عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 06 March 2003 No. 12676 Year 38

الخميس 03 محرم 1424العدد 12676 السنة 38

  شهار

منصور محمد العتيق

الاوراق امامي، تتزاحم بعنف كجماهير خطبة من خطب عبدالناصر، والقلم بين يدي، تتلاعب به اصابعي التي لم تقرر الكتابة بعد!
بعد قليل سأسود هذه الاوراق.. سأرتبها بترتيب معين.. واتركها، وعلى الصفحة الاولى سأرمي قلمي، وسأوقع اسمي في النهاية، ثم ينتهي كل شيء!
زليس غريباً ان استمتع بكل هذا؟
نعم بكل اليأس! بكل ما اجره من خيبة امل! انها سلطتي الوحيدة هنا، بين اربع جدران بباب موصد، في الغرفة التي خصصوها لمن لم تعرف حالاتهم بعد في مستشفى الصحة النفسية في الطائف!
الاغرب فعلاً انني لا اهتم بما اكتب، كنت افرغ ذاكرتي في سطور متراصة لا اعود اليها ولا افكر فيها. كنت اكتب مضطجعاً، تصور! كأن اليأس الذي يركبني ويوجهني لايتيح لي ابسط خيار!
اتخبط في غرفتي، اجرب النظر من النافذة ذات القضبان الفولاذية، نوافذ المستشفى- تصور- تطل على مدينة العاب.. والمجانين في الخارج يمارسون جنونهم المعتاد، فكرت غير مرة بارتجال خطبة فيهم من مكاني العالي، وكل مرة كنت اتراجع! كل مرة! مجانين من امة لاينقصها خطب امة دخلت حرباً بكل ماتملك من خطب!مؤلم ان تكون النهاية بهذا الشكل ان تتحول الى رقم بين كم النزلاء هذا، رقم يذكرك تسلسله بعدد البؤساء الذين انتهوا قبلك هنا. مؤلم ان تعود للطائف مجنوناً.. انت الذي مللت مجيئها سائحاً، الطائف اللغز، اللغز الذي يعرف الجميع حقيقته.. لكنهم لايجرؤون على تفسيره!
اذا سرت يوماً في طرقات الطائف فتوقع ان تصادف كل شيء! واي شيء ليذهب فكرك بعيداً هذه المرة لأني لن استطيع شرح كل شيء في خطاب كهذا! ربما اذا زرتني- اعرف انك لن تفعل- سأحكي لك كل شيء واذا زرتني حاذر ان تسأل عن (مستشفى الصحة النفسية) الثقافة لاتلزمك هنا، تكفيك (مستشفى المجانين) او (مستشفى شهار) او حتى (شهار)، وسيعرف سائق التاكسي المراد على الفور، واذا وصلت وسألت السائق عن الاجرة فقال: (ما يأتي منك) فلا تظن انك وفقت في سائق ( ابن حلال) انما لان السائق مشغول بسبك واليوم الاغبر الذي اضطر فيه لتوصيل راكب الى (شهار) ركاب آخر زمن!هذه هي الطائف.. طائف المتناقضات، طائف الحب والكره، الخير والشر، البياض والسواد!
وهذه هي حياتي الجديدة بياض كفني يستفزني في كل مكان، حتى بياض الاوراق اصبح يقتلني ببطء بات يشعرني، بصورة او بأخرى، انني ميت يتنفس!!
في المستشفى العام الجديد، يتحول البياض الى جنحة غير معلنة لانك تفهم، بمجرد الدخول، ان عليك ان تعيش حياتك الجديدة بسوداوية مقيتة سوداوية تعرف جيداً مؤداها والغرض منها!
لذلك لا احاول منع يدي التي تنكش في الاوراق عن اي اثر ابيض اي مساحة لم تسودها ذكرياتي بعد!
والجنحة في ورقة بيضاء!  وجدتها مختفية بدهاء شديد، بعنوان يتصدرها ومساحة بيضاء فيما عدا ذلك!
(سبحان العاطي) هكذا عنونتها ذات جنون! وهكذا تركتها وكأنني لا ازال اعيشها او على الاقل اود ذلك!
(سبحان العاطي) سبحانه بدءاً ونهاية لكنني في غير حاجة لتذكر صاحب ذلك الاسم المميز استاذ التاريخ المصري القديم في الجامعة!
(سبحان العاطي) ولا بد اذن من العودة للجنون لابد من حديث الذكريات.
وانا ضعيف امام الذكريات جداً!
نسيت (سبحان العاطي)؟! اراهن على ذلك انت الذي قلت لي ذات نوبة غضب: لا ينقصنا مجانين! وكنت تعنيه بالتأكيد! انسان من الغرابة والجنون كان ذلك الشخص درس علم المصريات في انجلترا غير انه، يوم جاءنا، جاءنا ولا تزال بقايا الطمي عالقة في اقدامه يحدثك عن كل شيء بجنون وتوسع وبلهجة اجداده المصرية الصعيدية التي تحبك في كل حديث!
مازلت اذكر نظرياته الغربية التي كان يدافع عنها بقوة تجعلك تؤمن بها بالايحاء! نظرية (الهروب من الواقع) التي فسر بها كل شيء كان يقول ان الانسان العربي- خصوصاً- محاصر يواقعه المؤلم، لذلك تأتي كل تصرفاته مضادة لذلك الحصار كل تصرفاته "طارق بن زياد احرق سفنه هرباً من الواقع، من هو طارق قبل حرق السفن ومن هو بعده؟ وهذا هو الهروب الناجح الوحيد والبقية محاولات فاشلة ابطالها شعراء وعشاق وحواة! محمود درويش عاد من بيروت ذات يوم فلم يجد قريته بانتظاره، وجد صحراء جرداء لا اثر فيها لام ولاحبيب، هدم اليهود (البرودة) كما هدموا قبلها وبعدها. ماذا قال الناس له يومها؟ (يعيش غيرك لقد انتهيت!) وماذا تريد من شخص لايعرف هل انتهى ام لا سوى محاولة النسيان والنسيان هروب كل تعلم!"لم اكن لاؤمن بنظريته تلك، خصوصاً حديثه عن محمود درويش، لولا ان طبقها علي وامامي! كنت اجلس معه ذات يوم في مكتبه وهو يقول:
-انت ياناصر، على سبيل المثال، لماذا تهتم بالآثار اهتماماً فوق عادي؟ لانك ببساطة فشلت في الصيدلة وتريد الهروب.. الهروب من ذاكرتك وواقعك وتاريخك الذي لاترضى عنه. لذلك تدرس بجد غريب، حتى في الصيف، في مجال لم تفكر به يوماً ما ..انا ايضا لاتظن انني نسيت نفسي انا امارس الهرب في كل لحظة ذات يوم كنت شاباً ممتلئاً حيوية ونشاطاً لكنني كنت مستعجلاً! دخلت انتخابات مجلس الشعب بكل شهاداتي وتبجحي! لم افهم قوانين اللعبة يومها، لذلك خرجت بهزيمة مؤلمة ومحملة بكثير من السخرية، ولذلك فررت الى ارض الله، جامعة بيروت وجامعة الكويت ثم جامعة الملك سعود هنا!
تحدث الدكتور يومها كثيراً، كان ممتلئاً بقضاياه بقدر مرارة تجاربه اذا احب دافع بشده واذا كره هاجم بشدة! وهذا هو سبب كل مشاكله!
لن انسى ماحييت يوم كنا انا وهو نتناول الشاي في كافتيريا الكلية، يومها وقعت عيناه على صحيفة غلافها الاخير يحمل صورة الطفلة الفلسطينية ايمان حجور وجرحها النائم على صدرها والواسع بحجم خيبتنا يومها بكى الدكتور كطفل صغير، بكى بسراخ ودموع وسب لاشخاص لا اعرفهم، صرخ فيني وفي الجميع حولنا: (ابك ايها الجبان، قدرتك على البكاء بقدرتك على ان تظل انساناً! اسمع صورتك حتى لوكان بكاءً!)
لا اذكر كيف مر ذلك اليوم، الذي اذكره انه بعده بأيام وصل الدكتور ابعد نقطة في هروبه عن واقعه، كنت اجلس في مكتبه عندما قال لي فجأة:
-ناصر هل زرت الاقصر؟
-لا!
فقال:
-شيء ما يحدثني حديثاً غريباً عن الآثار هناك، انها من العظمة بحيث من المستحيل ان يكون انتشارها محدوداً بوادي النيل، فكر معي!
ثم يأخذ نظرة وهمية على اوراق امامه نظرة هروبية ثم يقول:
-افكر في امتدادات محتملة للفراعنة في ليبيا والسودان. لابد من ذلك!
هذا جنون جنون رسمي، الف باء التاريخ والآثار تعارض كل مايقوله الدكتور، والمشكلة انه يأخذ رأيي! شرف تمنيت لو لم احصل عليه..فكرت قليلاً ثم قلت:
-دكتور لعل الظروف الراهنة، والاوضاع المشتعلة ربما تدفع اي شخص للتفكير عكس المنطق..
قاطعني وقد فهم، للاسف، كل شيء:
-ماذا؟
قلت:
-اقصد لوكنت مكانك، كنت فكرت في الراحة والاستجمام بعيداً عن هموم العمل! فكرت في اجازة مثلاً!
انفجر الدكتور انفجر:
-افكر عكس المنطق؟! يعني مجنون ولابس بدلة! كنت غلطان لما اخذت رأيك! اطلع بره! طز فيك وفي كل زمايلك.. انفجاره يتواصل ففررت من مكتبه بما تبقى لي من كرامة، وفراراً من كل شيء بدا يقذفه علي..وحزينا بدأت افكر بعدها في كل ماحدث! خصوصاً بعد تلك الحادثة المشؤومة بأيام عندما انقطع الدكتور عن الحضور نهائياً.
سألت الدكتور (محزون عبدالصبور) عنه فقال كلاماً غريباً:
-المجنون اشترى قطعاً من (خان الخليلي) وقال انه وجدها في ليبيا والسودان الرجل جن والمصريون حساسون جداً تجاه موضوع الآثار هذا قبض عليه بوليس الآثار والانتربول، والعين عليك ياواد!
قبض وانتربول وشريك! لابد ان احدنا مجنون!
نفدت الاوراق وتلاشت المساحات البيضاء، بينما لاتزال ذاكرتي مترعة بالجنون ثقيلة كإسفنجة مبلولة!
كنت، بحالتي السابقة والراهنة، مسافراً بين عالمين.. عبر حبل مهترىء، واه كخيط العنكبوت ولكنه الوسيلة الوحيدة.. وكل ماهنالك.
وهاهي بوادر الفجر تبزغ، حاملة عبر النافذة نسائم الطائف المنعشة التي تستمتع بها حتى لو كنت نزيلاً في (شهار)!
وضجيج الممرات الهامس يبدأ هنا وهنالك، بعد قليل ستدخل (ليندا) الممرضة النيوزيلندية البدينة، ستبدي امتعاضها من عدم نومي كالمعتاد، وستحقنني بذلك السائل الرقراق الذي سيبقيني نائماً حتى المساء!
وفي المساء سأقابل يومي الليلي الجديد بذكريات جديدة ونوبات جديدة!
ويستمر كل هذا حتى انقل لعنبر 506، عنبر المتورطين في جرائم من كل نوع ثم افرج عنهم باعتبارهم مجانين! العنبر المقابل لعنبري الحالي، في الجهة المقابلة من المستشفى، الجهة التي تطل على سوق شعبي للخضار، حيث يطارد الكادحون وزملاء دراستي القديمة لقمة العيش العتيدة!ومساحات الكآبة في داخلي تتضاعف، مجرد انا من كل اقنعتي امام ذاتي التي عجزت ان افسر لها هويتي، من انا بالضبط؟ اي شخص انا بين تلك التنوءات الزائدة عن الحياة التي رغم كل حزنها تظل تتنفس!
مللت كل مفردات الحياة مللت الليالي الطويلة المتشابهة وحقن ليندا الرقراقة المتشابهة ونوبات النوم النهارية المتشابهة والمجانين المتشابهين في الخارج: المرفهين في مدينة الالعاب والكادحين في سوق الخضار!!
الافكار تتناسل وخطوات ليندا الثقيلة تقترب، قبل ان تدخل تتسلل عيني عبر النافذة الى الحديقة الواسعة امام النافذة، اشاهد (عيد) حارس الامن يخطو عبرها بنشاط يظهر جليا على جسمه الضئيل، (مبسوط ياعيد؟) اصيح فيه عبر النافذة، بالتفاتة مبتسمة يجيبني ثم يمضي ثم يأتي صوته مترنما بأغنية قديمة:
-(ياسقى الله ليلة بك عرفتنا في شعيب (شهار) عن غيرك سلينا)..
ايه يا(عيد) اناس تبتدىء ذكرياتهم في شهار واناس يفرغونها في شهار ومن (شهار) الى (شهار) اسافر عبر حبل رفيع لكنه مهترئ وواه كخيط العنكبوت هو الوسيلة الوحيدة وهو كل ماهنالك!
تدخل الممرضة وتغرز الحقنة في الوريد مباشرة يتناقص السائل شيئاً فشيئاً غريب السائل اكثر من المعتاد والحقنة اكبر من المعتاد وهذا الالم الخفيف بين الضلوع غريب، لماذا تتثاقل انفاسي على هذا النحو؟! تأتي همهمة ليندا تسب العمر الذي ضاع بين هؤلاء المجانين مجانين؟! اين انا بالضبط؟! اهم، فجأة، بالصراخ والاحتجاج.. لا اريد جرعة اكبر لا اريد نوماً اكثر لا ثم.. ثم انتهى كل شيء كل شيء!!

الطائف- الرياض
Mnsr-atg@hotmil.com
w.w.w.mnsr.com
@ اسم لمصح نفسي شهير في مدينة الطائف يأخذ اسم الحي الذي يقع فيه




 

بقية المواضيع

الخروج.. من أجل الدخول في المرآة
مولعة بالقراءة مولعة بالكتابة:غادة السمان في روايتها: سهرة تنكرية للموتى
مفكرة السرد لمناسبة مرور سنة على غياب مؤنس الرزاز : متاهة الأعراب في ناطحات السراب
مساءلات فكرية .. الفكر والهوية
هل تقرأ المرأة بصورة مختلفة عما يقرأ الرجل؟
الشاعرة فاطمة ناعوت تقتحم مستعمرات ما بعد حداثية بديوانها "على بعد سنتيمتر واحد من الأرض"!
دوريات
ادخار القاموس والتقنيات المشاعة: علي العمري أنموذجاً
محمد عبده يؤجل طرح ألبومات الشعبيات الثلاثة
يشاركهم الحوار في منتدى MTVشباب الشرق الأوسط يسألون بلير: هل الحرب هي الحل؟!
يوسف المحيميد لـ "ثقافة اليوم":كتبتُ بشهوة غريبة وكأني أغسل عزلتي بالكتابة
الشهري يشرف على البوم وليد عطية
باتيليه جدة معرض الدكتور فرغلي عبد الحفيظ منتصف ابريل
فاديا خطاب تثير المشاكل بين ابنتها وزوجها
رحمة الجلاهمة بين إبداع النبطي وقرض الفصيح
شماليل
بيت وصدى
عذب الغرام
"اليوله".. الرقصة الحربية في الإمارات
إنجلترا وفرنسا والصين في صراع على حفل الافتتاح
في (البيان) الأدبية: قراءة في رواية عبدالرحمن منيف
( الكشكول: ما أشطركم في الحكي)
(الجسرة): ملف عن الرواية الجزائرية
شهار
وجه آخر للقصيدة!!..
رواية احلام مستغانمي الجديدة الحب والعنف والمرأة المستضعفة
عبدالعزيز جاسم ينتهي من (زحف العقارب)
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض