عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 06 March 2003 No. 12676 Year 38

الخميس 03 محرم 1424العدد 12676 السنة 38

  مساءلات فكرية .. الفكر والهوية

د. عبدالسلام المسدّي

عندما تسمع حولك من يعلن من بني جلدتك فيما يخط من أبحاث أو فيما يلقي من محاضرات أن الوحي "إن هو إلا التنزل الموضوعي للنص في التاريخ" تعرف أن شيئاً ما في بنية العقل الأكاديمي قد دب إليه السوس الثقافي الناخر. وسيأخذك الذهول والعجب وربما يعتريك القلق أو يتداول عليك التوتر ثم الحسرة حين ترى أن الكلام يساق مساق الحقيقة الجازمة، وأن أصحابه يوردونه متزينا بحلية الموضوعية كما لو أنه من صميم اقتضاءات العلم. وتمسك نفسك برهة تتفحص إن كان الإفضاء بالكلام قد جاء بوحا بالقناعات الحميمة - مما يندرج ضمن شؤون الذات مطلقاً. أو جاء تعبيراً عن اقتناع فكري يتجاوز الفردي إلى الجماعي.
وإذا بك تشهد أن القائل يشحن خطابه بالطاقة الإيعازية التي تدفع القارئ على عمومه إلى الجزم بأن ذلك التأكيد يستلزمه الموقف العلمي وتمليه أشراط المعرفة الحيادية. وهكذا يغيب عن الوعي العام أننا إذا اتكأنا على العلم كي نقول: "إن الوحي ليس إلا التنزل الموضوعي للنص في التاريخ" فإننا نكون قد ظلمنا العلم إذ نحمله أكثر مما يطيق. فقد يكون لبعضهم أن يعتنق ضمن قناعاته الخاصة تلك الفكرة ولكن إذا توهمنا أننا نتوسل بعقلانية المعرفة كي نجر الآخرين إلى التسليم بها فإننا نكون قد انحرفنا مرتين: مرة بالخلط بين القناعات الفكرية والمسلمات الحميمة، ومرة بادعاء أننا نفعل ذلك باسم الموضوعية العلمية، فنكون نحن الذين أدلجنا العلم من حيث توسلنا به لإلغاء الإيمان. فكيف السبيل إلى رسم مقاسم العلم، ومقاسم الأمانة، ومقاسم الهوية، ومقاسم الحياد، ومقاسم الانتماء إلى الأمة وحضارتها؟
ثم كيف السبيل إلى تحديد الموضوعية والالتزام، وإلى تسييج محاصن الفرد ضمن ملكية الجماعة، وإلى ضبط حرية الفكر فيما بين خطاب العلم وخطاب الدفاع عن الهوية؟
لقد كان جمع من الأكاديميين ينبهون على مدى العقدين الماضيين إلى خطر الاختراق الثقافي، وكانوا يمارسون بما يقولونه نوعاً من الحدس وضرباً من الاستشعار، وكثيراً ما كان إخوان لهم بين حصون الجامعات يتهمونهم بأن فيهم تشككا وريبة، وبأنهم يرجمون الآخر بالظن ويحاكمونه بالمقاصد. وجاءت الأحداث الكونية بنوازلها فأسقطت القناع، وعرت الخطاب، فأفصحت الوقائع بما كانت الأحداث فيما مضى تتلطف في إخفائه أو دسه بين السطور.
غير أن المكاشفة بجوهر الأدواء، والأمانة في تحليل الأعراض، والدقة القصوى التي هي من لوازم التشخيص الموضوعي، تستوجب منا تفكيك ظاهرة الاتهام في القناعات الحميمة إلى ضربين كل واحد منهما يستنفر الآخر بالاجتلاب والمطاردة في نفس الوقت. فالرجم الثقافي الذي يسوغ للإنسان أن ينصب نفسه قيما على أخيه الإنسان في كل ما يتصل بسلوكه وبأفكاره ثم بظنونه وبقناعاته الحميمة يقابله اليوم إجحاف آخر يقترفه كثير من القائمين على أمر المؤسسة المعرفية وذلك في مختلف الثقافات الإنسانية المعاصرة، ذلك أن حشوداً من المثقفين المعاصرين في مجتمعات شتى وبين مراكن القوميات المتعددة لا ينظرون إلى المسألة إلا بمنظار ثنائي فاصم، فهم في أنفسهم متحررون من كل قيد يربطهم بمعتقد روحي، وهم بأنفسهم لا يرون الصواب إلا فيما هم عليه، وبناء على ذلك تراهم يصنفون الكون الإنساني إلى معسكرين يقفون هم على ضفته اليمنى ويحكمون على سائر من يتبقى بأنهم خصوم على الحرية التي هي حريتهم، وأعداء على الموضوعية التي هي موضوعيتهم، ولذلك يحكمون عليهم بصيغة جاهزة أنهم متعصبون على العلم، متشددون على المعرفة، متعسفون على رقاب الناس، متطرفون في كل ما يأتون.
إن هذه النظرة التي يحكمها منطق المتقابلات الثنائية الضدية نظرة مجحفة لأنها تختزل الواقع اختزالاً ظالماً. ولن يغير من الأمر أنها متأتية من الجهل الذي يصاحبه حسن النية، أو أنها متأتية من التجاهل الذي يحركه الكيد وتنفث فيه أنفاس المكر.
إن الطارئ الجديد على الثقافة الإنسانية ما انفك يتسلل إلى البنى الذهنية في بعض صفوف النخبة الأكاديمية تحت عباءة النسقية الكونية، وهناك أطراف يتحمسون له ويبشرون بخيراته واهمين وموهمين بأن النهضة العلمية المرجوة لا تأتي إلا متى امتطينا جسر العقلانية التي هي - في مخيالهم - نقض كلي لعالم ما وراء العقل.
إن هذا الغزو الجديد - أياً كان المصطلح الذي به نتوسل للتدليل عليه ومهما يكن موقفنا من وظائفه المنجزة والمنتظرة وحيثما حلت ارتداداته المأمولة أو الموعود بها - لهو الصورة الأخرى للعنف الجديد المتسلط على الفكر الإنساني بقاطبة. أما سطوته المتسامقة فتكمن في أنه - في حد ذاته - ضرب من الإيديولوجيا الجديدة التي تنطق باسم القضاء النهائي على الايديولوجيا بعد تحقيق الانتصار الساحق عليها. وليس أكثر عتوا من الخطاب الذي يتستر بالأقنعة ليثبت البدائل من حيث يعلن بنفسه عن نقض الأصل ورفض البدائل.
إن هذا الخطر المكتسح - ما لم يتصد له أولو العزم في بعض جامعاتنا العربية - سيفسد على المؤسسة المعرفية حريتها وسيفقد الفكر استقلالة ما لم يعمل الشرفاء على كشفه. فالانغلاق على الذات من جهة، والاستسلام إلى الآخر من جهة موازية، هما الداءان المؤديان إلى ارباك قواعد الاجراء العقلي، إذ يهزان أركان الموضوعية العلمية من جذورها ويسلبان قلعة الحياد المعرفي حصانتها فتنتكس المؤسسة الفكرية على أعقابها انتكاسة قاتلة، لا سيما وأن أحد الاحتمالات الراجحة أن يركن الطارئان إلى تحالف فيما بينهما عاجل الأمد أو آجل الآماد، ولكل واحد منهما حوافزه المختلفة عن حوافز الآخر، ولكل واحد منهما غاياته التي تتباين مع غايات الآخر سواء في المعلن منها أو في المبيت.
لكل ما أسلفناه - وربما لغير ما أسلفناه كذلك - يتعين على أولى العزم المنتصرين إلى المعرفة الإنسانية المطلقة عن كل قيد تعسفي أن يتيقظوا وأن يلتفوا فيكونوا جبهة يتصدون فيها إلى السيفين المسلولين على رأس الفكر مسلمين بأن عنف التنميط النسفي هو الوجه الآخر المتأتي من التعصب الحضاري والتطرف التاريخي والتشدد الثقافي والاستقطاب المنهجي، وإن المثقف الملتزم هو الذي في خضم الأحداث الزلازل يناضل في سبيل الحرية الفكرية المسؤولة، ويناضل في سبيل صيانة العلم من تطاول الأعراض الطارئة عليه، ولكنه في نفس الوقت لا يستنكف عن إعلان انتمائه إلى هوية حضارية، ولا يتأفف من الإصداح بتوازنه الذاتي وتواؤمه النفسي بين صرامة العقل وحرارة الإيمان.




 

بقية المواضيع

الخروج.. من أجل الدخول في المرآة
مولعة بالقراءة مولعة بالكتابة:غادة السمان في روايتها: سهرة تنكرية للموتى
مفكرة السرد لمناسبة مرور سنة على غياب مؤنس الرزاز : متاهة الأعراب في ناطحات السراب
مساءلات فكرية .. الفكر والهوية
هل تقرأ المرأة بصورة مختلفة عما يقرأ الرجل؟
الشاعرة فاطمة ناعوت تقتحم مستعمرات ما بعد حداثية بديوانها "على بعد سنتيمتر واحد من الأرض"!
دوريات
ادخار القاموس والتقنيات المشاعة: علي العمري أنموذجاً
محمد عبده يؤجل طرح ألبومات الشعبيات الثلاثة
يشاركهم الحوار في منتدى MTVشباب الشرق الأوسط يسألون بلير: هل الحرب هي الحل؟!
يوسف المحيميد لـ "ثقافة اليوم":كتبتُ بشهوة غريبة وكأني أغسل عزلتي بالكتابة
الشهري يشرف على البوم وليد عطية
باتيليه جدة معرض الدكتور فرغلي عبد الحفيظ منتصف ابريل
فاديا خطاب تثير المشاكل بين ابنتها وزوجها
رحمة الجلاهمة بين إبداع النبطي وقرض الفصيح
شماليل
بيت وصدى
عذب الغرام
"اليوله".. الرقصة الحربية في الإمارات
إنجلترا وفرنسا والصين في صراع على حفل الافتتاح
في (البيان) الأدبية: قراءة في رواية عبدالرحمن منيف
( الكشكول: ما أشطركم في الحكي)
(الجسرة): ملف عن الرواية الجزائرية
شهار
وجه آخر للقصيدة!!..
رواية احلام مستغانمي الجديدة الحب والعنف والمرأة المستضعفة
عبدالعزيز جاسم ينتهي من (زحف العقارب)
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض