عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 06 March 2003 No. 12676 Year 38

الخميس 03 محرم 1424العدد 12676 السنة 38

  رواية احلام مستغانمي الجديدة الحب والعنف والمرأة المستضعفة

لندن-فاطمة المحسن:

نازعان يتقاسمان رواية احلام مستغانمي الجديدة( عابر سرير) الصادرة عن دار الكاتبة نفسها: الاول العمل على امتاع القارئ بحكايات الحب المغرقة في رومانسيتها، والثاني نزعة الاحتجاج السياسي التي تتمثل قصصياً باستحضار ذاكرة الجزائر المجروحة بالعنف والتصفيات والغش السياسي.. الخطان لايلتقيان في مزاجهما إلا عند التخوم التي تلتقي فيه اللذة بالعنف، ان لم يفسد  احد النازعين الآخر.. يبدو أن الكاتبة تبغي دمجهما على نحو يصبح أبطال العشق ضحايا تلك الصراعات، وكأنها تستعين بالحب لطرد الروح  الشريرة للحرب.
في الرواية الجديدة يموت البطل الرئيسي راوي قصة( ذاكرة الجسد) الرسام  خالد بن طوبان، حين يقتله السرطان على سرير عابر في مستشفى باريسي، وبهذا تسجل الهزيمة الاخيرة لجيل الثورة الجزائرية المسروقة.
حكاية هذا الرسام التي يستأنفها بديله او شبيهه في الرواية الجديدة، هي استمرار لحكاية الروايتين السابقتين( ذاكرة الجسد) و( فوضى الحواس) حيث تبدأ القصة ذاتها وتنتهي في حيز محدد: المكان إذ تدبّرالصدفة لقاء المرأة بالرجل، والزمان حين يُحشر في فترة تؤذن بين اللقاء والفراق الأبدي، وبين الاثنين تكمن اللهفة والشوق التي تتشكل على ايقاع حوادث العنف والتصفيات واخبار الوطن الذي يخاف مثقفوه وفنانوه العودة إليه.
مرض البطل وموه في رواية( عابر سرير) تعلن عن سوداوية الرواية والتصاقها بالرومانسية المكتئبة القديمة التي يتصاعد فيها الشجن ليتحول الى مراثٍ لاتنتهي، مراثٍ للحب واللذة الخاسرة، ومراثٍ لشعب وجيل وثقافة ومثقفين، اغلب حكي الرواية شعر غنائي انفعالي، وجملتها قد تحتل سطراً بأكمله، غير أن الأهم ما فيها هو الجانب التوثيقي في مقاربة التاريخ الجزائري الحديث، مع انه ينوء بحمل تلك اللغة المتثاقلة التي تتلف قيمته في مواقع كثيرة.
تقودنا احلام مستغانمي عبر عملها هذا الى بعض الخفايا التي تكمن خلف كواليس السياسة الجزائرية، وتضعنا امام موتيفات غير مكتملة ولكنها مؤثرة في احداثيات المجازر اليومية التي ينظمها المتطرفون، كما تدلنا على صور وانتباهات عن قسنطينة المكان والطباع والافكار، وكلها تشكل المادة الخام التي افسدتها اللغة المبالغ بانفعالها والتي تصر  عليها الكاتبة، ان ما خسرته غادة السمان في مشروعها، تعاود العمل عليه مستغانمي مع فارق بسيط، وهو ان لغتها في هذا العمل اضعف من لغة السمان، وهي ايضا اضعف من لغة الكاتبة نفسها في الروايتين السابقتين.
اين تقع رواية( عابر سرير) من ادب الاحتجاج السياسي؟ يمكن ان ننسبها الى الخطاب الذي يمزح الحب بالقمع، ولكنها تشف  في مواقع كثيرة، عن رغبة في التجرد من كل الهوامش الجانبية في قصة الحب او استغلالها لهدف آخر وهو وصف السنوات الصعبة التي يمر بها الجزائر. وهي في تمسكها بالانتساب الحميمي الى قسنطينة، تبغي تهجين الاماكن الاخرى كي تستجيب الى تشابهات خرابها، ليس في الجزائر بل في البلدان العربية ككل. ولعل القمع في العراق يتوحد في هذه الرواية مع خصوصية التجربة في المكان الجزائري، في جنة المهاجر المفقودة، او في حجم الوطن الضائع ان هذا الجانب من عملها في كل ثلاثيتها هو الابقى والاهم، لا لكونه يمثل نرعة انسانية، بل لانه يحمل ممكنات الكشف عن العبث والكوميديا السوداء ودعابة القسوة في تمثلات القمع العربي أدبيا، لو قدر لها ان تخطو خارج الرومانسية المكبلة ببلاغة الانثى المتصنعة. لايدرك القارئ ان هذا الجزء يحتل مساحة كبيرة من رواية( عابر سرير)، لان الكاتبة اختارت قارئاً معيناً منذ العنوان والمقدمة حتى الخاتمة المأساوية التي تبسط ظلالها من خلال وصف امرأة حزينة وجميلة وترتدي فستاناً أسودَ من الموسلين. صنفت احلام مستغانمي على الكاتبات
اللواتي يبلورن الهوية الانثوية، بما لها من قدرة المطابقة بين فعل الكتابة والرغبة الجسدية، فكل الاستعارات والتوريات والصور التي تتكون منها رواياتها تعود على منطق الحب والعلاقة بين الرجل والمرأة، ولعل تلك الخصيصة وراء رواج كتبها. بيد ان من الظلم ان نجزم بأن ما جذب قارئ( ذاكرة الجسد) اللغة الرومانسية وحدها، بل ان صورة المرأة التي جسدتها تمثل النموذج المرغوب والمستحب ان بطلتها مثقفة غير ان ثقافتها خاصة بالانثى، وهي تستخدمها في الجانب الاهم في الرواية الذي نستبينه من العنوان ونتعرف عليه في التفاصيل. انها تفقه عبر مجساتها الشعرية، كيف تحب جسدها وتتعامل معه ومع اللغة التي تمثل موقعها في مرتبة فهم العالم والتعامل معه. فهي تبقى الانثى الضعيفة التي تنتسب بالجسد ولغته الى هذا العالم وتراه من خلاله. مفردة مثل انكتب او المرأة التي تنكتب تحيل الى ما توحيه من فعل التلقي ومحموله الايروتيكي، لذا شاعت بين كاتبات وكتاب المغرب العربي ثم انتشرت بين المشرقيات والمشرقيين المهتمين بقضايا التعبير الانثوي، غير ان احلام مستغانمي بحكم شعبية روايتها كانت الاكثر فاعلية في تعميم تلك المصطلحات، فهي تقول في مفتتح روايتها الاولى:( لابد أن أعث
ر اخيرا على الكلمات التي سأنكتب بها، فمن حقي ان اختار اليوم كيف انكتب) والحق ان روايتها الثالثة( عابر سرير) قد افضت بفعل (الانكتاب) هذا الى مصيدة دخلتها الكاتبة ولم تعرف كيف تخرج منها، فهي ترواح عند اللعبة ذاتها التي لعبتها مع القارئ اي مزج قصص الجيب( البولب فيكشن) مع قصص الوقائع السياسية التي تمتصها الاولى وتحولها بفعل رومانسيتها المتطرفة، الى حكايات تفتقد زخم تأثيرها.
فأحد اهم اسلحة الروايات الثلاث، الايحاء ان نصوصها يوميات سرية، او انها اشيدت من مادة يحظر تداولها إلا مع الذات، لابسبب وقائعها المحرمة، بل لكونها اقرب الى فن تناقل الاشاعة عن كتابة المرأة. القارئ في الغالب لايلحظ ان صوت الراوي صوت رجولي ولكنه من فرط تماهي صورته مع المعشوقة يكاد ينطق بصوتها، وسر هذا يعود الى ان العلاقة التي يشكلها السرد مع القارئ تقوم على اللعب على اللغة بما فيها من نعومة وانوثة تنتسب الى امرأة وتمثل مشاعرها، فتصبح شخصية الرجل مجرد وسيط لتقديم هذه المرأة الطيف ، امرأة اللذة المقتطعة من زمن معلق عشتار الربة الجبارة والعاهرة والخائنة والمخلصة والمنتقمة، كما تصف رواية (عابر سرير) البطلة( حياة). والحق انها حكاية اكل الدهر عليها وشرب لانها تكررت في خطاب الرومانسية النسوية على نحو مله القارئ.
الاضافة الاكثر اثارة في كتابات النسوية الرومانسية هذه منذ غادة السمان او قبلها، يتحدد بالإيحاء بأن حدود السيرة الذاتية  وحدود الكتابة القصصية شبه مموهة، وهو تمويه مقصود يتوجه الى تملق مزاج القارئ  الفضولي. على هذا تستمر مستغانمي في اللعبة الفنية  ذاتها في روايتها الاخيرة:( لم افهم سر إصرارها على إنكار وجود هذا الرجل ذات يوم في حياتها. أكان ذلك بسبب عاهته؟ ام كهولته؟ ام كانت فقط ككل الكتَّاب لا تحب انفضاح شخصيتها في  واقع الحياة؟) من هذا المنطلق استطاعت مستغانمي في اعمالها التدخل في صياغة الصورة الخيالية كي لاتبتعد عن الشخصية الاساسية التي تكتب من  اجلها الرواية، وهي الكاتبة ذاتها، انا الرواية ومحورها، حيث يصفها الراوي في "عابر سرير":( كان يكفيني ارتباكها كامرأة تمسك بفستانها حين يهب الهواء. كانت تملك اغراء الصمت المفاجيء عن اعتراف كادت تطيره ريح المباغتة.
ولذا بين جملتين تنحسران كذبا كانت تشد فستان اللغة صمتا.. الى الاسفل).
فلغة المرأة وصمتها يتحولان الى حركة مغرية تشابه حركة الجسد حين يتعرى إثر ريح مباغته.. غير ان تلك السمات لايصنعها سوى وعي الرجل بقيمتها كجسد، القيمة التي ينبغي ان تبدو الأنا المتوارية غافلةً عنها لأنها جزء من طباع النساء. إلا انها في النهاية حيلة مبررة فنياً، بل هي في صلب لعبة الخيال الذي يستطيع خلق مراياه كي يغتني بالتنوع ولا يبقى أسير متعارفات القص. أحلام مستغانمي في هذا الجانب من عملها، تحاول استخدام قانون التماهي ونقيضه، فحكاية المرأة تدخل ضمن رواية البطل الرئيسي لا بصفتها تجربة مقتطفة من مذكرات فحسب، بل بما فيها من ممكن أدبي يحيلها الى واقعة خيالية أيضاً، وتلك هي اللعبة الفنية التي تكمن وراء شعبية هذا النوع من الكتابة. والمسار الثاني في نسوية الرواية يتجدد في ثنائية العشق والذكاء، فالعشاق الرجال اذكياء وانقياء ومثقفون، اما المعشوقة فهي تملك سمات الانثى التي لا يطالها الخطأ التاريخي لانها مؤبدة بجوهرها: الجمال الروحي والجسدي، الضعف وقلة الحيلة، القدرة على صنع عشاق على هذه الدرجة من الاكتمال في الصفات الانسانية. والحق ان افكار النسوية بأطيافها الجديدة كانت شديدة التأثير على القصص والروايات التي كتبت عن المر
أة، والكثير منها يجري تداولها قصصيا على نحو ايديولوجي. تيارات من النسوية الجديدة تهزأ بفكرة المرأة الضحية مثلما تهزأ بفكرة تمثلها الرمزي كمعبرة عن حالة وطن او طبقة او مجموعة مقهورة. بيد  أن محمول الرمز الانثوي في النهاية يستقي من متداول الافكار، فموقع النساء في المجتمع يترك اثره في مخيلة الروائي رجلاً كان أم امرأة، كما ان تبدل مفاهيم النسوية وشيفراتها من فترة الى اخرى تؤثر في الكتابة المؤدلجة. وفي الظن ان النسوية التي تمثلها روايات احلام مستغانمي هي اقل من ايمان ايديولوجي، ولكنها اقرب الى الانثوية التي تكرس الصورة النمطية للمرأة حسبما صاغتها القصة النسائية العربية في الستينات، اي المرأة الضعيفة الناعمة التي تملك قوة جمالها الداخلي واشعاع الحب الخاص بها. هذه الصورة تبتعد قليلاً عن كلام الاغاني الشعبية، ولكنها لاتنفصل عن جوهره إلا ضمن المسافة التي تساوي بين المثقفة القاصة وبطلتها ونجمة الاغراء.




 

بقية المواضيع

الخروج.. من أجل الدخول في المرآة
مولعة بالقراءة مولعة بالكتابة:غادة السمان في روايتها: سهرة تنكرية للموتى
مفكرة السرد لمناسبة مرور سنة على غياب مؤنس الرزاز : متاهة الأعراب في ناطحات السراب
مساءلات فكرية .. الفكر والهوية
هل تقرأ المرأة بصورة مختلفة عما يقرأ الرجل؟
الشاعرة فاطمة ناعوت تقتحم مستعمرات ما بعد حداثية بديوانها "على بعد سنتيمتر واحد من الأرض"!
دوريات
ادخار القاموس والتقنيات المشاعة: علي العمري أنموذجاً
محمد عبده يؤجل طرح ألبومات الشعبيات الثلاثة
يشاركهم الحوار في منتدى MTVشباب الشرق الأوسط يسألون بلير: هل الحرب هي الحل؟!
يوسف المحيميد لـ "ثقافة اليوم":كتبتُ بشهوة غريبة وكأني أغسل عزلتي بالكتابة
الشهري يشرف على البوم وليد عطية
باتيليه جدة معرض الدكتور فرغلي عبد الحفيظ منتصف ابريل
فاديا خطاب تثير المشاكل بين ابنتها وزوجها
رحمة الجلاهمة بين إبداع النبطي وقرض الفصيح
شماليل
بيت وصدى
عذب الغرام
"اليوله".. الرقصة الحربية في الإمارات
إنجلترا وفرنسا والصين في صراع على حفل الافتتاح
في (البيان) الأدبية: قراءة في رواية عبدالرحمن منيف
( الكشكول: ما أشطركم في الحكي)
(الجسرة): ملف عن الرواية الجزائرية
شهار
وجه آخر للقصيدة!!..
رواية احلام مستغانمي الجديدة الحب والعنف والمرأة المستضعفة
عبدالعزيز جاسم ينتهي من (زحف العقارب)
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض