عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 06 March 2003 No. 12676 Year 38

الخميس 03 محرم 1424العدد 12676 السنة 38

  الخروج.. من أجل الدخول في المرآة

د . عبد الملك مرتاض

قد يكون لشباب الأدباء، أو لأدباء الشباب: من الحق علينا ما ينبغي ان يحملنا على العناية الشديدة بما يكتبون؛ فهم رجال المستقبل، وهم العوض من الذاهب، وهم البقية من الفائت. فلولا الخلف من السلف، لكان للسلف وجود مبتور، وشأن متبور؛ ولكانت الحياة انتهت بمجرد اقبار السلف في القبور.
والشباب السعودي بوجه خاص، تراه فتحس ان فيه إقبالاً قوياً على الحياة، وتعلقاً متيناً بالأمل، وحرصاً شديداً على اكتساب المعرفة، وإقبالاً طافحاً على مدارسة العلم، واصراراً بادياً على الرقي في مراقي الأماني الجسام.
ولعل ذلك ان يعود إلى الرخاء الذي تنعم به المملكة، أدامه الله لها ولأبنائها، وقد يعود إلى أسباب أخرى تضاف إلى هذا السبب المركزي؛ ذلك بأنك قد تذهب إلى هذا البلد العربي أو ذاك، في الشرق والغرب، فلا تصادف إلاّ اليأس القاهر والقنوط القاتل، يغلقان الطريق في وجوه أولئك الشباب السائرين في عزائمهم، اليائسين من تحقيق أية سعادة في مستقبلهم؛ فإذا كثير من الشيوخ قد يكونون أكثر تفاؤلاً بالحياة منهم وهم لا يشعرون.
وإني كلما زرت المملكة، بمناسبة أو بأخرى، تزداد صلتي بمثقفيها، الشيوخ والشباب معاً، قوة وتوثقاً، وفي كل مرة أزورها تعود حقائبي موقرة بكتب جديدة في شكل دراسات طوراً، وفي شكل دواوين شعرية طوراً آخر. بل لقد وقع لي لأول مرة نص رواية "الحزام" أو (LA CEINTURE)، وهو نص جميل كتبه باللغة الفرنسية الروائي السعودي أحمد أبودهمان. ويبدو أنها الرواية السعودية الأولى التي تكتب باللغة الفرنسية ولإعجابي الشديد بهذا النص الروائي النادر قرأته وأنا لا أزال بفندق قصر الرياض. وقد سجلت عن هذا النص ملاحظات وانطباعات، حتى لا أقول نقداً أو تحليلاً، ما منعني من نشرها إلاّ لوقوعي على هذا النص متأخراً فخشيت ان لا أضيف جديداً للقارئ بعد ان كان قدمه إليه، في الغالب، غيري؛ وذلك على الرغم من اقتناعنا بأن أي كتابة سابقة لا ينبغي لها، وليس من حقها، ان تلغي كتابة لاحقة؛ بل لعلها ان تكون مدعاة لها، ومجلبة للاهتمام بها.
ومما أهدي لي من الدواوين الشعرية في رحلتي الأخيرة إلى الرياض ديوان لفيصل أكرم عنوانه: "الخروج من المرآة". وذكرني عنوانه أنه يتنا مع ديوان عبدالعزيز المقالح: "الخروج من دوائر الساعة السليمانية".
فهل كان خروج فيصل أكرم فراراً، حقاً، من المرآة التي لا ترحم أحداً فتكشف كل ما فيه كما هو، لا كما يجب ان يكون؛ فإذا هو يرى صفحة نفسه بنفسه فلولا المرآة، ثم لولا عدسة التصوير، لما كان أحدنا يعرف وجهه.. فللمرآة وظيفة معرفية لا تنكر في حياة الإنسان؛ بله الوظيفة الجمالية.. فلعل المرآة هي المرتفق الصادق، الوحيد، الذي لا يكذبك ولا يخدعك؛ فيبين من بياض شعرك ما هو فيه من بياض، ويبين سواده ان كان أسود في أصل المترائي، على عكس الصديق الذي يجاملك فلا يقول لك حقيقة وجهك، ولا مظهر هيئتك. فالمرآة هي الجوهر الشفاف الذي يعكس حقيقة الجسم كما هو ماله وقبحه، وشبابه وشيبه.
ولذلك كانت السيدة العربية إذا تزوجت في غير قومها، أو قبيلتها، لا تصدق شيئاً مما يقال لها عن نفسها إلاّ مرآتها التي كانت لا تزال تصطحبها معها فتتخذها لها رفيقة أمينة؛ فكانت لا تفتأ تجلوها على وجه الدهر، فتتمرأى فيها. وقد جسد هذه العادة الحضارية، عرضاً، ذو الرمة حين كان يصف ناقته، فقال:
لها ذنب ضاف وذنفرى أسيلة
وخد كمرآة الغريبة أسجح
وإذا كانت غريبة ذي الرمة لا تصدق إلاّ مرآتها تجلوها باستمرار، فكانت أحر على اصطحابها وملازمتها كحرصها على أي شيء، فإن الشاعر فيصل أكرم، فيما يبدو، سد الطرف الآخر المعادي للمرآة؛ وإلاّ فما باله يقرر الخروج من سلطانها، والتمرد على جبلتها التي جبلت عليها؛ وهي فضح الأجسام وقد قيض الله لها ان تكون مستورة.
إن الذي يتمرد على المرآة فيفلت من دائرة سلطانها، هو لا ريب في أنه يضيق بها، ويرفض تأثيرها فيه، ويأبى ازعاجها له.. لقد هرب الشاعر من الضياء، ليقبع في الظلام؛ فالليل، أخفى للويل، كما يقال! ليس بالضرورة ان يكون الهروب من دائرة المرآة مذمة أو معرة؛ بل لعل في ذلك شيئاً كثيراً من الخير؛ فليست المرآة، في مبتدأ الأمر ومنتهاه، إلا جسماً شفافاً يعكسنا فيزعجنا ويشقينا، أكثر مما قد يسعدنا ويواسينا. ولعل من أجل كل ذلك قرر فيصل أكرم ان يغادر دائرة المرآة، نهائياً، فلا يصبح لها عليه سلطان، ولا يري عليه منها تأثير لا في الزمان ولا في المكان.
غير ان الاصرار على الخروج من هذه المرآة قد لا يعدو ان يكون اعترافاً غير معلن بسلطان المرآة على الشاعر، ومن ثم استحالة خروجه من دائرة سلطتها عليه؛ فكأن عنوان الديوان من هذا المنظور من القراءة يعني الدخول في دائرة المرآة، لا الخروج منها، أي الاندماج في دائرة الضياء، إذ ليست المرآة إلاّ جسماً شفافاً لماعاً هو بمثابة النور.
ومن يود ان يخرج من هالة النور غير الشعراء الذين ربما آثروا الانزواء في الظلام، والقر في المكان الذي يتخذ شكل اللامكان!
وسواء علينا أخرج الشاعر من جسم المرآة إلى عالم آخر يناقضها، أي إلى عالم من الظلام؛ أم الافلات من قبضتها الحديدية ليعيش حراً لا يتراءى، أي لا يرى نفسه فيها، ويرفض مع ذلك ان يرئيه فيها غيره؛ فان الشاعر يعترف، على الرغم من كل ذلك، تلميحاً على كل حال، ان سلطان المرآة كان عليه عظيماً، وأنها تبوأت مكانة في خياله حتى لم يستطع تجنب ذكرها فذكرها عنواناً لديوانه لكرم هذا المرتفق، ولشدة حرص الناس على اصطناعه في حياتهم اليومية.
ولعل هذا الفيض الكريم من الضياء الصقيل الذي تشكله المرآة هو الذي حمل الشاعر على ان يبدأ أول لفظ من أول بيت، من أول قصيدة في الديوان، بسمة دالة على الضياء الكاسح، والأمل الطافح، وهي سمة الفجر:
لفجر يمد البياض على خندق من رماد وبرد
لا شيء أفضل من الفجر للمتقين الذين يصلون، وللعمال الذين يكدحون، وللشعراء الذين يباركون قصائدهم فإذا هم يقرضون ما يقرضون، ويستمتعون بغناء الطير، ويستنشقون طراوة النسيم، إلاّ هموم امرؤ القيس التي حظرت عليه ان يسعد بالصباح كما يسعد جميع الناس، فأصبح شقياً به كما باب شقياً بليله.
والفجر شحنة هائلة من النور منه تقتبس مرآة الشاعر ضياءها المعنوي؛ فكأن الشاعر لم يستطع الهروب من سلطان الضياء؛ فهو وان حاول التسلل من خصاصه لواذاً عبر مرآته المنصوبة؛ فإنه ألفى هذا الضياء أمامه جاثماً في الفجر، وقائماً في ضيائه الكاسح؛ فكأنه أبو الطيب المتنبي حين كان يتجانف عن الحمام:
فإن أسلم فما أسلم، ولكن:
سلمت من الحمام، إلى الحمام
فأي خروج هذا، إذن، من شفوف المرآة وهي جسم صغير لم يزل به يتربى، إذا كان قد وقع في فيض النور العظيم الذي يأتي به الفجر فيما الكون شعاعاً وضياء فإن زعم أنه استطاع ان يخرج من ضياء المرآة، فلقد وقع فيما هو أعظم من ضيائها، وأكثر اكتساحاً من بياضها، وهو الفجر الكبير.
ولعل هذا الفجر العبقري هو الذي نشر ضياءه الكاسح على كل ما كان مظلماً. من خنادق وفجاج، على الأرض فرد ظلامها ضياء، ورد سوادها بياضاً. وهو الذي سيخضر منه جفن البياض، فيحمر له وجه الرماد:
سيخضر جفن البياض ويحمر وجه الرماد
فنحن هنا أمام سمفونية من الألوان المتداخلة المتناسقة طوراً، والمتناشزة المتضاربة طوراً آخر: فمن شفوف المرآة التي كمثل صفحة صقيلة؛ إلى البياض الناصع، الشديد النصوع، الذي ينتشر على الخنادق والفجاج والهضاب والوديان؛ فيكتسحها بضيائه؛ إلى اخضرار جفن البياض، إلى احمرار وجه الرماد. غير ان البياض هو الذي سد القوة اللونية الكاسحة والفاعلة: فالمرآة بياض، والفجر بياض، والبياض المنتشر على الخندق بياض، وجفن البياض بياض؛ فلم يبق معه إلاّ الاخضرار والاحمرار.. وأين لونان من لون واحد لكنه يتكرر أربع مرات، فكأنه بمثابة أربعة ألوان وعلى ان اللون الأخضر الدال على الرخاء والنعيم، يمكن ان يضاف، من الوجهة السيميائية، إلى اللون الأبيض الدال على الأمن والخير، فيتحد معه ويتضافر؛ فلا يبقى إلاّ اللون الأسود الدال على الشقاء والخوف وحده.
وإذا كانت وظيفة البياض هي نشر السعادة، واشاعة السكينة والطمأنينة، فإن السواد يستحيل، لدى نهاية القسم الأول من هذه القصيدة التي نحن بصدد الحديث عنها، وهي: "الجري بين رمل وشمس" إلى أداة تدمير، ومعمول اغتيال:
لفجر يمد البياض على خندق من رماد وبرد
سيخضر جفن البياض ويحمر وجه الرماد
ويفتر نصل السواد إلى لحظة في الغياب
المسائي. يمضي الصباح على ثقة: صدر هذا
السحاب الثقيل سينأى عن البائعين وهم
يمضغون القشور ويرمون أحلامهم في القبور
ليشتعل الضوء من صحوة الرمل أو من التماع
العظام السحيقة. لا أنت يا رمل تهوى
شبابي، لكنني قد خلعت ثيابي، ان كنت
حلماً فخذني إليك، وإن كنت ظلماً دمي في
يديك، وإن كنت موتاً سأبكي عليك (...)@
هو السر في الحالتين سنبقى مع الرمل نغتاله بالسواد
كم كنت أود ان أمضي في قراءة هذه القصيدة ذات الشعر الرقيق الجميل، وصنواتها الثماني عشرة في الديوان لولا أني أحرج على احترام المساحة المخصصة في "ثقافة الخميس" من جريدة "الرياض" الغراء، لهذا المقال.

abdelmalek.mortad@caramail.com
@(ديوان: الخروج من المرآة   ).ے




 

بقية المواضيع

الخروج.. من أجل الدخول في المرآة
مولعة بالقراءة مولعة بالكتابة:غادة السمان في روايتها: سهرة تنكرية للموتى
مفكرة السرد لمناسبة مرور سنة على غياب مؤنس الرزاز : متاهة الأعراب في ناطحات السراب
مساءلات فكرية .. الفكر والهوية
هل تقرأ المرأة بصورة مختلفة عما يقرأ الرجل؟
الشاعرة فاطمة ناعوت تقتحم مستعمرات ما بعد حداثية بديوانها "على بعد سنتيمتر واحد من الأرض"!
دوريات
ادخار القاموس والتقنيات المشاعة: علي العمري أنموذجاً
محمد عبده يؤجل طرح ألبومات الشعبيات الثلاثة
يشاركهم الحوار في منتدى MTVشباب الشرق الأوسط يسألون بلير: هل الحرب هي الحل؟!
يوسف المحيميد لـ "ثقافة اليوم":كتبتُ بشهوة غريبة وكأني أغسل عزلتي بالكتابة
الشهري يشرف على البوم وليد عطية
باتيليه جدة معرض الدكتور فرغلي عبد الحفيظ منتصف ابريل
فاديا خطاب تثير المشاكل بين ابنتها وزوجها
رحمة الجلاهمة بين إبداع النبطي وقرض الفصيح
شماليل
بيت وصدى
عذب الغرام
"اليوله".. الرقصة الحربية في الإمارات
إنجلترا وفرنسا والصين في صراع على حفل الافتتاح
في (البيان) الأدبية: قراءة في رواية عبدالرحمن منيف
( الكشكول: ما أشطركم في الحكي)
(الجسرة): ملف عن الرواية الجزائرية
شهار
وجه آخر للقصيدة!!..
رواية احلام مستغانمي الجديدة الحب والعنف والمرأة المستضعفة
عبدالعزيز جاسم ينتهي من (زحف العقارب)
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض