عناوين الرياض اليوم | بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات |  Riyadh Daily   

Thursday 06 March 2003 No. 12676 Year 38

الخميس 03 محرم 1424العدد 12676 السنة 38

  مولعة بالقراءة مولعة بالكتابة:غادة السمان في روايتها: سهرة تنكرية للموتى

سعد الحميدين

منذ إصدارها الأول (عيناك قدري - مجموعة قصص) في بداية الستينات من القرن الماضي إلى إصدارها الأخير (سهرة تنكرية للموتى - رواية - "2003") وما بين هذين الإصدارين من قصص وروايات وأشعار تتالى إصدارها من ذلك الوقت إلى وقتنا الراهن. وغادة السمان الأديبة التي اتخذت الغاية الإبداعية شعاراً لمسيرتها توحي في كل إصدار جديد بأنها قفزت إلى الأعلى متجاوزة الماضي محلقة إلى الأعالي.. مسرعة إلى المستقبل. دون أن تتخلى عن المواكبة، أو تتعثر في حرون أو نكوص. وهذا قد تأتى من قدرتها على الاستكناه وقبل ذلك الركيزة الأساس المتمثلة في المتابعة والاطلاع بالقراءة المستمرة، تلك القراءة الواعية المستوعبة في اختيار متناسق مع  القدرات الهاضمة للمستقبل من الإبداعات والأفكار، وقدرة التحليل والدخول إلى أعماق الأشياء والنفاذ إلى جوانياتها لاستخلاص الملفت المجسد للإبداع.
فهي لم تتوقف عن الكتابة الإبداعية بل استمرت في العطاء وبشكل استمراري مذهل قياساً إلى رفيقات لها وقفن أو تخلين في أول الطريق أو في منتصفه بعد أن طال الطريق الذي يفضي إلى طريق آخر.. وآخر على مدى حياة المبدع. بل إن هناك من أتين بعدها وركضن ثم لهثن خلف بريق الدعاية الزائف وتكتلات الشلل بجوقاتها الناعقة المطبلة، ولكن خفتت الإيقاعات بعد أن خبا البريق المفتعل وتلاشت الأسماء. وأيقن الزافون للأشباه بأن الأصل راسخ وباق بفعل الركيزة الأساس النابعة من الذات المبدعة. وأن الافتعال يتلاشى في المدى القصير لانعدام أهلية للمقاومة لعوامل التعرية مع الزمن. فكم من قاصة عربية وروائية مزعومة بعد خطوة أو خطوتين أصابها الإفلاس وصاحبها الانتكاس. بعد أن انفض من حولها المشيعون والمروجون لأهداف مادية. أو مصالح معينة بعد أن استحصلوا على المراد ذهبوا كما البرق الخلب.

- بقيت غادة مبدعة متجدد، متواصلة بالعطاءات الجيدة، فارضة هذه العطاءات بقدرتها الفنية التي لا يشك في صدقها وفي عمقها. وكذلك خاصيتها التي تشير دائماً إلى أن وراء هذه الإبداعات نفس مبدعة ذات ثقافة عالية مواكبة مطلعة على الجديد العالمي في الإبداع. دارسة له ومستفيدة منه في دمجه ومزجه في مختبرها الخاص لاستخلاص المناسب وتقديمه في إطار من صنعها هي دون سواها.
غادة السمان كاتبة حاضرة بما تكتب. قل أو كثر فبصمتها واضحة ونكهتها نافذة (فنانة، مبدعة، صادقة) لهذا تجيء أعمالها متكاملة ولافتة. يهتم بها الآخر قسراً أو يعزف عنها قهراً وحسرة. ولكن أعمالها تلقى القارئ في كافة أنحاء العالم العربي وكذا الترجمة إلى اللغات الأخرى. بحيث بلغت حداً ربما يكون فريداً بين الإبداعات العربية المترجمة.
@@ سهرة تنكرية للموتى - رواية جديدة لغادة السمان صدرت مؤخراً بمعنى أنه أحدث ما صدر للكاتبة عن منشورات غادة السمان ببيروت  2003- تلحق الكاتبة بالعنوان الرئيس عناوين أخرى (موازيك الجنون البيروتي - إجازة في بيروت - العودة إلى باريس) وفي هامش الغلاف الداخلي لافتة صغيرة "أترك للقارئ اختيار العنوان الفرعي الذي يعجبه بعد قراءة الرواية وشطب العنوانين الباقيين".
والرواية هي تأطير لصورة تجسد حالة لسبعة مغتربين - مغتربات من أصل لبناني ومعهم طبيبة فرنسية يلتقون في مطار باريس هدفهم السفر إلى لبنان لقضاء الإجازة تصورهم الكاتبة منذ اللقاء الأول إلى أن دخلوا وتوغلوا في لبنان - بيروت في إجازة توصف بأنها غرائبية كما تقول "في مدينة لا يعود أحد منها كما كان أو لا يعود أبداً. مدينة الصراعات الاجتماعية والاقليمية والعالمية حيث يكاد الإنسان الشريف عاشق الحرية، يختنق فيهاجر، أو يحلم بالهجرة.  فهي رواية الجوع والتخمة، رواية القمع والحرية".
والسبعة المصورون بدقة في هذه الرواية هم - هن: فواز تغرب صغيراً من أبوين لبنانيين مهاجرين. ودانا  شابة وسليمى أمها. ناجي نادل في فندق. عبدالكريم شاب. ماريا كاتبة روائية. ودماري روز طبيبة فرنسية.
أحداث الرواية تبدأ بتكيف حالات الأشخاص كل في عالمه وبحسب الانعطاف الباطني أو التداعي حيث تدور الأفكار حول السفر ونتائجه وتخيلات الماضي - المستقبل. ليكون الارتكاز على فواز شبه الشخصية المحورية. وسأحصر تلخيص ومقاربة الرواية في هذه الشخصية لكونها (الرواية) تبدأ بها وتنتهي. في أحداث متلاحقة في تجسيد  تكاملي "خائف.. إني خائف من زيارتي هذه إلى بيروت" بهذا يكون فواز قد استعد للسفر إلى بيروت ليس لقضاء إجازة كما أعلن للأصدقاء بل هو سيسافر إلى هناك ليبيع أملاك والده المتوفى. والده المغترب والذي كون ثروة جيدة وبفعل الحرب اللبنانية آثر البقاء هناك لرعاية تجارته وأبنائه، وبسبب مرضه بالسرطان يوصي بأن يدفن جثمانه في بيروت متى توفي. ويحصل أن تمرض زوجته مرضاً شديداً حال دون تحقيق رغبة الموصي الذي توفي أثناء مرضها، ولم يتمكن ابنه من شراء أو استئجار قبر فيقترح عليه أحدهم بحرق جثة أبيه والاحتفاظ بالرماد إلى أجل. وعند وصوله إلى لبنان (فواز) يستقبل من قبل الأقارب والأصحاب استقبالا قبلياً كما وصفه. ويلتقي ببعض أصدقاء أبيه ويستحضرونه بمآثره وأفعاله. وهو يضمر في نفسه بأنه سيتم ما أشارت به له والدته من أن يسارع في بيع البيت الكبير وال
أملاك العائدة لوالده للاستفادة من قيمتها في حياة الاغتراب ومواجهة المصاريف. وأثناء محاولاته بيع البيت يقع في حب سميرة الشابة البيروتية التي نشأت في أيام الحرب الأهلية بلبنان. وخبرت الأزقة والملاجئ. ومحبة للأدب وتحاول الكتابة ويتأكد حبه لها عندما يعرفها على صديقته المغتربة ماريا الأديبة المعروفة التي جاءت لتتفقد شقتها بعد أن غادرتها إلى باريس أيام الحرب. ويكبر الحب. ويحاول البقاء بقرب سميرة. ويتردد في بيع البيت  ولكن الصراع يستمر في داخله حول ماضي أبيه وتطلعه بأرضه وبلده. وحبه لسميرة التي عرض عليها الزواج والسفر معه. وتمتنع لأنها تريد البقاء في بيروت فحينما سألها فواز: "هل سترافقينني ذات يوم للحياة في باريس؟ أجابت بصدق: لن أقول لا أدري. الإجابة هي بوضوح لا. كبيرة مكتوبة فوق بحر بيروت وأفقها. لن أغادر بيروت إلا للسياحة.. لن أكون مغتربة في أي يوم .. أحبك.. ولكن".
وظل فواز الذي سكن البيت الكبير بعد أن أمضى في بيت عمته عدة أيام وامتدت إجازته. وراوده حبه لسميرة في البقاء نهباً لخيالات أطلق عليها هو الأشباح التي تواجهه في هذا البيت "ففي الليلة الأولى التي باتها في هذا البيت استيقظ من نومه على يد تهزه، حين أضاء النور وقفز مذعوراً شاهد رتيلاء سوداء سامة تركض فوق ملاءة سريره. فمن أيقظه لينقذه وليس هناك سواه؟ أهي مصادفة؟ أهو عقله الباطن وحسه الداخلي بالخطر. هل هناك تخاطر بين الأحياء والأموات. بين أب غاضب مثلاً لأن وصيته لم تنفذ وابن مقصر. لقد أوصاه وأمه بدفنه في بيروت ولم يلبيا رغبته الأخيرة بل وأحرقا جثته. وها هو آت ليبيع البيت الذي قضى والده عمره في باريس وهو يحلم بالعودة إليه".
استمرت حالة الخيالات والأشباح معه إلى أن جاءه أحد رفاقه: "هل بعت البيت سأله - أجاب: لم أبع بعد.. قال له حين تبيع البيت أنا مضطر للاستدانة منك" كان هذا الرفيق أحد المحتالين الذين تعج بهم المدينة ولكنه صديقه الثري التاجر كما ظهر له. ولكنه صديق .... يعلم فواز بأن رفاهيته بالدين والاحتيال، فهو يستدين من أحدهم ويعطي الآخر وهكذا. فصار فواز لا يؤمن بالأشباح لكنه يخافها.
سيبيع البيت في أقرب فرصة ويرحل ويعيش في باريس وينسى هذا المكان الغرائبي العدواني اللامعقول. وقف وحده وراح يتفقد البيت ويعتذر من الأرواح المقيمة فيه ويستأنس بها ريثما يصل عفيف وزبونه أمُهُ تنتظر الشيك "لترتاح قليلاً بعد عمر قضته في الكدح لكي يتفرغ زوجها لنضاله ثم لبأسه وأحزانه. وهناك البيت الرافض لمحاولات بيعه. وجيش من السماسرة يلهثون وراءه. وشبح والده الذي يقطن جدار  صور بيروت العتيقة أو النملة أو الدهليز المعتم.. فلم يعد يرى الأشياء.. وفي لحظة ضعف وافق على استقبال المشتري.. وضرب لهما موعداً.. أراد أن يصرح متراجعاً عن بيع البيت لكن ساحر ملاهي لاس فيغاس (الدولار) حرك عصاه السحرية فاختفى البيت وحركها ثانية فاحترق نخيل الحديقة، وصنوبرها وانطمرت البركة ثم حركها ثالثة.. فتم تشييد مبنى فخم ووجد فواز نفسه في ردهة الفندق الفاره بجدرانه وأرضه المرمرية وقاعة استقباله الشاسعة التي تغطي مكان البيت والحديقة، ديكورات بديعة لم يبق من بيته العتيق شيء غير السجادة التي كان فواز واقفاً  فوقها. تدفق الموتى على السهرة التنكرية التي تخيلها فواز. هجموا على النوافذ عبر الزجاج المحكم بأشكال وألوان أحياء وأموات. ولاحظ أن الأقنعة على و
جوه الموتى ليست أقنعة بل هي وجوههم الحقيقية.."
ويستمر في عالمه المختلط المتماسك، المتهاوي المتقدم المتراجع الرمادي الأسود الباهت وشعر بالاختناق وصرخ صرخة مدوية: "كفى لن أبيع البيت".
فاختفى الجميع.. اختفت القردة.. والصراصير والفئران والديدان.. و...
- أيها الموتى لماذا لا تموتون؟
- لأن الأحياء يتقمصوننا
.....
- لأن أحداً لم يدفنا بعد
- أيها الموتى .. أيها الموتى ألم تنته الحرب؟
- قهقه الموتى طويلاً وعربدوا فوق الهياكل العظمية بعضهم بعضاً.
فقرر الرحيل والعودة إلى باريس.. إلى أمه بدون شيك أو مال.. صادفت العودة ليلة السنة الجديدة بالطائرة هذه الليلة سيقضيها معلقاً بين السماء والأرض على ارتفاع خمسة وثلاثين ألف قدم بل وعلى ارتفاع ثمان وعشرين سنة هي عمره والظلمة تحيط به من كل جانب والرياح تعصف به والصور تتكرر في خياله لأهله وصحابه والأقارب وسميرة والفراق المحال واللقاء الصعب. والحب المستعصي على النسيان. آه لو كانت معه لبدأ حقاً ألفية جديدة فهو مازال معلقاً بين الماضي والحاضر، بين وطن ووطن، بين عصر وعصر.
وحين فتح عينيه تمنى أن يكون ما شاهده مجرد كابوس لكنه شعر بالذعر الحقيقي لم يعد يدري كيف يميز بين الحقيقة والكابوس. بعدما صارت الحقيقة كابوساً".
7هناك شخصية موازية للشخصية المحورية، جاءت في صورة ماريا الكاتبة الروائية. وتجيء بعدها شخصية سليمى مع ابنتها دانا. ولا تغيب الدكتورة الفرنسية ماري روز عن الحضور في مساحات الشخصيات الأخرى. وحتى ناجي النادل المدعي متقمص شخصية صاحب الفندق رجل الأعمال الكبير. وعبدالكريم المتنكر في دور ابن رئيس الوزراء لدولة لا وجود لها.
كلها تمثل روايات داخل رواية حيث كل له أحداثه الخاصة التي كثيراً ما تبدو غيرمتقاطعة مع أحداث الاخرين إلا أنها لا يمكن أن تسير في ... لوحدها فتصاب بالضبابية والعرج لاحتياجها إلى ركائز في الشخصية الأساس مما يستدعي الوقوف عند كل واحدة حسب مقتضى الحاجة لاستكمال عرض هذه الرواية الشيقة المتعة المفيدة معنى إضافة إلى اتقان المبنى لغة شاعرية وذوقاً فنياً رفيعاً وومضات فكرية وثقافية دالة على تمكن الكاتبة في إعطاء الشخصية كافة أبعادها. فالتاجر تاجر بحق. والأديب فنان ومثقف وقارئ جيد، والصعلوك المدعي مخادع ومكار، والطبيب إنسان بمعنى الكلمة .. مما يجسد ويؤكد على تلبس الكاتبة بالقراءات الجادة التي تلمح إليها أبداً في الأماكن المحدودة والتي يتوجب أن تظهر فيها.

الكاتبة في الكتابة
(2)
ماريا .. الكاتبة الأديبة صاحبة الروايات والقصص لها حكايتها مع المدينة بيروت والناس. وعالمها الخاص الواقع - الخيال.. وهي في صورتها تتماهى وشخصية غادة السمان نفسها الكاتبة حاملة الهم الإنساني في اشكال وصور مختلفة تطلق إلى الآماد البعيدة مرتبطة بقاعدتها التي انطلقت منها إلى  مسافات ذات أبعاد لا محدودة في عالم الإنسانية المتماوج .. المختلط.. المتشابك من أجل عمل للإنسان ذاته في أي مكان على أن الانطلاقة من المكان الذي يضم المبدع إليه المتثمل في بيئته المبدع.. وهذا يتجلى عندما نستحضر مقولة الناقد الراحل غالي شكري التي يضمنها كتابه "غادة السمان بلا أجنحة" وبالتحديد ب"كل فنان طائر، بمعنى ما، وغادة السمان طائر أيضاً".
ولكنها كبعض الطيور الشاذة لها عدة أجنحة.. بل هي تبدو لي أحياناً كما لو كانت في حالة تقمص دائمة، تحيا أكثر من حياة في اللحظة الواحدة. الحلم في حياتها ليس شريطاً سحرياً تديره مخيلتها أثناء النوم. إنه حياة، الكابوس أيضاً ليس اختلالاً في الأعصاب نتيجة إجهاد أو عسر هضم أو تشاؤم من حدث ما. هو حياة. القراءة. قراءة الكتب والحجر والبشر والشجر والحيوان، ليس تأملاً أو طقساً أو ثقافة، بل طوراً مع الذات وحواراً مع الآخر. حياة".
فماريا تصل إلى بيروت المدينة التي أحبتها عشقتها ذابت فيها وهمها أن تدخل بيتها لترى مكتبتها وتطمئن عليها وعندما وصلت تذكرت أنها نسيت المفتاح.. وجلست عند الباب تنظر فخرجت جارتها مصادقة فوجدتها ورحبت بها وطلبت منها أن تنام عندها الليلة إلى أن تعمل على تنظيف البيت في الوقت اللاحق وفي لحظة استرخاء تذكرت منير بطل روايتها الأولى منير هل كان حقيقة أم خيال، وبالطبع هو خيال.. ثم وهي في الطائرة قادمة إلى لبنان حينما أصر جارها الوقور على معرفة خلو الطعام من لحم الخنزير من المضيفة، وحينما سمع كل من حوله أنباء عفته وحسن أخلاقياته ببعض المقاييس شاهدته يستل من جبته خلسة زجاجة صغيرة من المشروب دلق سراً محتوياتها في كوب الكولا الذي طلبه..
في الصباح ليومها التالي فتحت باب شقتها وتوجهت الى مكتبتها ولسان حالها .. آه الغبار في مكتبتي.. الغبار .. الغبار المكدس كأنه أيام غيابي المفتتة تحت سنابك ليل الفراق. حبة غبار شبه لا مرئية كل ثانية على مدى عقد ونصف. وجرح ونزف .. غبار متناثر كالشهقات يغطي الكتب والطاولة واللوحات.. غبار مترنح كالكحل حول الدمع.
فكل شيء تحول إلى غبار، حكايات الحب .. والحضور.. والغياب فمن كان يصدق أن للغبار تلك الوحشة، ولكنها تقف دائماً أعود لها هنا.. إلى مكتبتي وإلى بيروت وإلى لبنان لا لأفتش عن قلب فيه متسع لأحزاني. ولا عن قصر فيه متسع لأحذيتي ونظاراتي وثيابي الحريرية. بل عن كهف شاسع بحجم الكرة الأرضية فيه متسع لحريتي وشموسي وأقماري ومداراتي وابجدياتي.
تظل في هذا العشق والهيام للكلمة والكتاب والبلاد التي تستطيع فيها أن تتمدد فكرياً وتقول .. وتبوح .. وتكتب مختارة أبطال قصصها ورواياتها من عالمها المائج بالأحداث الملاصقة أو المنقولة والمتخيلة حدساً. يفاجئها بطل روايتها متوعداً "إذا قررت العودة الى افساد حياتي التي اخترتها لنفسي ضد ارادتك. إنها الحرب بيننا" فيكون انشغالها الأبدي بحضور مماثل أو متكرر لهذا الزائر كلما عاشت عالم الكتابة والتحليق في سماوات الإبداع. ف منير يظهر كثيراً في شخصيات ملموسة أثناء التحليل يحاور ويهدد ويتوعد.. ولكن لحظة العودة إلى الواقع والحالة الطبيعية تعود الكاتبة لمتابعة أعمالها الضرورية لحياتها كإنسان في منزلها.
"وفي كل صباح منذ عودتها تدخل مكتبتها وهي تمسح الغبار عن الكتب فيها، تتحسس مئات الكتب فيها على الرفوف بلوعة المشتاق وحنين العاشق، تشم بعضها، تلامسها وتزنها بميزان الحب والماس. تطالع في بعضها سطوراً ثم تتابع مسح الغبار. تقرأ إهداءات من ناس ماتوا وآخرين  غدروا وأوفياء ظلوا على العهد يراسلونها في غربتها. تجس أوراق الكتب كمن يتحسس وجه حبيب. تلاحظ أن الزمن ترك بصماته عليها".
عندما تسمع رنين جرس باب البيت وتهرع لفتحه، وهذا تكرر كثيراً منذ عودتها وممارستها الجلوس والحوار مع كتبها وقلمها. تجد ورقة بجانب باقة من الورد الأصفر ذابلة تفوح منها رائحة شبه كريهة ورساله ولكن الرسالة هذه المرة تقول: "تخططين لقتلي؟! أنا أيضاً أخطط لقتلك". ويتضح أنه تهديد من بطل روايتها. فتضطر للخروج إلى الواقع في بيروت الكبيرة فتتسكع مستحضرة صوراً قديمة قبل باريس وتشاهد على الطبيعة اثار الحرب "ساحة البرج. شارع المتنبي. الحمراء.. فترى الأموات أحياء ولكنهم يهربون منها، تتذكر فادي حبيبها بطل إحدى الروايات التي أنجزتها الذي رحل عن عالمنا ولكنها طوال التسكع كانت تشمه كما تقول وكنت أرى كل ما تهدم قائماً حياً نابضاً بالأصوات "كمن ينظر إلى صورة ثم يمشي الى داخلها وتنبعث منها الروائح والأصوات ودفء الأجساد الحية".
لا يكف شبح منير مع الظهور يتمثل مجسما في مكالمات هاتفية قال لها مرة: "أنا منير وأريد أن أحمي نفسي منك لن أسمح لك بقتلي في روايتك الجديدة.. إنك لا تفهمين ولا تقدرين ما أمر به.. وما مدت به طول هذه السنوات ريثما شيدت قصراً وأسست أسرة وربيت أولاداً.. أنت لم تتركي لي الخيار في أي لحظة.
قالت له: أنت تحاول زعزعة قناعاتي الداخلية فأنت الذي يحاول قتلي، فزعزعة روحي من الداخل هي قتلي.
قال لها: أنت تحاكمينني من الخارج لكنك لا تفهميني على الرغم من أنك أنت التي ابدعتيني ثم نسيتيني .. فقد خرجت من يدك ولعلي تجاوزتك.
قالت: بل أفهمك أكثر مما ينبغي..
قال: تذكري أنني كنت شاباً أحببته وطفلاً كبر في ظروف اخترتها أنت صعبة له..
قالت: وأنا كنت مرة طفلة معذبة، وكبرت في ظروف لا أعرف من اختارها لي.
كيف تجرؤ على أن تطلب مني تبرئة ساحتك إذا كنت اخترت أن تتلوث؟.. لا أستطيع في روايتي تبرئة ملوث.. إذا كنت قد لوتت نفسك فلست حليفتك. إني بالتأكيد عدوتك الأولى حتى ولو كنت ربيبي وسأدينك وأعاقبك بالقتل الأبجدي دونما رحمة.. قال: أنا الظلال.. أنا الرماد.. وصرخ.. إنها الحرب بيننا وستموتين وأنتصر. مات تولستوي وبقيت أنّا كرنينا، ألم يمت انطون دي سانت كوزبري وبقي الأمير الصغير ومات سرفانتس وبقي دون كيشوت وتحول فلوبير الى تراب وبقيت مدام بوفاري وبقيت لوليتا وذهب فلاديمير نابوكوف.. أنا حر مستمر.. ومخلوقاتك أكثر بقاءً منك.. أنت مبدعة.. وذلك يرعبك.
تجري محاولات عديدة وتصوير دقيق لعملية خطف وإذلال للكاتبة وقيدها.. وتعذيبها وتتحداه بأنك لا تستطيع حرماني من الكتابة مهما قيدتني ووضعتني في كهف مظلم ولن تحرمني من "كتابة مشهد موتك وأمثالك من المحتالين الذين صاروا يملأون الأرض في الحقول كلها ويسممون ينابيع البسطاء لكي يقتتلوا فيما بينهم وينشغلوا عنكم".وأخذت ماريا تكتب داخل رأسها ما يحلو لها أن تكتبه بلا رقيب ولا قمع من غير.. وشيئاً فشيئاً تسلل الضوء وتلاشى القبو ووجدت نفسها جالسة خلف طاولة الكتابة منهكة حتى الإعياء كمن عاد من غيبوبة وهي تكاد تختنق. فجسدت صراع الكاتب وعالمه في حالات الإبداع الصافي المتأتي من فكر متحرك متحرر يسلك طرق الإفادة من وإلى في عملية تبادل مؤدية أبداً الى ساحة التنوير لتأكيد أن التلبس بالكتابة شاق وشائق لذيذ كما هي القراءة الزاد الأول لفعل التلبس الأول (الكتابة).

البحث عن ألف ليلة وليلة
(3)
الدكتورة ماري روز الفرنسية. قرأت وسمعت عن الشرق هاجسها الف ليلة وليلة وسحر الشرق وشمسه ودفئه. فازدادت حسناً تحت الشمس الخريفية الربيعية لبيروت وتحت الأنظار المعجبة فتجول في نفسها وتقلب الصورة المرئية لها هي فقط في تصورها فترى النزوات المجنونة المسروقة.. قضية عند الرجل اللبناني تماماً كما لحظات لعنة "الصيد" المتأججة الهاربة. الضحك ايضاً قضية جديدة عند الطعام والشراب و الأناقة والرائحة العطرة والسيارة الفخمة والوجاهة والعشيقة الحلوة صغيرة السن الى جانب الزوجة التي "لا ينقصها شيء" من وجهة نظره فهو يغمرها بالمجوهرات والحماية والخادمات والسيارة المرسيدس فماذا تريد أكثر من ذلك؟! تعيش في الأجواء ينظر إليها الحارس العجوز الشاعر ويكتب القصائد بالفرنسية.. والرفيق الشاب يحيي صاحب اليخت البحري وسهراتها مع سليمى وبنتها وشرحها لهما كيف تكون العلاقة بين أم وابنة وكل واحدة في طريقة حياتها المناسبة لعمرها وظروفها التي صارت.
في احدى فسحاتها تظن أن سائق التاكسي قد خطفها عندما ذهب بها إلى الضاحية فتهرب ولكنها تفاجأ به يلحقها ويمسك بها مع جماعة ويشرح لها أنه تلقى مكالمة تشير الى ان زوجته في حالة ولادة متعسرة وبين مصدقة ومكذبة تذهب معهم. فما أن رأت المرأة حتى قامت بعمل اللازم كطبيبة متمرسة وكانت ولادة توأم ذكر/ أنثى سمي الذكر باسم الشهيد حسين وسميت البنت على اسم الدكتورة ماري روز "مريم زهرة" ويحين موعد عودتها الى باريس لممارسة عملها وهي في الطائرة تجول في داخلها "المرعب في هذه الرحلة اصطدامي كابنة للعلم بجدار المجهول واللامعلوم الغرائبي، فقد تحقق حلمي الحدسي ولكن على نحو آخر. فيا لعجز الطب أمام ما يحدث من غموض لي في الظواهر. وها أنا أتعلم انني كلما ازددت علماً وعيت جهلي بأسرار هذا الكون الرحب ويالعجز الطب والعلم أمام ظواهر شاسعة كالتي ذقت غيمة منها".
الشخصيات الأخرى لسليمي وبنتها وناجي وعبدالكريم تكون مساندة بين النقلات بين أحداث ومسار الشخصيات الثلاث فواز وماريا وماري روز. سليمي وبنتها تكون لكل منهما مغامراتها التي تناسب وضعها وحياتها التي تتماشى مع مكانتها وناجي وعبدالكريم كل منهما كان له دور آخر عن حياته الحقيقية فلبس كل واحد منهما قناع الزيف فالأول ادعى انه قادر على كل شيء متظاهراً بالتجارة، وكذلك عبدالكريم الذي حاول الرجوع في منتصف الطريق ولكن اللهفة وحب المادة حجزته عن الرجوع. فكان أن دفعا بروحيهما ثمناً لمغامرات دفعت إليها حياة كانت تهيئ بجدارة لمثل هذه الشخصيات في الداخل والخارج.
وأنهت الإجازة التي كانت حفلة تنكرية بجدارة أكدت على أن غادة السمان صاحبة خط متصاعد إبداعياً كلما زاد بها العمر أعطت أبدع مما كانت قدمت وأضافت إلى مساحة الإبداع العربي مساحة أخرى فهي كما قال عنها عبدالفتاح رزق ظاهرة عربية فهي ليست فقط كاتبة لامعة متمكنة ولكنها تتجاوز ذلك الى التعبير بلغة العصر كل ما في هذه اللغة من شحنات توتر وواقع خيالي وتحرر مكبل وتوثب للانفجار ورغبة عاصفة في أن لا يبقى شيء كما هو.
ولا يجهل تعريفاً بها لقول الراحل محمد حسين زيدان غادة السمان والآنسة مي زيادة شاميتان رفضت كل منهما الاقليمية مي ماتت في حين قتلها العقوق، وتعيش غادة لأنها تحيا بالوفاء، أعطته لحرفها، وكان قارئها إذا ما أخذ أعطى فالحب عطاء، وأخذ يتساوى فيه العاشقان.. غادة دمشقية تحضرت.. غنى لها بردى، وهمست في اذنها الزباء، وتهامس عليها البحتري وأبو تمام وحضنها بالتقوى العز بن عبدالسلام.
ما أجمل الكلمات عندما تنبع من القلوب الى عمل يستحق الاشادة بجدارة.
غادة السمان يأتي دائماً عملها متكاملاً أو شبه متكامل لكونها تأتي الى العمل وهي مشحونة بالمعرفة المتكئة على الموهبة التي تحدوها الرغبة في اعطاء عمل ابداعي لافت. وقد صاحبتها هذه الرغبة المتميزة في مقالاتها الصغيرة (الصحفية) وفي قصصها القصيرة. وفي خواطرها الشعرية. وتبرز بشكل جلي واضح في أعمالها الروائية وخصوصاً في ليلة الميار وثلاثيتها التي تكونت بصدور سهرة تنكرية حيث كانت البداية من (كوابيس بيروت) التي مثلت مرحلة ما قبل الحرب اللبنانية والتنبؤ بها ثم جاءت (بيروت 75) لتكون عن الحالة المتفاعلة المشتعلة للحرب وبروز دور المليشيات والقناص بشكل خاص في تبديد الأرواح وقتلها دون أيما شعور إنساني ثم كانت (سهرة تنكرية للموتى) لمسات على حالة مابعد الحرب في لبنان والرماد الباقي على الأسطحة والمنازل وخصوصاً النفوس من بقايا الحرب وانعدام الشعور بالاستقرار للتحول الذي سكن الساحة اثناء وبعد الحرب.
فكانت (الثلاثية: الكوابيس/ بيروت  75/السهرة التنكرية) تجسد الحدث وهو الرابط بين الثلاث روايات حتى ولو تبدل الأشخاص ولكن المدينة واحدة (بيروت) والإطار العام الحرب (قبل .أثناء. بعد) فجاء العمل الروائي  الماتع متنامياً بكافة أبعاده الزمكانية والفنية في آن. ليدخل في هذا العمل الى جانب الأعمال الابداعية العربية الأخرى في مجال الثلاثية التي اشتهرت أولاً عند نجيب محفوظ في (بين القصرين -السكّرية - قصر الشوق) فالمدينة واحدة (القاهرة)
وتكاد الشخصية المحورية ان تكون واحدة في شخصية أحمد عبدالجواد ثم ثلاثية البحر للروائي العربي السوري حنا مينه (حكاية بحار - الدقل - المرفأ البعيد) فأجواء البحر الواحدة لا تخفي ظلال الشخصية المحورية (صالح جزوم) ولا يغيب عن الذكر عبدالرحمن منيف في (خماسية: مدن الملح) حيث الصحراء وتحولاتها. ثم الاجواء الصحراوية بطقوسها وغرائبيتها في ثلاثية ابراهيم الكوني (سأسر بأمري لخلافي الفصول المكونة من: الشرخ. البلبال. طائر الخلب) وثلاثية احمد ابراهيم الفقيه (ساهديك مدينة اخرى - هذه تخوم مملكتي - نفق قضية امرأة واحدة) وثلاثية محمد ديب الجزائري (النول - الحريق - البيت الكبير) وثلاثية الأزقة المهجورة لتركي الحمد (العدامة - الشميسي - الكراديب) التي جسدت ثلاث مراحل لشخصية واحدة محورية.
وهناك أعمال أخرى تتشابك مع ثلاثية غادة السمان مع التباين في القدرات على اعطاء الصور الأقرب إلى القارئ العادي/ الذواق ففي الجمع بينهما تكون براعة العمل هي الأقدر على ذلك.
وغادة السمان لافتة في شأن القدرة على الوصول الى اعماق القارئين ساندها في ذلك الاستمرار العطائي المتنقل أبداً إلى الأفضل. هي كاتبة جديرة بالبقاء والقراءة المستبرة والمختبرة للافادة من هذه الإبداعات ذات التميز والتفرد.
€#€




 

بقية المواضيع

الخروج.. من أجل الدخول في المرآة
مولعة بالقراءة مولعة بالكتابة:غادة السمان في روايتها: سهرة تنكرية للموتى
مفكرة السرد لمناسبة مرور سنة على غياب مؤنس الرزاز : متاهة الأعراب في ناطحات السراب
مساءلات فكرية .. الفكر والهوية
هل تقرأ المرأة بصورة مختلفة عما يقرأ الرجل؟
الشاعرة فاطمة ناعوت تقتحم مستعمرات ما بعد حداثية بديوانها "على بعد سنتيمتر واحد من الأرض"!
دوريات
ادخار القاموس والتقنيات المشاعة: علي العمري أنموذجاً
محمد عبده يؤجل طرح ألبومات الشعبيات الثلاثة
يشاركهم الحوار في منتدى MTVشباب الشرق الأوسط يسألون بلير: هل الحرب هي الحل؟!
يوسف المحيميد لـ "ثقافة اليوم":كتبتُ بشهوة غريبة وكأني أغسل عزلتي بالكتابة
الشهري يشرف على البوم وليد عطية
باتيليه جدة معرض الدكتور فرغلي عبد الحفيظ منتصف ابريل
فاديا خطاب تثير المشاكل بين ابنتها وزوجها
رحمة الجلاهمة بين إبداع النبطي وقرض الفصيح
شماليل
بيت وصدى
عذب الغرام
"اليوله".. الرقصة الحربية في الإمارات
إنجلترا وفرنسا والصين في صراع على حفل الافتتاح
في (البيان) الأدبية: قراءة في رواية عبدالرحمن منيف
( الكشكول: ما أشطركم في الحكي)
(الجسرة): ملف عن الرواية الجزائرية
شهار
وجه آخر للقصيدة!!..
رواية احلام مستغانمي الجديدة الحب والعنف والمرأة المستضعفة
عبدالعزيز جاسم ينتهي من (زحف العقارب)
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2002
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

مقالات اليوم

الرياض @ نت

الرياض الاقتصادي

دنيا الرياضة

إنضم إلى قوائم
الرياض