عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 06 March 2003 No. 12676 Year 38

الخميس 03 محرم 1424العدد 12676 السنة 38

  مفكرة السرد لمناسبة مرور سنة على غياب مؤنس الرزاز : متاهة الأعراب في ناطحات السراب

د. عبدالله إبراهيم

اختفى في فبراير من السنة الفائتة فجأة مؤنس الرزاز قبل ان يسمح للنقاد بتقديم تحليل نقدي معمق وموسع لتجربته الروائية، ولم يتح الا لمجموعة قليلة منهم فرصة حقيقية للقيام بذلك، وهو أمر يتصل بحال الرواية العربية بشكل عام، فالفكر النقدي العربي محكوم بتأصيل شديد الغرابة: الانتباه للظواهر الأدبية الحقيقية بعد فوات الاوان، ولاشك في ان تجربة مؤنس الرزاز الروائية استأثرت باهتمام نقدي، لكنه لم يكن اهتماماً جاداً مقارنة بأهمية تلك التجربة، وبالاجمال فرواياته تقدم لوحة شديدة التعقيد والغنى حول تداخل المستويات السردية، فالعالم التخيلي في رواياته يتشكل بتوجيه مباشر من تلك التداخلات التي تكسر الوهم، وتنبه المتلقي بانه ازاء عالم فني لا يعرف الثبات والاستقرار، انما التحول والتطور ويحرص بجلاء على طرح أفكار لها أهمية حقيقية في الواقع التاريخي خارج النص، إلى ذلك فمؤنس الرزاز في كل رواياته يقدم نبذاً وشذرات مقنعة أحياناً وصريحة عن تجربته الذاتية بوصفه ضحية للايدلوجيات الشمولية، ويجلد نفسه ندما، لانه كان في فترة ما جزءاً منها، وهاجسه الاول البراءة من تلك التجربة، وكلما تقدم به العمر زادت لهجته وسخريته مرارة في التعبير عن كل ذلك.
لو التفتنا إلى السمات الفنية المميزة لتجربته السردية لوجدنا بأن أهم سمة يمكن ملاحظتها في روايات مؤنس الرزاز هي ان الرواة يصرحون برغبتهم الواضحة في صوغ المادة السردية، بما يوافق رؤيتهم للاحداث، وعلاقتهم بها، وفهمهم لمقاصدها. ولهذا فهم مدفوعون دائماً، في نوع من المشاركة، إلى العمل على تصحيح مسارات السرد، إلى درجة أن كثيراً من تلك الروايات تتضمن سجالات حول الكيفية التي ينبغي فيها ان تتركب المادة السردية. وبدل  ان تنبثق الاحداث بشفافية من وسط السرد، فإن الرواة يعلنون عن حضورهم ورغبتهم في ترتيب الاحداث، وذلك يلفت الانتباه إلى ادوارهم ووظائفهم في تضاعيف النصوص الروائية، الأمر الذي جعل كثيراً من روايات مؤنس الرزاز تندرج ضمن ما يعرف ب (السرد الكثيف) وسنقف في هذه المقالة على واحدة من أهم وأشهر رواياته، وهي (متاهة الأعراب في ناطحات السراب) ففيها يذهب مؤنس الرزاز بعيداً في صوغ نوع من السرد الكثيف الذي تثار فيه جملة من القضايا الخاصة بالسرد الأدبي وتقنياته، والواقع فإن اللجوء إلى ذلك، لا يمكن اعتباره بأي شكل من الاشكال مجرد الاعيب سردي لا دلالة لها، انما هي متصلة بالبناء العام للرواية، وهي لصيقة بالمعنى الخاص بها، ولها أ
همية استثنائية في النص.
يتفاعل في هذه الرواية الهجائية مستويان سرديان اثنان، مستوى اول يعني بأسرة "حسنين" بكل ارتباطاتها وعلاقاتها وتاريخها، وبخاصة متابعة حلم "الأب" بأن يتجاوز الانتماء القبلي التقليدي، واستبداله بالانتماء إلى "عشيرة تربط أفرادها الأحلام الكبيرة لا الدماء والنسب ثم كل التفاصيل الخاصة بذلك، والنتائج التي ترتبت على فشل ذلك الحلم، ومصائر الشخصيات التي تدور في أفق الأسرة الكبيرة، ابتداءً بالجد مروراً بالأب الحالم، طبيب الفقراء، المناضل والسجين، وصولا إلى الابن "حسنين" المتمزق بين انتماءين والذي بسبب ذلك التمزق والازدواج يبدأ بالانشطار إلى أكثر من شخصية، ومستوى ثان ينبثق من وسط الاول، وتمثله "الرواية" التي يكتبها "حسنين" من الداخل عن نفسه وتجربته وأسرته وعالمه. وفيما يظهر "حسنين" شخصية في المستوى الاول، يظهر بوصفه مؤلفاً روائياً في المستوى الثاني، وفيما يكشف المستوى الاول الأبعاد الخارجية للشخصيات وعالمها الواسع، وعلاقاتها اليومية، يكشف المستوى الثاني الأبعاد الداخلية للشخصيات، لأن "الرواية" التي يكتبها "حسنين" تسعى إلى اضاءة الأبعاد الجوانية لها، وبخاصة شخصية "حسنين" نفسه الذي يلوذ "بقرية صحراوية نائية، تقوم قرب مقبرة غ
براء"، وهنا في هذا المكان المنقطع عن عالم الشخصيات الاخرى، يبدأ "حسنين" نسج روايته المعبرة عن منظوره الذاتي لذلك العالم. وهو لا يلجأ إلى هذا الاختيار الصعب إلا بعد ان ولج "مدار اليأس من تفسير هذا العالم.. وتغييره" بعد أن أحرقت "بلقيس" نفسها. وهنا يصعب القول بان "حسنين" بدأ يعيد صياغة ما حدث له في عالمه. انه في الحقيقة بدأ يضع عالماً آخر ينهض على تخوم العالم الاول، انه متصل به ومنفصل عنه في الوقت نفسه، فهو يستمد منه بعضاً من مكوناته، لكنه يعرضها بكيفيات مختلفة، وبمقاصد مغايرة، يقول: "بدأت أصوغ عالماً بديلا، أفكك العالم القائم، وأصوغ البديل من خلال "عمل" لا سيطرة لاحد عليه سواي. أنا ظروفه الموضوعية.. أنا ظروفه الذاتية.. أنا لحظته الحرجة. تحت ضربات شمس وحشية جهنمية كنت أصوغ هذا العالم البديل. وأنسج خيوطه، اللفح الناري يضربني على رأسي.. وأنا أصوغ، أصوغ، أصوغ. ومثل خلد الحقول رحت أنبش انفاقاً في حقول الأزمنة تواريت عن الناس في هذه القفار، اعتزلت العام العصي على التواصل معي، وعكفت على اقامة معمار "عملي" الجديد، وعالمي البديل".
من الواضح ان "حسنين" قد عجز عن التواصل مع عالم مملوء بالخداع والنميمة والأكاذيب والأوهام، ووجد نفسه منقسماً بين منظومات قيمية متعارضة، ولتجاوز هذه الازدواجية المفروضة عليه، اختار ان يمضي في طريق مختلف، طريق يعبر فيه مجازياً عما عاشه حقيقة، لقد أفضى به فقدان التوازن إلى اللجوء إلى ضرب من التعبير التخيلي بوساطة "رواية" يعبر فيها عما لا يمكن التعبير عنه صراحة، أو في الاقل يعيد رواية الوقائع، كما يتصورها هو، على ان عزلته وضيقه وقلقه وخوفه جهلته يركب عالماً تخيلياً آخر إلى جوار العالم "التخيلي" الذي هو جزء منه، انه مدفوع برغبة متأججة لأن يكون سيداً متفرداً في هذا العالم الجديد "كان عليّ ان ابدع حلمي، ان أصوغ وهمي، ان اصور بطولة أسيطر على ظروفها، واعد مسرحها، وأهيئ وقائعها، فلا تتدخل ظروف موضوعية أو ذاتية خارجة عن ارادتي لتفسد ما بنيت" ويمضي في تأكيد رغبته هذه "هربت من الناس والمؤسسات والعالم الخارجي، ولذت بهذه العزلة، وهذه الحماسة المجنونة لاقامة أسطورتي الخاصة، أبطالي أنا. نصي أنا، ادواري أنا: مسرحي أنا".
ولا يمكن فهم هذا الالحاح الذي يعبر عنه "حسنين" الا في ضوء حالة الاقصاء التي تعرض لها، والتي جعلته يستبدل بعالمه الاول، هذه الصحراء القفر . انه يريد ان يعيد رواية الأشياء كما ينبغي لها ان تحدث، وليس كما زورت، ومن ذلك فهو يريد ان يركب الصورة الحقيقية لجده الاول "آدم الحسنين"، صورة تعبر عن حقيقته، وتضع في الاعتبار بطولته، ولهذا ينصرف "حسنين" إلى جمع مكونات عالمه النصي وينسجها، سعياً إلى ادخال عنصر البطولة التراجيدية التي غابت عن عالمه الواقعي، والمقطع الآتي يعبر بأفضل ما يكون عن هدفه: "رحت أشيد هذا العالم المدهش - عالم البطولة المفجعة - لبنة لبنة، أحفر في أعماقي انفاقاً كما لو كنت أقيم منجماً، وجعلت أصوغ شخصيات هذا "العمل" كما أشاء،  أتلاعب بمصائرها وملامحها كيفما أردت.. حياة جديدة تنفتح أمامي يخرج فيها الوهمي من الواقعي، ويدخل اللاشعوري في الشعوري، كنت أدفع أبطالي (القدامى - الجدد) إلى ادوار حلمت بأن ألعبها أنا. كنت أشبه بضحية خدعها عالمها، فانقلبت إلى طاغية يصوغ عالمها الخاص، ليسيطر هذه المرة على ظروفه، وتفاصيله، حتى لا يبقى للخذلان منفذ، طاغية يرسم دور أبطاله بدقة، ويمنعهم من الخروج عن النص والسيناريو وشروط ا
لاخراج" وكشف "حسنين" عن البطانة القلقة لمشاعره، والحوافز التي دفعته إلى كل هذا "كانت هذه العملية - صياغة عالم جديد على أنقاض عالم خذلني - أشبه بولوج سلسلة من الأحلام، أحلام انقذتني من بأس مظلم ذي نفق لا يؤدي سوى إلى هاوية الانتحار، كان ينبغي أن أحيا. كان ينبغي أن أقص. هكذا بدأت بصياغة عالم أسيطر عليه، بعد ان عثرت على نفسي شبحاً في عالم وجدت ظروفي الذاتية انها متضاربة مع ظروفه الموضوعية".
وتكون المفارقة الحزينة ان "حسنين" المؤلف الروائي الذي لاذ بالعزل بحثاً عن اعادة التوازن، قد فوجيء بان شخصياته تتمرد عليه، ولا تنصاع لارادته، ولا تذعن لرغبته، إلى درجة تصبح البطولة الحقيقية بالنسبة اليهم، هي: التمرد على الادوار التي رسمها لهم، فكأن التمرد بالخروج على النص الذي صاغه هو "رسالتهم الكبرى" وهنا يصاب بصدمة شديدة، تشل تفكيره، فيجد نفسه في عزلة وسط الوحشة المظلمة، ويتخذ قراره بالانتحار. وقبل ان يقدم على تنفيذ ذلك القرار يقرأ مسودات روايته التي ستندرج في سياق النص الاول، ويظل يبدي تعليقات كثيرة حول شخصياته وأحداث روايته وعالمها الفني.
يظهر التعارض السردي بوضوح في المستويين اللذين يكونان رواية "متاهة الأعراب" انه تعارض يستمد دلالته من العلاقة الملتبسة بين نسق القيم المتحكم في العالم الاول الذي ينخرط فيه "حسنين" على انه شخصية تمارس دوراً وسط منظومة من الشخصيات ونسق من القيم البديلة التي يود "حسنين" ان يبذرها في العالم التخيلي النصي الذي يشرع بابتكاره، بعد ان انشق عن العالم الاول. الا انه سرعان ما يكتشف ان الآفة التي نخرت مقومات العالم الاول، هي ذاتها التي انتقلت إلى العالم الذي خلقه، انه: من جهة الاستبداد وسوء التفاهم والعنف، ومن جهة اخرى التطلع إلى تغيير كل شيء، وكما خرج "حسنين" على العالم الفني الذي كان عنصراً في تكوينه، لانه رفضه، فقد خرجت شخصياته هو من عالمه للاسباب ذاتها.
إن دلالة السرد هنا تكتسب اهميتها في هذه الحركة الدائرية المرآوية حيث يفضح كل شيء، لانه يتمرأى في الآخر، فتتقابل الصور المجازية بين عالمين كليهما مجازيين، وكل منهما يعمق معنى الآخر، ويفضح مصادراته. وهذا الأمر هو الذي يجعل سياق السرد متكسراً، فالتعليقات والتفوهات التي تقتحم ذلك السياق، تنبه المتلقي بأنه ازاء عالم يراد منه ان يؤدي وظيفة تنشيط ذهنية، بدل الوظيفة الترويحية التي تجهزنا بها abdullah-ibrahim.com




 

بقية المواضيع

الخروج.. من أجل الدخول في المرآة
مولعة بالقراءة مولعة بالكتابة:غادة السمان في روايتها: سهرة تنكرية للموتى
مفكرة السرد لمناسبة مرور سنة على غياب مؤنس الرزاز : متاهة الأعراب في ناطحات السراب
مساءلات فكرية .. الفكر والهوية
هل تقرأ المرأة بصورة مختلفة عما يقرأ الرجل؟
الشاعرة فاطمة ناعوت تقتحم مستعمرات ما بعد حداثية بديوانها "على بعد سنتيمتر واحد من الأرض"!
دوريات
ادخار القاموس والتقنيات المشاعة: علي العمري أنموذجاً
محمد عبده يؤجل طرح ألبومات الشعبيات الثلاثة
يشاركهم الحوار في منتدى MTVشباب الشرق الأوسط يسألون بلير: هل الحرب هي الحل؟!
يوسف المحيميد لـ "ثقافة اليوم":كتبتُ بشهوة غريبة وكأني أغسل عزلتي بالكتابة
الشهري يشرف على البوم وليد عطية
باتيليه جدة معرض الدكتور فرغلي عبد الحفيظ منتصف ابريل
فاديا خطاب تثير المشاكل بين ابنتها وزوجها
رحمة الجلاهمة بين إبداع النبطي وقرض الفصيح
شماليل
بيت وصدى
عذب الغرام
"اليوله".. الرقصة الحربية في الإمارات
إنجلترا وفرنسا والصين في صراع على حفل الافتتاح
في (البيان) الأدبية: قراءة في رواية عبدالرحمن منيف
( الكشكول: ما أشطركم في الحكي)
(الجسرة): ملف عن الرواية الجزائرية
شهار
وجه آخر للقصيدة!!..
رواية احلام مستغانمي الجديدة الحب والعنف والمرأة المستضعفة
عبدالعزيز جاسم ينتهي من (زحف العقارب)
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض