عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Wednesday 07 August 2002 No. 12465 Year 38

الاربعاء 28 جمادى الأولى 1423العدد 12465 السنة 38

  في ندوة لمناقشة كتاب "مياه في الأصابع"أحمد الشهاوي .. شاعر يقبض على جمرة التراثويبدأ رحلته اللا نهائية من نقطة القطيعة مع العالم!

القاهرة - القسم الثقافي - شريف الشافعي:

أقيمت ندوة في القاهرة، لمناقشة الكتاب الشعري الجديد الذي صدر للشاعر احمد الشهاوي عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة وهو مختارات تقع في اربعمائة صفحة بعنوان (مياه في الأصابع).وشارك في الندوة د. محمد عبدالمطلب استاذ النقد والبلاغة ورئيس قسم اللغة العربية بكلية الآداب جامعة عين شمس ود. صلاح السروي استاذ النقد بجامعة حلوان ود. عبير سلامة.وامتدت المناقشات لأكثر من ساعتين ونصف الساعة بحضور جماهيري كبير، وادار الندوة الشاعر سيد محمود ثم قرأ الشاعر أحمد الشهاوي نصوصاً من (مياه في الاصابع) ثم تحدثت د. عبير سلامة عن الديوان بوصفه يجمع مختارات من الاعمال السابقة للشاعر مثيرة مسألة قيام المبدع بالحذف والتعديل على اعمال من خلال اختياره لنصوصه القديمة وقالت: اننا  مضطرون لافتقاد المتعة في هذا الديوان ليس لاننا سنصدر أحكاماً ولكن لأننا امام مختارات من اعمال سابقة للشاعر (ركعتان للعشق) 1988م، (الاحاديث - السّفر الاول) 1991م الأحاديث - السفر الثاني 1994م (كتاب الموت) 1997م، (قل هي) 2000م، أي اننا مضطرون ايضاً لان ننظر إلى اعماله السابقة إن أردنا الكلام عن شعرية احمد الشهاوي او عن العالم الشعري له يجب ان نعود إلى النصوص ال
كاملة.وديوان المختارات معناه اننا امام نصوص منشورة للمرة الثانية باعتبار ان المرة الأولى هي حينما خرجت فيها النصوص من دائرة المبدع إلى دئرة المتلقي، وكذلك عنوان الديوان نفسه مأخوذ من نص (حديث الاحاديث) في ديوان الاحاديث (السفر الثاني):"ادخلي ألفيوناميبعد ثانيةأكونكل السنين التي مرتمياه في الأصابعشموس في الدماغ"ومعنى هذه المختارات ان المبدع اشتغل بالنقد على نصوصه القديمة فكان هنا (الناقد) أحمد الشهاوي وليس (المبدع) أحمد الشهاوي لان الاختيار نقد.وتساءلت د. عبير عما يدفع الشاعر إلى نشر مختارات من اعماله السابقة فربما يكون لديه فائض فرص نشر وليس لديه عمل أو ربما تيسيراً على القارئ الذي لا يستطيع شراء الدواوين الخمسة الصادرة للشاعر من قبل أو ربما للترويج لهذه الدواوين بمنح القارئ قطعا تحرضه على قراءة كل الاعمال عملا بقاعدة (الشوق إلى الذوق).واضافت ان الأدب العربي يوجد به تراث عظيم من كتب المختارات وجميعها تنطلق من دافع التيسير على القارئ بمنحه كتاباً يستطيع به ان يستغني عن عدة كتب، لكن هناك ملاحظة مهمة وراء هذا العمل، فالشاعر بهذه المختارات ينفي الكتب الاصلية من الوجود تماماً كأنه يقول للقارئ: هذه الكتب لا يوجد به
ا ما يستحق القراءة، سأغنيك من التعب، اقرأ هذا الكتاب وحده وهو كاف، كذلك المؤلف يضع نفسه بازاء عدة مؤلفين فهو يجمع مؤلفات غيره وينتقي منها ليصنع كتابه لذلك يندر ان نجد مؤلفاً يجمع بنفسه مختارات لاعماله فقد يجمعها له تلاميذه، اما هذا الديوان فقد اختار نصوصه المبدع ذاته، وارى هذا الديوان لا يضم مختارات بل هي - في نظري - الاعمال الكاملة للشاعر فكأنه جمع كل اعماله القديمة وأخضعها لنظرة نقدية تقييمية ووضعها في هذا الديوان.وبررت د. عبير سلامة رؤيتها هذه بأن احمد الشهاوي كغيره من الشعراء يعشق كتابته عشقاً حتى انه يعشق الكتابة عن كتابته لذلك نجده دائماً يرفق الدراسات التي اشتغلت على اعماله وهو أيضاً للسبب نفسه لا يمكن ان يكون مستبعداً لما  يمكن ان نسميه بالنصوص غير الجدير بان توضع في مختاراته لانه يعشق كل ما كتبه، ومن ديوان الاحاديث (السفر الاول) تخير الشاعر أربعة أحاديث فقط ومن السفر الثاني اسقط سبعة احاديث كاملة اما ديوان "كتاب الموت" فقد اجرى عليه تعديلا كبيراً بالحذف رغم انه نص واحد.واوضحت د. عبير سلامة ان النقاد تحدثوا عن قضية التعديل على النص سواء بالحذف أو الاضافة من قبل المبدع لنصوصه، ورأى كثير منهم انه ليس من
حق المبدع الاشتغال بالتعديل على نصوصه لان المتلقي تلقى النص في هيئة معينة وانفعل به سلباً وايجاباً وفقاً لهذه الهيئة وحين يغير المبدع هذه الهيئة يكون خادعاً للمتلقي أو مستهيناً بالانفعال الذي تعامل به مع هذا النص.وأكدت د. عبير سلامة تميز اللغة الشعرية والعالم لدى أحمد الشهاوي. فاللغة عنده متميزة إلى أقصى حد، وبشكل فاتن وساحر للغاية. وتحدث د.صلاح السروي استاذ النقد بجامعة حلوان عن انتماء الشاعر إلى جيل الثمانينات الذي يتميز بمجموعة من السمات الجمالية الفنية التي تشيع في هذا الجيل غير ان أحمد الشهاوي يتفرد بانتمائه إلى تراث شعري كبير، وانتمائه ايضاً فقط إلى أحمد الشهاوي.واكد ان الشهاوي يمثل ظاهرة شعرية لها من الخصوصية والفرادة قدر ما لها من الامتداد والتجدد والتأهل في تربة الشعرية العربية.والملاحظ على شعرية الشهاوي مقدار ما في شعره من اتصال وانفصال عن الشعرية العربية قديمها وحديثها، فهو أخذ هذا الولع بالزخرف اللفظي، والولع بالتشكيل اللغوي للمفردات والألفاظ.واضاف ان الشاعر اخذ ذلك التجنيس اللفظي والحلى البلاغي اللغوي الذي شاع أيضاً في الشعر العربي خصوصاً - في المرحلة الوسيطة وهي مرحلة القرن الثامن والتاسع الهجري
ين.يقول أحمد الشهاوي في صفحة الاهداء:"الذي أحملأنته"ويقصد الذي أحمله أنت، وهذا الحذف والتغيير للضمير من أن يكون مسنداً للفعل لان يكون مسنداً للمفعول به يظهر ان الشاعر يركز على فكرة "الحمل"، فالحمل عنده يكون لك "انت" ومن هنا إذا جاء الضمير مسنداً للفعل فانه في هذه الحال سيتأخر ال "أنت" وهو الأمر الذي يؤخره ليس فقط في الذكر ولكن أيضاً في الرتبة ودرجة الاهتمام.وهذا الامر كرره الشاعر في هذا الديوان، فما فعله في صفحة الاهداء تكرر في أحد نصوص الديوان وهو ما يعني ان الشاعر مهموم ولم يجد الأمر في البداية مصادفة أو نوعاً من أنواع النزوة الشعرية أو التركيبة، لكن الأمر على هذا النحو من التكرار يقول ان هناك تعمداً وتقصداً واضحاً من لدن الشاعر باتجاه اعتماد هذا التركيب للدلالة على ما يحدث من أفكار أو تصورات تجاه بنائه الشعري.وذكر د. صلاح السروي ان هناك ملمحاً آخر من المنحنى السابق نفسه حيث يقول أحمد الشهاوي: "القلوب السوف تخفق مرة في كل عام"، أي القلوب التي سوف تخفق مرة في كل عام، وهو هنا في عجلة من امره إذ الغى اسم الموصول "التي" ودخل مباشرة إلى "سوف" راغباً في طي الكلمات وصولا إلى هذا السوف، ذلك الذي يخفق مرة في كل عام،
متمنياً ان يخفق الآن وفي هذه اللحظة.وهو أيضاً يقول في ديوانه:"سربال بالي حال أحوالي ومٌلءكى"فالسربال هو ذلك الشيء الذي تسربل به الشخص ويطلق على  أردية المحاربين والمقاتلين، وهو هنا ذلك الرداء الذي يكتنف الداخل من الشاعر هو حال أحوال الشاعر وملكه وهو ما يعني ان (الأنا الشاعرة) انتقلت من الداخل إلى الخارج، فذلك الذي يمكن ان يحتمي به اصبح هو ذاته المحتوى والداخل.وأكد د. صلاح السروي ان أحمد الشهاوي في هذا الديوان تميز بالمغامرة اللفظية، فالشاعر ينتمي إلى هذا النوع من الشعرية التي لا يجد أصحابها إلا ذلك النص من العرق البعيد والذي يقف ملياً امام العبارة في محاولة لاقتناص ذلك المعنى الطيفي الاثيري والذي يوجد مكتنفا ضمن غلالات لا نهائية من الركام المعنوي والركام اللغوي.وأيضاً نجد تناصاً من الشاعر مع الشعرية الجاهلية القديمة في ذلك البيت الذي يقول:"ألا ليت الذي بيني وبينك عامروبيني وبين العالمين خراب"ونجد أيضاً ذلك التناص الشعري في موضع آخر من ديوانه في البيت الذي يقول:"وإذا المنية انشبت اظفارهافكل تميمة لا تنفع"وهو نقل بتصرف للبيت الذي يقول:"وإذا المنية انشبت اظفارهاألفيت كل تميمة لا تنفع"وانتقل د. صلاح السروي إلى ال
حديث عن الديوان بوصفه مختارات لاعمال الشاعر السابقة فقال: ان الشاعر في هذا الديوان يقدم ما يشبه "البانوراما" التي تضم جل مشروعه الشعري، وكأنه يقول لنا: انني صاحب مشروع شعري يبدأ من هنا وينتهي إلى هنا ومفردات هذا المشروع تمثل كذا وكذا.وهو في هذا الشكل - في ظني - يتيح فرصة طيبة للباحث لكي يستطيع ان يرى كيف بدأ هذا الشاعر إلام انتهى على وجه التحديد وكيف بدأت ارهاصاته وهواجسه الاولى وإلام انتهت به هذه الهواجس ليلمس القارئ التحويل الذي تم في شعرية أحمد االشهاوي ومحطاته الشعرية ومشواره الذي لم يكتمل بعد.واوضح ان الشاعر في ديوانه يغلب عليه ذكر الموت والحزن، فهناك بنية مسيطرة على هذا الديوان وهي بنية "الاغتراب"، ويغلب على قاموسه كلمات: البحر، المنازلة، التحول، الحزن، والموت. وهناك قصيدة دالة على هذا عنوانها "خمسة مقاطع لحزني طويل القامة" منها هذا المقطع:"في ساحة بيتنا الواسعةطفل لم يبلغ التاسعةرش في الأرض قمحاًفأنبتت مدنا جائعة"ونلاحظ ان التوازي قائم بقوة في هذا المقطع ف "ساحة بيتنا الواسعة" يتوازى معها "الطفل في التاسعة"، وهذا النوع من التركيب هو بنية المعنى المرتد أي ذلك الذي يحاول ان يصنع شيئاً فاذا به يحقق شيئاً
آخر مختلفاً فهو يرش القمح لكي يحصد الخير والزرع فاذا به لا يحصد إلا جوعاً، وهذا المقطع يدل على هذا الاغتراب الكامن داخل نفس الشاعر وتصور ان الموت على الابواب وان الحزن أمر مقيم ولا نهائي بيد انه في ديوانه الثاني "الأحاديث" (السفر الاول) تستمر تيمة الحزن مع تغير آخر طارئ قليلا وهو ما يمكن ان تمثله عبارة "بروز الانا الشاعرة" أو "مركزية الأنا" والتي تتبدى في عدة مناح من الديوان مثل:"سيبقى الفتى يحصد العنكبوت"والفتى هو الشاعر نفسه وهو يقول أيضاً:"ونصف للفتى أحمديعيد لقلبه بعض الأمان"فالقارئ إذن بإزاء مركزية واضحة للانا االشاعرة، هذه المركزية  تطرح نفسها في النص على أساس عدة آليات؛ الآلية الأولى هي ما تسمى بنية التماهي أو ذلك الدخول والخروج من الشيء في الآن ذاته أو ذلك البعد القرب في الآن ذاته، فالشاعر يقول:"فادن منيابتعد"فهناك تداخل عميق للمتضادات والمتناقضات وذكر لها على انها مترادفات في الآن نفسه وفي سياق شعري واحد.وهذا الملمح يطرح الأمر على ان الدنو الذي هو ذاته ابتعاد في اللحظة نفسها أو العكس، وهو ملمح بالغ القوة، أي ذلك الذي يرى الكون دائريا، فهذه الاضداد ليست متناقضة إلا في الظاهر فقط أما في الحقيقة السرمدي
ة اللدنية فهي لا تعني من واقع الأمر إلا بعضها البعض.ويصل د. صلاح السروي في متابعته النقدية لتجربة أحمد الشهاوي الشعرية إلى ديوانه "قل هي" فيقول: نرى في هذا الديوان سيطرة (الايروسية) أي سيطرة ذلك العالم الذي يرى الأشياء عاشقاً ومعشوقاً.وأحمد الشهاوي في رحلته هذه يبدأ من القطيعة مع العالم بالحزن والتشاؤم والموت والهاجس الدائم بالعدمية والاغتراب إلى ان يصل في ديوانه الاخير إلى هذا التعشق وهذه الايروسية التي نجدها مسيطرة على نحو ربما يصدم الذوق السائد في أحيان معينة.واوضح الناقد الدكتور محمد عبدالمطلب ان الشاعر عندما اصدر مختارات لابداعاته فهو يؤكد ارتباطه بالتراث، فالمختارات مأثرة من مآثر تراثنا  العربي بدأها ابو زيدالقرشي ثم تبعه أبو تمام والشجري والبارودي في العصر الحديث.واضاف ان الشاعر أراد بهذه المختارات ان يقدم تصوراً عبر مراحله الابداعية وأنا اعتبر ان عمر الشاعر ليس بالزمن انما  عمره بما يقدمه من ابداع والشهاوي صغير السن إلا ان ابداعه يعطيه قامة أكبر من قامته السنية ويضعه في منطقة تؤهله لكي نحترمه بوصفه شاعراً من شعراء الثمانينيات.وأحمد الشهاوي يقدم لنا نفسه من خلال المختارات التي تكاد  تضم معظم ما قدمه وم
عظم توجهاته الشعرية، والشعر عنده يمثل - في رأيي - مرحلة جديدة لان شعريته نقلت الشعر من لغة اللسان إلى لغة القلب، فلم يعد الشاعر هنا يردد لغة فحسب بل أصبح يردد لغة مصبوغة بدم قلبه، لغة تسكن في داخله ولا تعرف الخارج اطلاقاً، فهذا الجو الروحي لا يمكن ان يعرف الخارج بأي حال من الاحوال، فهو دفع الشعرية لان تتغاضى عن الخارج وتسكن الداخل وتستقر فيه، وشعريته أشبه بما أراه حالة نوم، والنائم يمكن ان يسبح في عوالم خيالية وواقعية وان يصنع لنفسه العامل الذي يرجوه، فهو نوم ممتد لكنه نوم ممتحن باليقظة، فهو يخشى ان ينطبق عليه قول الشبلي الفيلسوف الصوفي:"نعسة في ألف سنة فضيحة"فالشهاوي يخشى الفضيحة لذلك هو ينام فاتحاً عينيه ويسبح بشعريته في هذا العالم الذي لم نتعود ان نقرأه في شعريتنا الحاضرة، والشاعر الذي عاش (مرحلة النوم اليقظ) في شعريته استطاع ان يجعل اعماله الشعرية متكاملة حتى أننا حينما نقرأ هذه المختارات نظن أننا امام ديوان واحد، وهذا التكامل لا يمكن ان يكون سوى ان هذا الشاعر استطاع ان يكون لنفسه بصمة تعبيرية، فمن يقرأ للشهاوي دون ان يعرف اسمه سيقول ان هذا للشهاوي.وتعرض د. محمد عبدالمطلب لقضية تدخل الشاعر في النص بالتعدي
ل سواء بالحذف أو الاضافة مؤكداً ان التبديل والتغيير سنة تراثية كمدرسة "تنقيح الشعر" التي قادها زهير بن ابي سلمى الذي كان يقدم قصيدة واحدة خلال سنة كاملة يكتبها اولا ثم يحذف ويزيد فيها، والآن أهم الدراسات النقدية في الغرب هي متابعة المخطوطات التي كتبها المبدعون وتتبع اسباب تبديلهم وتغييرهم في النص.وأشار إلى ان شعرية أحمد الشهاوي هي تلك الشعرية التي تعتصر اللغة وهي شعرية السهل الممتنع حيث ان عالمه الشعري يوهم ببساطته لكنها البساطة العميقة التي تقدم شعرية من طراز خاص.وأكد د. محمد عبدالمطلب ان شعرية أحمد الشهاوي هي تبشير بخطاب شعري جديد يمكن له ان يجاوز الواقع الحاضر أو النمط المألوف لأن شعريته موغلة في مقامات العرفانية وفي مقام الموت وهو مقام أسير عند أحمد الشهاوي، وهو مقام يكاد يكون رحلة نفسية قبل ان يكون فناء جسدياً حتى ان الشاعر كاد ان تتحول ذاكرته إلى مقبرة من الاحباء (نوال عيسى وسعاد الشهاوي) فعلى الرغم من رحيلهم، فإنه دفنهم في ذاكرتهم ويستعيدهم بين الحين والآخر، ثم يأتي مقام السفر بوصفه رحلة وجودية في العالم الداخلي قبل العالم الخارجي فهذا السفر في الموروث هو مواز للموت وكذلك هو في موروثنا الشعبي فنحن نربط
السفر بالموت، وكأن السفر مقدمة للموت الذي وصل اليه الشهاوي، ثم انتقل الشهاوي من مقام السفر إلى مقام العلة والمرض:"إبر المحبة قوّضت جسديالدهر يعرف غربتي"وفي مداخلته قال الدكتور عصام عبدالله استاذ الفلسفة بجامعة عين شمس ان أحمد الشهاوي شاعر مراوغ ويخرج على مسألة التحديد سواء داخل جيل معين أو فكر معينة، والسبب في ذلك هو المفارقات العديدة لدى أحمد الشهاوي حتى انه يمثل ظاهرة شعرية يجب الالتفات اليها باعتبارها ظاهرة مصرية خالصة، فالشهاوي لديه فكرة مشحون بها وهي فكرة الموت، وهي فكرة فلسفية. قال عنها أفلاطون:"إن أعظم الناس هو من تعلم أقدم فن وأصعبه وهو الموت"وهي الفكرة التي كررها جميع الفلاسفة من بعده، فالميلاد هو اولى الخطوات في الطريق إلى الموت، ثم مونتنيه في عصر النهضة يقول: "ان تعلم فن الموت يحررنا من القيود كافة".وفي المقابل أجد عند( أحمد) الأنا الشهاوية أو الأنا الشعرية، وهنا نجد المفارقة إذ ان أحمد الشهاوي حينما  يتحدث عن الموت هو شديد الحب لهذه الحياة.وتساءل الشاعر حسن خضر عن مدى حداثة شاعرية أحمد الشهاوي خصوصاً مع كل ما قيل عن متكآته العرفانية في نصوصه الشعرية.وفي رده على تساؤل الشاعر حسن خضر قال الدكتور صلا
ح السروي: انه لا شك ان أحمد الشهاوي شاعر معاصر وهو أيضاً شاعر حداثي، ولكن إذا تبينا كيفية توظيف أحمد الشهاوي لهذه المفردات التي لها جذورها التراثية العميقة الا ان تشغيل هذه المفردات هو الذي يمكن ان يحمل معنى حداثياً، فالموت عند القدماء كان ذا طبيعة تحولية فهو ليس مجرد انتقال الحياة من سطح الارض إلى باطنها انما مفردة الموت عند الشهاوي ليست مجرد انتقال الحياة فهي تلازمت بقوة مع مفرد العشق والتوحد.وأشار د. صلاح السروي إلى ان المعاصرة في ظنه ليست بمعنى ان نحيي مشكلات الواقع المعاصر مثلا بل هي شعرية الرؤية والتفسير من خلال فهم العالم عن طريق الاستيطان بغية معرفة الحقيقة الكاملة داخل هذا العالم، وهذا ما يفعله الشهاوي في خطابه الشعري، فهو لا يقدم رؤية صوفية للعالم بل هو يستخدم الرؤية الصوفية للعالم من أجل ان يقدم هذه الشعرية. وقال الشاعر أحمد الشهاوي: ان "مياه  في الاصابع" تشكل مختارات مما نشرت من شعر في كتب في الفترة من سنة 1988م والتي شهدت صدور مجموعتي الشعرية الاولى "ركعتان للعشق" (دار الف للنشر - القاهرة) وسنة 2000م حيث صدور كتابي الشعر "قل هي" الدار المصرية اللبنانية - القاهرة. وتقع هذه المختارات في اربعمائة صف
حة فقط، بينما ما نشرته من شعر يصل إلى حوالي سبعمائة صفحة في الاعمال الشعرية الخمسة، غير النثرية: "كتاب العشق" 1992م و"احوال العاشق" 1996م. أي انني استبعدت أو حذفت ثلاثمائة صفحة.فمن كتابي الشعري (الاحاديث - السفر الاول)، القاهرة 1991م اخترت فقط أربعة احاديث، ومن ديوانه اخترت خمس قصائد كتبت في سنوات 83، 84، 85، 1986م ولعل الحذف الذي قمت به كان أكثر في كتابيّ الشعريين "كتاب الموت" 1997م، "قل هي" 2000،لأن كلا منهما نص واحد متعدد اللغات والأبنية والتشكيل والرؤية والمستويات، ولذلك رأيت ان اعمل بالحذف - دون حذر أو خوف - في هذين الكتابين، كما ان الحذف لا يعني الالغاء أو الاقصاء، أو نفي نصوص بعينها، والابقاء على ما رأيته ولكنني أردت ان يكون (مياه في الأصابع) كتاباً شعرياً واحداً، يمثل حالة روحية ونفسية وشعورية واحدة، مع التعدد في التعامل مع التخييل والتصوير والبناء واللغة فقد استبعدت ما رأيته خارج السياق العام ل "الكتاب" بمعنى انني "اسقطت" كل ما  فيه شبهة سياسية أو اجتماعية، أي حذف ما ظننته من الخارج، وان كان الانفعال صادقاً لحظة كتابته.وقال الشاعر أحمد الشهاوي: انني حاولت منذ العنوان "مياه في الأصابع" أن امنح القارئ
مفاتيح تشير إلى العمل، أو تجيب عن سؤال "لماذا هذا الكتاب؟" كأن هذه المفاتيح تشير إلى الحالة التي كان عليها الشاعر أو الهدف الذي قصد من ورائه انجاز هذا الكتاب. فهل هي ريح اقبضها الآن أم روح التي فارقتني. هل هذا الكتاب اثر لعابر، بحيث يبقي الأثر عابرة، ثم ان هذه المختارات التي صدر جزء منها بالاسبانية حاملة الاسم نفسه بترجمة المستعربة الاسبانية ميلاجروس نوين، تؤكد ان الشاعر يظل يكتب نصاً واحداً مختلفاً ومتنوعاً، متعدداً، يراهن على ان يبقى من هذا النص جزء ولو يسير يحفظ اسم الشاعر في مدونة الزمن. والشاعر - في رأيي - لا يستمر في الكتابة، إلا لأنه يخفق في كل محاولة للتعبير عن روحه بشكل عميق وجوهري، ولذلك فكل محاولة جديدة هي تواصل مع ما سبقها من محاولات، وصولا إلى انجاز النص الأخير، وهو النص الذي يكتبه الموت في اللحظة - النهاية. وتعد هذه المختارات - التي صدرت بتصميم واخراج الشاعرة والفنانة التشكيلية الاماراتية ميسون صقر القاسمي والتي سبق لها ان شاركت الشهاوي تصميم واخراج عملية الشعريين "كتاب الموت" و"قل هي" - تأكيداً لمفهوم "الكتابة بالحذف"، وتواصلا مع المفهوم القديم للشعر العربي بشأن المراجعة والمساءلة والتشذيب وحذف
الزوائد، والتنقيح، والمحاككة، ومحو المترادف والمشروح والمستطرد، وطمس ما ليس جوهرياً وأساسياً في النص، وهذا ما فعله الشاعر العربي القديم في "قصائده الحولية"، وساد بعد ذلك في العالم، خصوصاً في الغرب.وقال الشاعر أحمد الشهاوي: ان النصوص الأساسية موجودة ومنشورة في أكثر من طبعة، ودرست في الجامعات، وكتبت عنها دراسات نقدية وأكاديمية، وصدور المختارات لا يعني "الاستغناء" عن الأصل، أو التقليل من شأنه. ولكن تظل هذه المختارات هي الاقرب روحياً للشاعر، وربما يطولها الحذف هي الاخرى بعد ذلك، فالشاعر يتطور، وتتغير رؤاه، ومواقفه الجمالية ليست ثابتة، لكنها تزداد نضجاً وعمقاً وتبلوراً.


 

بقية المواضيع

 

 

[ احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

إنضم إلى قوائم
الرياض