عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 06 March 2003 No. 12676 Year 38

الخميس 03 محرم 1424العدد 12676 السنة 38

  هل تقرأ المرأة بصورة مختلفة عما يقرأ الرجل؟

د. سعاد المانع

النص الثاني وهو قصيدة طويلة للشاعرة اشجان هندي عنوانها" حروب الأهلة" ومن ديوانها للحلم رائحة المطر (ص 43-49). في ثنايا هذه القصيدة تظهر رؤية خاصة للصورة التي تجعل المرأة مرتبطة بالخطيئة. هذه الرؤية الخاصة تجعل المرأة إن كانت تحمل الرجل على الإثم والخطيئة، فقد استمدت هذا من الرجل نفسه ما دامت قد خلقت منه، ومن ثم فهي تعيد إليه ما امدها به من قبل. ومن الطبيعي ان تكون قراءة الصورة التي تتكرر في الأدب العربي وغير العربي هي ما أنتج بطريقة مختلفة تماما الصورة الخاصة برؤية الشاعرة.
تتضمن قصيدة "حروب الأهلة" للشاعرة أشجان هندي رؤية خاصة لفكرة كون المرأة مصدر الإثم. تحمل القصيدة إيحاءات العلاقة الخاصة بين الرجل والمرأة، كما تومئ الى تداعيات الخلق الأول لآدم وحواء كما جاءت في الإسرائيليات.
تبدأ القصيدة بالعبارة:
" محاق هواه،
وبدر هواي
يتم الذي تصطفيه السماء لأقمارها
ونخسف إن قربونا من الطين
نتلف،
نكشف عن سوأة الأرض،
نألف طعم الخطيئة،
نحلف:
كان الهوى أعذبا.
تحمل القصيدة طابع الشعر الحداثي. وتظل الدلالات المجازية، وغير المجازية التي تنضوي عليها ألفاظ السماء والارض وما يتصل بكل منها، تحمل أيضا الإيحاءات المتصلة بما بين السمو والتحليق في الآفاق وما بين الإنحدار. وتعتمد القصيدة كلها على إيحاءات بالغة الإبهام تستمدها من الفاظ ارتبطت بإيحاءات معينة في التراث مثل "البدر، المحاق، تصطفيه السماء، سوءة الأرض، طعم الخطيئة، الخيام، الذنب، الليل، الروح، الباطنين، الظاهريين، المجرات، تفاحة الإفك، ريحانة الإثم. المتحدثة في القصيدة امرأة، وعند المقارنة في (الهوى) بين امرأة القصيدة والرجل الذي تتحدث عنه نجد منذ المطلع ان "هواه" محاق، اما هواها هي فهو "بدر". والمقارنة بين المحاق والبدر تستدعي إيحاءات لاحصر لها، ولعل اقربها هو الاكتمال في البدر، والتضاؤل في المحاق. من هنا يبدأ مطلع القصيدة موحيا بأن الاكتمال في الهوى هو في جانب امرأة القصيدة. ولكن هذا الاكتمال في الهوى يظل متذبذبا بين التحليق في "السماء" وبين القرب من "الطين". ويبدو التعادل في الخطيئة وفي المشاعر بين امرأة القصيدة وبين الرجل الذي تتحدث عنه:
" وأمضي وإياه،
يأسرنا  الذنب،
نرتاب،
نهمي على بعضنا القا متعبا.
كلاهما يحمل مسؤولية ما يفعل، وكلاهما معرض للذنب" يأسرنا الذنب" لم يغرر أحدهما بالآخر، واستعمال ضمير المتكلمين هنا يوحي بالمشاركة. ويبدو في القصيدة هذا التساؤل الفطري في الإنسان( عامة ذكرا أو أنثى) عن الأسرار في الكون. تتحدث  امرأة القصيدة:
" اسئلة عن رحيق السؤال،
عن البال،
كيف يؤججه السر......"
ويظهر في القصيدة تمرد مضاد لصورة المرأة المغوية للرجل. لكن التمرد على شيوع هذه الصورة لا يهتم بإنكار سمة الإغواء عن المرأة، ولكنه يجعل مصدر الإغواء سمات الحياة المختلفة التي خلقت المرأة منها ممتزجة، ومصدره كذلك ردة فعل للظلم الذي يقع على المرأة:
" لأني من الضيم ، والجدب، والغيم، والحرب والسلم، والصحو، والحلم لأني اعوجاج الخطيئة،
تفاحة الإفك
ريحانة الإثم،
إن مسني الظلم لن أنجبا
سوى نطف بالغواية تزدان
تجتاح موسمك الطيبا
وفي الأبيات السابقة تحول الخطاب من ضمير جماعة المتكلمين،  إلى ضمير المتكلم المفرد للمرأة. وتتمازج صورة المرأة المغوية مع صورة حواء التي ينسب  إليها إغواء آدم ودفعه للخطيئة في التراث الغربي المنتمي إلى التوراة، وكذلك في جانب من التراث العربي الإسلامي في مرويات مستمدة من الإسرائيليات. ومن هذا التمازج تجعل القصيدة الإغواء مصدره الرجل، فمادامت حواء قد جاءت من آدم،  فسمات الغواية فيها ليست غريبة عن الرجل، فهي منه في كل شيء " لأني منك". ولقد صيغت المرأة مما يحب الرجل كما صيغت من الفطرة التي جبل عليها من مقارفة للذنب، من جوع ظهرك للذنب قد صاغني الله"، لذا لا غرابة أن تكون قادرة أن تغويه. ومن ثم تهدد أن تأتيه بفتنتها وبما تختاره من نزقها وتجعله يسقط في الإثم إن هي مسها "الظلم":
لأني من فتنتي صاغني الله،
من حب روحك للحب
قد صاغني الله،
من جوع ظهرك للذنب
قد صاغني الله
لأني منك
سآتيك من كل ما صاغني الله منه،
..........
واختار من نزقي ما اشاء،
اغويك حتى يئن المساء،
وينفض الماء،
وأنشدك الغي كي تطربا،
وترقص حولك  آثامهم
فأغتالهم كوكبا
كوكبا.
هنا القصيدة كاملة تحمل جمالا موحيا، وتنبعث منها إيماءات شتى وومضات خاطفة تشد السامع اوا لقارئ. فهي لا تحمل صورة محددة، وإنما تومئ الى صور تتماوج فيها شتى الظلال والأخيلة دونما تحديد. وتشف هذه الظلال عن امرأة لها قدرة خارقة على انتقام رهيب.
وربما بدت في هذه الصورة صورة المرأة الشريرة التي لاتمل الحنان والخير والتي نجدها في بعض كتابات الرجل، والتي ربما ظهرت في الشعر العربي الحديث في بعض شعر عمر ابي ريشه، وفي بعض شعر ابراهيم العريض مثلا.
لكن الصورة في القصيدة ليست مثل تلك الصور تماما فهي لا تسهم المرأة بالشر لتستدعي البغض لها.
فثمة تمرد على هذه الصورة التقليدية المتواترة. يظهر التمرد حين لا تهتم الشاعرة بنفي الصورة الشريرة عن المرأة وإنما تعمد ان تبث ما يحيط التمرد حين لا تهتم الشاعرة بنفي الصورة الشريرة عن المرأة وإنما تعمد ان تبث ما يحيط بهذه الصورة.
فشر المرأة هنا ليس هجوما على برئ وإنما هو انتقام ضد شر آخر، والغواية ليست أصلا في المرأة المغوية، ولكنما هي ثمرة لما وجد أصلاً في الرجل. وتفاجئ القارئ رؤية جديدة للمرأة المغوية، ففعل الشر عندها يأتي ردة فعل لفعل شر آخر " إن مسني الظلم"، وهو لا يمس بريئا ولكنه يعود على من كان في الشر أصلا " لأني منك". وحين توميء امرأة القصيدة الى قدرتها على الإنجاب، وهو يأتي هنا مجازا، ويظهر على أن المستفيد منه الرجل، يأتي التهديد بان إنجابها لن يكون الا شرا ووبالا على الرجل:
" إن مسني الظلم لن أنجبا
سوى نطف بالغواية تزدان
تجتاح موسمك الطيبا".
الصورة التقليدية للمرأة تصفها أنها مغوية، اما ما تفعله الشاعرة في القصيدة هنا فهو تبرير جنوح المرأة نحو الغواية، واستخدامها الغواية تمردا على سطوة الرجل وتهديدا له إن مسها الظلم منه.
هنا اختلاف، ورفض للصورة السائدة في التراث الأدبي ولكن هذا الاختلاف لا يقدم امرأة القصيدة في صورة سيدة حرة تملك من الحياة قدرمايملك الرجل، او يقاربه في المقدار. وإنما يقدمها على أنها تابع للرجل تقع اقصى حدود تطلعاته ان يتمرد على هيمنة  السيد فيبدو الرجل في صورة السيد المالك، وتبدو المرأة في صورة العبد الذي لا يملك شيئا غير التمرد.
وهذا التصور لا تبدو فيه هذه المرأة كائنا مستقلا حرا يفعل الخير او الشر بمحض إرادته، وإنما تبدو تابعا دورها ان يكون لها ردة فعل.
في هذا التصور لاتبدو امرأة القصيدة لها دور اساسي في الحياة، وإنما خلقت تبعا للرجل، ومن ثم ليس لها غير الفتنة والحب، والإغواء. وهنا قد تبدو صورة المرأة في القصيدة لا تختلف في جوهرها عن الصور الموجودة للمرأة في كثير من كتابات الرجل، سمة التابع، كل الاختلاف يأتي هنا من كونها تتمرد.
إن ما سبق يعرض جانبا من كيفية قراءة زوايا من التراث المتصل بتصور المرأة عند شاعرتين وردت عند كل منهما قصيدة تحتل المرأة فيها محور الحديث.
وتنعكس في كل من القصيدتين رؤية تعكس قراءة خاصة لصورة معينة للمرأة معروفة ومتداولة في التراث الأدبي.
ففي قصيدة "اين اتجاه الشجر" لثريا العريض تظهر صورة زرقاء اليمامة كما تتمثل في رؤية الشاعرة. فأسطورة زرقاء اليمامة تكررت في كثير من كتب التراث، في روايات مختلفة، وما نجده في قصيدة" أين اتجاه الشجر" إنما يتمثل فيه قراءة الشاعرة الخاصة لهذه الأسطورة، فامرأة القصيدة وهي تتحدث بضمير المتكلم تناجي الزرقاء بطلة الاسطورة حينا، تتماهي معها حينا آخر، تغدو كأنما هي اخت للزرقاء او هي امتداد لها ويغدو الموقف المحيط بها كأنما هو يماثل الموقف الذي كان يحيط بالزرقاء، أو هو تكرار له.
وفي قصيدة" حروب الأهلة" لاشجان هندي تظهر صورة المرأة المغوية كما تتمثل في رؤية الشاعرة. وصورة المرأة وارتباطها بالإغواء تتكرر في التراث الأدبي في الغرب وفي الشرق. فمادام الإغواء يدفع للخطيئة فالمرأة المغوية تتسم دوما بسمة الشر، وتغدو عدوة للرجل لابد من تحذيره منها. اما الرؤية في القصيدة فتعكس قراءة الشاعرة لهذه الصورة السائدة عن المرأة. وتظهر هذه القراءة تحمل تصورا خاصا للمرأة ففي القصيدة تتحدث امرأة القصيدة عن الإغواء تنسبه لنفسها، لا تنفيه او تعتذر عنه، ولكن هذا الإغواء يرد في سياق لا يجعله مجرد نزعة إثم وشر تنفرد به المرأة فإن تكن في المرأة نزعة نحو الشر فهي موجودة في الرجل أيضا، ما دامت حواء خلقت من آدم.
وإن تكن امرأة القصيدة تعلن استخدامها للإغواء والشر وتهدد به، فهذا ليس مبادرة بالشر، وإنما هووسيلتها للانتقام إذا ما مسها ظلم الرجل.
يمكن القول  إن القراءة السابقة- بغض النظر عن البناء الجمالي في القصيدة- ليست تعبر عن قراءة وحيدة تمثل المرأة. فهناك فروق كثيرة، كما سبقت الإشارة الى ذلك، بين قراءة  امرأة  وامرأة قد يصعب حصرها. لكن ما يستحق التأكيد هنا هو ان القراءة المختلفة عند المرأة لا تأتي من قارئة سلبية تظل في حدود القراءة المستقبلية التي لا تتفاعل مع النص. وإنما تأتي القراءة المختلفة من القارئة التي تتفاعل مع النص، فيكون ذلك إسهاما في رؤية جديدة.  





 

بقية المواضيع

الخروج.. من أجل الدخول في المرآة
مولعة بالقراءة مولعة بالكتابة:غادة السمان في روايتها: سهرة تنكرية للموتى
مفكرة السرد لمناسبة مرور سنة على غياب مؤنس الرزاز : متاهة الأعراب في ناطحات السراب
مساءلات فكرية .. الفكر والهوية
هل تقرأ المرأة بصورة مختلفة عما يقرأ الرجل؟
الشاعرة فاطمة ناعوت تقتحم مستعمرات ما بعد حداثية بديوانها "على بعد سنتيمتر واحد من الأرض"!
دوريات
ادخار القاموس والتقنيات المشاعة: علي العمري أنموذجاً
محمد عبده يؤجل طرح ألبومات الشعبيات الثلاثة
يشاركهم الحوار في منتدى MTVشباب الشرق الأوسط يسألون بلير: هل الحرب هي الحل؟!
يوسف المحيميد لـ "ثقافة اليوم":كتبتُ بشهوة غريبة وكأني أغسل عزلتي بالكتابة
الشهري يشرف على البوم وليد عطية
باتيليه جدة معرض الدكتور فرغلي عبد الحفيظ منتصف ابريل
فاديا خطاب تثير المشاكل بين ابنتها وزوجها
رحمة الجلاهمة بين إبداع النبطي وقرض الفصيح
شماليل
بيت وصدى
عذب الغرام
"اليوله".. الرقصة الحربية في الإمارات
إنجلترا وفرنسا والصين في صراع على حفل الافتتاح
في (البيان) الأدبية: قراءة في رواية عبدالرحمن منيف
( الكشكول: ما أشطركم في الحكي)
(الجسرة): ملف عن الرواية الجزائرية
شهار
وجه آخر للقصيدة!!..
رواية احلام مستغانمي الجديدة الحب والعنف والمرأة المستضعفة
عبدالعزيز جاسم ينتهي من (زحف العقارب)
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض