابقة استعدتهما أثناء قراءاتي ذلك الدرس النقدي الذي كتب في عدد ثقافة اليوم بجريدة الرياض يوم الخميس الماضي والذي جاء بعنوان ( هذه القصة لم يكتبها منصور الحازمي) ذلك أن الموضوع الذي ناقش قضايا القصة والقاص، وأورد المزيد من العلل والبراهين قد ظهر هو نفسه بدون اسم كاتبه، أي أن الموضوع نفسه قد نقلنا من مستوى إلى آخر ما يؤسس افتراضات عدة منها ماهو مباشر  ويشير إلى سقوط الاسم سهواً واحتمال التنويه عنه في عدد لاحق ولاسيما إذا توقفنا أن تلك الكتابة قد تمثل حلقة أولى يمكن أن يضاف إليها حلقات أُخر كما تنطق به الجملة الأخيرة من الكتابة، أو افتراضات غير مباشرة منها أنه يوحي أن ذلك جاء متوافقاً مع رغبة الكاتب نفسه أولاً، وما يمنع الانصياع لقبول أمر قد يتكرر كثيراً في الصحافة وهو الأمر المتصل بسقوط الاسم سهواً، إلى جانب ذلك هنا افتراض ما يشي بتواطؤ من المحرر في حجب الاسم والصورة التي تعودنا رؤيتها في مطلع ا لمواضيع الموازية له، وما يغري بالقول : إن الكتابة التي عمدت إلى محاولة الكشف في هذه القضية وأخضعتها للبحث قد بنت حجاباً جديداً على اسم كاتبها، مع اختلاف بين منعطفات الكتابة في هذين الموضوع
ين، وهذا الافتراض يشير إلى أنه حجب غير بريء لا تدعمه طبيعة الموضوع فحسب ولكنه يعتمد على عناصر أخرى ربما ظهر بعضها هنا في محاولتنا.
ولنعد إلى الحكاية مرة أخرى فقد اعتمدت حكاية أبناء نزار على جانبين مهمين يتمثل الأول في استحضار التعليل بصورة فاعلة، ويقوم الثاني على غيابه، ذلك أن الجزء المتصل بأوصاف البعير قد حظي بمزيد من التعليل والتحليل، هو الجانب الأول الذي عقد في مجلس القاضي. لقد قال مضر: رأيته رعى جانباً وترك جانباً، فعلمت أنه أعور، وقال أخوه ربيعة : رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر والأخرى فاسدته، فعلمت أنه أزور لأنه أفسده بشدة وطئه لازوراره، وقال أخوهما إياد: عرفت أنه أبتر باجتماع بعره، ولو كان ذيالاً لمصع به. وقال أخوهم أنمار: عرفت أنه شرود لأنه كان يرعى في المكان الملتف نبته، ثم يجوزه إلى مكان أرق منه وأخبث نبتاً، فعلمت أنه شرود. كانت هذه الحجج كافية للحكم عليهم ولإقناع القاضي والمتلقي معه بأهمية فراسة هؤلاء، لذلك كله ظهر القسم الثاني من الحكاية مختلفاً،  فقد غاب معه التعليل وإبداء الحجج، وبدأ معه الجرهمي الذي آمن بصدق أقوالهم وصحة فراستهم في التأكد فحسب إذ اتجه إلى الشخوص المتصلة به لمساءلتهم بعد أن اجتاز الجرهمي مرحلة الشك في مصداقية ما يقال من هؤلاء الأربعة عبرسماعه حجتهم على الأعرابي.  لقد انتقل القاضي نفسه من مرحلة الشك إلى مرحلة ال
إيمان المطلق بما يقول هؤلاء، ولم يكن المتلقي أيضا بحاجة إلى مزيد من البراهين للتعليل أو الجدل فيما أوردوه من أقوال.
إن العلاقة المفترضة هنا بين حكاية ضاربة في العتاقة ودرس نقدي قد أنجز منذ أيام لاتستند إلى الجنس الأدبي أو الكاتب ونوع الثقافة كما هو معروف ولكنها تتصل بالأبنية المنبثقة من كلا النصين، فلو تأملنا في العنوان ( هذه القصة لم يكتبها منصور الحازمي) نجده اعتمد على النص نفسه بالإشارة إليه في مطلع الكتابة ( هذه القصة)، إنها كتابة تعتمد على النص كمحور تتراكم عليه الجملة السابقة للدراسة ومن ثم يكون الاسم ( منصور الحازمي) تابعاً للنص، إلا أن تعمد تجاهل اسم كاتب الموضوع نفسه يعيدنا إلى تكرار غريب يؤكد أولاً على الإمعان في ضرورة الارتهان النصي بعيداً عن الذات الكاتبة، كما يشير إلى كتابة غير خاضعة لسلطة ما ثانياً.
ولنعد إلى أوجه الالتقاء فقد بنيت حلقتان من الارتهان النصي في ذلك الموضوع النقدي كما بنيت الحكاية على مستويين من التأويل سبقت الإشارة إليهما، لقد كانت الحلقة الأولى في ذلك الموضوع النقدي ترتهن إلى نفي الكتابة عن الذات، ومن ثم إخضاع ذلك إلى تساؤلات منطقية قد تصل بالمتلقي العادي إلى مزيد من الغموض والحجب، لكن الحجب المعلل في الموضوع نفسه أفضى إلى حجب مباشر لاسم الكاتب نفسه، إنه حجب غير معلل لا يمكن تعليله أو تحليله في الموضوع نفسه، إن ذلك يشكل الدخول المنطقي الذي لا يسمح بسوى مزيد من التأويل.
السؤال المفترض هنا.. من كتب ذلك الموضوع؟ أو هذه الكتابة.. إلى من ننسبها؟ سيظل سؤالاً متصلاً بالذات الكاتبة ولن يضيف إلينا. إذاً علينا أن نتبنى سؤالاً يعتمد على محاولات استجلاب تلك المحددات التي تميز كتابة من أخرى، ما يعني أن ذلك سيصنع سؤالاً مختلفاً بعد قراءة ذلك الموضوع: هل مرت هذه الكتابة من هنا قبل حين؟
ستكون الإجابات مختلفة وستتخذ في نسبتها الذوات مرتكزاً لها، ستبدو إجابتي مختلفة عن  إجابتك وإجابتك ستختلف عن إجابات الآخرين طالما بقي علينا أن نتبنى الحدس أو التوقعات، لكننا حين نتأمل في الموضوع نفسه فإن ذلك يعني إخضاع الكتابة نفهسا إلى الحقل الذي تنتسب إليه، ومن هنا سندرك انتساب تلك الكتابة إلى الحقل النقدي بلا جدال.
ولما كانت الكتابة نفسها مبنية حول الأدب السعودي الحديث، فإن ذلك  سينقلنا إلى استلهام تلك الكتابات النقدية التي قاربت ذلك الأدب السعودي الحديث برؤية حديثة. وإذا صح هذا الأمر فإننا سنكون أمام مجموعة من الكتابات التي بنت درسها النقدي انطلاقاً من ذلك، وسيكون علينا أن نستثني كتابات أخرى تضمنها ملحق ثقافة اليوم لنقاد سعوديين، كتابات منسوبة إلى ( عبدالله الغذامي ومعجب الزهراني وعالي القرشي وحسين بافقيه) إذ تناولت تلك الكتابات موضوعات شتى، لكن تلك الكتابات تيسر لنا أمراً آخر إذ تختلف هذه الكتابة عن تلك الكتابات، ومن ثم فإن ذلك يسهم في إيجاد نسبة من الانفراج في تحديد أطر تلك الكتابة.
ذلك هو التحليل الذي يعتمد على نصوص موازنة للنص نفسه، لكننا حين نلج إلى النص نفسه سنلحظ أمرين مهمين:
الأمر الأول: مزجت تلك الكتابة منذ مطلع الموضوع بين رؤى نقدية حديثة تتصل  بالنص والتناصية ومقولات نقدية قديمة تتصل بالرواة والانتحال، لكن الكتابة ذاتها وقفت موقفاً محايداً من الرؤية الأولى وموقفاً أكثر حياداً من الرؤية الثانية، فالإشارة إلى مصدر تلك الرؤية الأولى كانت لافتة ومستندة إلى التباعد عن فئة نقدية " ... ما يذهب إليه هؤلاء الحداثيون الذين يعتقدون..  " أما الرؤية الأخرى ".. يدخل في باب الوضع والانتحال على النحو الذي كان يفعله الرواة القدامى حين كانوا يضعون الأشعار وينسبونها إلى شعراء الجاهلية..  " ولعل هذا يفضي بنا إلى الكشف عن علامات أخرى لهذه الكتابة ويمكننا من التعرف على ذلك الميل في المزج النقدي بين موضوع قديم وآليات حديثة.
الأمر الثاني: ركزت الكتابة نفسها على لعبة الثنائيات ( النفي والإثبات) " يبدو أن اللغة تعبث بنا، تنفي ما نثبت وتثبت ما ننفي، تغرينا بشيء، ثم تصدنا عنه، تعد ولا تفي، توهم،ولا تحقق" يتجلى في هذا المقطع بعد حداثي في الكتابة يؤمن بدور اللغة كما يشير هايدجر " اللغة منزل الوجود" لقد ظهرت محاولة تغييبه كما أشرنا في السابق منذ مطلع الموضوع، لكن تلك المحاولة تتكسر على أرض الممارسة الكتابية.
أمامنا الآن أن نفترض أن هذه الكتابة بالرمز ( س) اقتداء بدروس الرياضيات.
على ذلك فسيكون من خصائص الكتابة س=استلهامها للموروث النقدي، اتصالها بالنظريات النقدية الحديثة مع إهمال التبني لمنجزها، الميل إلى التعليل والمراجعة، ميله إلى الكتابة عن الأدب السعودي ا لحديث اعتماداً على القاعدة السابقة التي تراوح بين جانبين.
أما الميزات التي تتجلى من خارج النص فهي كثيرة وأهمها: إن الكتابة (س) ليست منسوبة إلى الكتابات الأخرى المنشورة في العدد نفسه لكنها كتابة مجايلة لتلك الكتابات، أي أنها تعيش السياق نفسه.
يبقى أن أشير إلى أمر يتصل بأهمية الكتابة خارج أقواس الذوات، إن ميزة هذا النوع من الكتابة قدرتها على إيجاد قارئ يتكون لدية اتجاه قرائي مشجع لمحاورة النص المكتوب ذاته، على عكس النصوص التي تعكس سيطرة المؤلف منذ الوهلة الأولى ولا يعني الاسم سوى مرحلة ما من تلك الهيمنة، أي أنها تنتج مرحلة جديدة في العلاقة بين الكاتب والقارئ إذ يصبح القارئ كاتباً بعد أن كان مقابلاً للمؤلف.




 

بقية المواضيع

سلمى الخضراء الجيوسي لـ"الرياض": لقد كان للقص العربي تأثير كبير على القص في الغرب
هذه الكتابة... إلى من ننسبها؟
كلاسيكيّون وجدد (الجزءالأول)
قراءة في قصيدة "عروس الوطن"
الحقل اللغوي: تَرِكة وُزِّعت على غير الورثة
من قتل المتنبي؟
460 متخصصاً من  17دولة عربية يشاركون في المؤتمر (أعلم)
الكاتب جمال إسماعيل يرسم وجه الغربة وتجارب البشر .. في "حكايات السَّفر"
صور من حب الإبل في الشعر الشعبي
نحو التفكير في الصداقة
للوسم أربعة طوالع، ومطره جدير بإنبات الكمأة ونباته يختلف عن غيره
البارودي أعلن زواجه من نجوى سالم بعد وفاتها ومصطفى أمين اقترن شادية.. ثم بأم كلثوم!
المستعرب الألماني (بيتر توراو)  يرد الاعتبار للظاهر بيبرس القائد العسكري والسياسي
في الأدب العربي الحديث
سليمان فياض يكشف ملامح أزمة القص الراهنة!!
النزعة الإنسانية في شعر  سيف الرحبي
قصة قصيرة .. أحوال شخصية
ديوان البدراني عمل  ادبي  مميز  يعد اضافة للمكتبة الشعبية
العزا بشيخنا أمير نجد
مرزوق الغامدي: لن أشارك بالقنوات الفضائية لأن مفاهيمهم خاطئة
ثامر التركي ما بين "خليج الكبرياء" والألبوم الأول
24مصوراً يشاركون في المعرض الثاني للتصوير الضوئي
استمرار عرض "فارس بلا جواد" رغم الحملة الصهيونية العالمية
اللقاء التداولي الخليجي يقرر إصدار مجلة تشكيلية
قصة قصيرة.. رجل
 
 

 

 

[ ايام رمضان | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

ايام رمضان

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض