بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 04 September 2003 No. 12858 Year 39

الخميس 07 رجب 1424العدد 12858 السنة 39

  خفايا الصراعات بين الأجيال كما يسجلها شاكر لعيبي

فاطمة المحسن

لطالما بحث القارئ عن كتب تخرج عن التصنيف المتداول للكتابة حول التجربة الشعرية، أي طابعها البحثي أو الانشائي، أو تبنيها هذا النهج الجمالي أو ذاك، إلى ما إليه من طرق تتشابه في تشخيص الظاهرات الشعرية. وها نحن نعثر على كتاب يترك جانباً كبيراً من رغبة الدارس في موضعة نفسه خارج المادة التي ينوي فحصها، ليشتبك معها بجماع عاطفته وبانفعالاته التي تساهم الكتابة في تأجيج لوعتها، حتى يود القارئ مرات أن يقول لصاحبها: كفى، فما كل ما يفكر به المرء يكتبه!.
غير أن لكتاب الشاعر العراقي شاكر لعيبي المعنون (الشاعر الغريب في المكان الغريب - التجربة الشعرية في سبعينات العراق)* نكهة أخرى، فهو يحوي يوميات تلك الفترة، ويسجل أقاصيص الحياة والمقاهي، وصداقات تمر في أزمنة صعبة وأخرى رخيصة، ومشاعر فياضة لطالما أهملت وتنحت عن عين الرصد أو كُتبت بأقنعة الأدب أو هُذبت وصقلت حتى فقدت لون معدنها الأصلي.
هذا الإصدار يعلن عن طفولة وبراءة كاتبه، رغم ما تنطوي عليه هذه الطفولة من شعور خطير بالاضطهاد، وهو العلة التي عقرت الكتاب ومنعته في مواقع كثيرة من أن يكون بريئاً بهذا المعنى. فالكثير من فرضياته تتغذى على عنصر الغضب وهو امتياز الكتابة الشابة المندفعة.
كتاب لعيبي في الأصل مجموعة مقالات كتبت في مناسبات متفرقة، ومعظمها يعقب على قضايا سبق أن كانت موضع نقاشات بين الكتاب العراقيين في الداخل والخارج، وخاصة ذلك الجدل الذي أثير على صفحات الصحف العربية حول أدب الداخل والخارج أو الثقاقة الستينية والأزمنة الثقافية الأخري، وصراعات الأجيال، ومن هنا تظهر الحاجة إلى إعادة تحرير مادته كي تنتظم في بنية متماسكة وكي تختزل التكرار والتناقض الذي يحفل به.
تتصدر الكتاب مقدمة يقول المؤلف فيها إنه يقدم صورة وصفية لحالة الشعر العراقي سنوات السبعينيات، منطلقاً من غياب المتابعة النقدية لهذا الشعر، وهذا الغياب يشكل غرضاً مقصوداً كما يورد بالنص: "نفي هذه الفترة السبعينية الحيوية يغدو القاعدة الذهبية، سواء بالنسبة للثقافة الرسمية أو بالنسبة للأجيال السابقة واللاحقة، وعلى الأخص من طرف الجيل الستيني الشرس والحيوي الذي أتيحت له كل الظروف في داخل العراق كما في خارجه، للبقاء سيداً في المشهد الشعري".. إنه يفتح الصفحة الأولى من معركته مع الجيل الذي أثار غيظ كل الأجيال، فالسطح المتطامن للثقافة العراقية منذ مطلع القرن العشرين حتى نهاية الخمسينات لم يشهد إلا القليل من المعارك التي كانت تدور في الخفاء وبين شاعرين متنافسين في الغالب، ولكن سنوات الاحتدامات السياسية التي رافقت الانقلابات العسكرية، كانت وراء تطورين شهدهما الشعر باعتباره الفن الأكثر شيوعاً بين أصناف الكتابة عند العراقيين: الأول توسع دائرة المشاركة وتحديد الهويات والانتسابات للمدن، والثاني جرأة على كسر المتعارفات الشعرية والإعلان عنها من خلال منابر صحافية سيطر عليها الشعراء أنفسهم. ورافق هذين التطورين دفاع عن التجربة ا
لجديدة عبر تصريحات ومقالات تنطوي على لغة متحدية غاضبة لاغية لخصومها، تتكلم باسم جيل بأكمله. بيد أن المدرسة الستينية كما يشير المؤلف في كتابه، لم تكن متماثلة من حيث تصورها الجمالي ومضامين خطابها وحتى طريقة تقديمها لنفسها كممثلة للشعرية الجديدة، على هذا يغدو الحديث عن الستينيين باعتبارهم أصحاب أسلوب موحد كما يذكر المؤلف في الصفحة  81مجرد ذريعة لهجوم غير مبرر.
والحق أن تقسيمات الأجيال تشكو من علة أساسية ينتبه إليها المؤلف في فصله الأول في مقدمة يصوغ لها عنواناً (ملاحظات منهجية في خطل الأجيال)، غير أنه لا يجد في هذا التقسيم ضيراً أن حدد بعشر سنوات فاصلة بين شعر السبعينات والستينات، حين يؤرخ لشعر السبعينات منطلقاً من تجاربه الأولى في العام 1970م كما يورد في صفحة 27، في حين تؤكد الوقائع أن التجربة الستينية لم تكتمل ملامحها إلا في العقد السبعيني من القرن الماضي، فالبيان الشعري الأول لها ظهر في 1969م، ومعظم القصائد التي نشرت لهذا الجيل وتمايزت، كانت في السبعينات. (مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة) نشرت في 1969م كما صدر أول ديوان له (سلاماً أيتها الموجة، سلاماً أيها البحر) في 1974م، كذا الحال مع حسب الشيخ جعفر وسركون بولص الذي لم يصدر ديواناً إلا في الثمانينات. والمفارقة أن سعدي يوسف الخمسيني كما يصنف، لم ينتشر أو يتمايز إلا في السبعينات، في حين كانت السبعينات تؤرخ لظهور أولى بوادر التجارب الشعرية التي كانت تحسب على أدب الشباب الذين ساهم التقسيم العشري "جيل السبعينيات"، ولم تكتمل دورة الكثرة منهم إلى يومنا، ومع هذا شهدت السبعينات الأولى انتباهات لهذه الموجة كتبها شعراء خمسين
يون وستينيون ويورد بعضها المؤلف ضمن سياق كتابه. والحق أن جيل الستينات شأنه شأن الأجيال السابقة واللاحقة، لم يحظ بنصيب من الدراسات مع أن بعض كتابه دخل عمر الشيخوخة، فإلى اليوم لم تظهر دراسة مستقلة عن أي واحد منهم، وكانت بعض الكتابات حول الستينات الشعرية جد مبتسرة، عدا الشهادات التي ساقها أبناء هذا الجيل عن أنفسهم وهي التي أثارت حفيظة شاكر لعيبي وصحبه سواء من شعراء الخارج أو الداخل.
وفي الظن أن الكتابة النقدية حول التجارب الشعرية تحتاج إلى فترة طوايلة لتكتمل عناصر التثبت من مكوناتها، وليصبح بمقدور الدارس أن يراها بعقل بارد لا تتحكم فيه اشتراطات التأثير العاطفي، أو تشوش أحكامه الانطباعات السريعة، ونتخيل أن شعر الرصافي والزهاوي والجواهري يحتاج اليوم إلى مراجعة وغربلة بعد أن ابتعد تأثيرهم كأيقونات شعرية وفشلت معظم الكتب التي صدرت حولهم في الخروج من وطأة هذا الانطباع المربك. ولعل الأحكام المتسرعة التي ساقها المؤلف عن أبناء جيله تعزز الرأي القائل بضرورة التأني والانتظار لفحص التجارب.
القضية الثانية التي يفرد لها الكتاب حيزاً مهماً، تدور حول العلاقة بين شعر المنفى وشعر الداخل، ممهداً لها بما جره الاحتراب الأيديولوجي على شعر اضطرت نخبته إلى هجرة العراق، وهو يرى أن شعراء السلطة تصدروا المشهد في ظل التعتيم الإعلامي على الأدب المكتوب في الخارج وفراغ الساحة الشعرية من فرسانها، في حين أهمل الشعراء الذين لم يكن بمقدورهم التأقلم مع ما تطلبه السلطة من شروط، وهو رأي تعززه الكثير من الوقائع وبينها الانطولوجيات التي ظهرت في العراق مهملة أسماء الكثير من كتاب الخارج، وملغية وجودهم من خارطة الثقافة العراقية. بيد أن مناقشة الأمر على محمول المفاضلة بين حدين فاصلين في خارطة الشعر يحتاج الكثير من التأمل والبحث، فالقول بأن شعر السبعينات في الخارج كان يملك وعياً متطوراً يفوق وعي شعر الداخل، يشبه ذاك القول الذي يؤكد أن شعراء الداخل كانوا أكثر التصاقاً وحباً لبلدهم من شعراء الخارج، على هذا بمقدورنا الحكم بأفضليتهم، وعندما يقول الشاعر شاكر لعيبي: "سيعلن المنفى قطيعة حقيقية إذن، ليس مع شعراء السلطة السعبينيين (وهذه نقطة جوهرية) فحسب ولكن مع الوعي الشعري المحلي المتقوقع على نفسه" سيحتاج إلى أدلة تقنع المراقب المحاي
د. صحيح أن أدباء الداخل عانوا الابتزاز والضغوط والتسلط، مثلما تعرضوا إلى إغراء الشهرة والجاه والمال، ودبج بعضهم قصائد المديح للقائد ومجّد الآخر الحرب والعنصرية، ولكن لم يكف الكثير منهم على اقتناص الفرص لتوسيع معارفهم عبر كل ما يصلهم بالخارج من موجات وجماليات جديدة، فقد شهد العراق حركة ترجمة خلال الثمانينات ربما لم يشهد مثلها في الزمن الماضي،
وكان بعض مثقفي الداخل على صلة بالفكر والثقافة العالمية بما يوازي فرص الذين غادروا بلدهم. ويشهد الكثير من الشعر الذي كتب في الخارج على محليته وإنشغالهم بهموم الغيتوات التي أقامها لنفسه سواء في المكان العربي أو المكان الأجنبي، ولم تظهر نتائج ما يسمى التثاقف بينه وبين الأماكن واللغات التي حل أصحابه بين ظهرانينا إلا في حدود جد ضيقة.
نحن نرى أن من المجحف بمكان أن تُفتح معارك على هذه الدرجة من التساهل مع الذات أو التعصب للجمع الذي يمثله الكاتب، كي نمعن في ذر الملح في الجرح العراقي الذي لا يحتاج إلى مزيد من المفاضلات والمباهاة على بعضنا، وما تحتاجه الثقافة العراقية اليوم مراجعة تنفي عنها الطابع الاستعلائي الذي يشكوه الكل ولا يتنازل عنه الكل.
المعركة الأخرى التي يوليها المؤلف أهمية في مملكة الشعر، هي الصراع بين الريف والمدينة، فهو يضع في عنوان فصله الأول إعلاناً لا نجد أثره في حيثيات المادة (بيان الحداثة الريفية)، غير أننا ندرك أن الفصل الثاني هو المقصود حين يقول: "يتوجب إعادة التذكير هنا أن رمزاً باهراً للجنوب المقيم في العاصمة بغداد، وجد في المدينة الشعبية المعروفة بالاسم الصارخ (الثورة) تجلياً ملموساً له". والمدن الشعرية التي تتقاسم هذه المعركة هي مدينة الثورة من جهة وكركوك وبغداد من جهة أخرى، ولأن مدينة الثورة هي امتداد لمساحات الفقر المهاجرة من الجنوب العراقي، فقد عانت الاستعلاء والاحجاف، في حين جرى تبجيل اسم كركوك كمنتجة للشعر الحديث كما يقول المؤلف. وفي مقارنة بين مدينة الثورة وكركوك، يقول لعيبي إن المدينتين تتوفران على تراكم من الفئات المتواضعة اقتصادياً والمتجاورة ودياً، الأمر الذي خلق خيالاً ريفياً سحرياً قادماً من أساطير وإرث الجماعات الاثنية واللغوية، ولكن الفارق يبرز كما يؤكد المؤلف، من كون التطور في كركوك قد شهد عنصر الاستقرار السياسي والمؤسساتي النسبي، في حين كان طابع الهجرة في مدينة الثورة قد حوَّل سكانها إلى منفيين: "إنه الفارق بي
ن الاستقرار والنفي الذي باسمه يراد غمط حق الشعر السبعيني وتشويه إبداعه نقدياً". غير أن هذه النبرة المتشكية تفضي بنا إلى تسجيل ليوميات الثقافة في مدينة الثورة ولعلها الأفضل في الكتاب، فهو يشرح الكيفية التي نشأت في ظلالها ثقافة السبعينات في هذه المدينة، المدارس والجامعات التي شهدت أول أماكن الارهاصات، وحركة الشباب في غدوهم ورواحهم، لقاءات المقاهي والبيوت والقراءات المشتركة، وفي منطويات تلك الأحداث، نطل على أيام الحصار السياسي بعد انفراط عقد الجبهة الوطنية بين البعث والشيوعيين، وبداية الملاحقات البوليسية والهرب من القمع، وسنكتشف أن الكثير من كتاب الداخل والخارج كانوا في الأصل من هذه المدينة. إن ذاكرة شاكر لعيبي المتوقدة تساعد القارئ على تقريب صورة الحياة الأدبية النابضة وفهم ملابساتها في مدينة مهملة ومنسية ولكنها دائماً تعلن احتجاجها. تغيرت "الثورة" الآن وتغير اسمها في عهد النظام السابق وفي ظل الاحتلال، ولكن مدينة مثل هذه، أشبه بمدن الصفيح في خواصر العواصم العالمية، تبقى مليئة بالتوقع ومثيرة للجدل، وهي بالحتم تؤثر سياسياً وثقافياً على العاصمة بغداد. من هنا تكتسب انتباهة شاكر لعيبي أهميتها، ولو استطاع صياغة حجته
بهذا الشأن من دون تلك المقارنات التي بدت وكأنها غير مجدية في تمهيدات قوله، لكان وقعها أفضل عند قارئه.
لم يكن الشعر العراقي حصراً على بغداد منذ نهضته الأولى، فتفوق النجف على العاصمة شعرياً كان إحدى مفاخر هذه المدينة، وما كان بمقدور الجواهري أن يبز الزهاوي والرصافي ويتمايز عنهما لو لم يقدم من بادية النجف بفصاحتها وصرامة تقاليدها اللغوية، في حين لم يكن للأصول الكردية التي تشكل خلفية الزهاوي والرصافي من أثر في شعرهما سلباً أو ايجاباً، قس على هذا الحال كل المراحل التي مر بها الشعر العراقي. التقييمات بين شعر الريف والمدينة، أو بين شعر العاصمة والمدن الأخرى ممكنة بحدود معينة، ولكن لم يشهد تاريخ الشعر أو الثقافة في العراق واقعة تدلل على تفضيل شاعر أو كاتب على آخر لأنه قدم من طبقة فقيرة أو غنية، أو من مدينة أو ريف، فسعدي يوسف انحدر من عائلة شبه معدمة، كذا سركون بولص والكثير من كتاب المرحلة الستينية، مثلما الحال في كل المراحل، فكيف لنا أن نركن إلى نتيجة تقوم على فرضية هي مجرد منابزات تقال في المقاهي وساعات الاسترخاء.
حماس شاكر لعيبي وروحه الشاب المتأجج يحتاجه الأدب العربي، ولكن العراقيين بهم حاجة إلى التقليل من حدة اختلافهم حول قضايا لا تشكل أولويات حاضرهم الأدبية، فتكفيهم "أم المعارك" على الجبهة السياسية التي لم ينته تأثيرها على الأدب إلى اليوم.

* صدر الكتاب عن دار المدى - دمشق.




 

بقية المواضيع

خفايا الصراعات بين الأجيال كما يسجلها شاكر لعيبي
اللغة ومشكلة المعنى
بناء الصورة الفنية في  نثر  حسين سرحان
تاج الدين الموسى القاص الساخر بامتياز
طَيَران فوق الشعر
هشام يانس.. مؤدي أدوار الشخصيات السياسية:هددت بالقتل بعد تقليدي لابن لادن..ومثلت شخصية الملك حسين بحضوره..
رؤية .. محمد عبده.. ماذا بعد النهر؟!!
المصور والتشكيلي عبدالمحسن الطوالة: أنا كسول وكاميرتي لا تجمل صوري!!
حورية عرفات تشارك نجوم الدراما الكويتية في مسلسل (الناس للناس)
الذاتي والموضوعي في العولمة  المعاصرة
في إصدار ضمن سلسلة كتاب "الرياض"القرشي يقرأ اللغة ونص الكتابة في مشهدنا السردي
فوضى الواقع الثقافي ونهاية العروبة
النملة يقرأ المشهدين العالمي والمحلي
المنحنى النفسي لثقافة الطفل
تغيير الثقافة باستخدام السياسة
شعراء من أرض السواد
1000نون
وزير الإعلام البحريني يفتتح معرض ملون السعودية التشكيلي
شماليل
جروح الخفايا
قراءة في أوراق شاعر : ابن دحيم شاعر العرضة والغزليات
"الكعبر" يحفظ لعشرات السنين و"البكيله" أفضل طرق إعداده
رسالة إلى الشريك الخفي
رواية (التل) لسهيل سامي نادر : أبعاد الواقع وأقنعة الخيال
ثلاثية "نحت على طين لزج"
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض