بحث | الأرشيف | إكتب لنا | الإعلانات

موقع الرياض: صفحتك الرئيسية - إضافة للمفضلة


Thursday 04 September 2003 No. 12858 Year 39

الخميس 07 رجب 1424العدد 12858 السنة 39

  رواية (التل) لسهيل سامي نادر : أبعاد الواقع وأقنعة الخيال

لندن - مكتب "الرياض":

سهيل سامي نادر ناقد تشكيلي وأديب من العراق، صدر له أول عمل روائي مطلع هذا العام أي قبل أشهر من بدء الحرب وسقوط النظام، عنوان هذا العمل (التل) وطبع في دار الشؤون الثقافية ببغداد.
نزعم أن هذه الرواية هي الأولى من نوعها في العراق، بل هي تختلف عن الكثير من الروايات العربية بحدود قراءاتنا، انها رواية استبطانية تتحدث عن تجارب ذاتية وتتابع حركة وعي المؤلف وتختبر قدراته على مسرحة أفكاره في مواقف درامية. بهذا المعنى نستطيع أن ننسبها إلى ما يمكن أن نسميه صياغة جديدة للطريقة التي عرفت ب (تيار الوعي)، فليس بمقدرونا القول إن مدركات الشخصية الرئيسية وأفكارها في هذه الرواية تُقدم على نحو عشوائي أو تلقائي كما الحال في روايات تيار الوعي، بل هناك تنظيم محدد يتحكم بمسار استشعارات المؤلف، وهذا التنظيم يشترط استجابات معينة ينبغي أن يقبل بها القارئ وإلا أضاع فهم مقاصد الراوي.
ينشغل النص طوال فصول الرواية بتعديل صورة الحياة كي يخضعها إلى معايير الفن والتخيل، فليس هناك من بيئة محلية ولا واقع متميز يشي بهوية محددة، فالحوادث تجري في عقل السارد وتمر من موشور رؤيته، فهو يراقب الخارج مثلما يراقب ذاته، ويختبر معارفها وحساسياتها ويقيس حدود احتكاكها بالشخصيات والأشياء. إنه يستخدم ذرائع مختلفة للحفر في المشاعر كي تتحول من أحاسيس وحدوس إلى افتراضات عقلية وأفكار وصور فنية. وقدر ما يتجول في عالم طليق يقيمه لنفسه، يبني المتاريس ويشيد الحواجز كي يُعرض عن التماس مع مواضيع الحياة المباشرة التي تشكل في النهاية مغزى الرواية وقيمتها الأساسية.
في عالم الكر والفر هذا يشعرنا المؤلف بمدى اقتراب كابوس الرعب العراقي من روح مادته، ومدى المهارة التي يملكها للتحايل عليه فنياً، فقدراته اللغوية والفكرية تحوّل مادته إلى ساحة للعب الأدبي: مراوغة الفكرة ونحتها والتحقق من غرضية احداثياتها وتاريخيتها.
هناك في الواقعة الحقيقية للسرد حكايتان: الأولى تجري في بيت السارد، وهو مُطلّق يعاني من تقدم العمر والوحشة، تزوره ابنته الطالبة في كلية الطب حيث يختبر بوجودها علاقته مع مطلقته، المرأة التي أحب نبل قلبها وعانى من فظاظة طبعها. هنا تكتسب الرواية صيغة استذكارية يُختبر فيها صبر البطل ودربته على إمساك الحلقة المفقودة في سوء التفاهم المقيم داخل العلاقات الإنسانية.
الحكاية الأخرى تتلبس وضعاً يمزج الواقع اليومي بالتاريخي بالغرائبي، فالراوي يرأس فريقاً من منقبي الآثار ويقصد تلاً صحراوياً للتنقيب عن كنوزه ولقاه. في هذا الحيز تحضر شخصيات منوعة: الأصدقاء، زملاء العمل، الشخصيات التاريخية التي يقتفي المنقبون آثرها، وقبل كل هؤلاء، هناك شخصية المكان التي تتباين وتتعدد صيغ تقديمه. يصبح هذا المكان جغرافيا سياسية، هي جغرافيا القمع حين تتناسل أزمنته محولة ألغازه إلى ساحة معركة للعقل في تنقيبه عن الأسئلة المحرجة، أسئلة الحاضر الذي يبقى مهوماً في زمن مطاردة الحقيقية الفالتة حث يبحث عنها ويخشى مواجهتها.
الترحال بين هذين العالمين، يحقق بنية رمزية للراوية قوامها التواصل بين لعبتي الحياة الداخلية والأخرى المضافة من عالم يحل فيها ولا يستبدلها. هناك هرب من عواصف وزلازل تجري على تل التنقيب الذي تحول إلى مجتمع موسع لا يعرف البطل سواه، فلا صداقات ولا أماكن غير هذا المكان الذي ينوب عن المجتمع ويصبح تورية له. كما أن هناك عالماً عائلياً صغيراً يتوحد مع العالم الأول عبر صوت الراوي أو أناه المتكلمة التي تبقى مسيطرة إلى النهاية. هو بهذا المعنى ليس الراوي العليم بكل شيء بل هو السارد المتشكك الذي ينّوع المشهد ولا يمسك فيه ساكناً، ينظر إلى هذا الانطباع ليدحضه، ويتوصل إلى فقرة في كتاب ليقارنها بمادة أخرى تنفيها، ويكتشف حقيقة وينكرها. إنه قلق ويهمه أن يتحول قلقه إلى مادة مرصودة: "تماهت مشكلتي بالتل، فكأني أردت الحفر في منطقتين متماثلتين من حيث العمق والاتجاه: حياتي والتل. لكن ليس هناك من عمق حقيقي في التلال كما في عمق رجل يبحث في نفسه وهو يهوي. وما العمق؟ ليست التلال عميقة، فأسفل نقطة نصل إليها هي ذاتها النقطة التي انطلقت منها، وهي امتداد المكان نفسه الذي نحيا فوقه ونتمر. عمقها خادع، لأنها تصعد ولا تنزل، ومساحتها تضيق كلما صعد
ت، وهي لا تصعد على الدوام، لكنها لا تنزل بل تقع في مكانها صريعة في اغتيال غام. هاهو التل كومة تراب فوق كومة تراب، حتى الخبايا الضائعة فيها تتبعثر وتختفي في حدود مكانه. إن عمر تلي اللعوب الذي جلست في واحدة من حفره أقل من عمري أنا. هل فاتني ذلك؟ والآن إذا ما طرحنا الزمن منه فلا يعدو غير انتفاء طبيعي تفسره حوادث التنقيب فيما بعد". بهذا المفهوم للزمان الذي لا يتحقق ينظر الراوي إلى التناظرات في كل الأزمنة التي تفلت منه، لأن الماضي يبقى متوالية لا تدرك، متاهة تضاف إلى متاهات الواقع. ما عليه والحالة هذه سوى التمعن في عروض أسد وإشاراته خلال الاتصال والحديث كما يقول، وهو يستعير هذه الفكرة من كتاب أ. أ. ح الذي يتخيل أنه اكتشفه في هذا المكان: "لم تعد الفكرة بيانية بل سلوكية، وإن ظلت تعبّر عن العرض اسدي دلّت كذلك على التظاهر والإدعاء، فالمرء في النصبة أي مسرحة أسد يتستر، يحتمي خلف موقف أعدّ له مسبقاً، خلف صوت أو صورة أو تظاهر. ودلالة تُشير إلى التمرد والاحتيال خفيف الظل وتمرير حذلقة أو حلية برأس غير فطن". كشوفات التل التي تؤدي إلى غرف هي اقرب إلى غرف السجون، تغدو استبدالاً لحاضر يتجنب السارد الإشارة إليه، ولكنه يشكل الما
دة الأولية التي تحرك تداعيات الوعي، فعملية ترحيل الخوف إلى المجهول الرابض في ماضي التل والامعان في التهرب منه، تغدو القيمة المشروعة للتخيل، فلابد أن تكون المشاهد مجرد تلفيق كي تؤكد صيغتها المالية وتنفي واقعيتها: "فما الذي لا نعرفه عن آثار الموت نحن نابشي القبور؟ آثار وليس موتاً، فما من أموات في القبور، بل آثار موت، قديمة مهترئة ولا تمثل دوراً. الأحياء وحدهم تستنزفهم مشاريعهم ويصارعون، يأكل بهم الغل والخوف فيصنون أدواراً. الموت لا يُرى، لا يوجد في القبور، بل يمشي على الأرض ظلاً للإنسان، هو من حصته أما في القبور فلا أحد في الحقيقة، هناك يضحى كل شيء من حصة الأشياء".
تعتمد هذه الراوية على مقاربة الإشكالية في موضوع المعرفة والخبرة الإنسانية، فالمؤلف لا يقدم شخصيات مكتملة مع أنه يصنع بانتباهات أخاذة صور أبطاله، كما أنه لا يضع في اعتباره مصائرها، بل هو يتجه إلى استقراء الأفكار في تنقلها من موقع إلى آخر. الدراما في مادته هي صراع المشاعر والظنون والأفكار المتجسدة في معارف مقحمة من الكتب والقراءات المنوعة للبطل، ولعل الإسراف في تأكيد ثقافة السارد وتشعب معارفه أضر الرواية في بعض المواقع وخاصة خاتمتها التي بدت على تصنع حين يقرأ البطل شعراً لريلكة وهو يتخيل دخوله وصحبه زريبة الحيوانات ليحتموا من الأمطار والرعود. تلك إشكالية من إشكاليات المثقف الذي حل ضيفاً متأخراً على الرواية، ولكنها لا تقلل من قيمة العمل من حيث قدرته على تجنب الحضور المسرف لأنا الثقافية، فمع أن موضوع المعرفة وانكارها أهم مواضيع النص، بيد أن المؤلف يعتمد على فطنة القلب وذكاء الوجدان والعاطفة الرشيقة التي تشكل شيفرات الاتصال بين الشخصيات، وهي أهم عناصر المتعة في الرواية.
رواية سهيل سامي نادر (التل) كتبت تحت وطأة الإحساس بالخوف وانعدام الأمان، وهذا ماتشي به في الكثير من المواقع، غير انها تغلّبت عليهما باللعب على أقنعة الفن لتفلت من أعين الرقيب، حتى وهي تحفظ حركاته لتعيد مسرحتها في رحاب مخيلة طليقة.`




 

بقية المواضيع

خفايا الصراعات بين الأجيال كما يسجلها شاكر لعيبي
اللغة ومشكلة المعنى
بناء الصورة الفنية في  نثر  حسين سرحان
تاج الدين الموسى القاص الساخر بامتياز
طَيَران فوق الشعر
هشام يانس.. مؤدي أدوار الشخصيات السياسية:هددت بالقتل بعد تقليدي لابن لادن..ومثلت شخصية الملك حسين بحضوره..
رؤية .. محمد عبده.. ماذا بعد النهر؟!!
المصور والتشكيلي عبدالمحسن الطوالة: أنا كسول وكاميرتي لا تجمل صوري!!
حورية عرفات تشارك نجوم الدراما الكويتية في مسلسل (الناس للناس)
الذاتي والموضوعي في العولمة  المعاصرة
في إصدار ضمن سلسلة كتاب "الرياض"القرشي يقرأ اللغة ونص الكتابة في مشهدنا السردي
فوضى الواقع الثقافي ونهاية العروبة
النملة يقرأ المشهدين العالمي والمحلي
المنحنى النفسي لثقافة الطفل
تغيير الثقافة باستخدام السياسة
شعراء من أرض السواد
1000نون
وزير الإعلام البحريني يفتتح معرض ملون السعودية التشكيلي
شماليل
جروح الخفايا
قراءة في أوراق شاعر : ابن دحيم شاعر العرضة والغزليات
"الكعبر" يحفظ لعشرات السنين و"البكيله" أفضل طرق إعداده
رسالة إلى الشريك الخفي
رواية (التل) لسهيل سامي نادر : أبعاد الواقع وأقنعة الخيال
ثلاثية "نحت على طين لزج"
 
 

 

 

[ عناوين الرياض اليوم | وظائف شاغرة | احداث العالم | السعودية اليوم | لقاء | عيادة الرياض | ثقافة وفنون | منوعات | الكاركاتير | الرأي للجميع | مسابقات الرياض ]

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة اليمامة الصحفية 2003
تصميم وتطوير وتنفيذ جريدة الرياض، إدارة الإنترنت
الرجاء ارسال أي ملاحظات على العنوان التالي:
webmaster@Alriyadh-np.com

الرياض الرئيسي

عناوين الرياض اليوم

وظائف شاغرة

احداث العالم

السعودية اليوم

لقاء

عيادة الرياض

ثقافة وفنون

منوعات

الكاركاتير

الرأي للجميع

مسابقات الرياض

الرياض الإقتصادي

دنيا الرياضة

الرياض @ نت

مقالات اليوم

إنضم إلى قوائم
الرياض