عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Friday 07 June 2002 No. 12404 Year 38

الجمعة 26 ربيع الأول 1423العدد 12404 السنة 38

  اللقطاء بين مواجهة المجتمع وهاجس البحث عن الذات

بيروت  مكتب "الرياض"   إيمان إبراهيم / تصوير    شمعون ضاهر

على قارعة الطريق وجدوه يبكي، الساعة تقارب الرابعة فجراً لكن عيون الطفل الرضيع لم تغمض بعد، فهي أبصرت النور منذ ساعات معدودة، وترك على صغر سنه ليواجه قدره. يشق صراخه سكون الليل، لعله يصل إلى ضمائر المحسنين، فهذا الصوت عجز عن استصراخ ضمير والديه وطالما أن حضنهما لم يتسع له، فالكون كله أصبح ضيقاً، لكن الحياة تستمر.. وهاهي الإجراءات القانونية تسير في مجراها الطبيعي ليعهد بالطفل إلى دار الأيتام ويضاف إلى قائمة اللقطاء.
إنهم أطفال الخطيئة والاستهتار والحب الممزوج بالعار، ثمرة جريمة لم يشاركوا في صنعها وإن كانوا أبرز نتائجها.
هم كنبتة اقتلعت من جذورها وأي مستقبل لهم في مجتمع يفاخر بالنسب والروابط العائلية. يواجهون الحياة بقلق يكتنفه الضياع والبحث عن الذات في غياهب المجهول. فعودهم طري والحياة قاسية والمجتمع لا يرحم.
اثنان وعشرون طفلاً يضافون سنوياً إلى قائمة اللقطاء وهي نسبة ثابتة منذ الأربعينات وكأنها جريمة منظمة ضحيتها أطفال أبرياء والمجرم دائماً مجهول الهوية.
ورغم قساوة القدر إلا أن ثمة فسحة أمل.
فعلى تلة معزولة في بيروت وأثناء الحرب العالمية الأولى، تجمع أبناء بيروت ووضعوا الحجر الأساس عام  1917لأول دار للأيتام في لبنان وما لبثت الدار أن توسعت لتصبح مؤسسة متكاملة للرعاية الاجتماعية تقدم خدماتها للأيتام واللقطاء وذوي الاحتياجات الخاصة.
وتقوم دار الأيتام الإسلامية باحتضان الأطفال الذين يصلون إليها عبر مخافر الشرطة من خلال المواطنين الذين غالباً ما يجدون الأطفال بحالة يرثى لها قرب مكبات النفايات أو على الطريق في الأحياء المأهولة ليتسنى لسكانها التقاطهم قبل أن يلتقطهم الموت.
وترى الآنسة وفاء البابا نائبة مدير عام مؤسسات الرعاية الاجتماعية في لبنان أن ثمة حالات يسعى فيها الأهل الحقيقيون للتخلص من الطفل نظراً لإصابته بإعاقة لكن معظم اللقطاء هم ثمرة علاقة غير شرعية بين الأبوين.
وتعتمد المؤسسة في تمويلها على التبرعات التي يقوم بها مواطنون لبنانيون على نطاق فردي فضلاً عن التبرعات التي تصل من الدول العربية وثمة نسبة لا تتجاوز ال 30% من ميزانية المؤسسة ترد من وزارة الشؤون الاجتماعية.
وتتضاعف هذه التبرعات كلما زادت الثقة بين المؤسسة والمجتمع حيث أصبح العمل الاجتماعي عملاً منظماً يحتاج إلى دراسة واختصاص.
وعن كيفية قبول الدار للطفل اللقيط تقول الآنسة وفاء: "سنوياً نستقبل بين  18و 22لقيطاً واللافت أن نسبة المعوقين منهم أصبحت كبيرة جداً ونحن لا نستقبل أي طفل إلا من خلال مخافر الشرطة التي تقوم بتحرير محضر مخافة أن يكون الولد مختطفاً. من ثمَّ نقوم بالإجراءات اللازمة لاستصدار هوية للطفل وقد ناضلنا كثيراً لشطب عبارة "لقيط" أو "مولود غير شرعي" من بطاقة الهوية.
أما عن كيفية استصدار بطاقة الهوية فتقول "في الستينات كانت هويات اللقطاء تحمل عبارة "اسم مستعار" في الخانة المخصصة لاسم الأم والأب وما لبثنا أن لاحقنا القضية ووصلنا إلى قانون يسمح بإعطاء أسماء وهمية للأم والأب لإدراجها في هوية اللقيط وفي العام  94صدر قرار بشطب عبارة مولود غير شرعي والإبقاء عليها في إخراج القيد العائلي".
وغالباً ما يرمى الأطفال في الأماكن المأهولة، على مدخل عمارة أو قرب مكب النفايات وأحياناً تدخل الأم إلى المستشفى لتلد فتهرب وتترك طفلها مجهول النسب. تقول الآنسة وفاء البابا "وجدنا مؤخراً طفلاً مرمياً في مكب النفايات يغطيه النمل الأسود ما أحدث لديه التهابات خطيرة مات على إثرها".
والمفارقة أن بعض الأمهات يرمين أطفالهن لكنهن يحرصن على وضع رسائل يوصين بها دار الأيتام بالاهتمام بالطفل ويتعهدن بالعودة لاسترداده قريباً لكن أياً منهن لم تعد. والمشرفات في دار الأيتام لا يتقيدن بالأسماء التي تتقرحها الأمهات بينما يحتفظن بالأوراق لعل الأم تعود يوماً.
وتشير الآنسة وفاء أن نسبة اللواتي يستعدن أولادهن تحت وخز الضمير نسبة نادرة تقول "أقيم هنا منذ  16سنة ولم تأت خلال هذه المدة إلا خمس أمهات لاسترداد أولادهن" واستصدار هوية قد يصطدم بعقبات إذا كان أحد الأبوين معروفاً.
وتروي الآنسة وفاء البابا قصة الولدين عمر وعلاء تقول "بعد طلاق والديهما وسجن الوالد، قام عم علاء وعمر برميهما على قارعة الطريق ووصلا إلينا وكانا في الثانية والرابعة من عمرهما وتمكنا من خلالهما من معرفة اسم الوالد والوصول إليه في السجن. وبعد محاولات حثيثة أقنعنا الأب بضرورة استصدار هوية للطفلين مع العلم أن الوالد غير لبناني وبعد أن اقتنع وافته المنية في السجن فضاع كل أثر يربطنا بعائلة الطفلين. وبعد مرور سنوات اتصلت زوجة الأب وأعلمتنا باسم والدي الطفلين فلاحقنا الموضوع وعلمنا أنها خارج البلاد واستغرق الأمر سنوات قبل أن تعود الوالدة حيث قام زوجها بالإجراءات اللازمة لضم الولدين إليها بعد غياب  13عشر عاماً.
تعتمد دار الأيتام على سياسة دمج اللقيط مع اليتيم وفي سن الثالثة يبدأ الطفل بالسؤال عن ذويه، فمن خلال التلفزيون ومن خلال تعاطيه مع زملائه يدرك الطفل مدى اختلافه.
في البداية يحاول المشرفون تضليل الطفل وإيهامه بأن والديه مسافران لأنه لا يفقه حجم مأساته في سنواته الأولى وما يلبث كبيرهم أن يعلم الصغير حيث يبرز التضامن الغريب بين اللقطاء أشبه ما يكون بالتضامن الأسري فالمصيبة تجمع.
ويركز المنهج التربوي على جملة مفاهيم إنسانية، فالتلميذ أول ما يتعلم قراءة وكتابة كلمة "ماما" ومشرفات الدار يحرصن على الاحتفال مع الطفل بعيد الأم حيث يقدم كل طفل هدية إلى مشرفته لكن القيمين على الدار يحرصون على عدم تضليل الطفل ومنعه من إطلاق اسم "ماما" على المشرفات.
ولشرح معاناة اللقيط، تسرد الآنسة وفاء البابا حادثة وقعت خلال شهر رمضان الماضي حيث أقدم مراهق في الرابعة عشرة من عمره معروف بدماثة أخلاقه وتفوقه المدرسي على تحطيم جهاز التلفزيون لدى مشاهدته مع زملائه الحلقة الأخيرة من مسلسل "للعدالة وجوه كثيرة" مع اعتراف الممثل يحيى الفخراني لزوجته بأنه لقيط تقول "الولد لم يتحمل تجسيد وضعه على شاشة التلفزيون، فقمنا بعد أسبوعين بتفتيش أغراضه الشخصية ووجدنا كتاباً يتناول وضع اللقيط الاجتماعي، فهو على صغر سنه بدأ يبحث عن ذاته ليرى بعين معاكسة نظرة المجتمع إليه".
لاشك أن النظرة تجاة اللقيط اختلفت لكن المشاكل النفسية ماتزال تطارد اللقطاء بقسوة فدور الأسرة لا يمكن تعويضه وإذا ألغينا وجود معاناة لدى اللقيط، نكون كمن يعترف ضمناً بانعدام أهمية دور الأسرة في صقل شخصية الطفل وإحاطته بالرعاية وإغراقه بالعطف ومراقبة نموه يوماً بيوم.
ومن خلال التجارب العملية، يتبين مدى تأثير العامل الوراثي على شخصية اللقيط من حيث تقبله لوضعه حيث تختلف ردات الفعل بين طفل وآخر.
تقول الآنسة وفاء "بعض الأطفال يحملوننا المسؤولية لأننا انتشلناهم من براثن الموت ونحن نحرص على التكتم على المعلومات التي قد تضر باللقيط في حال معرفته بها مثل مكان العثور عليه أو الحال التي وجد بها لأن محاضر الشرطة قد تحمل معلومات تسيء إلى الطفل أقلها أنه وجد بثياب ممزقة قرب مكب النفايات".
وغالباً ما تنعكس مشكلات اللقطاء ودوامة بحثهم عن الذات على مسار حياتهم الطبيعية لذا يتجنب المشرفون عليهم إفادتهم بالمكان الذي وجدوا فيه كي لا يتعلقوا بحبال وهمية، فقد أثبتت التجارب من خلال الأطفال الذين أعيدوا إلى ذويهم أن الطفل يرمى في منطقة بعيدة عن مكان إقامة ذويه.
وتحاول مؤسسة الرعاية الاجتماعية خلق مجتمع بديل للطفل اللقيط، ففي أيام الفرص المدرسية، تنظم دار الأيتام رحلات ترفيهية للقطاء، وثمة برامج مشتركة مع دور المسنين حيث يتسنى للطفل تكوين فكرة عن مجتمع الجد والجدة. كما أن هناك نشاطات مع شبان المعاهد المهنية ليتسنى للأطفال مشاهدة العنصر الذكوري حيث إن هذا العنصر مفقود في المؤسسة وجميع المشرفات هن من الإناث. كما يحرص المقيمون على تعويد المراهقين على جو العمل والإمرة في وظائف موسمية أثناء فصل الصيف لصقل شخصياتهم.
ومن ضمن سياسة الدمج، تعمد المؤسسة إلى إيفاد الأطفال إلى مدارس خارج المؤسسة ليندمجوا مع الأطفال الآخرين ويواجهوا المجتمع في سن مبكرة، إلا أن نظرة البعض إليهم تجعلهم يفقدون عنصر الاحترام لذاتهم.
تقول الآنسة وفاء "اللقيط متهم دائماً وهذا ما حصل معنا في مدرسة حيث قام طفل ناقم على والدته بتوزيع مجوهراتها على زميليه أحدهما طفل من الدار فما كان من ذوي ذاك الطفل إلا أن اتهموا زميله اللقيط على اعتبار أن لا أهل لديه. نظرة المجتمع هذه قد تدفع باللقيط إلى الانحراف لاسيما وأنه يفتقد إلى الرادع".
ويفتقد اللقيط إلى روح الملكية حيث ينتقل من مكان إلى آخر بحسب سنه في المؤسسة وتتغير مشرفاته بين مرحلة وأخرى ما يولّد لديه اضطرابات وشعوراً بالقلق يظهر على شكل عدوانية وأحياناً تنقلب هذه الاضطرابات إلى هدوء يخفي ناراً هامدة مهددة بالاشتعال فور الاصطدام بالمشكلة.
حددت دار الأيتام عمر  18للقيط ثم يصار إلى استئجار شقة للشاب بعد أن يخرج إلى سوق العمل، أما الفتاة فتتكفل بها الدار إلى أن تتزوج.
وزواج اللقطاء يصطدم بقسوة الواقع، فثمة عائلات تفرض أن يتزوج أبناؤها من أشخاص مجهولي النسب إلا أن البعض يقدم على الزواج ببنات دار الأيتام كنوع من فعل الخير. وقد أثبتت التجارب أن اللقيط يغدق عاطفته بغزارة على أطفاله كي يعوض ما فاته في صغره.
ولا تحبذ المؤسسة زواج اللقيط من لقيطة لأنه يولّد جيلاً جديداً من اللقطاء فضلاً عن الصعوبة التي يجدها الطرفان في خلق حياة اجتماعية سليمة بعيداً عن المؤسسة وقد أثبتت التجارب فشل هذه الزيجات بنسبة كبيرة.
وعلى الرغم من الاهتمام الذي يلقاه اللقطاء في دار الرعاية إلا أنهم قلما يحرزون تفوقاً في دورسهم، فهاجس بحثهم عن هويتهم يسرق أحلامهم وطموحاتهم ويصبح قمة الطموح لديهم ايجاد أمهم، أو أبيهم أو على الأقل معرفة جذورهم.
في دار الأيتام كانت لنا جولة، حين تطأ قدمك عتبة الدار، تشعر وكأنك ودعت العالم الخارجي.. يستقبلنا الأطفال ببراءتهم المعهودة، يلوحون للكاميرا، كلٌ يزاحم الآخر ليأخذ موقعه في الصورة، الابتسامة تعلو وجوههم، نتركهم يبتسمون، فقريباً حين يصطدموا بقسوة الحقيقة سينسون طعم الفرح.
في غرفة كبيرة مرتبة، ينام الأطفال الرضع، أصغرهم طفل عمره أيام محدودة ينعم بالدفء بعد أن رماه والداه غير آبهين بمصيره.
كلهم يلعبون باستثناء بلال وسهى. فبلال ليس طفل خطيئة، بل هو ابن شرعي لزوجين أنجبا قبله ستة أطفال. قسوة والده المجرم لم ترحمه فضربه في شهره الأول في نوبة غضب وتسبب له بعطل دائم في الدماغ.
الصحف اللبنانية ضجت بالخبر والوالد أُدخل السجن، أما بلال فعهد به إلى دار الأيتام، مشلولاً كلياً، فاقداً كل حواسه، يحرك عينيه ولا يرى وقد قدر له أن يقضي عمره في ظلام دامس.
على نفس السرير تجاوره سهى، تجاوزت السنتين من عمرها لكن مظهرها يوحي بأنها ابنة الأشهر المعدودة. فقد وجدوها طفلة لقيطة في يومها الأول، عمودها الفقري غير مكتمل، تعاني من تشوه خلقي واضح، التقطتها دار الأيتام واهتمت بها حتى بلغت شهرها السابع، وكل يوم كان جرحها يكبر وجمالها يزداد تألقاً وكأنه يرفض واقعها، تعلقت بها مشرفات الدار ورفضن الإصغاء لنصائح الأطباء بعدم إجراء عملية جراحية ونجحت العملية لكن سهى ستقضي بقية عمرها مشلولة إلا أن القدر رحمها حيث لم تكتمل قدراتها العقلية وهاهي تتلقى دورساً مخصصة للأطفال في عامهم الأول بعد أن تجاوزت عامها الثاني. فضعف قدراتها العقلية لن يعرضها لضغوطات نفسية في إطار البحث عن الذات.
نودع الأطفال، يلوحون لنا بأيديهم الطرية التي لم تقترف أي ذنب وعيونهم البريئة ستفتح قريباً على ظلم المجتمع حين يغادرون الدار. فهذا الواقع اصطدم به الشاب علي أبو سالم الذي لم يعرف والداه وقدر له أن يقضي طفولته وسنوات مراهقته في البحث عنهما.
يقول "ربتني عائلة فلسطينية واستصدرت لي بطاقة هوية قيد الدرس، لم يخبرني أحد عن المكان الذي رميت فيه. كل يروي قصة مختلفة ووحدي أنا اتعذب. بحثت عن أمي وفي كل مرة كنت ألمح فيها ضوءاً ينيرني إليها، كنت أصاب بخيبة أمل. إلى أن يئست".
العائلة التي ربت علي توفي أفرادها. وعلي لم يعد يبحث عن ذويه. يقول "تفرغت لعملي في التصوير وأصبحت مصوراً صحفياً والناس تفهمت وضعي".
نسأله "كيف تتخيل أهلك؟".
يصمت ثم يجيب "لا اتخيل شيئاً، أعاني بصمت لكني لا أحقد عليهم" ويحمل كاميرته ويمشي ليلتقط صوراً للمارة على الكورنيش البحري، لعله يجد طيف أمه في صوره، فلبنان صغير لكن أين اختفت أم علي؟".


 

بقية المواضيع

 

 

[ احداث العالم | الكاركاتير | السعودية اليوم | لقاء | ثقافة وفنون | عيادة الرياض | منوعات | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

احداث العالم

الكاركاتير

السعودية اليوم

لقاء

ثقافة وفنون

عيادة الرياض

منوعات

الرأي للجميع

مسابقات الرياض


إنضم إلى قوائم
الرياض